مجلّة "حوّاء" 19 / 1 / 2004  
 

مرة أخرى نقول

الحجاب ليس فريضة

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ جمال البنا ــــ

 

أثار مشروع القانون الفرنسى بمنع ارتداء الحجاب للمسلمات وحمل الصلبان للمسيحيات. ولبس الطاقية لليهوديات فى المدارس زوبعة من الاحتجاجات وسارت المظاهرات فى مختلف عواصم العالم. كما أصدرت الهيئات الدينية على اختلافها فتاوى تؤكد فبها أن الحجاب فريضة دينية فلم يكن هناك خلاف على هذه القصة وإنما ثار الخلاف فى هل يكون على المسلمة أن تأخذ حكم المضطرة فترفع حجابها نزولاً على حكم الدولة التى تعيش فيها؟ وهو ما ذهب إليه شيخ الأزهر، وكان سبباً فى سخط الكثيرين..

نقول لهؤلاء الذين "أجمعوا" على أن الحجاب فريضة.. على أى أساس أجمعتم هذا الحكم أيها السادة..

الرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول "الحلال ما أحل الله فى كتابه. والحرام ما حرمه فى كتابه وما سكت عنه فهو عفو، فما قبلوا من الله عافيته" وهذا الحديث مكرر بروايات أخرى، فضلاً عن أحاديث عديدة تسانده..

فالحكم الحقيقى هو القرآن..

واستخلاص حكم من القرآن يقتضى وجود نص صريح لا يقبل تأويلاً لأنه إذا قبل التأويل دخل الاحتمال وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال، أو على الأقل تبادلت الآراء..

وإنى أرجو الذين اعتبروا الحجاب فريضة أن يدلونى على حكم فى القرآن صريح لا يقبل تأويلاً بالحجاب.

فى القرآن نص ]وليضربن بخمرهن على جيوبهن[ {31 النور}.. وهذا نص صريح لا يقبل تأويلاً وهو يقضى بحجب فتحة الصدر..

ولكنه لا يقتضى ستر الشعر، ولا الوجه، ولا الكفين ولا الساقين..

وهناك نص ]وليدنين عليهم من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين[ {59 الأحزاب}

وقد اختلف الفقهاء والمفسرون فى تفسير كلمة "يدنين" فرأى بن عباس أن المقصود بها أن يسدل الخمار على الوجه حتى لا يكشف إلا عينا واحدة "وفى بعض الروايات العين اليسرى"!.

بينما ذهب الشيخ الشعراوى إلى أن تعبير يدنين يشير إلى أن يطول الثوب حتى يغطى الكعبين..

وكلمة "يدنين" لا تعنى نصاً صريحاً، ولهذا قبلت التأويل وذهب التأويل مذاهب شتى متعارضة..

وقال القرآن ]ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها[{31 النور}.. ومرة أخرى فإن النص هو أولاً على "الزينة" ثم هو يقدم تعبيراً يحتمل التأويل ولهذا اختلفت التأويلات.

وتثبت الآيات الحكمة فى هذا الإدناء، وعدم إظهار الزينة "إلا ما ظهر منها" هى ]ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين[.

واليوم أصبح الحجاب والنقاب الخ... أدعى لأن يؤذى من تحمله فى بلاد أوروبا، فهل تدخل معركة تتحمل كل الإيذاء للإبقاء على شىء.. أريد به دفع الإيذاء ؟؟؟

وهناك تعليق فقهى علىالآية تقدم به الشيخ عبد المتعال الصعيدى فى كتابه "فى ميدان الاجتهاد ص45 تعليقا على الآية  ]يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[. إذ قال وإنى أرى أن لا دلالة فى هذه الآية على وجوب ذلك النقاب لأن الصيغة "يا أيها النبى قل"  لا تدل على الوجوب لأن الأمر بشىء لا يدل على وجوب هذا الشىء كما هو مذهب جمهور علماء الأصول، ولأن قوله ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" مما يدل على أن ذلك لا يدفع الفساد حتما، وإنما هو أدنى إلى دفعه ومثل هذا يكون مندوبا لا واجبا.

واستعراض كل ما جاء فى القرآن الكريم عن المرأة يوضح أن الحجاب لم يرد إلا بالنسبة لزوجات الرسول وأن هذا الحجاب ليس زياً ولكنه ستار يحول دون الدخول دون استئذان، وهو الأمر الذى يفترض لأقل الناس فضلاً عن زوجات الرسول.

وليس فيما عرضنا من آيات تحديداً صريحاً ومباشراً لزى وإن كان هناك مثل هذا فهو بالنسبة لتغطية فتحة الصدر فى أثواب النساء أما بقية التوجيهات والأوامر فقد صيغت فى عبارة عامة، مرنة، تعطى المعنى ولكنها لا تحدد الشكل تفصلياً.

والآية الوحيدة التى جاء فيها ذكر كلمة "حجاب" فى القرآن بالنسبة للمرأة كان خاصاً بنساء النبى ونزلت لظرف خاص. وعُنى القرآن بأن يبرز أن نساء النبى ]لستن كأحد من النساء[ وهذا أمر له شواهده فهن لا يتزوجن بعد وفاه الرسول، كما لا يتزوج الرسول عليهن. ويضاعف لها العقاب على السوءات والثواب على الحسنات الخ...

فبأى منطق يطبق على نساء المسلمين.. الملايين فى كل قطر حكم جاء خاصاً بنساء الرسول ونزل لمناسبة خاصة..

لا يوجد أذن فى القرآن الكريم نص صريح لا يقبل تأويلاً على الحجاب. ولكن هناك نصوص على الحشمة، وعدم التبرج والتبذل – وهذا لا يقتضى – بداهة – حجاب..

ولا يعد ذكر القرآن لكلمة "خمارهن" أمراً بوضع خمار لأن الخمار كان هو غطاء الرأس الذى تضعه المرأة الجاهلية ليقى رأسها من الشمس والحر والتراب الخ... كما كان الرجال يضعون العمائم للغرض نفسه، وقد جاء فى بعض أبواب الفقه "المسح على العمامة" فهل يعتبر ذكر الرسول للعمامة هنا أمراً للمسلمين بأن يضعوا العمائم..

وكيف يأمر القرآن بالخمار، وقد كان الخمار موجوداً فى الجاهلية قبل الإسلام..

وكيف يأمر القرآن بالحجاب وقد كان مقرراً فى شريعة حمورابى من ثلاثة ألاف سنة قبل الإسلام وطبقته أثينا وبيزنطة..

إن القرآن لا يتدخل ولا يحدد الزى وقد وجد المرأة الجاهلية تضع خماراً على رأسها ولكنها تدليه على ظهرها. وفى الوقت نفسه تكشف عن فتحة الصدر حتى جذور الأثداء. فأمرها بأن تحجب بخمارها فتحة الثوب عند الصدر.

تقولون الأحاديث..

وأنا أقول لكم أنه ما من حديث عن المرأة إلا وبه عله ما.. أقول هذا عن ثقة ودراسة.

فضلاً عن أن السُنة لا تستقل بتحريم ولا تحليل كما نصت على ذلك فتوى الأزهر عندما سئل "هل من أنكر استقلال السُنة بإثبات الإيجاب والتحريم يكون كافراً" فجاءت الفتوى أن من أنكر استقلال السُنة بإثبات الإيجاب والتحريم منكر لشىء اختلف فيه الأئمة وجاء بعد كلام كثير "ومما سبق يتضح إن الإيجاب والتحريم لا يثبتان إلا باليقين القطعى الثبوت والدلالة، وهذا بالنسبة للسُنة لا يتحقق إلا بالأحاديث المتواترة، وحيث أنها تكاد تكون غير معلومة لعدم اتفاق العلماء عليها فإن السُنة لا تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم إلا أن تكون فعليه أو تضاف إلى القرآن الكريم. وعلى هذا فمن أنكر استقلال السُنة بإثبات الإيجاب والتحريم فهو منكر لشىء اختلف فيه الأئمة ولا يعد مما علم من الدين بالضرورة فلا يعد كافراً".

حضرات الأئمة الأعلام...

]اتقوا الله ولا تقولوا على الله ما لا تعلمون[.

]اتقوا الله ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام[{116 النحل}..

إن لكم أن تقولوا إن القرآن ينهى من التبرج، والخلاعة، والتبذل.. ولكن ليس أنه يفرض الحجاب..

ولا نريد أن نتطرق إلى اعتبارات موضوعية عن مدى أهمية هذه الدعوى ومدى أولوياتها فى السياق الحثيث ما بين دول العالم نحو العلم والمعرفة والقوة.. وأن تقديم الأدنى على الأعلى وشغل الأمة بالقضايا الجزئية والفرعية عن القضايا الكلية والرئيسية الخ... لأن هذا قد لا يظفر منكم بأهمية تذكر..

وعلى كل حال فموقفكم هذا ليس جديداً. إنها "شنشنة نعرفها من أخزم" وقد وقفتم ضد تعليم المرأة. وضد عمل العمل. وضد ممارسة المرأة للنشاط السياسى.. ثم تراجعتم لا إيمانا أو أحتسابا ولكن تحت صورة الضرورة وأن التطور أثبت أن كلامكم القديم لا قيمه له.. وأنه من الزبد الذى يذهب جفاءً.. وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض..

   
 

5