مجلة "البلد" بيروت، 6 /6 /2004

 
 

 

ماذا لو ولى الإسلاميون الحكم

     ــــــــــــــــــــــ جمال البنا ـــــــــ

لم يعد خافيا أن هاجساً، أو قل شبحا، يقلق مضاجع السياسيين فى أوروبا وأمريكا هو (ماذا يحدث لو استطاع الإسلاميون أن يلوا الحكم فى مصر مثلاً أو سوريا أو الأردن) وهذه الدولة هى من دول الطوق الملاصقة لإسرائيل، ومشاعر الإسلاميين تجاه الإسرائيليين.. الحليفة الإستراتيجية لأمريكا والابنة المدللة، أو القوة المؤثرة فيها.. معادية أشد العداوة، فهل سيعملون على تغيير السياسة التى إقامتها الولايات المتحدة وظلت حارسة لها طوال نصف قرن على الأقل..

وهل سيعمل الإسلاميون على تغيير طبيعة المجتمع كما فعلوا فى إيران عندما حولوا إيران من دولة "علمانية" متحررة إلى دولة إسلامية محافظة، فيقيمون الحدود ويرجمون الزانى ويحرمون العرى، وهذا وذاك من مقدسات المجتمع الأمريكى التى يعمل لنشرها عبر العولمة...

ليس خافياً أيضاً أن بعض حكام الدول العربية استغلوا هذا الخوف، فأكدوا لأمريكا أنهم لو حققوا الديمقراطية وأقلعوا عن انتخابات 9ر99% المعروفة لاكتسح "الإخوان" وغيرهم من الإسلاميين قوائم الانتخابات ولدخلوا المجلس.. ولحققوا فيه سياساتهم التى يؤمنون أنها جزء من الدين ولألغوا معاهدة كامب دافيد ومثيلاتها وأججوا العداوة لإسرائيل..

لعل هذا الهاجس هو أحد أسرار تذبذب السياسة الأمريكية تجاه بعض الحكام العرب الذين يحكمون بلادهم بأحكام الطوارئ والاستئثار بالسلطة والمعتقلات فالولايات المتحدة تضيق – إن حقا وإن إدعاءً بهذه الأساليب وتطالب جهرا، وتكراراً بالأخذ بالديمقراطية بما فى ذلك حرية تكوين الأحزاب وحرية المعارضة فى مناقشة الميزانية وسحب الثقة من الوزارة والقضاء على كل القوانين سيئة السمعة، ولكن الولايات المتحدة ما أن يتراءى لها شبح الإسلاميين حتى تتراجع – عمليا وأن لم يكن ظاهريا، فهى تستمر فى دعاواها حتى تطهر سمعتها، دون أن يصير هذا الاتفاق السرى المضمر ما بينها وبين الحكام من أنه لدواعى الاستهلاك الدولى – دون أن يترتب عليه مقاومة حقيقية لهم.. وهذا هو ما يحل لنا اللغز ما بين دعم الولايات المتحدة للنظم الحاكمة فى الدول العربية وصيحات المطالبة بالديمقراطية المتكررة منها..

لو عقلت الولايات المتحدة – وأنى لها أن تعقل وعلى رأسها رعاة البقر – لعلمت أن كل ما يؤكده لها الحكام عن مخاوف من الإسلاميين لا أساس له من الصحة للأسباب الآتية..

أولا : أن الإسلاميين تعلموا الدرس، ولابد من أن يتعلموه حتى لو كانوا أغبياء لأن "التكرار يعلم الحمار" وقد تكررت الدروس بدءً من طالبان حتى السودان وما بين ذلك ما تتعرض له إيران من أزمة داخلية ما بين ولاية الفقيه وولاية الجمهور". ومن هنا فإذا ولوا الحكم فلابد أن يضعوا نصب أعينهم هذه الدروس وتجاربها الفاشلة..

وليس أدل على هذا من مبادرة الإخوان المسلمين الأخيرة (فى شهر مايو 2004)  بعد إعلان سابق فى 1994 عن قبول التعددية وتحرير المرأة وحقها فى العمل والمناصب والمساهمة فى النشاط السياسى مما يوضح أن الأفكار القديمة أصبحت فى ذمة الماضى، وأن تعديلاً كبيراً حدث فى فهمها للأمور ولممارسة القضايا العامة، ولا يقال أن هذا تكلف أو إدعاءً لأن كل الهيئات إنما تحاسب على بياناتها الرسمية، وإلا لجاز هذا على كل الهيئات..

ثانيا : أن الإسلاميين حتى لو كانوا أقوياء من الصعب أن يفوزوا عن طريق صندوق الانتخاب بمجموع من الأصوات يكفل لهم تحقيق الأغلبية الكاسحة بحيث يمكن أن يحكموا دون معارضة أو بمعارضة ضعيفة. هذا غير عملى وأغلب الظن أنهم سيظفرون بنسبة من الأصوات أكثر من غيرهم، ولكنها لا تستطيع أن تشكل وزارة منهم، وسيكون عليهم الائتلاف مع أقرب المعارضين إليهم لتكوين وزارة ائتلافية هى وزارة الأخوة الأعداء، وستكون – على أقل تقدير – بمثابة فرملة قوية بحيث لا يمكن أن تحقق هذه الوزارة أى تجاوز.

ثالثا : أن الرأى العام فى كثير من الدول الإسلامية قد تغير، خاصة فى قضية الحكم بصورة جعلته يتقبل كتابنا باسم "الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة" ويظفر بالنفور ويكون دون غيره هو ما طلب بعض الناشرين فى بيروت نشره.. وبالتالى فإنه لن يتقبل فكرة الدولة "الثيولوجية" التى يخوف الحكام بها الولايات المتحدة.

رابعا : أن الولايات المتحدة لابد أن تعلم أن مطالبتها المعلنة بالديمقراطية ومساندتها المضمرة للحكام الذين يرفضون الديمقراطية لابد وأنها ستنكشف وستسىء إلى الولايات المتحدة وتفقدها ثقة العالم وأعتقد أن الولايات المتحدة قد جلبت على نفسها متاعب لانفرادها بالقرار فى العراق، ولما تورطت فيه من ممارسات خاصة التعذيب فى سجن أبو غريب، ولم يعد بوسعها فتح صفحة جديدة من المعايير المزدوجة المتعارضة التى تقوم عليها سياستها فى الشرق الأوسط – وهى بصدد دعم مشروع "الشرق الأوسط الكبير"..

لهذه الأسباب من الخير للولايات المتحدة أن لا تصدق ما يقال عن خطورة توليه الإسلاميين الحكم، بل لو كانت حكيمة لدعمت هذا، لأن ما يتمخص عنه إما أن تكرر هذه الفئات خطأها فى أفغانستان والسودان. وعندئذ يمكن للولايات المتحدة أن تقاومها وأن تشهد العالم الدولى عليها، وإما أن تتعلم الدرس فنسلك كما سلك حزب العدالة والتنمية فى تركيا. وهى سياسة تتقبلها الولايات المتحدة..

وفى الوقت نفسه فإنها ستنقذ نفسها من مسئولية مساندة النظم المستبدة.. فى الوقت الذى تدعو فيه إلى الديمقراطية..

   
 

5