| مجلّة "القاهرة" 1 / 4 / 2003 | |||
|
ــــــــــــــــــــــ جمال البنا ـــــــــ صور المظاهرات التى لا تنقطع، والتى تخرج علينا كل يوم من كل دول العالم (باستثناء دولة واحدة هى إسرائيل) فى أوربا وآسيا، وحتى استراليا وأمريكا وكندا تندد بالحرب على العراق. ويشترك فيها عدد قدر بخمسين مليونا من كل الأجناس ومن كل الأعمار يهتفون بكل اللغات بسقوط الحرب. ويشتبك أفرادها مع البوليس الذى يطلق عليهم المياه ويعمل فيهم الهراوات ويعتقل منهم المئات.. دون أن يهنوا أو يتوقفوا، ووصلت من القوة حركت المياه الآسنة فى الشرق. والمشاعر المتبلدة واللوائح الصلده فخرجت الجماهير. وأصبح يوم الجمعة والمظاهرات التى تعقب الصلاة وتتجمع من مختلف المساجد صداعاً لرجال الأمن ووزراء الداخلية. هذه الظاهرة ألا تستحق الاهتمام؟. وهل هى ظاهرة عابرة أم هى دلالة على ما يعتور نظام العالم من خلل؟. وهلاً يمكن أن تستثمر بطريقة ما بحيث لا تكون مجرد هبَّات تشتعل عند اجتماعات صندوق النقد الدولى أو منتدى دافوس، أو الحرب على العراق، أو مختلف المناسبات؟.. هلا يمكن أن يأتى يوم ما تنظم فيه جماهير وشعوب العالم – وليس دوله أو حكوماته – فى أممية .. لم يكن ممكنا مجرد تصور ذلك فى العهود القديمة لأن الجماهير كانت الشعوب مسحوقة، جاهلة، مشغولة بلقمة العيش وتتخبط فى الظلمات. كان يمكن لبعض الدول أن تأمل شيئاً كهذا، وساور الإسكندر المقدونى أمل أن يوحد العالم وقطع فى هذا شوطاً، ولكنه تحلل بعد موته، ولم يبق شاهداً عليه إلا عشرات المدن التى تحمل اسمه. وهذه أيضاً لم يبق فيها الكثير باستثناء إسكندرية مصر التى ظلت قرونا طويلة ترفع عاليا مشعل الحضارة الهيلينية وتحمل اسم الاسكندر. وحاولت الإمبراطورية الرومانية أن توحد العالم، ولكن هذه الوحدة التى حملت فى الكتابات الأوربية اسم السلام الرومانى كانت فى حقيقة الحال "الهيمنة الرومانية التى فرضها السيف الرومانى القصير العريض، والتنظيم العسكرى الذى برعت فيه روما. ومن ثم لم تكن الوحدة وحدة أنداد وأكفاء، وإنما كانت وحدة سيطرة روما على بقية دول العالم. وأخذت الأممية صورة أخرى بفضل المسيحية والإسلام ولكنها بالطبع لم تكن أممية مفتوحة للجميع، لقد كانت أممية للعالم المسيحى آونة، وأممية للعالم الإسلامى، وفى كل أممية من هذه كان يمكن للمسيحى أو المسلم أن ينطلق ويسير بلا حواجز وكان يمكن أن تتلاقى هيئات كنيسية أو إسلامية ولعل موسم الحج الإسلامى أن يكون أكبر تمثيل لأممية إسلامية .. لم تتهيأ الوصية العريضة للجماهير لأن تحقق أملها فى تكوين أممية إلا مع مشارف العهد الحديث. بعد أن ظهرت الطبقة العاملة فى معظم الدول – الأوربية أولاً، ثم بقية دول العالم بعدها وعندما وجدت ظروف المجتمع الرأسمالى واستغلاله مشاعر العمال وظهر لها أن الطبيعة الدولية للرأسمالية تتطلب تنظيماً دوليا عماليا.. وبهذا لم تتهيأ الظروف فحسب بل أن الملابسات فرضت وجودها حتى يمكن مجابهة الرأسمالية. وهكذا استطاع العمال أخيراً باعتبارهم الطبقة الأكثر وعيا واتحاداً وتنظيماً بين الجماهير والشعوب أن يكونوا هيئات لا تتدخل فيها حكومات، ولا تشترك فيها دول. وإنما يقتصر على الهيئات الجماهيرية فحسب. وتاريخ الأميات (التى تطلق عليها بعض الكتابات ولا سيما فى مصر الدوليات) معروف لدى دارسى الحركات العمالية ولكنه مجهول لدى عامة الناس. تكونت الأممية الأولى بعد جهود سبقتها لمناسبة الزيارة التى قام بها عام 1862 ثلاثمائة عامل فرنسى لمشاهدة معرض الصناعات الذى أقامته بريطانيا شاهداً على تقدمها وسبقها للعالم واحتفل بهم عمال بريطانيا وفى الوقت نفسه كان هناك مناشدات من عمال بولندا لإخوانهم فى مختلف الدول للتدخل ضد قهر روسيا والنمسا اللتان كانتا تتقاسما الحكم فيها. فدارت حوارات حول تكوين هيئة عمالية تضم العمال وقام بالاتصالات اللازمة عمال النقابات البريطانية. وفى 28 سبتمبر سنة 1864 عقد الاجتماع التأسيسى للأممية الأولى فى لندن ورأسه الأستاذ بيزلى وهو أستاذ جامعى من المتعاطفين مع الحركة العمالية وعين الاجتماع لجنة مؤقتة ضمت 21 بريطانيا و10 ألمانيين و9 فرنسيين و6 إيطاليين و2 من بولندا و2 من سويسرا. وبعد فترة التحضيرات الأولى ظهر ماركس فى الميدان. وتقلد زمام العمل وأعد مقدمة ولائحة الأممية. وعقد المؤتمر الأول لها فى جنيف فى سبتمبر سنة 1866 واشترك فيه 60 مندوبا يمثلون 25 فرعاً تقريباً. ومنح ماركس الأممية الكثير من وقته واهتمامه وكتب لإنجلز سنة 1867 "عندما يحين وقت الثورة الثانية، التى ربما يكون أقرب مما يبدو، ستصبح هذه الآلة القوية فى أيدينا (أى أنا وأنت) وعندئذٍ نعتبر أنفسنا راضين إلى حد الكفاية". ولكن هذا الأمل لم يتحقق، فقد وضعت الظروف فى مواجهة شخصية عنيدة تعارض أفكاره. هو الروسى كروبتكين الذى كان يمثل تياراً "فوضوياً" أى لا يؤمن بأى نوع من أنواع الحكومات واجتذب عدداً كبيراً من مناصريه ونتيجة لهذا النزاع الأيدلوجى، وبعوامل أخرى لا يتسع المجال للحديث عنها تمزقت الأممية بحيث ارتوى سنة 1871 أن تنفى إلى مكان سحيق، ولم يكن هذا المكان إلا أمريكا، حيث ماتت فى هدوء .. وظهرت الأممية الأولى الثانية (1886 – 1919) التى اتخذت من الاحتفال بمرور مائة عام على الثورة الفرنسية مناسبة لتكوينها وكانت هذه الأممية أكبر حجماً وأكثر تنظيماً من الأممية الأولى، كما اشتركت فيها الأحزاب الاشتراكية وكان مركزها باريس وحددت الأممية يوم أول مايو سنة 1890 ليكون مناسبة لكى تتظاهر كل النقابات فى مختلف الدول للمطالبة بجعل يوم العمل ثمان ساعات. وهذا هو الأصل فى الاحتفال بيوم أول مايو كيوم العمال ... ولكن نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1919 كان إلى حد ما قضاء على الأممية تلك الأممية الثانية التى شاهدت مؤتمراتها كل "الرؤوس الكبيرة" للاشتراكية: جوريس الفرنسى صاحب جريدة "الإنسانية" لومانتيه، كير هاردى أول نائب يدخل مجلس العموم من عمال الفحم، وأول رئيس لحزب العمال، بيبل وليبنخت زميلا ماركس الألمانيين، ومؤسسا الحزب الاشتراكى الديمقراطى الألمانى وبليخانوف الروسى، أستاذ لينين وأول من ترجم الماركسية إلى الروسية وكان معهم كاوتسكى "بابا الاشتراكية" وتوراتى زعيم الحزب الاشتراكى الإيطالى وجوهر زعيم عمال فرنسا وفردريك أولز زعيم الاشتراكيين فى النمسا وليجين رئيس نقابات ألمانيا الخ ... عندما انتهت الحرب، كان لينين قد استطاع الهيمنة على روسيا وأراد تكوين أممية جديدة، بدلاً من أن تواصل الأممية الثانية حياتها، وكان السر فى ذلك أنه أرادها "بلشفية" وليست نقابة أو اشتراكية. وهكذا وضع أصول أممية يكون مركزها موسكو. وفى كتابنا عن الحركة العمالية الدولية "وصفنا المؤتمر الأول "كان معظم المندوبين الخمسة والثلاثين والضيوف الخمسة عشر من الذين التقطتهم اللجنة البلشفية المركزية من المجموعات الشيوعية ى الشعوب الصغيرة التى تتبع الإمبراطورية الروسية مثل لتوانيا – استونيا – لاتفيا – فنلندا.. كما كان آخرون من أسرى الحرب أو الراديكاليين الأجانب الذين توافق وجودهم فى روسيا هذا الوقت. ومثلت هولندا ورابطة الدعاية الاشتراكية فى أمريكا (التى كانت تشكل أساسا من المهاجرين السلافيين) وكذلك الشيوعيون اليابانيون جميعا بمهندس هولندى – أمريكى، يدعى رتجرز كان قد امضى بضعة شهور فى اليابان. ومثلت إنجلترا بروسى مهاجر يدعى فينبرج كان يخدم فى وزارة الخارجية السوفيتية. ومثلت المجر بسجين عسكرى هرب بعد ذلك بمبلغ كبير من المال.. واقترح أن يكون جاك سادوال الفرنسى الذى كان قد حضر خلال الحرب مع البعثة العسكرية الفرنسية. وارتبط بعد ذلك بلينين ممثلاً لفرنسا ولكن أمكن التوصل إلى مندوب آخر إذ عندما علم أن جيلبو المحرر الفرنسى المعادى للحرب فى طريقة إلى روسيا فأرسل قطار خاص لإحضاره من الحدود على وجه السرعة ليعطى صوته باسم فرنسا. إذ أعطى باعتباره ممثلاً للجناح اليسارى الفرنسى المزعوم خمسة أصوات. والحقيقة أن المندوب الوحيد الذى أوفد طبقاً للأصول ومن خارج الفلك الروسى كان هوجو أبرلين مندوب الشيوعيين الألمان (سبارتاكوس) والذى أرسلته روزا لوكسمبرج بتعليمات متشددة بمعارضة إنشاء الأممية إذ إنهم كانوا يرون أنه لا مجال لإنشاء أممية فى الوقت الذى لا يوجد فيه أحزاب شيوعية أصيلة .. بل أعجب من ذلك أن مدام بالابانوفا الإيطالية الأصل كانت معارضة لكل هذه الترتيبات ومع هذا اختيرت كأول أمينة عامة للأممية. على أنه إذا كان المؤتمر الأول مفبرك تماماً، وعلى وجه السرعة فإن المؤتمر الثانى قد أعد بدقه، وانفق عليه من أموال الاتحاد السوفيتى ووضعت فيه النقط الواحدة والعشرون المشهورة التى كانت تجعل الأعضاء أسرى الاتحاد السوفيتى قلباً وقالباً ويجعل كل واحد منهم جاسوساً للاتحاد السوفيتى على بلده. بحيث أصبحت "الكومنترون" كما أطلق عليها محل شك كل الوطنيين. ولهذا فعندما نشبت الحرب العالمية الثانية، واشترك الاتحاد السوفيتى فيها جنبا إلى جنب الحلفاء، كان من المطالب الأولى لهم أن يحل الاتحاد السوفيتى "الكومنترن"، واستجاب الاتحاد السوفيتى وحل الكومنترن وأقام محله مكتبا للمعلومات باسم "الكومنفورم". بهذا طويت صفحة الأمميات ... لم تخل صفحة الأمميات من وجوه نقص كبيرة ولكنها مع هذا كانت أول تجربة لتكوين هيئة أممية لا تعتمد على الحكومات، ولكن على الشعوب والجماهير والهيئات الشعبية من نقابات أو أحزاب وقد فشلت لعوامل طارئة عليها فإن أبرزها تدخل النفوذ الماركسى الذى بدأه ماركسى فى الأممية الأولى وختمه لينين فى الأممية الثالثة. وعندما تهاوت الأمميات ظهرت "الدوليات" أى الهيئات التى تضم الدول – لا الشعوب – وكانت أولاها "عصبة الأمم" وهو موضوع الحلقة الثانية.
اتسمت الحقبة التى سبقت الحرب العالمية الأولى 14 - 19 فى أوربا بما أطلق عليه، القلق أو الاضطراب الصناعى. إذ شاهدت نمو منظمات نقابية كبيرة فى بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة استطاعت مقاومة الاستغلال الرأسمالى مقاومة شديدة وتدخل معه فى معارك طاحنة كانت أشبه بالمعارك العسكرية فى بعض الحالات. وظهر فى الولايات المتحدة "عمال العالم الصناعيون" التى ضمت مئات الألوف من العمال وآمنت بالحرب الطبقية، كما ظهرت فى فرنسا "السينديكالية" التى كانت تريد إحلال حكومة النقابات محل الأحزاب السياسية وبصفة عامة كان الاضطراب العمالى يهدد السلام الداخلى ... واشتعلت الحرب نتيجة لتآمرات الدول الاستعمارية وخوف بريطانيا من ألمانيا التى استطاعت أن تنافسها فى صناعات الفحم والحديد والنقل البحرى التى كان لبريطانيا الصدارة فيها. وتقطب العالم ما بين "الخلفاء" وكان يضم بريطانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا والمحور ويضم ألمانيا والنمسا وتركيا ودخلت فى السنة الثانية للحرب الولايات المتحدة عندما دمرت الغواصات الألمانية السفينة الأمريكية "لويزيانا" وأغرقت ركابها الأمريكيين. فضلاً عن أسباب عديدة أخرى كان منها النفوذ الصهيونى الذى توصل إلى "جر" رحل أمريكا فى الحرب فى صف بريطانيا التى كانت تضع مسودة إعلان بلفور. ولكن الرئيس ولسن – رئيس الولايات المتحدة، ولعله الرئيس الأمريكى الوحيد "الجامعى" إذ كان عميداً لإحدى أعرق الجامعات الأمريكية وهى جامعة يرنستون وأشتهر لبحوثه الدستورية ونزعاته الإنسانية اشترط لدخول الحرب، وما يعنيه هذا من نصر الخلفاء أن يعقب الانتصار تسويه تتضمن قيام "عصبة الأمم" التى تعمل لحل الخلافات السياسية بين الدول حتى لا تضطر للواذ بالحرب، وكذلك محكمة العدل الدولية التى تحل الخلافات عندما تفشل تسويات عصبة الأمم وأخيراً منظمة العمل الدولية التى تعنى بحل مشكلات العمل ما بين العمال وأصحاب الأعمال والحكومات. كانت عصبة الأمم أحد آمال العالم، ولكن العالم لم يكن مهيئا لتقبلها، وقد قبلت بريطانيا وفرنسا قيامها على مضض، وتحت ضغط الرئيس ولسن ولهذا فإنها أمضت حياة متعثرة وعندما ظهر موسولينى وأرسل جيوشه لاحتلال أرض الحبشة التى كانت عضواً فى العصبة – حاولت العصبة الإصلاح دون جدوى – جيدة، وكان الفشل فى هذا إيذان بنهايتها. وأخيراً ظهرت "الأمم المتحدة" بعد أن انتهت أكبر مجزرة عرفها تاريخ البشرية قتل وجرح وشرد فيها قرابة خمسين مليونا من مختلف الجنسيات وأريد بها الاستفادة من كل التجارب السابقة. ولكن لم تكن الدول الكبرى المنتصرة على استعداد للتنازل عن امتيازها فخصصت خمس مقاعد فى مجلس الأمن للدول الكبرى المنتصرة "أمريكا – بريطانيا – فرنسا – الصين (تايوان) – الاتحاد السوفيتى. ومنحت حق الفيتو الذى يمكن أن يوقف أى قرار يتخذه مجلس الأمن وكانت القاعدة هى الجمعية العامة التى تضم ممثلى الدول الأعضاء وتفقد اجتماعاتها فى سبتمبر من كل عام. وأعطى نظام الأمم المتحدة مجلس الأمن سلطات التدخل العسكرى بقوات ترفع علمها. وقد نجحت هذه الوسيلة فى تسوية بعض المنازعات الملتهبة، ولكنها فشلت فى حالات أخرى. وركزت القضية الاجتماعية والاقتصادية فى المجلس الاقتصادى الذى اعتبر أداة وصل ما بين "الوكالات المتخصصة" والأمم المتحدة. وأظهرت الممارسة أن المنظمة خضعت لنفوذ الولايات المتحدة باعتبارها "الممول" الأول بها، إذ أن نصبها فى ميزانيتها يماثل الربع، فضلاً عن أنها فى نيويورك، وفى آخر الفصول التى شهدتها، وتعايشها الآن – أعنى حرب العراق، عندما تعسر على أمريكا أن تحمل مجلس الأمن على التصريح لها بحرب العراق، فإنها لم تأبه، وأعلنت الحرب بمشاركة بريطانيا ولم تكن لتتوقف حتى لو لم تشاركها بريطانيا، لأن لديها من الموارد والقوى ما يجعلها مستغنية عن التأييد الدولى. وهذا الموقف يمكن أن يكون نقطة تحول فى تاريخ المنظمة. وفى اسم "عصبة الأمم" و "الأمم المتحدة" خطأ لغوى. فهاتان المنظمتان ليستا منظمات "أمم" ولكنها منظمات دول. وكان يجب أن تسمى "عصبة الدول" و"الدول المتحدة" لأن الذين يمثلون فيها إنما هم الدول التى تنتخب حكوماتها الأعضاء الذين يكونون الجمعيات العمومية ومجالس الإدارة الخ ... وهذه الطبيعة هى ما يجعلنا نلمس السبب الأكبر فى فشلها لأن طبيعة الدول فى العصر الحديث تقوم على المصالح المتعارضة وليست على القيم المشتركة ومن هنا فإن الخطأ يكمن فى تكوينها نفسه، وليس هناك أمل فى إصلاحها ما ظل هذا التكوين على ما هو عليه أعنى أن يكون قائماً على الدول والحكومات وليس على الجماهير والشعوب. وأود أن أوجه النظر إلى أن المنظمة الدولية الوحيدة التى حاولت إصلاح هذا الوضع هى "منظمة العمل الدولية" التى تقوم على أساس "التمثيل الثلاثى" فتمثل كل دولة فيها بوفد من أربعة أعضاء. اثنان يمثلان الحكومة وواحد يمثل العمال وواحد يمثل أصحاب الأعمال. ويتبع هذا التمثيل فى كافة أجهزة المنظمة، بل ويلحظ عند تكييف شاغلى وظائفها. وهذه الصفة الخاصة التى تميزت بها منظمة العمل الدولية هى من أسباب نجاح هذه المنظمة التى قامت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وأعتبر تكوينها جزءاً من معاهدة فرساى وألحقت بعصبة الأمم، لقد نقضت معاهدة فرساى وتمزقت أشلاء، واختفت عصبة الأمم ولكن منظمة العمل الدولية ظلت قائمة وفى عام 1969 ظفرت بجائزة نوبل للسلام عند الاحتفال بعيدها الخمسينى. ولا تزال حتى الآن من أنجح المنظمات بحكم تكوينها. وهناك سابقة قد أنسيت الآن. فعندما نملك التشنج الدول العربية التى رفضت كامب ديفيد واعتبرتها انشقاقا عن الإجماع العربى وقاد صدام حسين نقل جامعة الدول العربية من القاهرة. فكر السادات رحمه الله فى تكوين جامعة الدول والشعوب الإسلامية لتكون بديلاً عن الجامعة العربية وأتخذ بعض الخطوات بالفعل. وأذكر أن المسئولين عنها اتصلوا بى كرئيس للاتحاد الإسلامى الدولى للعمل للمشاركة. ومن المؤسف أن هذه الخطوة البارعة لم تمضى طويلا، ويبدو أنها كانت رد فعل سريع على تصرف دول الرفض، ثم وجد السادات أن هذه المجموعة ستفشل وستعود الجامعة العربية إلى مصر. إن فشل عصبة الأمم، والأمم المتحدة، ويمكن أن يضم إليهما أيضا جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامى الذى يعود بالدرجة الأولى إلى أنها منظمات "دول" وليست منظمات "شعوب" وأن نجاح منظمة العمل الدولية الذى يعود – فيما يعود إليه – إلى تكوينها الخاص الذى يمثل العمال وأهم من هذا كله – ظهور الجماهير كقوة فاعلة ومؤثرة من أيام "اتفاقية الجات" ومنتدى دافوس، حتى اللحظة الراهنة – حرب العراق – التى بلغت فيها مظاهرات الجماهير إلى درجة لم تدرك من قبل والتى اشتركت فيها كل دول العالم (باستثناء إسرائيل) تجعلنا نتساءل.. أما آن الآوان لتكوين منظمات "أممية" كالتى حاولها العمال وعرضنا لها فى المقال الأول بعد أن اكتسبت الجماهير وعيا وثقافة وقوة ؟ إلا تغرى هذه الظاهرة قادة التجمعات الجماهيرية كالنقابات واتحادات الشباب، والرياضة، والهيئات النسائية، ومنظمات المجتمع المدنى الخ... لتكوين مثل هذا التنظيم الذى سيكون أقدر على معالجة المشكلات العالمية من المنظمات "الدولية" التى ثبتت فشلها وإذا كان العمال قد استطاعوا فى منتصف القرن التاسع عشر بوسائلهم المحدودة أن يكونوا "الأمميات" التى أشرنا إليها، فما الذى يمنع من أن يعيدوا الكرة، وأن تحذى حذوهم الهيئات الأخرى ثم تأتى الخطوة الحاسمة عندما تجتمع هذه "الأمميات" النوعية فى أممية واحدة شاملة. |
|||
|
|
|||