| مجلة "نهضة مصر" (29/6/2004) | |
|
|
[1] ـــــــــــــــــــــــ جمال البنا ـــــــــ
________
التعريف التاريخي للسلفية السلفية كلمة مقدسة عند معظم الدعاة الإسلاميين المعاصرين وعند الدعوات الإسلامية، وهى فى بلاد كالمغرب لها مهابة واحترام تجعل الاقتراب منها محفوفاً بالخطر، وقد كانت هى التعبير الذى اختارته الدعوة الإسلامية فى العصر الحديث للتعبير عن "هويتها". ولم يأت هذا من فراغ، وإنما هو يصور الأغوار الخفية لنفسية هذه الدعوات التى جعلتها تؤثر هذه الصفة وتفضلها على ما سواها مما يكون بالقطع أفضل كأن تكون "قرآنية" أو "محمدية" لأن هذه الدعوات وهى تمثل عالم التقليد أرادت من أعماقها أن ترفع خسيسة هذا التقليد بإضفاء صفة لها تقديرها. لأن الأسلاف كان لهم من الأمجاد ما يؤثر تأثيراً طيباً، فى النفوس.. وليس فى تعبير الأسلاف ما يحدد – على وجه القطع – من هم الأسلاف، ولكن يغلب على الظن أنهم يبدأون بأئمة المذاهب الأربعة – وبوجه خاص بآخر هؤلاء الأئمة وأكثرهم تخصصاً فى الحديث النبوى وهو الإمام أحمد بن حنبل الذى أكسبه موقفه الثابت إزاء فتنة خلق القرآن شهرة شعبية عريضة. واكتسبت السلفية دفعة جديدة من القوة بظهور ابن تيميه فى القرن الثامن وكفاحه فى مقاومة الكثير من البدع والغشاوات والانحرافات التى تعرضت لها مسيرة الفكر الإسلامى، وفى العصر الحديث اكتسبت دفعة أخرى عندما تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب شيخ نجد مع أميرها الأمير سعود، ونتيجة لهذا التحالف اكتسبت الدعوة الوهابية قوة وبسطت نفوذها على الحجاز، بما فيه الحرمين الشريفين وأصبح لها دولة ترفع رايتها وتنشر مذهبها، وكانت الحجاز عندما بدأت الدعوة الوهابية فقيرة غاية الفقر، فلم يمتد نفوذها إلى ما سواها ولكن هذا الوضع تغير بعد أن اكتشف البترول إذ أصبحت دولة غنية، لا سيما بعد حرب 73 التى رفعت أسعار البترول أضعافا مضاعفة ومكنت "السعودية" من الاستحواز على ثروات طائلة أنفقت جزءاً منها على نشر فكرها، باعتباره الفكر الإسلامى الأصيل – طريق رابطة العالم الإسلامى التى قامت ببناء المساجد فى الدول الأوروبية والأسيوية وتزويدها بالأئمة والخطباء، والوعاظ والكتب مما أدى إلى نشر فكرها، بالإضافة إلى تأثر الأعداد الكبيرة من المصريين والسودانيين الخ... الذين هاجروا إلى السعودية فترة الرواج البترولى للعمل فى مشاريع التوسع بالفكر الوهابى. وهكذا تيقظت السلفية بعد أن هجعت من القرن الثامن الهجرى (أيام ابن تيميه) حتى العصر الحديث.. الخصائص الفكرية المذهبية للسلفية هذا عن الناحية التاريخية للسلفية، أما عن خصائصها الفكرية المذهبية فيمكن إجمالها فى : أولاً: الإيمان بالمذاهب الأربعة والالتزام باتباعها تقليداً.. ثانيا: الالتزام بما جاء فى التفاسير المعتمدة لفهم القرآن واستمداد أحكامه ويتبع هذا الالتزام بالنسخ، وأسباب النزول وبقية ما يسمونه علوم القرآن. ثالثا: الأخذ بالمعايير التى وضعها المحدثون فى مجالات الرواية والدراية وعلل الرجال والجرح والتعديل والإيمان بصحة ما جاء فى الصحيحين على الأقل. رابعا: الالتزام بسيرة السلف الصالح فى خلائقهم وحياتهم وتقديرهم واعتبارهم مثلاً عليا والأخذ بأحكامهم إن لم يكن على سبيل التشريع فعلى سبيل الأسوة الحسنة. هذه المبادئ هى ما لا تحيد عنه السلفية حتى أكثرها توسعاً ومرونة، بما فى ذلك الإخوان المسلمون، ولم يستطع مصلح – باستثناء الأفغانى وعبده وإقبال – أن يجاوزها، لأن تجاوزها – فيما ترى – يعنى مخالفة أصل من أصول الدين المقررة والمجمع عليها، وإذا كان هناك تجاوز فى إطارها، فهو أن البعض حاول أن يمط إطارها أو يمنحه قدراً من المرونة، كما فعل الإمام حسن البنا، ولكن آخرون يؤثرون الالتزام بالحدود المقررة حتى لا يقعوا فى الحمى المحرم، فمن جاوره يوشك أن يقع فيه، ولو أجاز أحد لنفسه مجاوزتها ولو فى ناحية واحدة فلن يسلم من المؤاخذة وستوجه إليه الاتهامات القارصة التى تخرجه من مجال الدعوة الإسلامية وتقذف به إلى مهاوى "العلمانية" أو الانحراف الخ... * * * تنهيج وتصنيف المعرفة الإسلامية وتقسيمها إلى أقسام ثلاثة رئيسية ليس ما يهمنا هو الاستعراض التاريخى لظهور وتطور السلفية ولكن ما يهمنا أن نوضح الطبيعة التى أخذتها السلفية والملابسات التى اصطحبت بها وأثرت عليها منذ أن بدأ الأسلاف فى القرن الأول الهجرى فى تنهيج وتصنيف المعرفة الإسلامية وتقسيمها إلى أقسام ثلاثة رئيسية هى الحديث النبوى والقرآن وتفسيره ثم الفقه وأحكامه. أما ما قبل ذلك فى عهد الرسول فإن هذا كله لم يكن موجوداً كان المسلمون عهد الرسول أهل عمل لا أهل جدل. وقد استقام لهم الإيمان لأنهم تعرفوا على جوهره، فلم يعد يعنيهم ما بعد ذلك وكان العنصر الحاكم هو الفطرة السليمة. فلم يقل عمر بن الخطاب لأبى بكر عندما أراد أن يتغلب على تردده فى جمع القرآن سوى "هو والله خير". وهو ما يمثل منطقهم الذى كان يهديهم، وقد حذرهم الرسول من السوآل ومن قيل وقال ومن التنطع والتشدد وعرفهم أن التقوى فى القلوب والصدق، وأن عليهم أن يستفتوا قلوبهم ولو أفتاهم الناس لأن الإنسان على نفسه بصيرة، وهم أعلم بها ولأن الآثم ما حاك فى الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس والبر هو ما اطمأنت إليه النفس وسكنت إليه.. وبهذه المعايير البسيطة أمضوا حياتهم لا تساورها شكوك ولا ينتابها تطرف ولا يؤثر عليها تعمق أو تشدد. وقد آمنوا العذاب والضلال والرسول بينهم".. ]وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[ {33 الأنفال}.. ومن ناحية أخرى كان الإسلام يتعرض منذ أيامه الأولى، وفى عهد الرسول نفسه لمكايد عديدة أشار القرآن إليها، وبالطبع فما كان يشير إليها لولا أنها وجدت بالفعل، وكان هذا طبيعيا لأن الإسلام هدم عالم الوثنية التى آمنت بها العرب، وأبرز من بنى إسماعيل رسولاً بحمل كتابا، وهو أمر ما كان اليهود يطيقونه، وقد ثاروا من قبل على المسيح عيسى بن مريم مع أنه منهم عندما ضاق بتعصباتهم، فما كانوا ليسكتوا على هذا النجم الصاعد فى سماء النبوات الذى يحرمهم من احتكارها الذى ادعته لنفسها، وقد حاولت أن تؤثر على الصحابة بمختلف الوسائل فأعطى أحد بنى قريظة صحيفة من التوراة لعمر بن الخطاب ولما أخبر عمر الرسول بذلك غضب غضباً شديداً ينم عن علمه بما كان وراء ذلك.. ولن نعرض هنا لما نصبوه من مكايد عملياً لأننا إنما نشير إلى ما تعرضت له دعوة الإسلام من محاولات أريد بها تشويهها وتغيير صورتها. وقد أشار القرآن إلى الذين قالوا "ألغوا فى هذا القرآن" وفى نظرنا أن هذه الإشارة إنما تؤكد قيام اليهود والمشركين بمحاولات للدس فى القرآن ولما كان نصه منزلاً ومحفوظاً، فقد ادعوا سقوط كلمات أو آيات.. وهى الدعاوى التى نجد الإشارة إليها فى الكتب التى تناولت القرآن مثل "الإتقان" للسيوطى "والبرهان" للزركشى وما نريد أن نؤكده أن هذه المحاولات أخذت شكل دس روايات على ألسنة بعض الصحابة كأبن مسعود وعمر بن الخطاب وعائشة الخ... بوجود آيات لم تدون فى المصحف، أو الإدعاء بنسخ آية.. الخ... وأن هذا دق على المحدثين الذين ما كانوا يسألون عن السند حتى أيام فتنة عثمان عندما سلكت هذه الروايات سبيلها عبر الأفواه وأخذ بها الذين اشتركوا فى عملية التدوين التى حدثت ما بين القرن الثانى والثالث الهجرى فأثبتت فى كتب الأئمة الذين وضعوا المذاهب الأربعة، فضلاً عن عدد كبير من الأحاديث نسبت إلى كبار الصحابة وإلى رواة لا يرقى إليهم الشك وتم هذا كله فى السنوات الأخيرة من عهد عمر بن الخطاب والأولى من عهد عثمان.. بحيث لم تكن الأصول التى بنى عليها الأئمة مذاهبهم من الصفاء والنقاء كما ظنوا وظل هذا حتى بدأ عهد التدوين خلال الفترة من 100- 250 هجرية، وأثبتت المدونات كل هذه المفتريات والأحاديث الموضوعة ذات السند الرفيع المنسوب إلى عائشة وعمر وابن مسعود وعجز عن فرزها واستبعادها دهاقنة الحديث رغم كل ما اتصفوا من نبوغ أو إخلاص أو إلمام الخ... لأن ما جاء فيها من تحريف ما كان يشذ عن روح عصورهم وما سادها من إيمان بمسائل بعضها من صميم الخرافة وليس أدل على هذا من استخذائهم أمام ما ادعوا من أحاديث التواتر التى ساووا ما بينها وبين القرآن. فإن معظم هذه الأحاديث المتواترة هو عن معجزات الرسول أو عن حوضه فى الجنة، أو شق الصدر أو عن المهدى، والدجال والفتن الخ... مما لا يثبت أمام التحقيق العقلى. وعندما أثبت ابن خلدون ركاكة دعوى المهدى فى الأحاديث المتواترة قالوا إنه مؤرخ وليس بعالم حديث. وإنما يعود فى هذا الفن إلى أهله، وهى الشنشنة التى لا تزال قائمة حتى الآن وبعض عليها سموح الأزهر بالنواجز، وهم ينددون شيوخ "بالكلأ المباح" أى الدين الذى يتحدث عنه من ليس من أهله، وهو لديهم من لم يكن متخرجا من الأزهر.. النتيجة التى نريد أن تنتهى إليها أن الأسلاف بدءا من الأئمة ومن تلاهم أو تتلمذ على أيديهم، قاموا بدور تاريخى ضخم لأنهم قعدوا القواعد، ووضعوا أسس التصنيف للفروع الثلاثة للمعرفة الإسلامية من حديث إلى تفسير إلى فقه، وأن هذا العمل الذى حل مشكلة الثقافة الإسلامية فى مواجهة مجتمع متفتح، متطور، وأنه ظفر بإعجاب الأجيال الذين بنوا على هذا الأساس أدواراً، وطبقات بحيث أصبحت المعرفة الإسلامية بأقسامها الثلاثة قلعة شامخة يكمل كل ضلع منها بقية الأضلاع وقد تضخمت بفعل التواصل الثقافى الذى ظل لأكثر من خمسة قرون، وامتد من سيبريا المتجمدة شمالاً حتى جنوب أفريقيا الحارة، ومن الأندلس غربا حتى الصين شرقا، وجاء بعد القرون الخمسة الأولى قرابة عشرة قرون تقدم إضافات سطحية أو تشرح بعض المراجع عندما أغلق باب الاجتهاد فى القرن الخامس دون أن يحول هذا دون ظهور شخصيات بارزة حتى فى أشد فترات الانحطاط تدهوراً مما ينبئ بقوة الإيمان الكامنة فى ضمير الأئمة، والثقة فى دينهم..
فكان هذا كله فى سر إعجاب المعاصرين – من دعاة ودعوات – بالأثر السلفى، وسر
اصطناعهم لتعبير السلفية كهوية لهم.. ملاحظات على منهج الأسلاف مع هذا كله فهناك ملاحظتان دقّتا على الكثيرين : الأولى : أنه رغم نبوغ الأئمة وإخلاصهم الخ... فإن التمويه الذى دخل فى الحديث أساساً وما يتضمنه هذا الحديث من تفسير للقرآن أو تحديد للأحكام، جاز على معظمهم.. وأنا لا أفهم مبرراً لكى يأخذ الشافعى بمبدأ النسخ حتى وإن شذ عن أقرانه ومن جاءوا بعده فى استبعاده نسخ السُنة للقرآن – لأننا نعتقد أن حديث النسخ ما عرف فى عهد الرسول. وأن ما يروونه عن أحد الصحابة أن هذه الآية إنما نزلت فيه أو فى غيره أو لهذه المناسبة أو تلك لا يمكن الوثوق بها لا من ناحية نسبتها، ولا لأن يكون لها دلالة حاكمة حتى لو صدقت نسبتها، فلعل هؤلاء لم يستوعبوا أن القرآن هو دستور للعالم، وليس لهذه البقعة المحدودة من جزيرة العرب، ولا لفلان أو فلان من الصحابة. وفى جميع الحالات فلا يمكن الحكم بما يروى عن آحاد الصحابة لعدم القطع بالصحة، لأن أحكامهم لا تكون لها صفة تشريعية، وهذا بالطبع يختلف عما انتهى إليه الفقهاء خاصة المتأخرين منهم من الاحتجاج بكلام الصحابى، بل والتابعى وإن تحوطوا لذلك بتحوطات غير فعالة.. وقد سمح هذا التساهل بأن يكون لهؤلاء الأئمة أحكام ليست لها الصحة المظنونة، وأن تزحف أحكام أخرى من اتباعهم واتباع اتباعهم تكون أبعد عن الصحة وهذا وذاك من أكبر ما يؤخذ على حصيلة الأسلاف.. الملاحظة الثانية : إن هذا التراث الضخم الذى قام على تفاصيل ما أجمله الكتاب فى ضوء الأحاديث والتفسيرات والمرويات وأحكام الفقهاء.. حتى لو كان سليما من الناحية الموضوعية فإن هذا لا يعنى سلامته بعد مرور عشرة قرون على وضعه. لأن الأحكام التفصيلية تخضع لتطورات الزمن، على نقيض الكليات التى لهما صفة الدوام كالخير، والحب والسلام، والعلم والحرية والعدل الخ... فهذه الأحكام التفصيلية عن علاقة الرجل بالمرأة والحاكم بالمحكوم، وصاحب العمل بالعامل تخضع لتكييفات عديدة بعضها بحكم التطور فى الأوضاع وبعضها بحكم التطور فى الإفهام. وهو أمر يمكن أن تيسره للفهم بأن آراء إنسان ما فى طفولته ليست هى آراءه فى شبابه، ولا هى آراءه فى شيخوخته، وكذلك الأمة فى صباها وفى طفولتها وعند نضوجها. إن العامل الزمنى، وما يعنيه من خبره ومعاناة وتجربه ومعرفة للظروف وتعرف على الحلول كلها تؤدى إلى أن يختلف فكر الفرد فى صباه عن ما هو فى شبابه وشبابه عن كهولته الخ... والأمم أعظم درجات واختلاف. من أجل هذا نقول إن هذه الأحكام التى كانت يوما ما صالحة، لا يمكن أن تكون صالحة.. وكيف تكون صالحة وقد صدرت فى ظروف وأوضاع مختلفة كل الاختلاف عن وضع العصر الحديث وكيف نحكم عيون ناس ماتوا من ألف عام فى أحكام هذا العصر.. ولحساب من يتم هذا، خاصة وأن كبار الأئمة أنفسهم نهوا عن أن يقلدهم أحد..
|
|
عوامل عديدة - سلبية وإيجابية - توجب إيجابا أن ننهى عهد السلفية عوامل عديدة، بعضها سلبى وبعضها إيجابى توجب إيجابا أن ننهى عهد السلفية ونطويه، ونبدأ عهد "ما بعد السلفية" ونفتحه.. من العوامل السلبية ما أشرنا إليه من أن الأساس المعرفى الإسلامى الذى وضع خلال القرون الثلاثة الأولى تسللت إليه روايات دست عليه للنيل من الإسلام أو لتحقيق سياسات خاصة ودقت على الأئمة بحيث أخذوا بها وكان هذا نقصاً فى صميم هذا البناء الرائع... ومن هذه العوامل أيضاً أن هذا الأساس حتى لو كان سليما صحيحا، مبرءاً من الخطأ عندما قدم أول مرة، فإن مرور ألف عام لابد وأن تجعله متخلفاً لاختلاف الأوضاع ولتطور المجتمع تطوراً ما كان يتصوره العالم القديم. ولهذا الاختلاف والتطور أثره على فهم الأحكام من ناحية، وعلى تطابق وتجاوب الأحكام من ناحية أخرى والحصيلة الأخيرة عدم الصلاحية... ومن العوامل الإيجابية، فإن أهم شىء هو أن نعمل عقولنا لأن العقول هى سلاح الإنسان فى الحياة وهى ما تميزه عن الحيوان وما تهديه للتفريق ما بين الخطأ والصواب وقد أوقفت أمة الإسلام إعمال عقولها طوال ألف عام حتى كاد العقل المسلم أن يشل وعلته طبقات بعد طبقات من الصدأ والغشاوات ولابد من إزالتها. ومن إيقاظ العقل النائم المخدر بأحلام الماضى – إلى ضرورة معايشة للواقع ومجابهته للحاضر – وستكون هذه الخطوة الأولى لأن تستخدم عقولنا فى كافة المجالات حى تكون النهضة كاملة. كما أن التطور الجسيم الذى انتهت إليه الأوضاع، وما أوجدته هذه الأوضاع من مشاكل جديدة وقضايا جديدة، وما توصلت إليه من إنهاء أوضاع قديمة.. كل هذا يجعل إنهاء السلفية أمراً لا مناص عنه، وأن بداية عهد جديد هو أيضاً أمر لا محيص عنه.. * * * لقد استدار الزمان وهانحن نجد أنفسنا فى مثل الموقف الذى وقفه أسلافنا فى القرون الثلاثة الأولى من الهجرة التى كان عليهم أن يلموا شعث المعارف الإسلامية وينظموها وينهجوها فيما قدموه من حديث وتفسير وفقه. وعلينا الآن وقد رثت هذه القواعد وعجزت عن التجاوب مع متطلبات العصر أن نشمر عن ساعد الهمة، وأن نبدأ جولة جديدة نقدم فيها "ما بعد السلفية". إننا نقف على مفصل من مفاصل التاريخ، نودع عهداً انقضى ونستهل عهداً لم يبدأ، ولم توضع له الأسس والأصول التى وضعت من قبل للعهد القديم، وسيكون دورنا مزدوجاً. فمن ناحية لابد أن نحدد موقفنا من الأصول التى بنى عليها الأسلاف تراثهم العظيم لأن بعض هذه الأصول ستكون من أصولنا.. ولكن الاختلاف يحدث من ناحيتين الأولى أن فهمنا لها ونظرنا إليها سيكون مختلفاً عن نظرة الأوائل وفهمهم لها والثانى إننا لن نقف عندها، لأن لدينا أصول مستجدة لها من الأهمية مثل ما للأصول الأولى. فإذا كنا سنأخذ بالأصول الأولى، ولكن فى شكل مختلف فعلينا أن نبين هذا الاختلاف وأن نبرر أسبابه.. والأصول التى أخذ بها الأئمة وبنوا عليها مذهبياتهم هى القرآن والسُنة. أما ما عداهما فهى تبع لهما. إن نظرتنا إلى القرآن الكريم تختلف اختلافاً تاماً عن نظرة تفاسير القرآن.. نحن نرى أن القرآن الكريم هو أولاً إرادة تغيير كاسحة لم تعرف البشرية لها مثيلاً بحيث لا يكون من المبالغة القول إن الثورة التى أحدثها القرآن كانت أعظم ثورة جماهيرية فى التاريخ لا يستثنى من ذلك ثورة اليهودية وإنقاذها بنى إسرائيل من الاستعباد الفرعونى وثورة المسيحية وتحريرها للمستضعفين فى الأرض من الطغيان الرومانى، إذ أجتمع لثورة الإسلام من عناصر الكمال ما لم يكتمل لهذين.. قبل الإسلام كان العرب يعبدون أوثانا لا تنفع ولا تضر ويقدسون الأعراف والعادات التى تركها لهم آباؤهم وتقوم حياتهم على السلب والنهب آونة وشرب الخمر ولعب الميسر آونة أخرى فندد القرآن بهم، وبآبائهم ]إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا[. ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ[. ]قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[. ووجههم نحو عبادة الله الخالق بديع السموات والأرض الرحمن الرحيم إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وله المثل الأعلى وصاحب الأسماء الحسنى، وما ترمز إليه من رحمة وعدل وصدق ووفاء وحرية، وعمق معنى العدل بكل الطرق وندد بالظلم والطغيان.. وعرف القرآن المجتمع الجاهلى على أمر لم يكن له به معرفة هو الإنسان الذى كرمه الله فجعله خليفة فى الأرض وعلمه الأسماء كلها وأسجد له الملائكة وسخر له ما فى الأرض جميعاً بحيث تحمل هذا الإنسان "الأمانة" التى أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.. هذه المعانى: وأعنى إرادة تغيير ما خلف الأباء والتنديد بإهمال العقل، والدعوة لتكريم الإنسان هى روح القرآن والمضامين الفعالة فيه.. وهى مما لا تشير إليها التفسيرات التقليدية ولا الدعوات الإسلامية، ولعلها لم تتعرف عليها وموقفهم منها لا يختلف عن موقف الجاهلية.. لقد أدى انشغال التفاسير التقليدية بالإعجاز البيانى وتأثرها بالإسرائيليات والأحاديث الموضوعة والأبيات الشعرية المنحولة إلى عدم تبين القسمات التى بدونها لا يمكن فهم طبيعة وروح القرآن.. ففى القرآن الكريم إيماءات وإيحاءات تنطلق بسرعة البرق أو كلمح البصر – من الخاص إلى العام – ومن الواقع إلى الواجب، ومن الحاضر إلى المستقبل، وبكلمات القرآن وقع موسيقى ورنين كرنين الذهب والفضة يخترق الأذان إلى الوجدان. وهناك من الألفاظ ما يقبل العديد من المعانى دون ابتسار أو تطويع، بحيث يمكن إعمال تفسيرات عديدة، كل واحد فى وقت معين، أو بالنسبة لمكان معين، بحيث يكون القرآن الكريم مرجعا لكل الناس فى كل العصور، ونحن لم نجد صعوبة فى تفسير الآية 282 من سورة البقرة (وهى آية الدين – أطول آيات القرآن) تفسيراً نقابياً يجعلها أصلاً للاتفاقيات الجماعية. مع أن مثل هذا التفسير ما كان يمكن أن يخطر لمفسرى العصر القديم لأن الاتفاقيات الجماعية لم تظهر فى العالم إلا فى منتصف القرن التاسع عشر عندما استطاع العمال البريطانيون والأمريكيون تكوين نقابات قوية تستطيع إبرام اتفاقيات أو عقود مع الشركات وأصحاب الأعمال. كما أن كلمة تظلمون الثانية فى الآية ]فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ[. تفسح المجال لتفسيرها بأن تكون قيمة الدين هى القيمة الحقيقية – وليست الأسمية – للنقود وهى التى تهبط نتيجة للتضخم وبهذا تحل مشكلة الربا على أساس عادل ومعقول، كما قال القـرآن أربع كلمات لحل مشكلة الرق.. ]فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[. وبهذا يمكن سد منبع الرق، أما ما كان قائماً بالفعل فقد أمكن للقرآن سده بالاستجابة لطلب المكاتبة. ولكى يبرهن القرآن على وجود الله قال ]أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ[. وهى أقوى من أى منطق يمكن أن يأتى به أرسطو، ولو فسر أحد اليساريين الآية ]الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[. بأن الدين هو "الخبز والحرية" لما كان متجنيا لأن "أطعمهم" إشارة صريحة إلى الخبز، ولأن "آمنهم من الخوف" لا يمكن أن يتحقق إلا بالحرية، ففى المجتمعات العريقة فى الحرية ينام المواطن ملأ عينه دون أن يخطر بباله أن يدهمه زائر الفجر. وهل كان أحد فى العصر القديم يدرك أن تعبير ]بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ[. ليس له من تفسير يبين الأعجاز إلا ما أظهره العلم الحديث من تفرد كل بنان لكل واحد ببصمة متميزة لا تشبه ملايين البصمات.. أما الإعجاز العلمى والإعجاز العددى وما تلهمه أوائل بعض السور فهذا ما أوحى إلى لفيف من العلماء بإصدار مئات الكتب ولو استبعدنا معظمها، فإن الباقى يكفى لتأكيد صحة ما ذهبنا إليه من أن اللفظة القرآنية أشبه ببويضة مخصبة، لا يعلم أحد ما فيها حتى يأتى الوقت المناسب ليظهر معنى جديد خفى على السابقين. ولعل عمر بن الخطاب وقف هذا الموقف عندما قال عما قد لا يفهمه من ألفاظ فى القرآن، "دعوها لخالقها" وما جعله لا يأسى لجهله معنى "أبا" فى "وفاكهة وأبا" فهناك من الألفاظ ما قد يعجز جيل عن أن يدركها لأن فهمها لن يتأتى إلا لجيل لاحق.. ومثل هذا ما يقال عن أن القرآن حمال ذو وجوه وأنه يمكن أن يتضمن حكما كما يتضمن نقيضه ويمكن أن يفهم منه واحد ما لا يفهمه واحد آخر. فهذا كله من مزايا القرآن. لأنه يفسح المجال للتعددية. فالقرآن لا يريد أن يوقف الناس على مثل حد السيف وهو يفسح لهم الأخذ بهذا أو ذاك، فالإسلام مُنَزل لكل الشعوب فى كل الأزمان، وحتى فى المجتمع الواحد فإن هذا يثير الفكر ويحرك العزائم وفى النهاية يذهب الزبد جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض. وظن بعض الساذجين أو المغرضين خاصة من المستشرقين أن وجود آيات فى القرآن تتفق مع بعض ما جاء فى العهد القديم أو الأناجيل يثبت أن الرسول نقل فى القرآن هذه المعلومات عن طريق اتصاله ببعض اليهود أو المسيحيين. وفاتهم ما قرره القرآن من أن الدين أصلاً واحدا، ولذلك لا يستنكر أن يأتى القرآن ببعض ما جاء فى الكتب السابقة، بل إن القرآن نص ]إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ[. وأن كل الأنبياء كانوا مسلمين بنوع ما. لأن الإسلام يعنى إسلام الفرد قلبه لله، وهذه هى خصيصة كل الأديان فضلاً عن أن من المسلم به أن اتفاق بعض المعلومات فى كتب مختلفة يمكن أن يعود إلى أسباب غير النقل أن المعلومة مبذولة فى السوق، ولكن من يصنع منها الجواهر واللائى وعلى كل حال فإن معالجة القرآن وتكييفه لوقائع تضمنتها التوراة والإنجيل مختلف ومتميز فالحكم بأن ما جاء فى القرآن منقول عن العهد القديم أو الأناجيل والعهد القديم كلام لا قيمه له ولا يراد منه إلى إثارة الغبار أمام الحق الأبلج... ولم يفهم البعض أن توجد آيات تعرض قتالاً وأخرى توجب سلاماً فى حين أن الحرب والسلام لابد وأن يعرضا للمجتمع. فقد حورب الإسلام بقوة وشراسة تتطلب المقابلة بالحرب فتأتى الآية "وقاتلوهم" ولكن عندما لا يحارب الإسلام فتطبق الآية ]لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْـهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ {8 الممتحنة}.. وقد توجد آيات تعد بثواب جزيل وتأتى آيات أخرى تحذر من عذاب وبيل، وكان لابد من هذا لأن النفوس تتفاوت.. وكما قال شوقى: ومن العقول جداول وجلامدومن القلوب حرائر وإماءوصاحب الطبع الجاف والقلب الغليظ يحتاج إلى هذه القوارع التى تجلده وتجعله يتأثر. بينما تكون آيات الصفح والسماح واللين والمغفرة لذوى المشاعر النبيلة كالنسمة الرقيقة. ولو أن القرآن اقتصر على واحدة لما أثر ذلك على فئات عديدة من الناس موجودة بالفعل سواء أحببنا ذلك أو كرهنا، ولا تزال فكرة الثواب والعقاب – رغم ما يوجه لها من نقد هى أكبر ما يؤثر فى النفس البشرية وما يضبط سير المجتمع. وقد يذكر البعض ذفاعاً عن "الحسد أو الجن" أن القرآن ذكرهما، ولكن ذكر القرآن وجودهما لا يعنى أن لهما الآثار التى ينسبها إليهما الناس خاصة وقد قرر القرآن أن لا شىء يمكن أن يؤثر أو يحول السنن، أى الأصول والأسس التى وضعها الله تعالى للمجتمع أو الكون. وكررت أستاذه فى جامعة الأزهر بصدد الدفاع عن تفضيل الرجال على النساء أن القرآن قال ]وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى[. وفاتها أن القرآن أورد هذا القول على لسان مريم التى كانت تعبر عن فكرة اليهود وتفضيلهم الأبناء على البنات، واستشهد آخر مبرهناً على كيد النساء أن القرآن قال ]إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ[. ولكن هذا إنما كان كلام أحد حاشية فرعون. فلا يحسب على القرآن فى شىء.. ومن الممارسات المرفوضة أن ينتزع بعض الناس آية أو جزءاً من آية من سياقها ثم يستدل بها أو يستنبط منها حكماً لأن السياق فى القرآن هو الذى يحكم المعنى وقد يتضمن ما قبل الفقرة المنتزعة ما لا يجعلها حكماً أو يرتفق عليها باستثناء أو غيره، ولهذا فيجب لمن يريد الاستشهاد أن يأتى بأية أو اثنتين قبل الآية التى يستشهد بها وكذلك آية أو اثنتين بعدها. وبذلك يستبعد الالتباس.. ولا يمس قداسة القرآن فى شىء أن تتضمن بعض آياته أحكاماً خاصة بالمجتمع العربى فى القرن السابع الميلادى تعالج جوانب مما كان قائماً وقتئذ، فلما جاوز التطور هذه الجوانب طويت الأحكام التى أصدرها القرآن عنها، فهذا أمر لم يكن منه مناص إذ لم يكن القرآن ليتجاهل هذه الجوانب وهى تؤثر فى حياة المجتمع تأثيراً بالغاً. فلم يكن للدولة بحكم التكوين القبلى للمجتمع العربى – جيش محترف تكون مهمته القتال ويتقاضى أجوراً – وإنما كان الجيش يقوم على متطوعين كانوا يجدون فيما يغنمون من سلاح وعتاد من أعدائهم ما يقنعهم، وقد انتفت هذه الصورة فظهر الجيش المحترف الذى يأخذ مرتبات، وبالتالى لم تعد للغنيمة مكان. فطويت الآيات التى جاءت فى القرآن الكريم عن الغنائم، ولعل مثال الرق أكثر دلالة، فقد وضع القرآن الكريم مبدأ ]فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[. وطبقه الرسول، ولكن ظروف المجتمع لم تسمح بتطبيقه وقتئذ ولم يكن الذى حرر العبيد هو ويلبرفورس فى إنجلترا أو لنكولن فى أمريكا، ولكن الآلة البخارية التى جعلت عمل العبد عبئاً بعد أن كان كسبا فوجب التخلص منه، أى تحريره.. ولما رأى عمر بن الخطاب أن سهم "المؤلفة قلوبهم" لم يعد له مكان بعد انتصار الإسلام، لم يتردد فى إيقافه رغم النص عليه فى القرآن كما جعل الطلاق مرة واحدة لما رأى الناس وقد أساءوا استخدام سلطاتهم، مع أن الآية صريحة "الطلاق مرتان".. وقل مثل ذلك التوقف عن تطبيق الحدود فى الغزو أو فى المجاعات الخ... وهذه السوابق توضح لنا أن الصحابة لم يكونوا جامدين، مغلقى الفهم أمام القرآن.. ولعلهم تذكروا أن القرآن نفسه قال ]وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا[. * * * هذه النظرة تمثل مدخلاً ومنهجاً يختلف عن مراحل ومنهج المفسرين الذين أشرنا إليهم فى كتابنا "تفسير القرآن" فقلنا : "كانت هناك ثلاث مجموعات أقدمت على التفسير وعنيت به. فاللغويون أرادوا أن يصلوا إلى أسرار الإعجاز اللغوى فى القرآن، وما جاء به من نظم بديع ونسق فريد، والمذهبيون حاولوا إثبات مذاهبهم فى جوانب من العقيدة بمختلف الآيات مستغلين مرونة التعبير، وما يمكن أن يحمله تركيب الجملة القرآنية من معانى، وبوجه خاص الآيات المتشابهات، والإخباريون تتبعوا الوقائع التى ذكرت فى القرآن من خلق آدم حتى قيام الساعة وما بين ذلك من أحداث، وقصص الأمم التى تحدث عنها القرآن، وفى مقدمتها بنو إسرائيل .. ونحن نفترض فى معظم هؤلاء حسن النية، وأنهم أقدموا على هذه المهمة لخدمة القرآن والتقرب إلى الله، كما لا ننكر عليهم ما بذلوا من جهد وما تحملوا من مشقة وما توصلوا إليه من نتائج، ولكن هذا لا ينفى وجود عوامل عديدة أثرت عليهم كتمسكهم بالمفاهيم السابقة. فاللغويون دخلوا الميدان مسلحين بقواعدهم النحوية، فوجدوا القرآن فى بعض الحالات، يضرب بهذه القواعد عرض الحائط، والمذهبيون وجدوا أن ظاهر النص قد لا يؤيدهم تماما، أو هو أقرب إلى المخالفة، فعمد هؤلاء وأولئك إلى التعسف فى التأويل. أما المؤرخون الذين لم يكن لهم منهج، وغلبت عليهم السذاجة فقد كانوا ضحايا للوضاعين وأسرى الإسناد، وجازت عليهم نصوص لا حصر لها، يمكن القول دون مبالغة – أنها مفتريات على الإسلام ومكايد نصبت للنيل منه. ولعل أكبر مأخذ يؤخذ على هؤلاء جميعا أنهم فى غمرة اهتماماتهم بتخصصاتهم وعملهم لإثبات وجهات نظرهم أهملوا الإشارة إلى روح القرآن نفسه تلك الروح التى تنتظم آياته جميعاً ككتاب إحياء ونهضة وهداية يستهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور. وخلاصة الأمر أن القرآن تنقلت به الحال من كتاب لتربية المسلمين وتعليمهم الدين والشريعة إلى نص لمجرد الفهم إلى ميدان فسيح لتطبيق علوم اللغة على اختلاف أنواعها وبهذا تم عزل القرآن كعامل يعمل لتربية المسلمين وتكوين عقائدهم وأخلاقهم وشريعتهم وتوجيه سلوكهم".
|
|
|
ما بعد السلفية [1] [2]
|
|
|