مجلة "نهضة مصر" (29/6/2004)  
 

 

ما بعد السلفية

[2]

     ـــــــــــــــــــــــ جمال البنا ـــــــــ

 

مضمون ومكوّنات ما بعد السلفية تقوم على فهم جديد للقرآن وتأصيل جديد للسنّة واستلهام للحكمة كمصدر قرنه القرآن بالكتاب وجعله الباب المفتوح للمعارف الجديدة.

  القرآن 

نحن نرى أن للقرآن مضامين وتفاعلات لأنه كتاب هداية، وإبداعه لصياغته الخاصة الآسرة إنما هى لتهيئة النفس لقبول هذه الهداية – فهى وسيلة – وليست غاية.. وهداية القرآن هداية شاملة بمعنى أنها تعرض منهجاً حضارياً للحياة وهذا سر شمول القرآن للجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ومراجعة القرآن توضح لنا إنه يتضمن الموضوعات الآتية :

التعريف بالله باعتباره الخالق لهذا العالم الذى أبدعه وأحكمه وخلق الإنسان فى أحسن تقويم وزوده بالملكات اللازمة وعلمه الأسماء (رمز للمعرفة) وأسجد له الملائكة وجعله خليفة على الأرض. ووضع للكون والمجتمع أصولاً ومبادئ يسيره بها وجعل هذه المبادئ والأسس هى محور العمل وألتزم بها "وهى بعد كل شىء من وضعه" فقال ]وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا[. وقال ]إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[.

أحاديث عن اليوم الآخر والبعث والجنة والنار مع التأكيد أنه لا تظلم نفس مثقال ذرة، وأن الحسنة تحسب بأضعافها وأن الله هو الرحمن الغفور التواب الرحيم.

  • أحاديث عن الرسول ورسالته وما ينبغى أن يكون عليه وذكر للأنبياء الآخرين والإيمان بهم.

  • ذكر بعض فروض العبادة كالصلاة والصيام والحج والزكاة، ويفترض الالتزام بها.

  • ذكر توجيهات وخطوط عامة عما ينبغى أن تكون عليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ويمكن القول إن عمادها العدل ويأتى الخطاب بضرورة تطبيقها دون ذكر للوسائل على وجه التحديد.

  • ذكر بعض الجرائم كالسرقة، والزنا، والقتل الخ... مصطحبة بعقوبات مقدرة.

  • ذكر أوامر أخرى كتوزيع الميراث، والغنيمة والقتال.

  • توجيهات أخلاقية مثل كرامة الإنسان والالتزام بالقيم من خير وإيثار وحب ومعرفة وحرية ومساواة وعدل الخ... والسير فى الأرض وإعمال الذهن فى عجائب هذا الكون من شموس وأقمار أو فى حضارات المجتمع الإنسانى.

  • توجيهات تتعلق بآداب اللياقة فى الزى والزيارة والأكل وملاحظة الحشمة فى زى النساء الخ...

ويمكن تقسيم هذه المضامين إلى ثلاثة أقسام...

القسم الأول: العقيدة ويضم ما جاء عن الله تعالى والرسل واليوم الآخر وهو ما يجب الإيمان به بعد فهمه بالصورة التى توحى بها الآيات..

ويلحق بها عادة الشعائر العبادية من صلاة وصيام الخ...

القسم الثانى: الشريعة ويدخل فيه كل ما يمت إلى الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحدود والميراث والقتال الخ... وهذه تتبع ما دامت الحكمة التى  من أجلها صدرت قائمة، فإذا زالت الحكمة فإن مبرر وجودها يزول. وعلى كل حال فهى قابلة للنظر فى ضوء دوام اتفاقها مع العدل والمصلحة.

القسم الثالث: التوجيهات الأدبية والقيم الحضارية التى يجب أن تستلهم وتُتبع قدر الطاقة لأنها هى فى أصل نزول الأديان. وجزء ثمين من روح الأديان، وسر تماسك واتزان المجتمع وبعده عن الشطط والانحراف ولكنها لا تقوم على عقوبات دنيوية وإنما تصدر عن الضمير والإيمان والتقوى كما تضم كذلك توجيهات عن الآداب واللياقة.

ويجرى القرآن تفاعلات ما بين هذه المضامين وطريقة تحقيقها، فالإيمان والاعتقاد يقومان على الحرية دون أى دخل من السلطات أو ضغط من المجتمع، والأعمال والعلاقات تقوم على العدل ويفصل فيها القانون الملزم لأنها تتعلق بحقوق مادية للأفراد لا يمكن التنازل عنها أو الحيف عليها. أما الفضائل وإتباع القيم فإن القرآن يضع مستوى يلحظ فيه القدرة وعدم مجاوزة الطاقة ويعد هذا المستوى هو المستوى الملزم. ويمكن أن نسميه المستوى الوسط ويضع القرآن مستوى أعلى من هذا هو مستوى الفضل والإحسان الذى يمكن للمؤمن أن يحقق فيه بقدر ما يدفعه إيمانه ورغبته فى القربى إلى الله وخدمة الناس والمجتمع. وقدرته على ذلك وفى الوقت نفسه يضع القرآن مستوى أدنى من المستوى الوسط لأنه يدرك طبائع النفوس وتفاوتها، ولا يريد أن يحرم من يغلب عليه الضعف البشرى من رحمه الله، ومن قبول المجتمع، فيتسامح فى اللمم ويتجاوز عن السيئات ما لم يرتب عليها شرور أو أذى الآخرين..

وفى جميع الحالات يضع القرآن آلية هامة تمثل التفاعل خير تمثيل هى المقاصة التى تقوم على التوبة وعمل الصالحات فى مقابل عمل السيئات بحيث يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهو منتهى الكرم الإلهى لأن الله لن يعفو فحسب عن سيئاتهم، ولكنه أيضاً سيبدلها حسنات بما فعلوا من الصالحات.

وتتفق هذه الآلية مع التصور الإسلامى الديناميكى للمبارزة ما بين الخير والشر، وأنها سجال تكون الغلبة فيه بالنهايات، وبالمجموع للحسنات بمقارنة مجموع السيئات..

وفى الفقه التقليدى، فإن الإنسان يحاسب على كل سيئة، ويثاب على كل حسنة، ولكن فى فقه دعوة الإحياء الإسلامى فإن موقعه إنما يتحدد على أساس نتيجة المقاصة ]فأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ(6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ(8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ 9} [القارعة}

 

  السنّة  

لقد عالجنا قضية السُنة بنوع من التفصيل فى الجزء الثانى من كتاب "نحو فقه جديد" الذى خصص بأسره للسُنة، ثم فيما يلى ذلك من كتابات مثل "استراتيجية الدعوة الإسلامية فى القرن الـ21" ومثل "الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء الإسلامى" ولا يتسع المجال لتفصيل. إن محل هذا هو الكتب التى أشرنا إليها أما فى مقال أو بحث فنحن نضع الخطوط العريضة التى لا نرى مناصاً منها.

الأول: أن السُنة لم تدون إلا فى المدة ما بين 100 – 250 عاماً هجرياً، وسمح ذلك بوجود عشرات الألوف من الأحاديث الموضوعة... تكرر عشرات الألوف.

الثانى: أن اعتماد رواة الحديث على السند عن طريق التناقل الشفهى لا يمكن أن تكون طريقة معتمدة فى الإثبات لأن التناقل الشفهى لا يصلح أساساً لتقرير الحقوق. ولأن التركيز على السند هو تركيز على الواسطة، وليس على الموضوع نفسه وقد أثبتنا ذلك فى كتابات عديدة وأشرنا إلى القرآن الكريم الذى حدد طريقة معينة لإثبات الحقوق هى الكتابة الموثقة بشهادة شاهدين عدلين وأكد القرآن ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً الخ... فإذا كان القرآن يشترط هذه الشروط لإثبات أحقيه بضعة دنانير فإنه فى إثبات نصوص تضرب بها الأعناق وتستحل بها الفروج لابد وأن يكون أكثر تشدداً..

لا حل لهذا الإشكال إلا ضبط السُنة بمعايير من القرآن فما من مسلم يمكن أن يرفض هذا أو يرى فيه حيفاً على السُنة، وإنما ضماناً وحرصاً على صحتها..

وقد وضعت دعوة الإحياء الإسلامى 12 معياراً قرآنياً فإذا خالف حديث أحد هذه المعايير فإننا نتوقف عنده ولا نعمله، لأنه لابد أن توجد فيه علة (أنظر كتاب السُنة "الجزء الثانى من كتاب نحو فقه جديد" وكتاب "الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء الإسلامى").

بالإضافة إلى هذا التجديد الجذرى فى إثبات مصداقية الحديث الذى يمكن أن يستبعد بعض مئات من أحاديث الصحاح. فإننا نؤمن أن كل ما قاله أو فعله الرسول خارج الإطار القرآنى إنما جاء بوحى سُنى، أريد به البقاء ما بقيت الدواعى والأسباب دون أن يكون له تأبيد وحى القرآن..

ولم تبدع دعوة الإحياء الإسلامى هذه الفكرة أو تخترعها من تلقاء نفسها أو بحكم هواها ورغباتها ولكنها بنتها على مقدمات ثابتة هى :

أ. أن القرآن الكريم أغفل ذكر تفاصيل عديدة بالنسبة للشعائر من صلاة أو زكاة أو بقية فرائض الإسلام الخ... وبالطبـع فإن إغفاله هـذا لم يكن نسيا..  ]وَمَا كَانَ رَبُّـكَ نَسِيًّا[.

وما نفهمه من هذا هو أن القرآن الكريم أراد للكليات الكبرى وحدها التأييد فذكرها أما تفاصيل هذه الكليات فلم يرد لها التأبيد ولو أراد لذكرها.

ب. لما كان من الضرورى تحديد هذه التفصيلات فإن القرآن وكل تبيانها للرسول ]لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[.

ج. قام الرسول بهذه المهمة لا من تلقاء نفسه، ولكن طبقا لوحى سنى يختلف فى طريقته ومقتضاه عن الوحى القرآن الذى كان له طبيعة مميزة ومقتضى صارم هو تبليغ النص القرآنى بحرفيته.

د. فى الوقت نفسه فإن الرسول نهى عن كتابة حديثه، وأمر من كتب شيئاً أن يمحه. وهذه قضية ثابتة لا يجوز التماحك فيها. فإن التدوين لم يبدأ إلا على رأس المائة الأولى للهجرة على يدى عمر بن عبد العزيز، وقد رفض الخلفاء الراشدين الأربعة تدوين السُنة.

ومدلول هذه الواقعة أن الرسول نفسه لم يشأ أن يكون لما أمر به من تفاصيل صفة التأبيد القرآنية، وبهذا التقى مع القرآن نفسه، وهو الأمر المنتظر.. فما جاء به الوحى السُنى يظل ما دامت الأوضاع تتحمله. وتتجاوب معه فإذا لم يحدث وجب العودة إلى القرآن الكريـم لاستنباط أحكام جديدة تتفق معه، ومع الأوضاع أيضاً دون أن يكون الداعى لهذا هو الهوى أو الاختيان.

وقد صرح بعض الفقهاء ومنهم السيد رشيد رضا، أن الصحابة رفضوا أن يجعلوا الأحاديث دينا عاماً ودائما كالقرآن. وذهبت إحدى فتاوى الأزهر أن السُنة لا تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم..

بل إن هذا هو ما صرح به الرسول عليه الصلاة والسلام فى الحديث عن عوف بن مالك قال: خرج علينا رسول الله وهو مرعوب متغير اللون فقال: "أطيعونى ما دمت فيكم، وعليكم بكتاب الله عز وجل فأحلوا حلاله وحرموا حرامه" وفى رواية "خطبنا رسول الله بالهجير وهو مرعوب فقال "أطيعونى ما كنت بين أظهركم وعليكم بكتاب الله أحلو حلاله وحرموا حرامه" هذا الحديث الذى اجتمع فيه أربعة من الصحابة يروى بعضهم عن بعض ينبىء بأن الرسول استشرف أن المسلمين سيحلون السنة دون أن يكون هو موجوداً ليظهر ما تطرق إليها من خطأ أو نسيان أو وضع محل القرآن الكريم فتملكه الكرب..

بهذين التخريجين لم تعد السُنة عقبة فضلاً عن أن دعوة الإحياء الإسلامى تجعل الرسول المثل البشرى والأعلى والأسوة لكل المؤمنين، وأنها تتمسك بما وضعه من تقاليد لما يكون عليه الحكم وهو جانب يرى الفقهاء أنه ليس تشريعا.

لن نغلق على الأصول الأخرى التى ابتدعها الأسلاف وأقاموا عليها الفقه السلفى، لأننا لا نأخذ بها. فالإجماع كأصل تشريعى فيما يستحدث من قضايا لم يوجد فى تاريخ التشريع الإسلامى، وقد أهال عليه الشافعى شبهات متكاثفة، وأنكره أحمد بن حنبل، أما الاجتهاد فإن الصورة التى وضعها الأسلاف له جعلته "قميص كتاف" لا أداة اجتهاد لأنها حصرته فى وحده العلة..

ومن ثم فلا تعليق على هذين الأصليين..
 

* * *

  المكوّنات الجديدة في الفكر الإسلامي 

كما ذكرنا أن موقفنا يختلف عن الأسلاف فعندما بدأ الأسلاف عملهم لم يكن لديهم سوى الكتاب والسُنة، أما نحن فلدينا بالإضافة إلى هذين أصول أخرى جاء بها التطور واستحدثتها ثورة المعرفة فى أربعة جنبات العالم. ونجد أصولاً لها فى القرآن الكريم وفى روح الإسلام ولكن روح العصر القديم. وبدائية وسائل ومعدات البحث حال دون ظهورها فنحن اليوم ننفض عنها الغبار وندفه بها فى خضم المعركة..

لقد قرأ الأسلاف القرآن على ضوء شمعة أو سراج ينونص، أما نحن فننظر فيه تحت ضوء المصباح الكهربائى قوته ألف شمعه، فنرى ما لم يرون، ويصبح لدينا مكونات جديدة..

هذه المكونات هى الإنسان، والزمان، والحكمة.

  أولاً : الإنسان  : 

عرف الإسلام الجاهلية على صورة للإنسان تختلف اختلافا حاسماً عن الصورة المغلقة المحكومة بالأعراف. فقد تحدث عن الإنسان كإسم جنس "يا بنى آدم" وربطه بالله تعالى الذى خلقه فى أحسن تقويم وكرمه أعظم تكريم وجعله خليفة فى الأرض وعلمه الأسماء كلها وأسجد له الملائكة وسخر له قوى الطبيعة بحيث استطاع هذا الإنسان أن يتحمل "الأمانة" التى عجزت عن حملها وأشفقن منها السموات والأرض..

وكان هناك معنى أعلنه القرآن حينا وتضمنه السياق حينا آخر ذلك هو أن الله تعالى أنزل القرآن للإنسان ولم ينزل الإنسان للقرآن. فالقرآن بكل قداسته ليس إلا الوسيلة التى أوحى بها الله تعالى لتحقيق غاية هى هداية الإنسان وإخراجه من الظلمات إلى النور.

لهذا فإن الإنسان فى أصل كل توجيهات القرآن وهو محور الخطاب القرآنى، وإذا كان القرآن هو المنبع فإن الإنسان هو المصب..

وليس شرطا أن يكون الصحابة قد تبينوا هذه الحقائق بالصورة التى نعرضها، والتى لم نتوصل نحن أنفسنا إليها إلا بفضل الثقافات والمعارف الحديثة، ولكن هذه المعانى نفسها انطبعت فى نفوسهم واستشفوها، بحكم تلاوتهم للقرآن واستماعهم له ثم ضربت ممارسات الرسول الذى كان "خلقه القرآن" لهم المثل وما يكون عليه تطبيق توجيهات القرآن..

فالقرآن الكريم قدس الحياة الإنسانية ونهى عن قتل الإنسان إلا إذا قتل آخر عامداً متعمداً، وإن كان قد فتح الباب لإحلال الدية أو الصفح محل القصاص.

وأراد القرآن أن يجفف منابع الرق، فحصرها فى منبع واحد هو أسرى الحرب بين المسلمين والمشركين ثم جعل مصير هؤلاء الأسرى ]فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[. وحتى يتم هذا فقد جعل القرآن "عتق رقبة" كفارة للكثير من الذنوب، وجاء الرسول فطبق هذا فى غزواته فأعتق أسراها وزاد فى الكفارات وفى الوقت نفسه، حرر الرق من أسوأ ما فيه، وهو المعاملة الوحشية التى كان العبيد يلاقونها – إلى الدرجة التى أعتبر فيها ضرب السيد لعبده أو صفعه أمراً يوجب عتقه ولدينا ثلاث حالات لذلك مما سجله التاريخ – جارية أبناء مقرن – عبد أبى مسعود – عبيد من أستفتى الرسول فى ضربه إياهم مما دفعه لتحريرهم، وبهذا وجد من لا يميز بين العبد وسيده لأنهما معا يلبسان زياً واحداً.

وساوى الإسلام ما بين الرجال والنساء ولم يفضل القرآن الرجال على النساء أو النساء على الرجال وإنما قال ]وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ[. أما درجة القوامة فهى مسئولية رعاية المرأة فى وقت ما كان يمكن للنساء أن يقمن بها، وأحاط الرسول النساء بكرامة خاصة وقال الرسول أنه لو كان مفضلاً أحداً لفضل النساء، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات إلى آخر ما هو معروف وما كان موضوعاً لعدد كبير من الكتب.

واعتبر الإسلام "بنى آدم" سواء لا تفصل بينهم حواجز اللون أو العنصر أو اللغة الخ... وأى شىء أجمل من الآية ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[. فانظر إلى الإعجاز الذى جعل هذه الكلمات الموجزة تستبعد الفروق العرقية وتساوى بين الذكر والأنثى وتجعل الأفضلية للتقوى. وتأمر بالتعارف بين الشعوب بعضها بعضاً.

وفى المجتمع الإسلامى أيام الرسول كان صهيب الرومى، وبلال الحبشى وسلمان الفارسى، كما كان العبيد الذى حررهم أبو بكر وغيرهم يكونون جميعا أسرة واحدة يعاملون جميعاً على قدم المساواة ولا يتفاضلون إلا بالعمل والتقوى إلى درجة تمنى فيها عمر "لو كان سالم (وهو مولى أبى حذيفة) حيا لأوصى له بالخلافة. وعندما طعُن فى المسجد أمر صهيب بأن يؤم الناس.

ويعرض القرآن الكريم الإنسان كما خلقه الله بضعفه وقوته بفجوره وتقواه وتحدث عن الضعف البشرى ...   "وخلق الإنسان ضعيفا" وقد بدأ هذا الضعف فى آدم ثم تطرق إلى البشر عامة، بما فى ذلك الأنبـياء أنفسهم فيما لم يكلفوا بتبليغه فقال عن آدم ]فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا[. وعن سليمان ]وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا[. وقال عن يوسف ]وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ[. وروى عن موسى ]وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا[. وقال عن ذى النون ]وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ[. وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم ]وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)[. ]وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً[. ]إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا[.

ولم ينف القرآن وهو بصدد الحديث عن المؤمنين احتمال وقوعهم فى خطأ أو استسلامهم لضعف، وقد رضى منهم أن لا يقعوا فى "كبائر الأثم والفواحش دون اللمم" الذى قال عنه أبو هريرة إنه كل ما دون الجماع وافتراض سياق الآية وقوعهم فيها، ووعد القرآن المؤمنين بأن يكفر عنهم سيئاتهم عند التقوى والأنابة وقال النبى "كل بنى آدم خطاءون وخير الخطائين التوابون".

وقال "يا أيها الناس أنكم لن تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا".

وصور لنا القرآن أثر الوازع المادى، وهو يقرن الأموال بالأولاد، بل هو يقدم الأموال على الأولاد. ويشير فى أكثر من سورة إلى حب المال الذى يتملك قلب الإنسان "إنه لحب الخير لشديد" "وتحبون المال حبا جما" ويلمس الضراوة التى يثيرها فى النفس جمع المال واكتنازه وما يخالجها من اعتزاز وإسراف وطغيان.. "إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى" وكيف يلهى المال الناس عن كل شىء حتى تفاجئهم القبور "ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر". وهو يبدى ملاحظة دقيقة: أن إحساس الغنى المفرط بثروته واعتزازه بماله. واعتقاده بقوته السحرية يصل إلى الدرجة التى يعتقد فيها أن المال سيهبه الخلود. وسيقربه إلى الله. وسيعفيه من السؤال والعقاب الذى يطبق على الفقراء، بل يعفيه من المسئولية كلها ]الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ(2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ(3)[. ]وَقَالُوا نَحـْنُ أَكْثـَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ[...

إن القرآن الكريم وإن كان يندد أشد تنديد بهذه النماذج من الناس، فإنه فى الوقت نفسه يقرر أنهم موجودون، ولا يوجب عقوبة دنيوية عليهم باستثناء ما أمر به من زكاة وما أوصى به من إنفاق.

والحق أن هذا هو جزء من الخط الرئيسى الذى يضعه القرآن أمام "الضعف البشرى" الذى يدفع البعض لتفضيل الدنيا على الآخرة – فهو يعترف بوجودهم وأن الله تعالى لا يحرمهم بل هو يعجل لهم ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19) كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّـكَ مَحْظُورًا[   {20 الإسراء}

وهو كذلك يتحدث عن المؤمنين الذين يغلبهم الضعف فى بعض الحالات فيرتكبون فاحشة فإذا استغفروا غفر الله لهم ]وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ[  {135 آل عمران}

]وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ[ .. {37 الشورى}

]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ[ .. {16 الأحقاف}

ففى هذه الآيات جميعاً نجد النهى عن "كبائر الإثم والفواحش" أما ما هو دون ذلك فإن الله تعالى يتجاوز عنه، وما يزيد عن ذلك يجبه الاستغفار والتوبة.

هذا التصوير من القرآن للإنسان لابد وأن يؤدى إلى وجود "تعددية" ولابد أن تتجلى عواطف هذا الإنسان ومشاعره فى فنون وآداب "يمكن أن تشبع ميله الغريزى من غناء أو رقص أو موسيقى الخ... ولا يعد مع هذا خارجاً عن الإطار الذى وضعه القرآن للإنسان.

ولكن صورة "الإنسان القرآنى" لا توجد فى التراث الفقهى أو الدعوات السلفية التى أبدعت إنسانها الخاص بها "الإنسان الفقهانى" إذ جاز التعبير، كما أبدع الرأسماليون "الإنسان الاقتصادى" الذى لا يعمل أو يتحرك إلا بوازع الربح، والإنسان الفقهانى يختلف تماماً عن الإنسان القرآنى، فهو الإنسان الذى أسلم أمره للفقهاء، فملأوا نفسه رعبا وذعراً من الإثم والذنوب وجعلوا هاجسه الأول هو كيف يتقى الوقوع فيها فهو قبل أن يقدم على شىء أو يتخذ قراراً يستفتى ويتأكد من سلامة و"حلية" هذا الإجراء وإعانة الفقهاء على هذا بإقامة سد عال يحول بينه وبين كل ما يظن فيه أو يشتم منه الحرمة بقاعدة سد الذرائع وهى "صوبة" يترعرع فى ظلها الإنسان الفقهانى ولكن ما أن ترفع عنه حتى يذهب به عصف الرياح وأشعة الشمس.

وواضح تماماً أن هذه السياسة تناقض سياسة القرآن التى أوردنا الشواهد عليها من الآيات العديدة كما تخالف سياسة الرسول الذى ارتأى أن الصلاة تجبُ السيئات، وقال كُتب على بنى آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر والأذنان ذناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه "رواه البخارى مختصراً ورمز له صاحب فيض القدير بالصحة ودعوة الإحياء الإسلامى تأخذ الإنسان كما صوره القرآن والرسول لاكما أراد له الفقهاء – وبالتالى فإنها ترى فى شتى مظاهر الحرية التى يمارسها الإنسان أمراً مقرراً، وطبيعياً وهى لا تدين هذه الحرية لأن الإسلام جعل التعامل معها رهن بصاحبها فإذا كان فيها ما يظن به مخالفة للإسلام فقد يستغفر، أو يتوب وستجب التوبة والاستغفار ما يظن أنه يجافى آداب الإسلام كما قد يصر عليها ويمضى على غلوائه، وفى هذه الحالة فإن الله تعالى سيتولى محاسبته يوم الحساب وليس هناك ما هو أصرح ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا[ {18 الإسراء}.. والقرآن لم يحدد عقوبة على ما ينزلق إليه الضعف ولكن على الشر كالسرقة والظلم، أو إذا اشتط الضعف البشرى بصاحبه إلى الاغتصاب – وهى الموبقة العظمى..

والهدف من هذا هو تحرير الإنسان من وصاية وتحكم الآخرين الذين لا يسيغون ما يقوم به البعض فينصبون أنفسهم قضاة، وإذا سمح بمثل هذا فلن توجد حرية فى المجتمع، ولا كرامة للفرد، فلنترك ما لا نوافق عليه لصاحبه، ونعرف أن له حقا، كما أن لنا حقنا فى انتهاج ما نريد، وسيحاسبنا الله جميعا يوم القيامة، فضلاً عن أن المسلك الأدبى للمجتمع سيسهم فى الحكم على التصرفات لأنه عندما يعزف عن تصرف ما، فإن هذا سيؤدى إلى انحسار هذا التصرف، وهذا العزوف السلبى حق لكل واحد لا يمكن أن ينكره عليه أحد وهو يكفى وحده للحكم على التصرفات ووجوه النشاط التى يقوم بها البعض.

ومرة أخرى فإن الحكمة التى قد تدق على مدارك الذين يعطون أنفسهم سلطة التحريم والتحليل – هى أن إطلاق حريات الأفراد وإفساح المجال للمبادءات سيؤدى إلى فتح أفاق جديدة أمام المجتمع ولا جدال فى أن القرآن والرسول أدركا هذا فى حين أنه دق على الفقهاء.

ومن هنا فيجب أن لا نتصور أن المجتمع الإسلامى لابد وأن يبرأ من وقوع ما يجاوز الآداب الإسلامية. فما دام هناك إنسان، فلابد أن يظهر شىء من فجور هذا الإنسان – أو ابتغائه حرث الدنيا – وقد وكل الله الحكم فيها إليه يوم الآخرة وليس هذا إلا نتيجة منطقية لطبيعة الإنسان كما خلقه الله، ولو لم توجد هذه التجاوزات ففيم تحدث التوبة والاستغفار؟ ولمن يوجه "النهى عن المنكر"؟ إن مجرد الوجود والحدوث يجب أن يُعد أمراً طبيعياً ومنطقياً، ولا هو يعنى الاستسلام له ولكن مجابهته بالحكمة والموعظة الحسنة، وكل واحد ميسر لما خلق له.. ]فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى[ {11 الليل}..

 

  ثانياً : الزمان : 
 

فى الزمان تصل السلفية إلى غايتها لأنها أسيرة الصورة العاطفية لعالم الأسلاف. فهى ماضوية حتى النخاع، وتتمنى من أعماق نفوسها لو أنها ولدت – أو لو استطاعت أن تعيش فى أحد القرون الثلاثة الهجرية الأولى التى قيل عنها إنها أفضل القرون.

فى العصور القديمة كان العنصر الأكثر تأثيراً فى المجتمع هو "المكان" لأن الناس كانوا مربوطين إليه، وخاضعين له، فلا يستطيعون تركه لصعوبة وسائل الاتصال، ولعدم المعرفة بما وراءه، كما لم تكن وسائل "تكييف الجو" أو تعبيد الطرق الخ... ميسره فكان الناس تحت رحمة المكان، ولكن العصر الحديث غير هذه الصورة بحيث ظهر "الزمان" وما يمثله من تطور، واختراع واكتشاف وتيسير للمواصلات وإبداع لوسائل تكييف الخ... بحيث فقد المكان أهميته، ثم جاء الطيران فأصبح الانتقال يتم فى السموات العلا، وفوق السحاب فمحا الحدود، وأصبح العامل الأكثر أهمية وتأثيراً فى حياة الناس هو الزمان، وخضع المكان لسطوة الزمان. فقد يكون شخص ما فى أدغال خط الاستواء ومع هذا يكون بيته مكيفا، وبه الثلاجة، وكل المعدات الحديثة وتأتى الطائرة لتنقل صاحبه من حر خط الاستواء إلى جليد أوروبا وهكذا فقد المكان آثاره وأصبح الإنسان هو الإنسان "الزمانى" وهو ما يوضح لنا جريمة تجاهل الزمان. فإن من يتجاهله ينفى نفسه من عالم العصر.

ولم تكف الكرة الأرضية بأسرها همة أوروبا، فانطلقت ترود الفضاء وأرست سفنها على القمر بينما انطلقت الصواريخ تسير نحو الكواكب البعيدة الأخرى..

ولكن شيئاً من هذا لا يزحزح فى ماضوية السلفية، ولا يحرك ساكناً فى نفوس أصحابها فهم يركبون الطيارات دون دهشة.. وكل ما يقولون ]سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ[.

إن النزعة الماضوية التى هى سر السلفية والتى تمسك بخناق الهيئات الإسلامية على اختلافها والتى يظنون أن فيها الإسلام والسلامة، وأن كل جديد فهو رد وكل بدعة ضلالة الخ... وأن السبيل الأمثل ما كان عليه الأسلاف.. نقول إن هذه النزعة تخالف روح الإسلام فى ناحيتين الأولى أن الإسلام مستقبلى وهى ماضوية ومستقبلية الإسلام تفوق أى مستقبلية أخرى والنظر إلى المستقبل هو سر ازدهار الحياة. فالفلاح الذى يغرس البذور لا يتصور أنه سيأكل منها فى يومه لأنه عندما غرسها فى الأرض حرم نفسه من لذة أكلها فقد أكلها ولو كان هناك ثمار وقد يكون عليه أن يظل سنوات طوال حتى تثمر الشجرة..

ويوفر التاجر من أرباحه فلا ينفقها على ملذاته ولكنه يدخرها ويعيد استثمارها ويحرم نفسه من الاستمتاع بها لأنه يعمل للمستقبل لا للماضى.

والإسلام كهذا الفلاح والتاجر لأنه يجعل الحياة بأسرها قنطرة للآخرة. ويكون عليه أن يجعلها عملاً وكفاحاً ودأبا وممارسة للصالحات وتجنب الشهوات قبل أن يدركه الموت...

ففكرة العكوف على الماضى واستلهامه مخالفة تماماً للإسلام لأنها تحول دون العمل والإبداع وأداء الصالحات وكبح الشهوات وتوجد بديلاً عن هذا كله فى التغزل فى هذا الماضى والإشادة به، أو تجعل الشحاذة منه عملاً وحرفة، وهى فى أعماقها مرض نفسى تبرر به النفس عجزها عن العمل، وسيادة السلبية عليها، والإسلام فى مستقبليته لا ينظر إلى الماضى ولا يقدس القبور، أو يعلى بنيانها، بل يطمس معالمها، وإذا كان قد سمح بزيارتها فللاعتبار، وقد رأى أن التمسح بأركانها أو تصور أى قوة فيها نوع من الشرك والماضوية فى حقيقتها "قبورية" ووثنية ..

ومن ناحية أخرى فالماضوية تتنافى مع الإسلام فى أنه موضوعى، أى يمثل الفكر والمبدأ والقيم فى حين أن الماضوية (ولك أن تقول السلفية) تمثل التراث.. التراث، والأشخاص، والممارسات. وفى حين أطلق الإسلام على اتباعه أسم "المسلمين" أى الذين يؤمنون بالإسلام وقيمه الموضوعية فإن الماضوية جعلت أصحابها يحملون أسم "السلفية" وما السلفية إلا إتباع السلف وطرائقهم ومذاهبهم وقد رفض الإسلام هذا وسمى اتباعه المسلمين أو المؤمنين ويتضح مدى الفرق فى أن وسيلة الموضوعية هى الفكر، وأن وسيلة السلفية هى التقليد فالفرق بين الموضوعية والسلفية هو الفرق بين التفكير والتقليد، وقد يصور هذا الآيات العديدة التى تندد بالذين إذا دعوا إلى ما أنزل الله (الموضوعية) قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا (السلفية).

وحتى الفكرة المتأصلة فى أذهان السلفية، والتى يكاد الإيمان بها يصل إلى المسلمات، وقد يقذف من ينكرها أو يخالفها بالكفر، فكرة أفضلية الصحابة على سائر البشر.. فى الحديث النبوى نفسه ما يخالفها عن أفضلية الذين آمنوا بالرسول ولم يروه على الذين آمنوا به ورأوه  فى أحاديث أوردها الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده مثل :

  • عن أبى محيزيز قال قلت لأبى جمعة رجل من الصحابة رضى الله عنه حدثنا حديثا سمعته من رسول الله قال نعم أحدثكم حديثاً جيداً، تغدينا مع رسول ومعنا أبو عبيده بن الجراح فقال يا رسول هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك قال نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بى ولم يرنى.

  • وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله وددت أنى لقيت إخوانى فقال أصحاب النبى نحن إخوانك. قال أنتم أصحابى، ولكن إخوانى الذين آمنوا بى ولم يرنى.

  • وعن أبى إمامة رضى الله عنه قال: قال رسول الله طوبى لمن آمن بى ورآنى مرة وطوبى لمن آمن بى ولم يرنى سبع مرات.

وهذا يدل على أن الأخلاف قد يكونون أفضل من الأسلاف وأن الذين لم يشاهدوا النبى وآمنوا به أفضل من الذين شاهدوه وآمنوا به.

فإذا قيل إن الرسول قال عن أصحابه "والذى نفس محمد بيده لو أن أحداً انفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". فإن ذلك إنما كان لأن كفاحهم مع الرسول أدى لظهور ونجاح الإسلام، وهو فى النهاية يصب فى تيار المستقبلية والموضوعية.


  ثالثاً : الحكمة : 
 

أخيـراً نأتى إلى المكون الثالث وهو "الحكمة" هذه الكلمة الثمينة التى لم تظفر بالأهمية التى تستحقها رغم أن القرآن قرنها بالكتاب، وقرنها بما يعمله الرسول فقال ]وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ[ {129 البقرة}.. ]وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[ {151 البقرة}.. ]وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ[ {231 البقرة}.. ]إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ[ {164 آل عمران}.. وظن الشافعى أن الحكمة هى السُنة، كما ظن ابن رشد أنها الفلسفة، وأخطأ كل منهما فلا يمكن اعتبار الحكمة سُنة لأن القرآن ذكرها منسوبة إلى داوود، ولقمان وعيسى والنبيين، وتكلم عنها بصفة مجردة فقال ]يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ {269 البقرة}..

]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ[  {125 النحل}

فهذه الاستخدامات لا تجعلها سُنة كما لا تجعلها فلسفة كما ذهب إلى ذلك ابن رشد ولكنها العقل السديد والفطرة السليمة. والحدس الصحيح والثقافة والمعرفة على مصراعيها.. لأنها هى التى توصل فى النهاية أى "الحكم" السليم..

لقد كان الإسلام هو آخر الأديان السماوية نزولاً، لهذا كان عليه أن ينفتح لكل الديانات ولكل الثقافات حتى لا يصبح الإسلام صندوقا مغلقاً وقد أظهر القرآن أن الله تعالى لم يشأ أن يكون الناس أمة واحدة، وأوجب على المسلمين الاعتراف بالأنبياء السابقين جميعاً "لا نفرق بين أحد منهم" ووجه المسلمين لأن يقولوا ]آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ[. وأوصاهم ]لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[. وأن الأمم والشعوب والأجيال كلها لم تسأل عما فعلتم وليس عليكم من حسابهم من شىء بما لا يدع أن كل النحل، بما فى ذلك المجوس والذين أشركوا هى ما سيفصل فيه الله تعالى يوم القيامة.. باختصار منح الإسلام بالنسبة للوقائع الذى كان أمامه الأبواب، فلم يوصدها عليه، أو عليها.. كما فتح الأبواب أيضاً بالنسبة للمستقبل – باعتباره آخر الديانات عندما قرر الحكمة مصدراً من مصادر الإسلام، وبهذا يمكن أن يدخل فى الإسلام كل ما هو صائب وسليم من الآراء التى تأتى من الشرق والغرب، وجعلها هى "ضالة المؤمن ينشدها إنى وجدها"..

إن الله تعالى الذى أرسل الرسول رحمة للعالمين وجعل الإسلام أداة لإنقاذ البشرية من الظلمات إلى النور وضع الضمانات وفتح الطريق أمام قوى التطور حتى لا ينغلق الإسلام أو يتجمد أو يتقوقع أو يتقولب... وإنما يكون مفتح الأبواب يتلقى الخير من كل مكان. لا يسأل عن المكان ولا الزمان ولا عن الشخص ولا يعنيه إلا المضمون.

إن تاريخ المسلمين فى إبان النهضة الإسلامية يثبت أنهم لم يترددوا فى ترجمة كتب الفلسفة اليونانية وكذلك بعض الكتب الهندية، وأنهم استخدموا المنطق فى التوحيد، والفقه، وأنهم نقلوا صفحات كاملة من التوراة فى بعض تفسيراتهم مما يمثل الحرية الفكرية أصدق تمثيل..

قرأت كلمة للكاتب اللبنانى المشهور أدونيس يعبر فيها عن ضيقه بأن يكون الإسلام ختام الرسالات جاء فيها أن ذلك يقوم على نظرة أو حرية تنفى غيرها، مدعية أنها هى وحدها تملك الحقيقة والمعرفة الأكثر كمالاً وشمولاً فى الكشف عن الحقيقة واعتبر أدونيس أن هذه الرؤية الدينية الوحدانية الإلهية تقوم فى صورتها الأكثر إحكاما ودقة على رسالتها التى هى الرسالة الإلهية الأخيرة وعلى أن النبى الذى نقلها أو بلغها هو آخر الأنبياء أو هو وفقا للمصطلح الإسلامى خاتم الأنبياء ويعنى ذلك برأى أدونيس أمرين أساسيين: الأول هو أن ليس للإنسان ما يعدله أو يضيفه إلى الرسالة الإلهية وليس على الإنسان إذا إلا أن يؤمن. أما الأمر الثانى فهو أن الله لم يعد لديه ما يقوله من حيث أنه أعطى كلامه الأخير لنبيه الأخير، فالمعرفة أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد من قبل الله..

واعتبر أن لهذه الرؤية على الصعيد المعرفى – الوجودى أربع خصائص، تتجلى فى الممارسة: الأولى هى أن الحقائق قائمة ومعطاة مسبقا بشكل كامل ونهائى. الثانية أعطت هذه الحقائق أصوات نبوية لا تخطئ. الثالثة الكلمة أكثر واقعية من الشىء وهى نفسها الواقع. والرابعة الخطاب تبعا لذلك هو الذى يصنع الوجود. وأضاف أدونيس: بما أن الحقيقة هى الكلمة فهى وراء الإنسان جاهزة ومسبقة والفكر خاضع لهذه الأسبقية لأن دوره هو فى شرح النص وفى تفسيره وهكذا يصبح الواقع أثر الكلمة فى النفس أو فى العقل.

نقول أما أن الإسلام ختام الديانات، فهذه دقيقة مادية عملية وقد يجوز له أن يبدى فيها رأيا، ولكن هذا الرأى لن ينفى حقيقتها وواقعيتها، كما لا ينفى أنها تؤذن ببلوغ البشرية سن الرشد عندما جعلت معجزتها كتاباً، وهل كان أدونيس يتصور أن من الممكن أن يتصل عهد الأديان وأن يظهر اليوم دين جديد؟ والحرب على الأديان القائمة على أشدها وما يمكن أن يقال تعليقاً على كلامه هو أنه تصور لعرض الفقهاء للإسلام وليس عرض القرآن الكريم ولا الرسول، وأنه لم يفطن إلى الاعتراف بالحكمة ومضمون ودلالة ذلك لأنه يحقق له كل ما يريد من إضافة، بل يحثه عليها كما أن القرآن لا يعترف بالجنسيات، ولا بالقوميات، ولا يكل "الخندقات" التى تقيمها بعض النظم أو المذاهب أو الأفراد، فالحكمة لا جنسية لها، ولا يجوز أن يحملنا شنآن قوم على أن لا نعدل "اعدلوا هو أقرب للتقوى".

إن الذين يلحظون هذا الملحظ فى الإسلام يقولون كما قال جوته، وليس أدونيس.. "إذا كان هذا هو الإسلام فنحن مسلمون"...

 

 

 

ما بعد السلفية [1] [2]

5