القسم الثانى
هدف الإصلاح الإسلامى المنشود إنهاء السلفية
والعودة إلى المنبع
الإصلاح المنشود، والذى يريحنا مرة، وإلى الأبد، من هاجس الإصلاح، ومن الإصلاح
الجزئى، ومن التعديل، ثم تعديل التعديل.. هو إنهاء السلفية التى ظلت مهيمنة على
الفكر الإسلامى طوال ألف عام، وإنما ظلت هذه المدة الطويلة لأن الظروف السيئة
التى أحاطت بالمجتمع الإسلامى أتاحت لها ذلك. وهى اليوم تتشبث بذيول الماضى،
وتطمع فى مدة أخرى وهيهات فقد تغير الزمان وتهيأ العصر لحركة الإصلاح الشامل
الذى ينهى عهد السلفية، ويقذف بعيداً بكل الغشاوات والتراكمات التى أهالتها على
الإسلام ويعود إلى المنبع الأصيل الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه.. القرآن الكريم..
ويصطحب بهذه العودة، وربما يسبقها فهم لطبيعة الدين – لأن الإسلام رغم تميزه
دين، ولابد أن يكون له طبيعة الأديان. إن من العجيب حقاً أن الجماهير من كل
الأجناس تلقت أديانها كأمر مقرر قضى عليهم بالتزامه. أو هو جزء من الميراث الذى
يرثه الابن عن أبيه وأمه وشأنه فى هذا شأن خصائصه الجسدية من طول أو قصر بياض
أو سواد أو نتيجة لوضعه الذى جعله يولد فى بلد ما فيحمل جنسيتها ويدين بدينها
لا فضل له فى هذا، فما من أحد سأله عن رغبته أو قبوله لهذا، وهو أيضاً لم يشغل
نفسه بهذه القضية، فأصبحت أمراً واقعاً.
ولم يحاول أحد أن يسأل نفسه لماذا يحمل اسم أحمد. بينما يحمل آخر اسم جورج،
ولماذا يدين هو بالإسلام ويدين الآخر بالمسيحية، وما هو الإسلام وما هى
المسيحية.. هذه أفكار لا تخطر للآحاد فى كل شعوب العالم، وقد تركت فى الشرق
والغرب للمؤسسة الدينية المختصة. أى الكنيسة فى المسيحية واليهودية والفقهاء فى
الإسلام وساد الاعتقاد بان الآحاد لا يمكن لهم معالجة الشأن الدينى، وأن هذا
تتولاه المؤسسة الدينية، ولكن المؤسسة الدينية لا تقدم طائلاً، فهى لا تريد
توعيه ولكن حفاظاً، ولا تسعى لتفهيم ولكن للاستحواز وشعارها الدائم، "ليس فى
الإمكان أبدع مما كان".
وبقدر ما كان هذا عاملاً من عوامل ثبات الأديان بقدر ما كان عاملاً من عوامل
جمودها..
إن هذه الجوانب
هامة لفهم أعماق الدين، وما يطرأ عليه من عوامل. وكيف يتعامل معها..
بعد هذا الفهم الجديد للدين، نعود إلى الإسلام لنفهمه بعد أن تسلحنا بهذه
الثقافة لنفهم مواقف الإسلام بوجه خاص سواء ما أشترك فيها مع الأديان، أو ما
اختلف عنها بحكم طبيعته المميزة..
وهذا ما سيضىء لنا الطريق التى يستهدفها.. عندما نعود إلى منبع الإسلام أى
القرآن إذ سيوصلنا إلى ما فيه من، الوسائل والغايات والأهداف والمقاصد وسيعلمنا
طريقة القرآن فى التعامل مع المشكلات والقضايا سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو
اقتصادية..
وبهذا نبدأ العهد الجديد – عهد ما بعد السلفية..
* * *
لقد استدار الزمان وها
نحن نجد أنفسنا فى مثل الموقف الذى وقفه أسلافنا فى القرون الثلاثة الأولى من
الهجرة التى كان عليهم فيها أن يلموا شعث المعارف الإسلامية وينظموها وينهجوها
فيما قدموه من حديث وتفسير وفقه.
وعلينا الآن وقد رثت هذه القواعد وعجزت عن التجاوب مع متطلبات العصر أن نشمر عن
ساعد الهمة، وأن نبدأ جولة جديدة نقدم فيها "ما بعد السلفية".
إننا نقف على مفصل من مفاصل التاريخ، نودع عهداً انقضى ونستهل عهداً لم يبدأ.
وإذا أردنا
تفصيل هذا الإجمال فيمكن أن نقول تبريراً لإنهاء السلفية. أن عوامل عديدة تجعل
هذا الإنهاء أمراً لازماً لا مفر منه.
-
من هذه العوامل أن الأساس المعرفى الإسلامى الذى وضع خلال القرون الثلاثة
الأولى تسللت إليه روايات دست عليه للنيل من الإسلام أو لتحقيق سياسات خاصة
ودقت على الأئمة بحيث أخذوا بها وكان هذا نقصاً فى صميم هذا البناء الرائع...
-
ومن هذه العوامل أيضاً أن هذا الأساس حتى لو كان سليما صحيحا، مبرءاً من
الخطأ عندما قدم أول مرة، فإن مرور ألف عام لابد وأن تجعله متخلفاً لاختلاف
الأوضاع ولتطور المجتمع تطوراً ما كان يتصوره العالم القديم. ولهذا الاختلاف
والتطور أثره على فهم الأحكام من ناحية، وعلى تطابق وتجاوب الأحكام من ناحية
أخرى.
-
ومن هذه العوامل أيضاً، أن أهم شىء هو أن نعمل عقولنا لأن العقول هى سلاح
الإنسان فى الحياة وهى ما تميزه عن الحيوان وما تهديه للتفريق ما بين الخطأ
والصواب وقد أوقفت أمة الإسلام إعمال عقولها طوال ألف عام حتى كاد العقل
المسلم أن يشل وعلته طبقات بعد طبقات من الصدأ والغشاوات ولابد من إزالتها.
ومن إيقاظ العقل النائم المخدر بأحلام الماضى – إلى ضرورة معايشته للواقع
ومجابهته للحاضر – وستكون هذه هى الخطوة الأولى لأن تستخدم عقولنا فى كافة
المجالات حى تكون النهضة شاملة.
إن من أعظم المآخذ على السلفية أنها غيبت العقل السليم وأحلت محله "النقل"
فأصبحت عقليه المسلمين عقلية نقليه وهو ما يقارب تعطيل العقل، وما ظلت السلفية
فستظل العقلية النقليه، ولن يحدث أى تقدم لا للفكر الإسلامى ولا للمجتمع
الإسلامى..
كما أن التطور الجسيم الذى انتهت إليه الأوضاع، وما أوجدته هذه الأوضاع من
مشاكل جديدة وقضايا جديدة، وما توصلت إليه من إنهاء أوضاع قديمة.. كل هذا يجعل
إنهاء السلفية أمراً لا مناص عنه، وأن بداية عهد جديد هو أيضاً أمر لا مفر
منه..
* * *
قلنا إن بداية "ما بعد السلفية" هى العودة إلى المنبع أى القرآن..
وتختلف نظرة التجديد المنشود إلى القرآن الكريم اختلافاً تاماً عن نظرة
التفاسير التقليدية..
بل إننا نرى أن هذه التفاسير أساءت إلى القرآن أكبر إساءة وفرضت عليه أفهام
وتصورات المفسرين ونقلت إليه عالم عصرها ومفاهيمه وما كان شائعاً من أساطير
وأقوال وخرافات الخ... ولهذا فلن يكون هناك إصلاح، ولا خلاص من السلفية، إلا
بالخلاص من التفاسير والتفسير الوحيد المقبول هو القرآن نفسه فإنه يفصل فى مكان
ما بجمله فى مكان، ويصرح فى مكان بما بضميره فى مكان آخر وتوضح استخداماته
للكلمة المتعددة للكلمة معانيها الخ...
من هنا فإن دعوة التجديد تستبعد الأخذ بالتفاسير بدءً من ابن عباس حتى سيد
قطب..
وهى ترى أن القرآن الكريم هو أولاً إرادة تغيير كاسحة لم تعرف البشرية لها
مثيلاً بحيث لا يكون من المبالغة القول إن الثورة التى أحدثها القرآن كانت أعظم
ثورة جماهيرية فى التاريخ لا يستثنى من ذلك ثورة اليهودية وإنقاذها بنى إسرائيل
من الاستعباد الفرعونى وثورة المسيحية وتحريرها للمستضعفين من الطغيان
الرومانى، إذ أجتمع لثورة الإسلام من عناصر الكمال ما لم يكتمل لهذين..
قبل الإسلام كان العرب يعبدون أوثانا لا تنفع ولا تضر ويقدسون الأعراف والعادات
التى تركها لهم آباؤهم وتقوم حياتهم على السلب والنهب آونة وشرب الخمر ولعب
الميسر آونة أخرى فندد القرآن بهم، وبآبائهم
]إِنَّمَا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا[.
]وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا
أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ[.
]قَالَ
لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[.
ووجههم نحو عبادة الله الخالق بديع السموات والأرض الرحمن الرحيم إليه يصعد
الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وله المثل الأعلى وصاحب الأسماء الحسنى، وما
ترمز إليه من رحمة وعدل وصدق ووفاء وحرية وعمق معنى العدل بكل الطرق وندد
بالظلم والطغيان..
وعرف القرآن المجتمع الجاهلى على أمر لم يكن له به معرفة هو الإنسان الذى كرمه
الله فجعله خليفة فى الأرض وعلمه الأسماء كلها وأسجد له الملائكة وسخر له ما فى
الأرض جميعاً بحيث تحمل هذا الإنسان "الأمانة" التى أبت السموات والأرض والجبال
أن يحملنها وأشفقن منها..
هذه المعانى: وأعنى إرادة تغيير ما خلف الأباء والتنديد بإهمال العقل، واتباع
الآباء والدعوة لتكريم الإنسان هى روح القرآن والمضامين الفعالة فيه.. وهى مما
لا تشير إليها التفسيرات التقليدية ولا الدعوات الإسلامية، ولعلها لم تتعرف
عليها وموقفهم منها لا يختلف عن موقف الجاهلية..
وفى القرآن الكريم إيماءات وإيحاءات تنطلق بسرعة البرق أو كلمح البصر – من
الخاص إلى العام – ومن الواقع إلى الواجب، ومن الحاضر إلى المستقبل، ولكلمات
القرآن وقع موسيقى ورنين كرنين الذهب والفضة يخترق الأذان إلى الوجدان. وهناك
من الألفاظ ما يقبل العديد من المعانى دون ابتسار أو تطويع، بحيث يمكن إعمال
تفسيرات عديدة، كل تفسير فى وقت معين، أو بالنسبة لمكان معين، بحيث يكون القرآن
الكريم مرجعا لكل الناس فى كل العصور، ونحن لم نجد صعوبة فى تفسير الآية 282 من
سورة البقرة (وهى آية الدين – أطول آيات القرآن) تفسيراً نقابياً يجعلها أصلاً
للاتفاقيات الجماعية. مع أن مثل هذا التفسير ما كان يمكن أن يخطر لمفسرى العصر
القديم لأن الاتفاقيات الجماعية لم تظهر فى العالم إلا فى منتصف القرن التاسع
عشر عندما استطاع العمال البريطانيون والأمريكيون تكوين نقابات قوية تستطيع
إبرام اتفاقيات أو عقود مع الشركات وأصحاب الأعمال. كما أن كلمة تظلمون الثانية
فى الآية
]فَلَكُمْ
رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ[.
تفسح المجال لتفسيرها بأن تكون قيمة الدين هى القيمة الحقيقية – وليست الاسمية
– للنقود وهى التى تهبط نتيجة للتضخم وبهذا تحل مشكلة الربا على أساس عادل
ومعقول، ولا تعد أى زيادة فى عدد النقود المقترضة لحدوث التضخم ربا، وإنما هى
إنصاف للدائن والقرآن يقرر العدل للجميع كما قال القـرآن أربع كلمات لحل مشكلة
الرق..
]فَإِمَّا
مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[.
وبهذا يمكن سد منبع الرق، أما ما كان قائماً بالفعل فقد أمكن للقرآن سده
بالاستجابة لطلب المكاتبة. ولكى يبرهن القرآن على وجود الله قال
]أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ[.
وهى أقوى من أى منطق يمكن أن يأتى به أرسطو، ولو فسر أحد اليساريين الآية
]الَّذِي
أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[.
بأن الدين هو "الخبز والحرية" لما كان متجنيا لأن "أطعمهم" إشارة صريحة إلى
الخبز، ولأن "آمنهم من الخوف" لا يمكن أن يتحقق إلا بالحرية، ففى المجتمعات
العريقة فى الحرية ينام المواطن ملأ عينيه دون أن يخطر بباله أن يدهمه زائر
الفجر.
ومثل هذا ما يقال عن أن القرآن حمال ذو وجوه وأنه يمكن أن يتضمن حكما كما يتضمن
نقيضه ويمكن أن يفهم منه واحد ما لا يفهمه واحد آخر. فهذا كله من مزايا القرآن.
لأنه يفسح المجال للتعددية. فالقرآن لا يريد أن يوقف الناس على مثل حد السيف
وهو يفسح لهم الأخذ بهذا أو ذاك، بما يضعه من بدائل وكل من يحتج بآية لا يرد
عليه بآية تخالفها لأن القرآن لا يضرب بعضه بعضاً، وإنما يكمل بعضه بعضاً
فالإسلام مُنَزل لكل الشعوب فى كل الأزمان، وحتى فى المجتمع الواحد فإن هذا
يثير الفكر ويحرك العزائم وفى النهاية يذهب الزبد جفاء، وأما ما ينفع الناس
فيمكث فى الأرض.
وظن بعض الساذجين أو المغرضين خاصة من المستشرقين أن وجود آيات فى القرآن تتفق
مع بعض ما جاء فى العهد القديم أو الأناجيل يثبت أن الرسول نقل فى القرآن هذه
المعلومات عن طريق اتصاله ببعض اليهود أو المسيحيين. وفاتهم ما قرره القرآن من
أن الدين أصلاً واحدا، ولذلك لا يستنكر أن يأتى القرآن ببعض ما جاء فى الكتب
السابقة، فضلاً عن أن من المسلم به أن اتفاق بعض المعلومات فى كتب مختلفة يمكن
أن يعود إلى أسباب غير النقل. إن المعلومة مبذولة فى السوق، ولكن من يصنع منها
الجواهر واللألئ ومن يستنبط منها الحكم والعبر، ولماذا لم يقم صاحبها بما قام
به محمد، والمفروض أنه وهو صاحب المعلومة، أقدر عليها.. وعلى كل حال فإن معالجة
القرآن وتكييفه لوقائع تضمنتها التوراة والإنجيل مختلف ومتميز فالحكم بأن ما
جاء فى القرآن منقول عن العهد القديم أو الأناجيل كلام لا قيمه له ولا يراد منه
إلى إثارة الغبار أمام الحق الأبلج...
ولم يفهم البعض أن توجد آيات تعرض قتالاً وأخرى توجب سلاماً فى حين أن الحرب
والسلام لابد وأن يعرضا للمجتمع. فقد حورب الإسلام بقوة وشراسة تتطلب المقابلة
بالحرب فتأتى الآية "وقاتلوهم" ولكن عندما لا يحارب الإسلام فتطبق الآية
]لا
يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْـهِمْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[
{8
الممتحنة}..
وقد توجد آيات تعد بثواب جزيل وتأتى آيات أخرى تحذر من عذاب وبيل، وكان لابد من
هذا لأن النفوس تتفاوت..
وكما قال شوقى
:
ومن العقول جداول وجلامد
ومن القلوب حرائر وإماء
وصاحب الطبع الجاف والقلب الغليظ يحتاج إلى هذه القوارع التى تجلده وتجعله
يتأثر. بينما تكون آيات الصفح والسماح واللين والمغفرة لذوى المشاعر النبيلة
كالنسمة الرقيقة.
ولو أن القرآن اقتصر على واحدة لما أثر ذلك على فئات عديدة من الناس موجودة
بالفعل سواء أحببنا ذلك أو كرهنا، ولا تزال فكرة الثواب والعقاب – رغم ما يوجه
لها من نقد هى أكبر ما يؤثر فى النفس البشرية وما يضبط سير المجتمع قديماً
وحديثاً.
وقد يذكر البعض دفاعاً عن "الحسد أو الجن" أن القرآن ذكرهما، ولكن ذكر القرآن
وجودهما لا يعنى أن لهما الآثار التى ينسبها إليهما الناس خاصة وقد قرر القرآن
أن لا شىء يمكن أن يؤثر أو يحول السنن، أى الأصول والأسس التى وضعها الله تعالى
للمجتمع أو الكون.
وكررت أستاذه فى جامعة الأزهر بصدد الدفاع عن تفضيل الرجال على النساء أن
القرآن قال
]وَلَيْسَ
الذَّكَرُ كَالأُنْثَى[.
وفاتها أن القرآن أورد هذا القول على لسان مريم التى كانت تعبر عن فكرة اليهود
وتفضيلهم الأبناء على البنات، واستشهد آخر مبرهناً على كيد النساء أن القرآن
قال
]إِنَّ
كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ[.
ولكن هذا إنما كان كلام أحد حاشية فرعون. فلا يحسب على القرآن فى شىء..
ومن الممارسات المرفوضة أن ينتزع بعض الناس آية أو جزءاً من آية من سياقها ثم
يستدل بها أو يستنبط منها حكماً لأن السياق فى القرآن هو الذى يحكم المعنى وقد
يتضمن ما قبل الفقرة المنتزعة ما لا يجعلها حكماً أو يرتفق عليها باستثناء أو
غيره، ولهذا فيجب لمن يريد الاستشهاد أن يأتى بأية أو اثنتين قبل الآية التى
يستشهد بها وكذلك آية أو اثنتين بعدها. وبذلك يستبعد الالتباس..
ولا يمس قداسة القرآن فى شىء أن تتضمن بعض آياته أحكاماً خاصة بالمجتمع العربى
فى القرن السابع الميلادى تعالج جوانب مما كان قائماً وقتئذ، فلما جاوز التطور
هذه الجوانب طويت الأحكام التى أصدرها القرآن عنها، فهذا أمر لم يكن منه مناص
إذ لم يكن القرآن ليتجاهل هذه الجوانب وهى تؤثر فى حياة المجتمع تأثيراً
بالغاً. فلم يكن للدولة بحكم التكوين القبلى للمجتمع العربى – جيش محترف تكون
مهمته القتال ويتقاضى أجوراً – وإنما كان الجيش يقوم على متطوعين كانوا يجدون
فيما يغنمون من سلاح وعتاد من أعدائهم ما يقنعهم، وقد انتفت هذه الصورة فظهر
الجيش المحترف الذى يأخذ مرتبات، وبالتالى لم تعد للغنيمة مكان. فطويت الآيات
التى جاءت فى القرآن الكريم عن الغنائم، ولعل مثال الرق أكثر دلالة، فقد وضع
القرآن الكريم مبدأ
]فَإِمَّا
مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[.
وطبقه الرسول، ولكن ظروف المجتمع لم تسمح بتطبيقه وقتئذ ولم يكن الذى حرر
العبيد هو ويلبرفورس فى إنجلترا أو لنكولن فى أمريكا، ولكن الآلة البخارية التى
جعلت عمل العبد عبئاً بعد أن كان كسبا فوجب التخلص منه، أى تحريره..
ولما رأى عمر بن الخطاب أن سهم "المؤلفة قلوبهم" لم يعد له مكان بعد انتصار
الإسلام، لم يتردد فى إيقافه رغم النص عليه فى القرآن كما جعل الطلاق مرة واحدة
لما رأى الناس أساءوا استخدام سلطاتهم، مع أن الآية صريحة "الطلاق مرتان"..
وقل مثل ذلك التوقف عن تطبيق الحدود فى الغزو أو فى المجاعات الخ...
وهذه السوابق توضح لنا أن الصحابة لم يكونوا جامدين، مغلقى الفهم أمام القرآن..
ولعلهم تذكروا أن القرآن نفسه قال
]وَالَّذِينَ
إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا
وَعُمْيَانًا[.
ويجرى القرآن تفاعلات ما بين هذه المضامين وطريقة تحقيقها، فالإيمان والاعتقاد
يقومان على الحرية دون أى دخل من السلطات أو ضغط من المجتمع، والأعمال
والعلاقات تقوم على العدل ويفصل فيها القانون الملزم لأنها تتعلق بحقوق مادية
للأفراد لا يمكن التنازل عنها أو الحيف عليها. أما الفضائل وإتباع القيم فإن
القرآن يضع مستوى يلحظ فيه القدرة وعدم مجاوزة الطاقة ويعد هذا المستوى هو
المستوى الملزم. ويمكن أن نسميه المستوى الوسط ويضع القرآن مستوى أعلى من هذا
هو مستوى الفضل والإحسان الذى يمكن للمؤمن أن يحقق فيه بقدر ما يدفعه إيمانه
ورغبته فى القربى إلى الله وخدمة الناس والمجتمع. وقدرته على ذلك وفى الوقت
نفسه يضع القرآن مستوى أدنى من المستوى الوسط لأنه يدرك طبائع النفوس وتفاوتها،
ولا يريد أن يحرم من يغلب عليه الضعف البشرى من رحمه الله، ومن قبول المجتمع،
فيتسامح فى اللمم ويتجاوز عن السيئات ما لم يرتب عليها شرور أو أذى
الآخرين..
وفى جميع الحالات يضع القرآن آلية هامة تمثل التفاعل خير تمثيل هى المقاصة التى
تقوم على التوبة وعمل الصالحات فى مقابل عمل السيئات بحيث يبدل الله سيئاتهم
حسنات، وهو منتهى الكرم الإلهى لأن الله لن يعفو فحسب عن سيئاتهم، ولكنه أيضاً
سيبدلها حسنات بما فعلوا من الصالحات.
وفى الفقه التقليدى، فإن الإنسان يحاسب على كل سيئة، ويثاب على كل حسنة، ولكن
فى فقه دعوة الإحياء الإسلامى فإن موقعه إنما يتحدد على أساس نتيجة المقاصة
وبعد الحساب الختامى لكل أعماله
]فأمَّا
مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
(6)
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ
(7)
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
(8)
فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
[
{9
القارعة}..
السُنة :
إن حركة التجديد الإسلامى الشامل، لا تجحد السُنة أو تنكر دورها. فهى ترى أن
تقبل السُنة هو ما أمر به القرآن عندما أوكل إلى الرسول أن يبين للناس ما نزل
إليهم..
مع هذا فنحن لا يمكن أن نغفل بعض الحقائق التى تتصل بها.
-
من هذه الحقائق أن السُنة لم تدون إلا فى المدة ما بين 100 – 250 عاماً
هجرياً، وسمح ذلك بوجود عشرات الألوف من الأحاديث الموضوعة... نكرر عشرات
الألوف.
-
ومن هذه الحقائق أيضاً أن اعتماد رواة الحديث على السند عن طريق التناقل
الشفهى طوال الفترة التى سبقت التدوين (حوالى 150 سنة) لا يمكن أن تكون طريقة
معتمدة فى الإثبات لأن التناقل الشفهى لا يصلح أساساً لتقرير الحقوق. خاصة
إذا تطاول الأمد، ولأن التركيز على السند هو تركيز على الواسطة، وليس على
الموضوع نفسه وقد أثبتنا ذلك فى كتابات عديدة وأشرنا إلى القرآن الكريم الذى
حدد طريقة معينة لإثبات الحقوق هى الكتابة الموثقة بشهادة شاهدين عدلين وأكد
القرآن
]ولا
تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً الخ...[
فإذا كان القرآن يشترط هذه الشروط لإثبات أحقيه بضعة دنانير فإنه فى إثبات
نصوص تضرب بها الأعناق وتستحل بها الفروج لابد وأن يكون أكثر تشدداً..
لا حل لهذا الإشكال إلا ضبط السُنة بمعايير من القرآن فما من مسلم يمكن أن يرفض
هذا أو يرى فيه حيفاً على السُنة، وإنما ضماناً وحرصاً على صحتها..
وقد وضعت دعوة الإحياء الإسلامى وهى الدعوة التى تنادى بالتجديد الشامل
وبدأ عهد "ما بعد السلفية" أثنى عشر معياراً قرآنياً فإذا خالف حديث أحد هذه
المعايير فإننا نتوقف عنده ولا نعمله، لأنه لابد أن توجد فيه علة (أنظر كتاب
السُنة "الجزء الثانى من كتاب نحو فقه جديد". و"كتاب الإسلام كما تقدمه دعوة
الإحياء الإسلامى").
بالإضافة إلى هذا التجديد الجذرى فى إثبات مصداقية الحديث الذى يمكن أن يستبعد
بضع مئات من أحاديث الصحاح. فإننا نؤمن أن كل ما قاله أو فعله الرسول خارج
الإطار القرآنى إنما جاء بوحى سُنى، أريد به البقاء ما بقيت الدواعى والأسباب
دون أن يكون له تأبيد وحى القرآن..
ولم تبدع دعوة الإحياء الإسلامى هذه الفكرة أو تخترعها من تلقاء نفسها أو بحكم
هواها ورغباتها ولكنها بنتها على مقدمات ثابتة هى
:
أ.
أن القرآن الكريم أغفل ذكر كافة التفاصيل بالنسبة للشعائر من صلاة أو زكاة أو
بقية فرائض الإسلام الخ... وبالطبـع فإن إغفاله هذا لم يكن نسيا .. ]وَمَا
كَانَ رَبُّـكَ نَسِيًّا[.
وما نفهمه من هذا هو أن القرآن الكريم أراد للكليات الكبرى وحدها التأييد
فذكرها أما تفاصيل هذه الكليات فلم يرد لها التأبيد ولو أراد لذكرها.
ب.
لما كان من الضرورى تحديد هذه التفصيلات فإن القرآن وكل تبيانها للرسول
]لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[.
ج.
قام الرسول بهذه المهمة لا من تلقاء نفسه، ولكن طبقا لوحى سنى يختلف فى طريقته
ومقتضاه عن الوحى القرآن الذى كان له طبيعة مميزة ومقتضى صارم هو تبليغ النص
القرآنى بحرفيته.
د.
فى الوقت نفسه فإن الرسول نهى عن كتابة حديثه، وأمر من كتب شيئاً أن يمحه. وهذه
قضية ثابتة لا يجوز التماحك فيها. فإن التدوين لم يبدأ إلا على رأس المائة
الأولى للهجرة على يدى عمر بن عبد العزيز، وقد رفض الخلفاء الراشدون الأربعة
تدوين السُنة.
ومدلول هذه الواقعة أن الرسول نفسه لم يشأ أن يكون لما أمر به من تفاصيل صفة
التأبيد القرآنية، وبهذا التقى مع القرآن نفسه، وهو الأمر المنتظر.. فما جاء به
الوحى السُنى يظل ما دامت الأوضاع تتحمله. وتتجاوب معه فإذا لم يحدث وجب العودة
إلى القرآن الكريـم لاستنباط أحكام جديدة تتفق معه، ومع الأوضاع أيضاً دون أن
يكون الداعى لهذا هو الهوى أو الاختيان.
وقد صرح بعض الفقهاء ومنهم السيد رشيد رضا، أن الصحابة رفضوا أن يجعلوا
الأحاديث دينا عاماً ودائما كالقرآن. وذهبت إحدى فتاوى الأزهر أن السُنة لا
تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم..
بل إن هذا هو ما صرح به الرسول عليه الصلاة والسلام فى الحديث عن عوف بن مالك
قال: خرج علينا رسول الله وهو مرعوب متغير اللون فقال: "أطيعونى ما دمت فيكم،
وعليكم بكتاب الله عز وجل فأحلوا حلاله وحرموا حرامه" وفى رواية "خطبنا رسول
الله بالهجير وهو مرعوب فقال "أطيعونى ما كنت بين أظهركم وعليكم بكتاب الله
أحلو حلاله وحرموا حرامه" هذا الحديث الذى اجتمع فيه أربعة من الصحابة يروى
بعضهم عن بعض ينبئ بأن الرسول استشرف أن المسلمين سيُأبدون تطبيق السنة أو
سيضعونها كالقرآن دون أن يكون هو موجوداً ليظهر ما تطرق إليها من خطأ أو نسيان
أو وضع محل القرآن الكريم فتملكه الكرب..
بهذا لم تعد السُنة عقبة فضلاً عن أن دعوة الإحياء الإسلامى تجعل الرسول المثل
البشرى والأعلى والأسوة لكل المؤمنين، وأنها تتمسك بما وضعه من تقاليد لما يكون
عليه الحكم وهو جانب يرى الفقهاء أنه ليس تشريعا.
* * *
لن نعلق على الأصول الأخرى التى ابتدعها الأسلاف وأقاموا عليها الفقه السلفى،
لأننا لا نأخذ بها. فالإجماع كأصل تشريعى فيما يستحدث من قضايا لم يوجد فى
تاريخ التشريع الإسلامى، وقد أهال عليه الشافعى شبهات متكاثفة، وأنكره أحمد بن
حنبل، أما الاجتهاد فإن الصورة التى وضعها الأسلاف له جعلته "قميص كتاف" لا
أداة اجتهاد لأنها حصرته فى وحدة العلة..
ومن ثم فلا تعليق على هذين الأصليين..
* * *
هذه إشارات موجزة لما يمكن لحركة التجديد الإسلامى أن تصل إليه، أشرنا إليها فى
إجمال يفرضه المقام، وأن هذا بحثاً، وليس كتاباً، وعلى من يريد التفصيل أن يعود
إلى كتب دعوة الإحياء الإسلامى مثل: "الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء الإسلامى"
"تثوير القرآن" "قضية التجديد فى الإسلام" الخ...
ولا يقل أهمية عن هذا كله ما توصلت إليه دعوة الإحياء الإسلامى من أن القرآن
الكريم فتح باب التجديد على مصراعيه أمام، الأجيال عندما قرن "الحكمة" بالكتاب
]وأنزلنا
الكتاب والحكمة[.
فجعلها مرجعاً. وأكدت السُنة هذا المعنى عندما جعلت الحكمة طلبة المسلم ينشدها
أنا وجدها، وهذه النقطة البارزة هى ما يتميز بها الإسلام لأنه خاتمة الأديان،
ولن يأتى دين يضيف إليه فكان لابد من فتح باب حتى لا يكون الإسلام صندوقاً
مغلقاً أمام الأجيال وهذا الباب هو الحكمة ونرى فى هذه الإشارة محاولة الإسلام
التخلص من "الطبيعة الدينية" للأديان التى تقوم على النقل والوحى، وإشراك العقل
خاصة بعد أن مهد له بالإشارات العديدة إلى "يتفكرون" "يتدبرون" "يعقلون" "ذوى
الألباب" الخ... بحيث يمكن القول دون ابتسار للحقائق أن الإسلام له جانب
"عقلانى" يتمثل فى الحكمة جعله القرآن قرينا "للكتاب" الذى يتمثل فى الوحى..
_______________ |