الحركة

 النقابية حركة إنسانية

[1]

 

 

 

 

الفصل الأول 
 

مقَوِّمات الإنسانية في الحركة النقابية

إنسانية مناط العضوية : "العمل"

إنسانية الأهداف النقابية

أ - زيادة الأجور وتقصير ساعات العمل

ب - تحريم تشغيل الأطفال والنساء

ج - التأمينات

د - العدل .. العدل

إنسانية الوسائل النقابية

أ - العمل الجماعي

ب - المفاوضة الجماعية

ج - الإضراب

 ______


إنسانيّة مناط العضويّة : "العمل"

معروف أن كل نقابة من النقابات تضم العمال الذين يعملون في صناعة أو حرفة أو مهنة معينة تحمل النقابة اسمها. أي أن مناط العضوية في الحركة النقابية هو "العمل" على اختلاف صنوف وأنماط هذا العمل..

فإذا قارنا هذا المقُدِّم "العمل" بمقومات الانتماء في الدعوات الأخرى لنظهر لنا أن في اعتبار "العمل" مناط العضوية معان إنسانية أكثر مما هي في تلك الدعوات الأخرى، التي قد يكون مناط الانتماء فيها هو الوطنية أو القومية أو الجنسية وهي مقومات لها محدداتها التي لا تنطبق على كل الناس. فقد يرى الرومان أنهم أفضل من اليونان. وقد يرى العرب إنهم أصلح من العجم. وقد يقول الألمان "ألمانيا فوق الجميع" فعندما يكون مناط الانتماء هو القومية أو الجنسية، فإنه لا يكون "إنسانيا" بالصورة المثلى، ويغلب أن يتسم بشيء من التعالي أو التميز على أجناس أخرى.

وقد يكون المناط "ديمقراطيا" عندما تكون العضوية لهيئة ديمقراطية. ولكننا سنرى في الفصل الثالث أن الديمقراطية عند التحليل الدقيق لها. لا تعني الشعب كل العشب، كما يوحي معناها، فالديمقراطية الأثينية، رمز الديمقراطيات وفخرها، كانت تحرم النساء والعبيد من حق ممارسة الحقوق السياسية ويغلب أن تحرم النظم الديمقراطية اليوم فئات معينة، أو تشترط سِناً معيناً ألخ...

وعندما يكون المناط هو الاشتراكية، وتكون العضوية لهيئة اشتراكية. فإن الاشتراكية تتجهم للفلاحين والتجار وترى في الرأسماليين جميعاً.. ودون أي تفرقه.. أعداءاً لا يمكن مسالمتهم...

أما عندما يكون المناط في العضوية لهيئة ما هو "العمل" مطلقاً فإن هذا المناط ينطبق على كل الناس، من كل الأديان والجنسيات والقوميات دون أي تميز، فهو أكثر إنسانية لأنه يشمل الناس جميعا ولا يميز بين الناس جميعاً. وقد جعل هذا النقابات أكبر المنظمات الجماهيرية في العصر الحديث. فهي تمثيل للعشب العامل. وجاوزت "عمومية" هذا المناط الحدود القومية بين الدول، فالاتحادات العمالية الدولية تجمع مناط العمل من كل دول العالم دون تفرقه أو تمييز... كما يتسع مناط العمل حتى ليشمل أصحاب الأعمال أنفسهم الذين يستطيعون تكوين "نقابات" ونلحظ هنا أن كتابات منظمة العمل الدولية واتفاقياتها النقابية لا تقصر كلمة نقابة على العمال. ولكنها تشمل المنظمات التي يقيمها أصحاب الأعمال أيضاً. فهي كلها منظمات مهنية...

وقد يقول قائل هناك الذين لا يعملون.. ولكن هذا يعود إلى سوء فهم كلمة عمل أو قصره على العمل الخارجي المأجور ولكن هذه تقييدات لا تقتضيها ضرورة كلمة عمل. وقد أخذ الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل الكلمة بالمعنى القرآني أي كل من يعمل عملاً صالحاً. وبهذا تكون ربات البيوت مثلاً من أكبر العاملين. لأن عملهم في تدبير المنزل وتربية الأطفال لا يقل أهمية عن العمل الصناعي أو التجاري. وكذلك عمل الحرفيين الذين لا يعملون لدى صاحب عمل أو تحت إشرافه. فكلمة عمل تتسع للجميع، ولا يجوز أن يحسب عليها تكييف بعض الناس لها.

على أن إنسانية العمل لا تقتصر على "عمومية الإطار" وعدم استثناء أحد منه، لأن جعل العمل هو المناط يهدم بالتبعية مناطات أخرى تقوم على التميز وكانت في أصل وجود الأرستقراطيات. فمناط النسب أو الدم الذي قامت عليه الأرستقراطيات، وهيمنت على العالم القديم، لا قيمة له في العضوية النقابية. التي تضم العمال جميعاً، في حرفة أو صناعة دون قيد أو شرط، أو حَسَب أو نَسَب..

ومرة أخرى فإن جعل العمل مناط العضوية النقابية يضفي على الحركة النقابية طابعاً إنسانياً. لأن العمل من أبرز خصائص "إنسانية" الإنسان، وهو بلورة ملكاته ومواهبه ورغبته في التقدم وإشباع الحاجيات. وإبداع الوسائل.. وكلها تصُبْ في "إنسانية" الإنسان. وبقدر ما ينفسح المجال أمام العمل، بقدر ما ينفسح المجال أمام ظهور المجتمع المدني، وما يضمه من مدارس ومكتبات ونواد ومساجد ومصانع، فالعمل هو ترجمة آمال وتطلعات الإنسان. تظهر في النفس ويحققها العمل.. وما كان يمكن للمجتمع الإنساني أن ينتقل من مرحلة البداوة والخيمة والكوخ والحياة البدائية إلى عوالم العصر الحديث الباهرة لولا العمل..

فجعل العمل مناط العضوية ربط ما بين الحركة النقابية والتطلعات الإنسانية وفتح أمامها كل الأبواب فتحولت من تطلعات وأمال وتصورات إلى أعمال ووقائع وحقائق.

ونعتقد أن الحركة النقابية كانت أكثر الحركات الجماهيرية توفيقاً في جعل مناط العضوية فيها العمل، وأنها أدركت بطبيعتها ما كان الإسلام قد قرره عندما جعل العمل مصداقاً للإيمان... ومعياراً للثواب والعقاب، وقدمه في بعض الحالات على الإيمان "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يرشك بعبادة ربه أحداً" ولم يكن في هذا يشد عن منطقه لأن الإيمان إنما يراد به إصلاح النفس والمجتمع، ولا يتأتى هذا أو ذاك إلا بالعمل... وعندما يُدفع العمل إلى الصدارة فإنه يُعلى المعيار الإنساني.. "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

إنسانيّة الأهداف النقابيّة:

مما يثير الدهشة حقا أن يدق المضمون الإنساني للأهداف النقابية على كثير من الناس. في حين أن هذا لا يتطلب ذكاءً حاداً ولا هو من الخفاء بحيث يعسر التوصل إليه. ولعل من أسباب ذلك أن الكُتَّاب والمفكرين لم يعيشوا يوما ما معيشة العمال فيلمسوا حقيقة المتاعب والصعوبات التي تكتنف حياتهم وقسوة الحاجة التي تنحط بهم إلى مستوى تنعدم فيه إنسانية العامل. وبالتالي فقد دق عليهم "إنسانية" الأهداف النقابية التي انتشلت العمال من هذه الأوضاع اللاإنسانية إلى أوضاع جديدة تستعيد لهم إنسانيتهم.

أ - زيادة الأجور وتقصير ساعات العمل..

إن علينا بادئ ذي بدأ أن نعلم جيداً أن الإنسان لا يحس بإنسانيته عندما لا تتوفر له الظروف المادية المواتية للحياة الكريمة. من أجر كاف. وساعات عمل محدودة ورعاية للصحة ألخ.. وإذا استمرت هذه الظروف سيئة فإنه يفقد – مع الزمن – خصائص الإنسانية.. إذ كيف يستشعر شخص ما إنسانيته، أو يمارسها إذا كان يعمل ثلاث عشرة ساعة متصلة عملاً مرهقا بحيث يعود إلى بيته ليرتمي على فراشه كجثة هامدة لا يحركها إلا ضرورة عودته للعمل.. والاجاع وهكذا يكدح في الصباح لينام بالليل وهلم جراً. فأين هي الحياة الإنسانية هنا. أين وقت القراءة.. أين وقت الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا وطيباتها.. أين وقت رعاية الأبناء وملاعبة الزوجة.. وهل تختلف حياة عامل بين العمل والنوم عن حياة "الثور" الذي يدير الساقية.

إن إطالة ساعات العمل لا تمحو إنسانية العامل فحسب، بل هي تختصر عمره، وتقضي عليه بالموت في سن الخمسين بعد ان يكون قد شاخ في الأربعين. كما كان الحال بالنسبة لعمال الفحم في بريطانيا لأن مثل هذا العامل ظل يكدح منذ أن كان صبياً، فعندما يبلغ سن الأربعين يكون قد أمضى في المنجم المظلم خمسة وعشرين عاماً يخرج بعدها حطاماً. وقد استنزف الرأسماليون البريطانيون حياة ثلاثة أو أربعة أجيال من العمال قبل أن تتوصل الحركة النقابية إلى تقصير ساعات العمل بحيث يعيش العامل عمره الافتراضي الذي أراده له الله.. لا الرأسماليون..

وقبل أن يؤسس العمال النقابات كان الذي يحدد الأجور هو قانون العرض والطلب. ولما كان عدد العمال أكثر من عدد الوظائف فقد هبطت الأجور، وكان يفترض طبقاً لاقتران قانون العرض والطلب بظاهرة زواج العمال وإنجابهم أن تبخس أجور الجيل الثاني من العمال أكثر من أجور الجيل الأول. لأن الجيل الثاني تزوج وأنجب في حين أن الوظائف قلت لزيادة استخدام الميكنة. وهكذا تنزل أجور هذا الجيل الثاني، وتتكرر المأساة مع الجيل الثالث والرابع حتى يصل الأجر إلى الكفاف الذي لو نزلت عنه لمات عدد من العمال جوعاً. ولو مات عدد من العمال جوعاً لقل عددهم، ولو قل عددهم لارتفع أجرهم. وهذا هو قانون الأجور الحديدي الذي حدد للعامل جحيما "لا يموت فيه ولا يحيا" وكان من الممكن أن يتحقق هذا، فقد تخلت الكنيسة عن العمال. وكانت الحكومة هي حكومة أصحاب الأعمال، وكان المناخ هو مناخ الأثرة الفظة "كل لنفسه وليأخذ الشيطان الأخير‍" وصارح مالتوس الفقراء أن ليس لهم أن يشكوا.. فلم يستأذنوا الطبيعة قبل أن يأتوا.. وأن على الفقراء أن يعملوا لكي لا يزدادوا فقرا. وبررت كل سوءات الرأسمالية بمبررات بدت معقولة‍ فالبطالة ليست نقمة، بل هي نعمة وجزء لا يتجزأ من آليات النظام. وكيف يمكن أن تُفتح أو تُغلق المصانع ما لم يوجد هذا الجيش الاحتياطي من العمال العاطلين، وساعات العمل الطويلة المرهقة حسنة‍‍ لأنها تَّعود الأطفال العمل والدأب وتقضي على نزعة الكسل، والأجور الضئيلة مطلوبة لأنها تجبر العمال على مواصلة العمل وتحول بينهم وبين التردد على الحانات!

كان من الممكن أن يتحقق هذا الجحيم الذي يعيش فيه العمال كما لو كانوا قطيعا آدميا، مسخراً للعمل وتستبعد منه كل إثارة لإنسانية...

لو لم تقُم النقابات...

فقد ظهرت النقابات وأبدعت تكنيكاً لم يتصوره دهاقنة الصناعة والاقتصاد السياسي حينئذ، واستطاعت بهذا التكنيك أن تقارع الرأسماليين بسلاحهم. إذ "احتكرت" عرض العمل فشلت حرية هذا القانون وانطلاقته التي تحكم على العمال بالعبودية ووجد أصحاب الأعمال أنفسهم ذات يوم وقد ظهرت هيئة أسمها نقابة تضم كل العمل. وتتقدم باسم العمال طالبة زيادة في الأجور وتقصيراً في ساعات العمل ألخ... فإذا رفضوا فلن يعمل لديهم عامل واحد‍ !

لقد أسقط في أيديهم، فمهما كانت الآلية فالعمل هم الذين يحركون الآلات. والعمال في النقابة، وإلى النقابة سار أصحاب الأعمال، أو أنهم قابلوها في منتصف الطريق. ووجدوا أنفسهم يجلسون مع العمال على مائدة واحدة ويتساومون في المطالب.. ويسلمون للعمال بما يمكن أن يحول بينهم وبين الإضراب. ويوقِّعون "اتفاقية جماعية".

كان هذا انتصاراً مؤزراً. في إبداع الأسلوب والوصول إلى النتيجة. ومن هذه اللحظة وقف نزول الأجور وامتداد ساعات العمل. والاستبداد الطليق بالعمال. فهل هناك قصة أكثر إنسانية من هذا؟ وهل هناك انتصار في معركة اجتماعية يماثله ؟

ولم تقف النقابة عند البداية التي أبدعتها. إذ وضعت سياسة دقيقة ومحكمة لكفالة استمرار زيادة الأجور عند تجديد كل اتفاقية، ومدتها في العادة ما بين سنة وثلاث سنوات، وحدَّدت هذه الزيادة بشكل يجعله الأفضل لصاحب العمل ويحول بينه وبين أن يدخل معركة مستقتلة مع العمال.. أو يغلق المصنع ألخ… بحيث أذعن في النهاية، وبذلك فرضت النقابات علاوات دورية على الأجور، وعلاوات أخرى طبقاً للإنتاج. وعندما خدعها أصحاب الأعمال. فمنحوا العمال الزيادات المطلوبة في الأجور، ثم رفعوا الأسعار. بما يزيد عن زيادة الأجور، ووجد العمال أنهم كمستهلكين يخسرون ما كسبوه كمنتجين، لم تستسلم النقابة، إذ توصلت إلى إدماج مادة في الاتفاقيات الجماعية تنص على أنه إذا زادت أسعار المواد الرئيسية التي هي قوام معيشة العامل من خبز أو لحم أو سكر أو زيت ألخ.. بنسبة مئوية معينة. فإن الأجور تزيد بالنسبة المئوية التي زادت بها الأجور..

فلم يعد العمال في حاجة إلى "دعم"...

وهكذا استطاعت الحركة النقابية أن ترفع المستوى العام للأجور. وأن تكفل له زيادات دورية، وزيادات مع زيادة الإنتاج وزيادات مع زيادة الأسعار.. وكل زيادة من هذه الزيادات المادية لها ترجمتها الإنسانية: عواطف ومشاعر، واستقرار وآمن.. ورضا وقدرة على الاستمتاع بالحياة وممارسة مجالات النشاط الإنساني من فنون وآداب.

ولم يقتصر فضل الحركة النقابية في مجال الأجور على العمال. لأن من المعروف أنه عندما تزيد أجور فئة ما من العمال فإن هذه الزيادات تنتقل إلى أجور عمال آخرين، ثم إلى فئات أخرى غير العمال من حرفيين أو فلاحين. وفي إنجلترا يقولون "إذا زاد أجر الفحام زاد مرتب الأسقف". فعمل الحركة النقابية الذي بدأت به نقابة أو نقابتان تحول إلى ثورة سلمية أعادت توزيع الدخل فأخذت من الأغنياء وأعطت الفقهاء وحققت العدالة الاجتماعية لا بالنسبة للعمال فحسب، ولكن لكل فئات المجتمع..
 

ب - تحريم تشغيل الأطفال والنساء ..

كان من أهداف الحركة النقابية في أيامها الأولى تحريم تشغيل الأطفال في مصانع الغزل والنسيج ومحالج القطن. وتحريم تشغيل النساء داخل مناجم الفحم. وكان الباعث لها مزدوجاً. فهذا التشغيل كان منافسة غير مشروعة للعمال، وفي الوقت نفسه انتهاك فاضح للحقوق الإنسانية. إذ عندما يباح تشغيل الطفل في سن السادسة، فإن هذا يعني القضاء المبرم على طفولته، وعلى حقه في أن يلعب ويرتع، وهو يعني إغلاق الطريق أمام المدرسة.. وحكم عليه بالأمية... ثم هو يدمر جسمه الغض قبل أن يشتد عوده أو يصلب قوامه، وقد كانت صورة بعض هؤلاء الأطفال الذين يعملون في مناجم الفحم تظهرهم كما لو كانوا شيوخا تعلوهم الغضون.. وليسوا أطفالاً في ميعة الصبا...

ولكي يزيد الطين بله، فقد كان هؤلاء الأطفال يعملون ساعات طويلة، ساعات غير محددة في الحقيقة، ويخضعون لمعاملة فظة من ملاحظين قساة. وفي إنجلترا كان كثير من هؤلاء الأطفال من "أطفال الإبراشيات" التي كانت تضم الأيتام واللقطاء والمشردين وأبناء المسجونين وكانت الكنيسة تتولاهم بالرعاية، وكانت تسعد بالتخلص منهم عندما يطلبهم أصحاب الأعمال بحجة تعليمهم صنعة مفيدة تنفعهم في مستقبل حياتهم، وتحول دون أن يكونوا لصوصا أو شحاذين. وما أن "يشحنهم" صاحب العمل لمصنعه حتى لا يعد لهم حامً أو نصير. وقد سجلت روايات كنجسلي وود وشارلس ديكنز وكتاب إنجاز عن ظروف الطبقة العاملة في بريطانيا، الفظائع والمنكرات التي تعرض لها هؤلاء الأطفال، من الغريب أننا وجدنا في مصر في مستهل القرن العشرين. صورة أخرى لما عاناه الأطفال في بريطانيا في مستهل القرن التاسع عشر. وكتب كاتب صحيفة اللواء في 12 فبراير سنة 1904 يقول "إنهم طفلات صغيرات من سن 12 فما دون حافيا نصف عاريات لا يقيهن من هذا الطقس الشديد البرودة إلا القميص الأزرق وهو شعارهن ودثارهن وهن ذاهبات في الليل البهيم إلى وابورات الحليج ولا حديث لهن في الطريق إلا خوف الخولي وضربه لهن بالسياط إذا تأخرن عن الميعاد بضع دقائق أو نصف ساعة على الأكثر".

وصور الكاتب العمل في المحلج فقال :

"إن العمل يجري في وسط غبار وألياف القطن تتطاير فتسد المنافس وتزهق الأرواح والبرد القارس يجمد الدم في العروق والطفلات المذكورات واقفات كالآلات المتحركة يلقمن القطن للدواليب صابرات صبر الكرام. ثم يمكثن مواليات عملهن إلى الساعة السادسة مساء حتى تكاد كل منهن أن تقع خوراً وقد يستبد بعض أصحاب الوابورات مع هؤلاء الطفلات فيزيدون لكل واحدة منهن نصف قرش على أجرتها اليومية نظير زيادة ثلاث ساعات أي إلى الساعة التاسعة مساءً".

وعلى بُعد العهد، واختلاف المكان، فإن الكاتب المصري صوّر في سطوره ما عرضه كُتَّاب بريطانيا في رواياتهم التي سبقت إليها الإشارة...

أما تشغيل النساء داخل مناجم الفحم، فلم يكن ليقل قسوة. وفي حالات عديدة كانت الفتيات يسرن على أربع وقد ربط في أعناقهن حبل ليمكنهن جر العربات المحملة بالفحم في الممرات الضيقة..

وعندما قاومت الحركة لنقابية هذه الصور الشائنة باعتبارها منافسة غير مشروعة، وإهدار لإنسانية أصحابها، فإنها برهنت لنا على ان الجانب المادي ليس مضاداً دائماً. أو بالضرورة، للجانب الأدبي، وأن ما يحقق مصلحة لفريق لا يستتبع مضرة لفريق آخر. وقد أنقذت الحركة النقابية إنسانية هؤلاء الأطفال والنساء، ومكنتهم من أن يكونوا مواطنين صالحين، وأناس يعيشون حياة الإنسان. وليس كدح الحيوان...

 

ج - التأمينات ..

كان من الأهداف النقابية الأولى تحقيق التأمينات على اختلافها للعامل : التأمين ضد المرض وإصابات العمل، التأمين في مواجهة الشيخوخة والقاعد، لتأمين د البطالة. إذا لم يكن أي عامل مؤمن في مواجهة هذه الطوارئ. وما كان صاحب العمل ليرى نفسه مسئولا عن أي شيء منها حتى إصابات العمل. فإن العامل هو المسئول عنها. وكانت الاثره والأنانية والقسوة وجحود القلب تقف دون أن تتبناها هيئة أو جماعة حتى جعلتها النقابات من أهدافها وتمكنت بوسائل الضغط من أن تفرضها على صاحب العمل.. أو الدولة.. وبهذا استطاع العامل أن يأمن هذا الشبح المخيف البطالة.. أو المستقبل المرعب شيخوخة دون مورد أو مرض يصيب صحته، ولا يجد تعويضاً له... وماذا كان يمكن للعامل أن يعمل عندئذ ما لم يؤمَّن..؟ كان عليه أن يشحذ أو يبحث عن الملاجئ.. أو يرتكب الجرائم ليدخل السجن حيث المأوى.. والمأكل !!

وقبل أن تظهر الحركة لنقابية. كان الرأسماليون يعاملون العمال "كأيدي عاملة" ليس لها حرية أو إرادة. وكان المصنع سجنا.. والملاحظون سجانين وكانت العقوبات من خصم أو فصل أو حرمان.. تترى دون مساءلة.. ولم يكن هناك شيء أسمه "كرامة العامل" فاستخدام اللغة المهينة والسباب كان فاشياً، بل كان الضرب والركل مما يلجأ إليه كثير من أصحاب الأعمال. وكان من المطالب الأولى لعمال ترام القاهرة والإسكندرية في مستهل القرن أن تكون المعاملة بالحسنى وأن يوقف استخدام السباب والضرب والركل.. ولما قامت الحركة النقابية حمت كرامة العامل وصانت اسمه وشخصه، ولم يعد مقصوراً أن يُسِب العامل أو يضرب.. ثم سارت النقابة خطوات واسعة بعد ذلك بحيث جعلت للعامل صوتا في إدارة الصناعة ـ وجعلت من موقع العمل بيئة ديمقراطية تنمي بذرة المواطن الديمقراطي. على ما سيلي في هذه الرسالة..

 

د - العدل .. العدل ..

وأخيراً، فإذا جاز لنا أن نُجمل الأهداف النقابية في كلمة واحدة لكانت هذه الكلمة هي العدل. فالنقابات لم تطالب بالاستحواز على المصانع وإبعاد أصحابها. أو "اغتصاب المغتصبين" على حدّ تعبير لينين أن كل ما أرادته الحركة النقابية هو أن ينال العامل مقابلاً عادلاً لقاء عمله. وما يبذله من ساعات طويلة، وما يتوصل إليه بحكم عمله ومهارته من إنتاج. حقا إن الحركة النقابية تحدثت عن استغلال الرأسماليين، ولكن هذا نفسه يدل على أن مطلبها كان موجها ضد "الاستغلال" وليس ضد "الرأسماليين" وقد أقامت النقابات تكنيكها كله على أساس وجود الرأسمالية. ولو تهدمت الرأسمالية لتهدم معها كل البناء النقابي الذي قام على أساس التعامل معها. إن ما أرادته الحركة النقابية هو العدل. وهي لا تقاوم إلا الظلم…

والعدل هو قوام الإنسانية وواسطة عقد القيم والمبادئ فيها وبدونه يختل المجتمع الإنساني ويتحول إلى الاستبداد في السياسة والاستغلال في الاقتصاد. ولا شيء يحيف على الإنسانية كهذين. فإذا كان هدف النقابات هو العدل. فهذا أصدق دليل على عمق إنسانيتها..

وهناك شيء آخر، فإن الحركة النقابية عندما تجعل العدل هدفها الأعظم، فإنها تقترب من الإسلام، بل تتلاقى معه لأن محور الإسلام و"مايسترو" القِيّم فيه هو العدل.

 

إنسانيّة الوسائل النقابيّة :

إذا كانت الأهداف النقابية من زيادة أجور وتقصير ساعات العمل وكفالة التأمينات وحرص على كرامة العامل.. كلها ذات طبيعة إنسانية تنبع من بحيرة الإنسانية. ثم تدور لتصب فيها. وتسهم مع بقية الحركات الإصلاحية – سياسية واجتماعية – في تعميق القيم والمعاني الإنسانية. فإن الوسائل التي اصطنعتها الحركة النقابية لتحقيق أهدافها تتفق أيضاً مع الطبيعة الإنسانية. ولا تخالف الضوابط والحدود التي وضعتها الإنسانية، أو تكون على حسابها، فالحركة النقابية التي كانت إلى حد كبير فطرية، وبنت المَلَكة الطبيعية للعمل – نجت من التحايل الذي تبرره بعض النظريات لتقبل وسائل سيئة لتحقيق غايات حسنة، ولتطبق مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة". أن الحركة النقابية لم تنزلق إلى هذا المنزلق. وكانت وسائلها كلها إنسانية وحسنة تعمل لتحقيق أهداف إنسانية وحسنة، وهو ما يتضح عند معالجة أبرز وسائلها – كالعمل الجماعي – والمفاوضات الجماعية. والإضراب..

 

أ - العمل الجماعي ..

كانت نقطة الإطلاق في الحركة النقابية إيمانها أن العمل الفردي – بالنسبة للعمل – عقيم. وأنه لا يمكن أبدأً أن يكون وسيلة النهضة. إن العمل الفردي هو ما يمليه المجتمع "البورجوازي" الذي يقود على الفرد، ويتصور أن المجتمع مجموعة أفراد كل واحد منهم أدرى بمصلحته. وما أن تطلق له الحرية ليحققها. حتى تتحقق مصلحة المجتمع ككل. بفكرة أن مصلحة المجتمع هي مجموع مصلحة هؤلاء الأفراد. أدرك العمال ما في هذا التصور من خطأ، وعلموا أن الحرية الطليقة للأفراد ستؤدي إلى تفوق الأذكياء.. والأغنياء والأقوياء.. والذين وجدوا أنفسهم عند لبداية في وضع مميز على سواد الناس وعامتهم ممن لا يتصفون بذكاء خاص أو قوة استثنائية. وقد نهضت هذه المجموعة المحظوظة بنفسها، وقدمت إضافتها للمجتمع. وأثْرَته – كما أثْرَت نفسها. ولكن بقية الشعب وسواده الأعظم ظل حيث هو.. وقد يكون بعضهم قد نال شيئا من فتات المائدة، أو سنحت له فرصة التقدم ولكن القاعدة ظلت كما هي، بل أن هذا المنطق باعد ما بين الأقلية والأغلبية، وأبرز الفروق بينهما. وقضى بأن تظل القاعدة في القاع.. لا يمكن أن تتقدم كقاعدة حتى وأن برز آحاد تميزوا بذكاء خاص أو ظروف استثنائية.

ولم يكن العمال بحاجة إلى منَظَّر أو فيلسوف لكي يبلور لهم هذا المبدأ، لأنهم يعيشونه ويعانونه يوماً بعد يوم، ويعلمون تماماً أن تقدم بعض أفراد منهم لا يمس القاعدة. فإذا أريد تقدم القاعدة فلابد من أسلوب جديد.. أسلوب جماعي لا فردي. كان لمس العمال لهذه الفكرة هو بداية العمل النقابي، إذ أدى إلى اتحادهم في نقابة، وإلزامهم أنفسهم التسليم بضرورات العمل الجماعي وظهور النقابة كهيئة يوكلها العمل للحديث والعمل باسمهم وهذا هو السر في أن يكون الشعار التقليدي للنقابة "الاتحاد قوة" وأن تظهر في الكتابات النقابية صور الأيدي المتصافحة.. أو الصفوف المتلاحمة..

ما يعنينا هنا هو تلمس المضامين الإنسانية في العمل الجماعي وقد يتطلب الأمر ضرب مثل برجل يعيش وحده. هذا الرجل لا يعشر بقيم المشاركة أو سماع الرأي الآخر.. أو ملاحظة ما يقتضيه وجود فرد آخر. أن عالمه هو نفسه لا يشاركه فيد أحد..

لنفترض أن هذا الرجل تزوج. إن تغييراً حاسماً قد حدث نتيجة لأنه لم يعد وحده، وإنما أصبح له شريكة يكون عليه أن يلحظ مشاعرها ورغباتها ولم تعد مشاعره هي الوحيدة.. ولم يعد قادراً على أن يتصرف كما كان يشاء عندما كان وحيداً، يخرج كما يشاء، ويعود كما يريد..

ومرة ثانية لنفترض أنهما قد انجبا، إنه يجد هو وزوجته أن عليهما أن يلحظا هذا القادم الجديد، وما تتطلبه ترتيبته، وأن يخضعا هواهما لمصلحته، ويصيبهما انقلاب كامل، فيحرمان أنفسهما لكي يأكل.. ويسهران لكي ينام.. ويبكيان إذا أصابه مرض..

وهكذا نرى أن وجود أسرة. يفرض على أفرادها واجبات ويعطيها حقوقاً يكون على كل واحد أن يلحظها ويتبعها ويخضع لها ولو كان كل واحد منهم يعيش وحيداً لما كان ضمة ضرورة لهذه الضوابط، والنقطة الرئيسية في هذا التحول هي الانتقال من المعنى الفردي والأثره والأنانية.. إلى المعنى الجماعي ومراعاة الآخرين، من "أنا" إلى "نحن" وما يتضمنه هذا من إعلاء الجماعة وضروراتها على الفرد وأهواءه ولعل مثل هذا المعنى كان ماثلا أمام الرسول عندما قال أن المنفرد شيطان وأن الثلاثة جماعة وعندما فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد. مع أن للصلاة جانبها الفردي الروحي الذي قد لا يتجاوب مع أوضاع الصلاة الجماعة، ولكي يظل المعنى الجماعي له أولويته بصفة رئيسية، وللذي لا يجد إشباعاً لعاطفته الدينية إلا متهجداً في جوف اللي.. أن يقوم بذلك دون أن ينفي ذلك أفضلية الصلاة الجماعية في الأوقات المفروضة، فهذا ما يجمع الحسنيين ويحقق الفضيلتين.

 

f

 

وبالنسبة للحركة النقابية، فقد وجدت أن وضع العمال يجعل لهم "طبيعة طبقية" أي روح جماعية لابد للعمل أن يلحظها ويلتزم بها، وبالتالي فإن على العمال أن يتحدوا وأن يخضعوا إرادتهم الفردية لضرورات هذا العمل الجماعي لأن العمل الجماعي هي الذي سيحقق الانتصار الذي سيعمهم جميعاً. إن العمل الجماعي يدور على محاور من القضاء على الأنانية. والالتزام بضوابط النظام.. وهذه وتلك من أكبر القيم الإنسانية، ولو ألزمت الجماهير نفسها بها، كما ألزمت النقابات بها نفسها لتقدمت الجماهير والشعوب، ولا تضح أن العمل الجماعي – كما تقدمه النقابة – وليس العمل الفردي كما تقدمه البورجوازية – هو السبيل الحقيقي لتقدم الجماهير والجماعات كجماهير وجماعات. وأنه بدون ذلك فستظل الجماهير والجماعات حيث هي، وإن ظهر القادة والأغنياء.. والفئات المميزة..


ب - المفاوضة الجماعيّة ..

عندما توصل العمال إلى حتمية العمل الجماعي، وأنه الوسيلة الوحيدة لتقدمهم كقاعدة وطبقة، وعندما كونوا النقابة لكي تجسد هذا المبدأ. وجعلوها ممثلتهم في كل ما يتعلق بظروف وعلاقات العمل.. تقدمت النقابة إلى أصحاب الأعمال، قائلة لهم أن العمال قرروا أن تكون ساعات العمل كذا، والأجور كذا ألخ.. فإذا قبلتم ذلك فإن العمال سيتجاوبون مع الإدارات، وإذا رفضتم، فلن يعمل عامل واحد عندكم..

كانت نتيجة هذه الخطوة وثمرتها.. المفاوضة الجماعية.. وقبل الحركة النقابية كان تحديد الأجور وساعات العمل ألخ.. رهناً بإرادة صاحب المصنع. الذي يرى أنه حر في تحديد الأجور وساعات العمل ألخ… طبقاً لإرادته الخاصة، أو ما تمليه عليه ضرورات المنافسة. أو تحقيقاً للقدر الذي يريده من الربح. وما كان يتصور أن يشاركه أحد فيما كان يراه حقه المشروع.. ولكن النقابة جعلته يجلس معها على مائدة المفاوضات لتبدأ عملية "المساومة" فالعمال يريدون رفع الأجر من 50 إلى مائة مثلاً، فيقبل أن يزيدها عشرة وبذلك يكون الأجر 60 وعندئذ يتنازل العمال فيقبلون 75، فتضيق الفجوة، ويجد صاحب العمل نفسه بتأثير ما تقدمه النقابة من مبررات، ولكي يتخلص من الشبح المخيف الذي يخيم على جو القاعة، وهو الإضراب. فإنه يزيد 5 ويعلن أنه لا يستطيع أبدأً أن يزيد عن ذلك. فهذا أقصى ما يستطيع، وقد ترى النقابة أن من الحكمة أن يرضوا.. لأن أمام العمال شبحاً مخيفاً أيضاً هو "الإغلاق" أي احتمال إغلاق صاحب المصنع لمصنعه حتى لا يصبح أسيراً لإرادة العمل. وتكون حصيلة الجولة زيادة الأجور من 50 إلى 65، ولا ترى النقابة بأساسً بهذا لأنها جولة من جولات، وستأتي الجولة الثانية عند نهاية الاتفاقية الجماعية أي بعد سنة أو سنتين أو ثلاثة على الأكثر..

ويتطلب نجاح المفاوضة الجماعية أن يستخدم العمال البيانات والإحصائيات التي تدعم مركزهم وتؤيد مطالبهم. فالعمال يعملون بجد، والمصنع يكسب، وهذا الربح يذهب منه كذا للتجديد والصيانة، وكذا للديون المعدومة والاحتياطيات وكذا وكذا.. والباقي يغطي وزيادة نسبة طيبة من الربح للمساهمين، ولصاحب المصنع ويكفل الزيادة التي يطلبها العمال، وقد يستعينون ببعض قيم السلام الصناعي والتجاوب ما بين الإدارة والعمال..

إن أسلوب المفاوضة الجماعية أسلوب فريد في العلاقات الصناعية. فهو لا يقوم على القسر والإملاء، ولا يكون حواراً سقراطياً أو حوراً مما يمارسه الأنبياء والأساتذة.. ولكنه يظل مع هذا حواراً يقوم عل مبدأ الأخذ والعطاء.. الاستماع والاسماع، وهو أسلوب "حضاري" و"إنساني".

ولكن لو فرضنا أنْ تعنت صاحب العمل، فنبذ طلب العمال جملة وتفصيلاً، ورفض أصلاً أن يتنازل عن الأمر والنهي إلى الأخذ والعطاء، وأن يجلس جنب عماله على مائدة واحدة فماذا يفعل العمل..

 

ج - الإضراب ..

قبل أن تظهر النقابة لم يكن أمام العمال خيار سوى الاستسلام والاستخذاء.. وقبول إرادة صاحب المصنع..

ولكن النقابة أبدعت أسلوبا آخر.. أسلوبا يكبح من جماح أصحاب الأعمال ويحَّد من تحكمهم في العمال.. هو الإضراب فإذا كان صاحب العمل هو الأسد في الغابة. فقد نسج العمال شبكة يمكن أن يوقعوه فيها.. ومهما كانت قوته، فإنه في حاجة للعمال وعندما يتحد العمال ويضربون عن العمل.. فلابد من أن يتراجع..

لقد قيل الكثير عن سوءات الإضراب، واتخذه أعداء العمال وسيلة لاستصدار الفتاوى من فقهاء الدين أو أساتذة القانون للقول بتحريمه.

ونحن لا ننكر أن للإضراب سواءات، ولكنه أمام التعقيد الاجتماعي، وحرية أصحاب الأعمال في تحديد شروط العمل. يصبح ضرورة لا مناص عنها.

ذلك أنه لو كان على العمال يخضعوا لإرادة صاحب العمل لتقرر تماماً مبدأ حق صاحب العمل في تحديد شروط العمل دون مساءلة. وهو مبدأ لابد أن يرفضه العمل. ومن حقهم تماما أن يرفضوا، فما من أحد يقبل أن يضع مصيره في يد غيره، دون قيد أو شرط. خاصة إذا لم يكن بالضرورة صديقا لهم. والرأي المنفرد سيئ حتى من الصديق، فكيف إذا جاء من عدو!..

أن استخذاء العمال أمام الرأسماليين سيوجد جمهوراً ذليلاً. بقدر ما سيزيد من ضراوة الرأسماليين.. وسيقضي قضاءً مبرماً على حرية، وكرامة وإنسانية العمال..

ففكرة الاستسلام للسلطة – كائنة ما كانت، ودون إخضاعها لمعيار العدل. أمر سيئ يجب أن يرفض، ومن حق العمال أن يرفضوه وعلينا أن نساندهم، وبدلاً من أن نقول للمظلوم استسلم.. أن نقول للظالم "أعدل" ولو جاز لنا أن نلوم العمال الذين يضربون في سبيل حقوقهم المشروعة لجاز لنا أيضا أن نلوم الشعوب والجماهير عندما تحركت لتطالب بالديمقراطية والإصلاح وكبح جماح الحاكمين بأمرهم.

إن الحركة النقابية تثبت جديتها، وأن مطالبها معتدلة عندما تقرر اللواذ بالإضراب، لأن أول من سيخسر هو العمال أنفسهم الذين لن يتقاضوا أجورهم اليومية التي هي قوام حياتهم وقد يفقدون عملهم نفسه عند فشل الإضراب، وهذه الحقيقة تبرز أيضاً أحد ضرورات الإضراب – التضحية – وأن على العمال أن يتقبلوا ويأخذوا أنفسهم بها. وهو درس ثمين في العمل العام، والإضراب بعد، وسيلة سلبية، فهو لا يضير بصورة إيجابية أحداً. وصحيح أن له ضحايا من السكان والمواطنين الذين ليسوا طرفا في النزاع. وعلى هؤلاء أن يلوموا أصحاب الأعمال الذين اضطروا العمال لركوب هذا المركب رغم أنه يجعلهم أول الخاسرين، والمسألة الاجتماعية معقدة. وما يحيق بهذا الطرف الثالث من أضرار إنما هو صورة من صور هذا التعقيد الاجتماعي الذي لا مناص منه.

والإضراب بجانب ما يفرضه على العمال من تضحية، فإنه يلزمهم أيضا الانتظام، والضبط والربط والقيام بالمسئولية والتحدث بصفة جماعية.. وهي كلها صفات ثمينة للعمل العام ولازمة للمواطنين..

لقد مجدت "السينديكالية" الإضراب باعتباره مدرسة الكفاح والانتظام مثلما يرفع بعض رجال الدولة "الجندية" إلى أعلى المستويات باعتبارها تطبيق للضبط والربط، وكما يرفع بعض الفقهاء "الجهاد" إلى الذروة باعتباره التضحية بالنفس لتكون كلمة الله هي العليا.. ولكننا بالنسبة للإضراب النقابي لسنا في حاجة لأن نذهب هذا المدى. ولكي يظل الإضراب مع هذا معركة رجولة وبطولة، وكفاح وتضحية لا تتردد النقابات في اقتحامها عند الضرورة، وطبقاً للمبدأ الإسلامي "لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاصبروا".

وهذا المبدأ الإسلامي هو نفسه المبدأ النقابي المقرر في النقابات، فالنقابات لا تلجأ للإضراب إلا كملاذ أخير، وبعد استنفاد كل وسائل السلم والمفاوضة. وهي تحصره في أضيق الدوائر، ولها تكنيك معين يمكنها من ذلك، ثم يكون أول همهما بمجرد إعلان الإضراب الحفاظ على المصانع والآلات. والسهر عليها حتى لا يتقرب من "العملاء المهيجون" الذين يدفعهم أصحاب الأعمال للتدمير والتحطيم ليواخِذوا العمال بعد ذلك.

إن الإضراب باعتباره وسيلة للانتصاف لابد وأن يجد "الشرعية" من كل المذاهب التي تقوم على العدل، وقد جعل الإسلام من يموت دفاعا عن ماله شهيداً. فيكف لا يقر أسلوبا سلبياً للدفاع عن الحقوق؟ إن الإسلام عندما جعل من يقتل في الدفاع عن ماله شهيداً. كأنما كان يعبر عن رفضه لصور الاعتداء.. والاستخذاء أمام الاعتداء.. الذي يجعله أمراً مألوفاً أو سائغاً.

وأخيراً، فالإضراب أسلوب "إنساني" لأنه يحمي كرامة الإنسان.. التي لا يكون بغيرها إنساناً.


          f

 

 

[م] [1] [2] [3] [4]  5

الحركة النقابية حركة إنسانية

هوامش

إقرأ