|
الحركة النقابية حركة إنسانية [3]
|
مقارنة بين الديمقراطية والاشتراكية والحركة النقابية من الزاوية الإنسانيةأ - الديمقراطيةج- كيف وصلت النقابات إلى ما عجزت عنه الديمقراطية والاشتراكية ______ |
| قلنا في مقدمة هذا الكتيب أن الحركة النقابية كانت أسبق وأعمق من الحركتين الديمقراطية والاشتراكية في إرساء حقوق الإنسان وجعل المجتمع الحديث "إنسانيا"، والتقدم بالشعوب والجماهير ورفع مستوى حياتها مادياً وأدبياً. وسنبرهن في هذا الفصل على ذلك...
وبادئ ذي بدء نقول أننا – بصفة عامة نتقبل الديمقراطية ولا يعني ما سنقدمه من نقد أننا نرفضها، وإنما يعني الكشف عن بعض وجوه القصور التي لا تخلو منها مذهب أو نظرية، وتظل الديمقراطية أفضل النظم السياسية على الساحة، ولا يفضلها إلا الإسلام إذا فُهم فهما سليما وطُبق تطبيقاً رشيداً. ومع أن الأصل الإغريقي للكلمة. الديمقراطية يوحي أنها حكم الشعب. وأن الصورة التي مارستها أثينا تقوم على الديمقراطية المباشرة وليس النيابية مما قد يؤكد هذا الإيحاء فإن نقص طريقة ممارسة الديمقراطية في أثينا يوضح أنها كانت تحرم النساء والرقيق من ممارسة الحقوق السياسية وكانت هاتان الفئتان هما الأغلبية – وتقصر حق الممارسة على الأحرار الذكور.. وفي النظم الحديثة لا توجد حق ممارسة للديمقراطية المباشرة، وإنما للديمقراطية النيابية عن طريق الأحزاب ولا نعدم فيها صورا لحرمان فئات من الشعب من ممارسة أولى الحقوق السياسية (التصويت) كما هو الحال في إحدى "كانتونات" سويسرا التي تصر حتى الآن على حرمان النساء من حق التصويت. ومعروف أن العمال في بريطانيا قاموا بحركة مريرة استمرت عشر سنوات (من سنة 1838 حتى سنة 1848) وحملت اسم الحركة الميثاقية ليكون لهم حق التصويت والترشيح، ولم تسفر وقتئذٍ عن نجاح، ولم يأخذ العمال هذا الحق إلا بعد ذلك بسنوات طوال، ولم تمنح المرأة الإنجليزية هذا الحق إلا بعد الحرب العالمية الأولى... وارتبطت الديمقراطية في أذهان الناس بالحرية مع أنهما شيئان مختلفان. فمن الممكن أن تحيف الديمقراطية – التي هي – عمليا حكم الأغلبية – على الحرية. وقد حكمت الديمقراطية الأثينية على سقراط بالموت، وألجأت أفلاطون إلى الفرار فالديمقراطية هنا لم تحترم حرية الفكر والاعتقاد، وكان يجب التفرقة ما بين "الديمقراطية" و"الليبراليْة" ولكن التطور التاريخي، وبعض الملابسات الأخرى ربطت ما بين الديمقراطية والحرية، مما لا نرى معها مندوحة من التسليم بهذا، حتى وإن خالف الصواب الموضوعي. وقد تكون الحرية حرية اجتماعية تشمل حرية الفكر والاعتقاد وإصدار الصحف وتكوين الهيئات. وقد تكون اقتصادية بمعنى حرية العمل والبيع والشراء وفتح المصانع وإغلاقها وتحديد الأثمان والأسعار بما تمليه "آليات السوق" دون تدخل من الدولة، وأخيرا فقد تكون هذه الحرية سياسية معنى حرية تكوين الأحزاب – ودخولها الانتخابات – والحكم بالوزارة المنتخبة وليس بالسلطة الموروثة أو الحكم الديكتاتوري. وهذه المنظومة من الحريات – اجتماعية واقتصادية وسياسية – ثمينة للغاية وهي في مجموعها، أفضل ما قدمته الديمقراطية في العصر الحديث.. ولكن مآثر الديمقراطية يجب أن لا تنسينا واقعة تاريخية هي أن الحركة النقابية في بريطانيا هي التي فتحت الطريق أمام الحريات المدنية وخاضت معركة مريرة مع السلطة الحاكمة و"القانون العام" حتى ظفرت بالوجود المشروع، وتم هذا قبل ظهور الأحزاب والعديد من الهيئات العامة الأخرى. وفي بعض دول العالم الثالث مثل اليمن – السنغال – غينيا ألخ. كانت النقابات هي الهيئات الأولى، والوحيدة تقريبا، التي تضم الشعب وتقود حركة الإصلاح الاجتماعي والتحرير السياسي. ويظهر فيها من رؤسائها قادة الكفاح الوطني، والذين سيرأسون الوزارات عهد الاستقلال لأن الحكم الاستعماري كان يحرم تكوين الأحزاب. وكانت النقابات هي الهيئات الوحيدة، القوية، التي تملك وسيلة فعالة من وسائل الضغط وتؤثر تأثيرا مباشرا على الصناعة والإنتاج. وإذا كانت حرية العمل من مآثر الديمقراطية، فإن هذه الحرية سمحت بظهور الرأسمالية الطليقة، وما اصطحب بها من استغلال الشعوب الأوروبية، ثم الشعوب الإفريقية والأسيوية بعد ذلك، ولم يستطع العمال أن يكِّونوا نقابات قوية تقف موقف الندية من الرأسمالية إلا من مائة سنة تقريبا من ظهور الرأسمالية وبعد أن استغلت جيلين أو ثلاثة من العمال، فحرية العمل لا تعني أن الجميع يبدأون على قدم المساواة أو ينالون ما يستحقونه بمقتضى العدالة، إن الأقوياء والأثرياء يستطيعون بحكم هذا التمييز أن ينتصروا لفترة طويلة قبل أن يستطيع لضعفاء والفقراء اللحاق بهم. فمن الناحية الإنسانية فإن حرية العمل التي جاءت بها الديمقراطية سمحت بصور شائنة من الاستغلال وإهدار إنسانية العمال.. وحتى في المجال السياسي الذي يظن فيه أن الشعب بحكم كثرته العددية سينال الغلبة، فإن الرأسمالية أوقعت الأحزاب في قبضتها وجردت ترسانتها المدججة بالمال والمهارات لمقاومة مرشحي العمال العَّزل وأحزابهم الفقيرة. إن القضاء على الأسر المالكة والحق الالهي المزعوم وإحلال سلطة الوزارة كأداة للحكم باسم الحزب الفائز في الانتخابات هي من أعظم إنجازات الديمقراطية، ولكن المأساة أن الديمقراطية تسمح للقلة الغنية بالسيطرة على الأغلبية الفقرة ولهذا أصبحت واجهة سياسية للرأسمالية القوية وخضعت كل العمليات الانتخابية والحزبية لعبث الرأسمالية ومزايدتها وأصبحت الانتخابات صناعة كبقية الصناعات يُمسك الرأسماليون بالخيوط فيها ويخضعونها لوسائل التأثير والدعاية التي برعوا فيها. وللرأسمالية التي تقوم على ضرب المنافسين – تجارب وخبرات في هذا المجال، ولولا هذا المكان لكان يجب أن تفوز الأحزاب لشعبية – أحزاب العمال والفلاحين، وأن يفوز أكثر المرشحين شعبية، ولكن الواقع غير ذلك. فإن الأحزاب "البورجوازية" التي تسالم الرأسمالية هي التي تفوز في النهاية.. وبصرف النظر عن الأثر السيئ للرأسمالية على الديمقراطية (ومن المفارقات إن الأثر السيئ للشيوعية عليها لا يقل عن الأثر السيئ للرأسمالية) الذي هبط بمردود العمل الديمقراطي وحال دون أن تقوم الأحزاب بدور ثوري في التغيير، فإن الطريقة التي توصلت إليها الديمقراطية تهبط كذلك بمستوى حسم الحكم الحزبي، فتعدد الأحزاب يحول عادة دون أن يستأثر حزب واحد بأغلبية كاسحة. والذي يحدث أن ينال الحب الفائز أغلبية ضئيلة تجعله ضعيفا أمام المعارضة، مهددا بزوال أغلبيته الضئيلة، ويضطر لأن يشكل وزارة ائتلافية أي منه، ومن أقرب الأحزاب الأخرى إليه، ولكن الحكم غيور وهو يجعل من مثل هذه الوزارة وزارة الأخوة الأعداء – أو الحلفاء الألداء – فلا يمكن أن تسير قدما إلى الأمام. ولا يستطيع الشعب بنفسه أن يفعل شيئا، لأنه فوَّض سلطاته إلى نوابه الذين تقاسمتهم الأحزاب وسيطرت عليهم اللعبة الحزبية. والحق أن الشعب في النظم الديمقراطية لا يكون له "صوت" إلا يوم الانتخاب – وهو يوم يحدث مرة كل عدة سنوات – وما أن تغرب شمسه حتى فقد هذه السلطة ويصبح الأمر في يد النواب.. من هذا العرض لما توصلت إليه الديمقراطية نعرف أن إنجازاتها لم تكن صفوا خالصاً، ولم تكن – بوجه خاص – متعاطفة مع الجماهير والشعوب أو محسنة إليهم، وإنه وإن أسقطت عروض القياصرة والأباطرة، فإنها سمحت بوجود قباطنة الصناعة وملوك والمال، الخ الذين هيمنوا على الشعوب والجماهير بهذه الطريقة أو تلك، ولعل أفضل إنجازاتها على الإطلاق هي حرية الفكر، ولكن هذه ليست من أهداف الديمقراطية على وجه لدقة. ولكن الليبرالية، كانت النقابات هي أول من كافح في سبيلها وتعرض لويلات المجتمع الطبقي، كما يوضحه تاريخ الحركة النقابية في بريطانيا.
لئن ادعت الديمقراطية الاقتران بالشعب – كل الشعب – فإن الاشتراكية ادعت الاقتران بالعمال ضد أصحاب الأعمال، وكما أن تحليل الديمقراطية أثبت إن دعواها ليست صحيحة دائما فإن تحليل الاشتراكية يثبت أن دعواها كانت كاذبة دائما... وقد كانت الاشتراكية بعد ماركس ولينين هي الدعوة التي خدعت أكبر عد من الأذكياء في العالم بأسره. وكانت قبل ماركس أمل المصلحين وأكثرهم حرصا على مصلحة الشعب في المجتمع الأوروبي. لقد أوتيت "الاشتراكية العلمية" كما يطلق عليها أصحابها من قبل ماركس ولينين.. أوتيت من قبل ماركس لأنه أراد أن يجعل منها نظرية شمولية تنظم التاريخ الإنساني بل والّكّوني وتحوله من دارس للاقتصاد والعلاقات الصناعية إلى منِظر يريد أن يقيم الكون بأسره والمجتمعات كلها على أساس المادية الجدلية والمادية التاريخية فوقع في مأزق الدعاة الذين يؤمنون أن دعوتهم صائبة لا يتطرق إليها خطأ.. وأن دعوة الآخرين خاطئة لا يتطرق إليها صواب.. وبعد أن كانت الاشتراكية فكرة مفتوحة أصبحت نظرية مغلقة.. وأوتيت من قبل لينين، لأن لينين أراد أن يحول النظرية المغلقة إلى سلطة ودولة، وكان لابد أن تقوم على التعصب لها، إرهاب خصمها, ولا قيمة بعد هذا، لأن نقول أن نظرية ماركس تقوم على التنديد بالاستغلال الرأسمالي والاستحواز على فائض القيمة وأن دولة لينين تسمى نفسها "دولة العمال والفلاحين" لأن الانغلاق إذا دخل نظرية أو سلطة، فإن لأسماء، والشعارات لا تهم، وإنما المهم هو النظرية التي تصبح "بقرة مقدسة" والسلطة التي تصبح غاية لا وسيلة ولا قيمة لشعارات المعلنة، والجماهير، وتتمحور النظرية والسلطة حول نفسها وتبدع ما تدافع به عن وجودها وتصبح هي نفسها أسيرة له، ففي أعقاب الثورة الصناعية آمن علماء الاقتصاد السياسي أن العمال لا يستطيعون شيئا أمام قوانين الرأسمالية لمقدسة حتى بعد ظهور لنقابات وما حققته من تغيير، وكان ماركس يرى أن منطق النظرية – وليس إرادة العمال – هو ما يفرض نفسه في النهاية، وصارح لينين العمال في كتابه "ما العمل" بفظاظة أنهم لا يستطيعون التغيير، وإنما الحزب وحده هو الذي يستطيع ذلك والحزب من العمال كان واحدا، لا أحد منهم يعني بهم أو يعلق عليهم الأهمية. إن لأهمية لدى الرأسمالية هي آليات لسوق وهي عند ماركس لنظرية (المادية الجدلية والمادية التاريخية) وهي عند لينين الحزب والسلطة. وكان على لينين أن يطوِّع – بقدر ما يسمح إطار الانغلاق الماركسي – النظرية لتتفق مع أوضاع روسيا القيصرية التي شاءت الأقدار أن يقيم دولته فيها. وكان لينين رجل دولة، ومن بناءة الإمبراطوريات، ولكنه كان أقرب إلى جنكيزخان وإيفان الرهيب وبطرس الأكبر منه إلى أغسطس أو فريدريك أو نابليون. أما أبو بكر وعمر وعلى فهم سماوات لا يمكن القادة أوروبا جميعا أن يحلقوا حولها. والاختلاف بين لينين وجنكيز خان وإيفان الرهيب وبطرس الأكبر أن هؤلاء كانوا يعتمدون على الجيش، أما لينين فكان يعتمد على الحزب. وقد يبدو الاختلاف جسيما للوهلة الأولى، ولكن الحزب لدى لينين كان جيشا، جيشا مدنيا له ضبط وربط وانتظام وطاعة – وعند الضرورة – وحشية الجيش. وهو لا يحارب بالمدافع والبنادق ولكن بالفكر والجدل، ولا يلزم الثكنات ولكن يوجد في كل بلوك من المساكن أو مصنع من المصانع.. وعند الضرورة يحمل السلاح ويصبح جيشا كأعنف الجيوش.. وكانت فكرة حزب من هذا النوع هي إضافة لينين في الفكر الاشتراكي، وكانت جديدة عليه، ومناقضة.. لروح هذا الفكر، ومن أجل هذا خالفه كل مفكري الدولية الثانية حتى أقرب الناس فكرّا إليه مثل روزا لوكسمبرج، ولكنه لم يتراجع. بل زادت المعارضة ضراوة. وأثبت أنه إذا كانت القضية قضية سلطة فإن فكرته سليمة. أما إذا كانت قضية اشتراكية ففكرته أبعد ما تكون عن الاشتراكية.. وكان فساد النظم وأتوقراطية القيصر قد زلزلت الحكم القيصري في روسيا فلما وقعت الهزائم العسكرية المدوية بالجيش الروسي أمام الجيش الألماني سنتي 16 و17 انهار النظام وتنازل القيصر وقام العمال والفلاحون والجنود بثورة مارس سنة 17، وهي الثورة التي يمكن القول إن العمال قاموا بها واشتركوا فيها وكونوا ما أطلق عليه "الحكومة المؤقتة". وكان لينين وقتئذ لاجئا سياسيا في زيورخ بسويسرا تفصل بينه وبين روسيا أرض أعدى أعداء روسيا وقتئذ – ألمانيا – التي كانت المعارك العسكرية تدور بينهما – ولو خطا خطوة من سويسرا إلى ألمانيا القبض عليه وأعدم! ولكنه توصل بطريقة لا يتسع المجال لوصفها إلى تسوية مع السلطات الألمانية التي نقلته، وبعض أتباعه – في قطار مغلق اجتاز به ألمانيا ووضعه على الحدود.. فدخل روسيا ليجد أن الثورة قامت وأن السلطة في يد السوفيتات – أي مندوبي العمال والجنود والفلاحين. فركب الوجه – ورفع شعار "كل السلطات للسوفيتات".. حتى أنِسَتْ إليه. وأخذ – بدهاء شديد – يعمل السيطرة الحزب عليها، ويحطم مؤسساتها فسلط النقابات على مندوبي المصانع الذي كانوا يرون المصانع ويعينون السوفيت، فأخضعها – ثم سلط تروتسكي الرهيب – على بحارة كرونساد الذين كانوا من أكبر عناصر الطبيعة الديكاتورية لها فقضى عليهم، وأغرى الفلاحين بالأستحواز على أراضي الأقطاعين فشغلهم بها. وفي النهاية سيطر على الجميع. وتمت هذه العملية تحت شعارات مدوية، وبتأثير أكبر حركة تزييف وتكييف للعقول عرفتها لعصور الحديثة. وأصبحت المدرسة الأم لكل النظم الشمولية بعدها، كان لينين كالساحر الذي نَوَّم الهيئات وسلبها سلطتها بطريقة لم يبينوها فأن كثيرا من قيادتها ظلت في مناصبها، ولكنها فقدت فعاليتها. وكان لينين يتابع باهتمام شديد أبحاث عالم لنفس الروسي "بافلوف" التي كان يجريها على الكلاب ليعرف رد فعل جهازها العصبي على رابط بعض العمليات بعضها ببعض فكان عندما يقدم الطعام إلى الكلاب يتحلب لعابها، ثم قرن عملية تقديم الطعام بدق جرس، وبعد فترة لم يقدم طعاما ولكنه دق الجرس فتحلب لعاب لكلب إذ أرتبط الطعام بدق الجرس. وقد حوّل لينين هذه العلية السيكلوجية إلى "تكنيك" سياسي تقوم فيه الجماهير بدر الكلاب المخدوعة. فربط ما بين الشعارات وبعض الأعمال. ثم لم يعد يقدم سوى الشعارات ليحدث الأثر المطلوب. وهكذا فَّرغ العمل السياسي من مضمونه واستفاد وأكتسب في الوقت نفسه بآثاره. وبعد أربع سنوات من ثورة البلاشفة، تنبهت القيادات العمالية إلى انحراف الثورة، وتصوروا لسذاجتهم أو بحكم الهالة الأسطورية التي أحاطت وقتئذ بلينين أنه لا يقر هذا الانحراف، وأنه سيقف بجانبهم، فنظموا أنفسهم في مجموعة حملت إسم "المعارضة العمالية" وبرز فيها قائدان هما شليا بينكوف "قوميسير" العمل سابقاً ورئيس عمال الصناعات الهندسية ومدام كولونتاي وهي ابنة جنرال قيصري آمنت بالشيوعية وآثرت شظف الحياة السياسية السرية على مهاد الراحة الحياة الأرستقراطية وشاركت الشيوعيين بأسائهم وتعرفت على لينين في لأيام الأولى واشتركت في بعض العمليات السرية التي أريد بها تمويل الحزب بوسائل مشبوهة كإلقاء قنبلة على عربة بريد محملة بالأموال، أو الاتصال بالبنوك الألمانية لتي كانت – تطبيقا للسياسة الألمانية – تؤيد الحزب الشيوعي في معركته مع أعدائه، لأن سياسته كانت تفق مع مصالحها. من أجل هذا كانت إلكسندرا كولونتاي شخصية قوية.. تعرف الكثير ولم يستطع ستالين نفسه المساس بها. وإن كان أبعدها إلى السويد كسفيرة. فأصبحت أول سفير في التاريخ الحديث. وكانت المعارضة العمالية تقوم على ثلاث نقط هي: 1 – المركزية. 2 – المدير الفردي. 3 – الأخذ بتوجيهات الخبراء الذين استقدمهم لينين من الدول البرجوازية لإدارة الصناعة، وفي المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي (مارس 21) شنت المعارضة العمالية حملة قوية على سياسة الحكومة وقامت مناظرة شرسة بينها وبين تروتسكي الذي يريد عَسْكَّرة العمل وجعل النقابات مراكز تعبئة تجند العمال التطبيق السياسة الاقتصادية للدولة التي هي دولة العمال. ووقف لينين يتربص بالفريقين. ولو بصفة جزئية أو مرحلية فلم يكن يتفق مع تروتسكي ولكنه كان يرفض تماما مطلب المعارضة العالية، لأنها تصيب المركزية الديمقراطية المزعومة التي أقام عليها إدارة الأجهزة الإدارية والسياسية، وكانت تسعة أعشارها مركزية والعشر الباقي ديمقراطية. ولأن تدعيم النقابات سيجعل منها منافساً خطيراً للحزب. فإنه بعد أن استنزف النقاش - الفريقين المعارضة العمالية وتروتسكي – تقدم بما سمى "قرار العشرة" القرار بقرارين آخرين – ضد "الفوضوية السينديكالية" دعم بهما أعضائه، وحرَّم تكوين أي تكتلات أو خلايا داخل الحزب. وكانت هذه القرارات هي التي مكنت ستالين من ممارسة ديكاتوريته، وقضت على البقية الباقية من حرية النقابات.. وبعد فترة أنتحر "تومسكي" رئيس اتحاد النقابات.[1] إن هذه الصفحة المطوية تظهر لنا واقعية جلية تتناقض مع المفهوم الشائع والمنتشر عن أن الاشتراكية هي العقيدة العمالية وهي اختيار الحركة النقابية عارضت السياسة الاشتراكية ممثلة في أعلى رموزها لينين، ولكنها هزمت، وأصبح عليها أن تدفع الثمن. وأظهرت التطورات التي جاءت بعد سبعين عاما من ثورة البلاشفة صحة نظر المعارضة العمالية. وإن ما كشفته من انحرافات كانت هي السبب في انهيار الاتحاد السوفيتي بسرعة أذهلت الجميع. وقد جاءت الضربة الأولى للمعول في هذا البناء من يد نقابية – التضامن في بولندا- ، وكأنها تثأر لسنوات القهر والإذلال والتبعية التي عاشتها الحركة النقابية في الحكم السوفيتي.
ولسنا في حاجة لأحصائيات لنثبت أن حظ العامل في الاتحاد السوفيتي – وكل دول المنظومة الاشتراكية – كان أسوأ من حظ العامل في المجتمع الديمقراطي رغم أن الدولة في الاتحاد السوفيتي حاولت أن تكفل للعامل الحد الأدنى من المعيشة والسكن والتأمينات، لأن القضية كانت أكبر من ذلك فوجود الحرية في الدول الديمقراطية يفتح أفاق الإبداع أمام العقول النابهة بحيث تقدم إضافاتها التي تسهم في إثراء الشعوب وتقدم الصناعة كما أن مناخ الحرية يسمح بالكشف عن الأخطاء والانحرافات أولا بأول بحيث يمكن القضاء عليها أو على الأقل تكون معروفة، وموضع الحذر. ولكن المجتمع السوفيتي عندما كبت الحريات، فإنه سد منبع لنهر العظيم – نهر المبادءات الخلاَّقة (والمبادءات الخلاقة ويسده بالعمل وبالخطط الصلبة الموضوعة مركزيا. وبالإضافة إلى هذا، فإن ضرورات السلطة، والمحافظة على الإمبراطورية السوفيتية، ومساندة لأحزاب الشيوعية في العالم كان يستنزف الاقتصاد. كان الاقتصاد يثمر، كانت السياسة تهدر. ولم يكن ممكنا رفع الأجور أو إعطاء العمال المقابل العادل لعملهم. لأن الجزء الأعظم من "فائض القيمة" كان يذهب للحفاظ على الإمبراطورية. وقد يقال إن الإمبريالية الأمريكية هي التي استنزفت الاقتصاد السوفيتي عندما أجبرته على مجاراتها في سباق التسليح. وهذا صحيح ولكن التعايش السلمي لم يكن أبداً من الديبلوماسية السوفيتية التي بدأت ليس فحسب سياستها، بل أيضا اقتصادها بلعن الإمبريالية الأمريكية والتنديد برأسماليتها وتأليب العمال والجماهير عليها وكان هذا هو الوقف المقرر للاتحاد السوفيتي يحكم الاقتصاد والسياسة من أول يوم، فهل كان ينتظر أن تقابل الولايات المتحدة الصفعات بالقبلات؟ فضلا عن أن الاتحاد السوفيتي إمبريالي أيضا، وقد وعد غداة قيام الثورة الشعوب الأسيوية المسلمة التي ضمتها قسراً القيصرية الروسية بالاستقلال والتحرير ولكنها (أي الثورة السوفيتية) أعملت فيها السيف وأخضعها لهيمنة أشد من هيمنة القياصرة ثم ذهبت إلى أقصى الأرض تقيم دول حليفة أو تابعة في كوبا والصين وفي السودان وتُصَّدِر ثورتها (وهي أكبر صادراتها) إلى بقية البلاد فإذا كانت الولايات المتحدة إمبريالية فإن الاتحاد السوفيتي إمبريالي أيضا. وكان الحظ السيئ للعامل في الاتحاد السوفيتي مضاعفا، فبالإضافة إلى أن تدهور الاقتصاد وضخامة الإنفاق العسكري والسياسي قلص بند الأجور في ميزانية الاتحاد فإنه خضع لهيمنة سياسية، واضطرت النقابات لأن تسير في فلك الحزب وأن تكون السير ناقل القوى منه إلى الجماهير أي أن تكون مجرد سير ناقل دون أي أصالة.
من هذا العرض للديموقراطية والاشتراكية، ما قدماه القضية "الإنسان" يتضح لنا أن ملابسات عديدة حالت دون أن يكون ما قدماه صفوا خالصا،أو أن يصب في مصلحة الجماهير والمقعدة العريضة التي تعيش في القاع. فالرأسمالية هيمنت على الديمقراطية وسخرتها لمقتضياتها بحيث حازت الفئات المميزة الحظ الأعظم من إنجازات الديمقراطية وتقلدت زمام الأمور حتى وإن سمحت منافذ الحرية بظهور قيادات من الشعب، أو تكوين أحزاب عملية تداول الحكم مع أحزاب البرجوازية. وأنها فيما يتعلق بالاقتصاد والأسعار جعلت الناس تحت رحمة آليات السوق وقوانين العرض ولطلب وحوافز الربح. التي لا تستهدف – بوجه خاص – جمهور المستهلكين. إن تقريرها لحرية الاجتماع لم يمنع حكوماتها من أن تتصدى للنقابات وتسلط عليها سيف القانون لعام، العتيق فتحكم بعد شرعيتها طوال ربع قرن بمقتضى قانون لتكتلات البريطاني (من 1799 حتى 1824). ومن الأوهام السائدة أن النظم الديمقراطية هي التي حمت الحرية النقابية. لأن الحقيقة عكس ذلك. فلنقابية هي التي تحمي الحرية في النظم الديمقراطية، وما أن تضعف النقابات حتى تضيق الحكومات الديمقراطية بالنقابات وتسن القوانين التي تحد من حريتها. وكان مما ضاءل من محصلة الديمقراطية أنها تعمل لتحقيق أهدافها عن طريق الحكم، ولكن الحزب ما أن يلي السلطة حتى يجد نفسه محكوما بضرورات الأوضاع القومية والدولية التي تحد من حريته في تحقيق ما كان ينادي به هو نفسه وهو في المعارضة. واستقصاء التاريخ، يوضح لنا أن لتشريع في ظل الديمقراطية، لم يستطيع أن يحقق الأهداف الإنسانية كاملة وعندما كوَّن حزب العمال في إنجلترا وغيرها وزارات عمالية، لم تستطع هذه الوزارات أن تحقق أمال العمال تماماً، بما في ذلك وزارة العمال في بريطانيا سنة 45، عندما أكتسح لعمال الانتخابات وظفروا بأغلبية عمالية كبيرة. وفرضت نظم التأمين.. والتأميم.. نقول إنها مع ذلك عجزت أن تغير النظام السياسي (باستثناء العودة إلى قانون 1913 بالنسبة للعمل السياسي في النقابات) بصورة تجعل الانتخابات والأحزاب. فهذا ما لم يفكر فيه، أو يقدر عليه – إذا فكر – حزب العمال رغم أغلبيته الكبيرة. فإذا كان الهدف الإنساني للديمقراطية هو حكم الشعب بالشعب وللشعب.. فإن هذا لم يتم، وما تم منه هو التفويض وهذا التفويض يحدث عند إجراء الانتخابات كل عدد من السنين وتدخل فيه كل قوى الرأسمالية والبرجوازية بحيث تُفْسِد إرادة الشعب وتجعل الديمقراطية الواجهة السياسية لها. وإذا كان هدف الاشتراكية هو تحقيق العدل في صورة إعطاء العامل حقه المشروع من ثمرة عمله، فإن هذا ما عجزت عنه النظم الاشتراكية لإخضاعها الاقتصاد لنظم التخطيط الجامدة. وسد المبادءات الخلاقة والإنفاق على الإمبراطورية الشيوعية في العالم، فلم يكسب العامل العدل وفي الوقت نفسه فقد الحرية..
فلننظر الآن كيف حققت الحركة النقابية ما عجزت عنه الديمقراطية والاشتراكية. فبالنسبة لتحقيق الهدف الديمقراطي – حكم الشعب نفسه بنفسه – فإن الحركة النقابية تنبهت إلى أن حكم الشعب نفسه بنفسه لا يقتصر على المجال لسياسي بل إن المجال السياسي قد يكون أقل المجالات أهمية للناس وأبعدها عن مباشرة قضاياهم الحيوية والآنية، وأن حق الشعب في انتخابات نوابه مرة كل عدة سنوات لا يشعر الشعب أبداً بأنه يحكم نفسه. وإنما يشعر الناس بذلك عندما يكون "المناخ" الذي يكتنفهم ديمقراطيا. ولما كان الناس يمضون معظم أوقاتهم في مكان العمل، ولأداء العمل. فينبني على هذا أن تتجه الجهود لتحقيق الديمقراطية في مكان العمل وفي طريقة إدارة العمل.. بحيث تنتفي ديكتاتورية صاحب العمل أو إساءته العمال، ويكون للعمال صوت في إدارة الصناعة فإذا حدث هذا فإن العمال سيحسون بالديمقراطية وسيمارسونها عمليا وبصورة مباشرة في مكان عملهم وطوال ساعات عملهم يوما بعد يوم ولن يكون لأمر أمر انتخاب يوم واحد كل بضع سنوات لتفويض الحكم، وليس لممارسة الحكم. وهذا هو ما استهدفته، وححقته، لحركة لنقابية فجعلت من وقع العمال مكانا ديمقراطيا يتعامل فيه الملاحظون مع لعمال على أساس المساواة ولاحترام ولتقدير، بينما تعالج النقابة مع لإدارة قضايا لأجور وساعات العمل لخ.. إن هذا هو ما يكِّون المواطن لديمقراطي، وما يعمق بذرة الديمقراطية، ولهذا رأى الكاتبان البريطانيان "سيدني وبياتريس وبّ" (Sydney & Beatrice Webb) أن الحركة النقابية غرست بذرة الديمقراطية في المواطن البريطاني أعمق مما غرسها الدستور البريطاني. وأسلوب وطريقة المفاوضة الجماعية، وجلوس العمل والإدارات على مائدتها، ومعالجتهم لظروف وعلاقات العمل بطريقة حرة مباشرة لا تحكمها لائحة كالتي تحكم المجالس النيابية وتضِّيق فيها على المعارضة أو يكون قرار "الانتقال إلى جدول الأعمال" سيفا مصلتا عليها..، وكذلك تسوية المشاكل بالعنبر مع مندوب العنبر، نقول إن هذه الطرق البسيطة الحرة.. المباشرة أفضل بمراحل وأكثر جدوى وفاعلية وديمقراطية من الطرق التي تستخدمها المجالس النيابية. وهي تشعر العمال أكثر من البرلمانات أنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم ويحققون الهدف الديمقراطي. ولم تهمل الحركة لنقابية – مع هذا – الديمقراطية البرلمانية فخاضتها عن طريق حزبها، وتمكن إلى حد كبير من كبح جماح الرأسمالية. ولم تقدم الديمقراطية للجماهير وسيلة للاحتجاج أو التعبير أكثر من الصحافة ولمظاهرات، وهي وسائل يمكن أن تعبر بالفعل عن إرادة العشب خاصة عندما تكون الصحافة – كما هو مفروض – حرة ولكنها قلما تكون فعالة وتصبح مجرد أداة للعبير، وليس للتغيير. أما الحركة النقابية فإنها قدمت ومارست "الإضراب" الذي يعد أكثر فعالية، فقدمت للشعوب والجماهير طريقة أكثر فعالية للمقاومة، وأعطتها درسا يمكنها لو استوعبته[2] أن تجعل منه أداة ضغط ناجحة خاصة وأن هذه الطريقة "سلبية" لا تكلف الجماهير ما لا طاقة لها به. أو تعرضها للمخاطرة، وعندما أعلن عمال بريطانيا الإضراب العام سنة 26 شعر العالم أن قوائم الإمبراطورية تهتز، وكان هذا هو ما أحس به العمال أيضا، وكان وراء إسراعهم بإنهائه. وهكذا نرى أن الحركة النقابية قدمت وسائل إيجابية وسلبية ووسائل للاحتجاج والضغط أكثر مما قدمته الديمقراطية لكي يحكم الشعب نفسه بنفسه، وأكثر فعالية مما قدمته الديمقراطية نفسها. وبالنسبة للاشتراكية التي استهدفت – دون توفيق – العدل، فإن دور الحركة النقابية في هذا كان، ولا يزال، مجيداً وقد قامت بطريقتها الخاصة برفع الأجور بصفة دورية وربطها بالإنتاج أونة، وبالأسعار أونة أخرى، وحققت ثورة اجتماعية أعادت بها توزيع الدخل، بأن أخذت من الأغنياء وأعطت للفقراء. بنعومة ويسر ودون طنطنة لأن الثورة النقابية.. ثورة صامتة.. عمل ولا تكلم.. وكان مما ساعد الحركة النقابية على النجاح في رسالتها الإنسانية أكثر من لديمقراطية والاشتراكية إنها لم تورط نفسها في العمل السياسي الذي كان يمكن أن يستنزف جهودها ويشت اهتماماتها وعندما أرادت أن تدخل هذا المجال، فأنها كونت حزبها الخاص، واحتفظت بإستقلاليتها ومهنيتها، ولم تخلط بين العمل المهني والعمل السياسي. فالقاعدة الجماهيرية الصلدة هي للنقابة التي تظل دائما أمينة على أهدافها النقابية ودورها المهني. والحزب فرع منها ومستقل عنها، وهو كذلك غير مقصور عليها لأن من الممكن أن يدخل أعضاء عن طريق الدوائر الانتخابية. وهو يمارس العمل السياسي باسمها ولكن في إطار المصالح والضرورات القومية، ولحركة النقابية تعامله كما تعامل أي حزب آخر، وإذا لم يتجاوب معها، فأنها تلوذ بالإضرابات. وقد داعب الفكر النقابي يوما ما خيال السينديكالية أي حكومة النقابات التي تتكون وزاراتها من رؤساء النقابات التي تمثل هذه الوزارات (وزارة النقل تمثلها نقابة النقل، ووزارة الإسكان مثلها نقابة البناء. وزارة المواصلات تمثلها وزارة المواصلات وهلم جرا) وكان الخيال باهرا وجذابا ويقدم وعوداً بعهد "الفى" جديد. ولكن الحركة النقابية أحجمت عن الإقدام، وتبينت أن السينديكالية ستقذف بها إلى المحيط المتلاطم للعمل السياسي، وستقضي على صفتها المهنية وتكنيكها الخاص وستعرضها لمخاطر ومتاهات لا حد لها، والحركة النقابية ذات طبيعة عملية. فأثرت لحيطة، ورفضت هذه القفزة إلى عالم مجهول.. وكانت الحركة النقابية موفقة عندما رفضت السينديكالية، لأنه ما أن يدخل حزب أو هيئة الحكم حتى يصبح أسيرا لضروراته، ويفقد صفته لجماهيرية، وتغير طبيعته، فضلا عن الضرورات القومية للحكم التي تفرض نفسها على أي حزب، بما في ذلك الحزب العمالي وبعد هذا كله، وربما قبل هذا كله، فإن لحكم فتنة، وله تأثير طاغ ويمكن أن يقلب الشخصية.. وهو يقرن دائما بالإغراء والإرهاب، والشهرة وهي عوامل مفسدة قلما يُعصم منها الإنسان وقد ذهب ضحيتها أول رئيس وزارة عمالي بريطاني – رامزي ماكدونالد عندما شعر، بعد أن حفت قدماه خلال مسيرة عمل شاقة من الفاقة والحرمان، أن "كل الدوقات تتمنى أن تقبله!" وفى تاريخنا المعاصر، فإن عبد الناصر وأنور السادات كانا ضحية الحكم.. وفتنته.. لقد جعلت الحركة النقابية قسمتها وحظها مع القاعدة.. ورفضت أن تسعى إلى الحكم، أو حتى أن تتقبله إذا جاءها كما لا تسعى إلى ملكية لمصانع.. أو تولى إدارتها، لأن هذا وذاك لن يجعلها النقابة، المثلة لمباشرة والحقة للجماهير ولكن سيجعلها الوزارة.. أو الإدارة.. وفي كل المناسبات التي سيقت الحركة النقابية نحو المناصب الوزارية كانت الخسائر أكبر من المكاسب.. لأن الأصل فيها أن تكون المعارضة التي لا تلي الحكم أبداً والتنظيم الذي لا ينفصم عن القاعدة أبداً.. وكان من العوامل التي ساعدت الحركة النقابية على النجاح في مكالبها أن تنظيمها يقوم على أساس الصناعة أو المهنة، هذا ما جعل العلاقة ما بين لأعضاء بعضهم بعضاً وثيقة، وجعل العلاقة ما بين القيادة والقاعدة متصلة.. أكثر من أي تنظيم آخر فالتنظيم الذي يقوم على الدين أو على نظرية سياسية معينة – قد يكون أكثر عمقا – ولكنه في الأغراض التنظيمية أقل إحكاما بحيث يعشر عليه جمع المؤمنين وتحريكهم وتسييرهم أما في حالة النقابة. فإن جيشها الجرار منتظم دائما في المصانع التي هي أشبه بثكنات الجيش التي تضم الجنود. وأدى قيام التنظيم على أساس الزمالة إلى عدم وجود مشاعر الاستعلاء والتميز التي توجد ما بين القيادات والجماهير في التنظيمات الأخرى. وعندما يكون وعي القاعدة مرتفعا – فإن القيادة لا تستطيع استغلال القاعدة أو تسخيرها لأغراضها.. وتظل العلاقات ما بين أعلى القيادات وأدنى القواعد .. علاقات زمالة..
إن كل واحد يراجع تاريخ الحركة الديمقراطية التي بدأت بالثورة الفرنسية عام 1789 أو الحركة الاشتراكية التي تبلور في صورة أكتوبر عام 1917، يُرَوعه ويهز نفسه ما فعلتا من مظالم. وما أهدرتا من دماء، وما قامتا عليه من مَثُلات وانتهاك للحركات. إن الجيلوتين كانت بنت الثورة الفرنسية التي لم تكفها السيوف أو البنادق، أبدعتها. وتوصلت فيما بعد إلى "إغراق" أهالي قرى بأسرها. أما تكوين "المزارع الجماعية" في الاتحاد السوفيتي عهد سالين فقد أدى إلى القتل العمد لما بين خمسة وعشرة ملايين فلاح تركوا ليموتوا جوعا وتجمدا، بعد أن انتزعت منهم الغلال التي تقيم أودهم طوال الشتاء بحجة أنهم "كولاك" فاشية وقبل ذلك أستأصل لينين وتروسكي بحارة كرونستاد الذين أسقطوا الحكومة المؤقتة وجاءوا بهما إلى الحكم، فأية أمجاد تدعيها هذه الثورات التي رويت بالدماء، وأشاعت الإرهاب وقضت على المخلصين واستبقت المنافقين؟. إن مذبح "النظرية" حتى لو ادعت هذه النظرية إنها إنسانية. دع عنك تزييف التاريخ وتشويه الوقائع وغرس الأكاذيب وطمس الحقائق حتى يضل المؤرخون والكتاب، ومسخ النفس الإنسانية بجعل بعض الناس ألهة. وجعل بقية الشعب عبيداً للفرد الحاكم، أو ضحايا للتزييف الإعلامي من الدولة ولتضليل الإعلاني من الرأسمالية وجعلت من العرف المقرر في التاريخ أن الثورات لابد لها من عنف وإرهاب وقسوة ودماء وضحايا، وأن لها شرعة خاصة غير شرعة العدل. شرعة ثورية تبيح لها ما تشاء[3] وبذلك برروا كل جرائم وموبقات وسقطات وأخطاء الانقلابات. إن الحركة النقابية برئت من هذه اللوثات والجنايات والوصمات. إنها كتبت تاريخها بالعرق وليس بالدم. إن ثورها كانت صامتة، ولم تزيف تاريخا، ولم تدع أمجادا، أو تظهر ملوكا ورؤساء تطالب الجماهير بالطاعة العمياء.. وعبقرية الحركة النقابية، إن عملها تمحور حول الإنسان نفسه، وليس حول أي عقيدة مذهبية أو نظرية، فلم تضل ولم تقع في لوثات الديمقراطية والاشتراكية.
وإذا كانت الحركة النقابية في مصر وفي بعض الدول الأخرى قد عجزت عن أن تقوم
بدورها الإنساني، أو ما هو أسوأ، أن تصبح قلاعا لإقطاع نقابي وعروشا "الباشوات"
جدد، وبعدت الشقة ما بين القاعدة.. والقيادة فإن هذا يعود إلى جهالة جمهور
النقابات وإلى تدخل الدولة واستحلفاها للحركة النقابية أو إخضاعها لقانون
"سلطوي" يركز السلطة في يد قيادات النقابات العامة، وليس القيادات الجماهيرية
للجان النقابية.. وهي كلها ظواهر طارئة على الحركة النقابية... |