|
الحركة النقابية حركة إنسانية [4]
|
نقط الضعف في الحركة النقابية نقطة الضعف الأولى .. افتقاد المعيار الموضوعي نقطة الضعف الثانية .. افتقاد القِيَم المعنوية |
|
|
إذا كنا قد نظمنا المدح والثناء عقوداً للحركة النقابية، ورفعنا دورها الإنساني فوق الديمقراطية والاشتراكية، فإن هذا لا يعني أنه تخلو من المآخذ أو لا يوجد فيها نقط ضعف، لأن النظم الإنسانية كلها ليست معصومة، ولم تبلغ درجة الكمال دائما، وإنما يكون كدحها أو قدحها، الحكم لها أو عليها، بغلبة المحاسن على المساوئ أو العكس. وعلينا أن نذكر أن الحركة النقابية لم تختر لنفسها طبيعتها وأساليبها. لأنها بنت مجتمعها، وقد ولدت بمخاض دموي في معسكر الصراع الطبقي، وتلقفتها أيد كارهة تمنت لها الوأد فلما لم تستطع أعلنت عليها الحرب وحاطتها بالعداوة. وظل المجتمع البريطاني – ردحاً طويلا – ينظر إلى النقابات كما لو كانت نوعا من القمار أو الرهان: مضايقات عامة "Public nuisances"[4] يدها على الجميع، ويد الجميع عليها. فكان عليها أن تبدع الوسائل التي تحمي نفسها من غائلة هذا المجتمع المعادي. ولعلها لو خُيَّرت لاختارت أن تكون الطائفة القديمة. التي هي الهيئة المثلى للعمل، إذا هي تجمع أطراف العمل جميعاً تحت سقف واحد في بيت يسوده الوئام والتفاهم. ويكون عنصر البروز والامتياز هو المهارة اليدوية والذوق الفني، ثم هي ترتبط بمجتمعها ارتباطا وثيقا بوشائج إدارية وروحية، وتعد جزءاً لا يتجزأ منه، وقد رضيها ورضيته، ولعل في ثورات "اللوديت"[5] ما ينم عن هذا الاتجاه. لكن النقابات ما كانت تستطيع أن تعود إلى الوراء، أو تحقق ما تريد، فما من هيئة، تولد كما تشاء، وقد قضى عليها المجتمع الرأسمالي بالطبيعة والوسائل التي أخذتها بالفعل. ونحن لا نلوم الحركة لنقابية على سوءات مجتمعها التي كانت هي نفسها ضحية له، بل أننا نرى أنه لم يكن أمامها خيار آخر، ولم يكن مناص من أن توجد فيها نقط الضعف التي سنذكرها وإنما تلام الحركة النقابية عندما يوضع أمامها البديل السعيد ثم ترفضه إيثاراً لجاهليتها الأولى وتمسكاً بما لم تكن سعيدة به، وإنما فُرض عليها فرضا، ففي مرآة الإسلام وحده تظهر نقط ضعف الحركة النقابية، ويصبح من الممكن علاجها. أما في المجتمع الرأسمالي، فإن المجتمع الرأسمالي مسئول عنها، وهي تعجز بحكم آلياته ومثله عن أن تغِّير من وسائلها وأساليبها.
ونقطة الضعف الأولى في الحركة النقابية والتي نجدها في الحركات والدعوات الإنسانية كلها، سياسية أو اجتماعية، هي إنها تفتقد المعيار الموضوعي الذي يحكم تصرفاتها ويضبط سياستها ويحول بينها وبين غلبة الوعي الذاتي عليها. وهذا النقص أمر طبيعي ما دامت هذه الدعوات والحركات من وضع الإنسان ومن تصوره للأمور، إذ لابد أن تحمل توجه الذين وضعوها، وفهمهم للأمور ونظرتهم إلى الأشياء، وقد يظهر هذا حتى في القانون والقضاء الذي يفترض أنه المعيار والحكم وأقرب ما يبدعه الإنسان إلى الموضوعية، وليس من العسير التعرف على الاختلاف الكبير ما بين القانون الروماني، وقانون نابليون، والقانون السوفيتي واختلاف المعايير فيها. وقد كان القانون الفارسي القديم يرى أن سوءة السوءات أن يلي "السوقة" الحكم بينما يرى القانون السوفيتي أن حكم السوقة هو هدف الأهداف الخ ويقسَّم القانون الهندي الناس طبقات بعضها يصل إلى مستوى التقديس وبعضها ينحط إلى درك التدنيس، بينما يقول القانون الإسلامي "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وقد رأى المشرعون في فارس والهند وروما والاتحاد السوفيتي أن ما وضعوه من شرائع هي التي تمثل العدل، وعندما أصدر ستالين دستور سنة 36 أعتبره الشيوعيون الصياغة المثلى للديمقراطية. ودل هذا على افتقاد المعيار الموضوعي إذ لو وجد لما تباينت هذه الشرائع تباينا يصل إلى التناقض. وأنه لمن الطبيعي والمغروس في النفس الإنسانية أنه عندما تؤسس مجموعة من الناس هيئة، أو منظمة، أو تدعو بدعوة.. أن يحدث هذا من منطلق فهمها للأمور، وأن تجسد هذه المنظمة، أو الدعوة. وعيها الذاتي الذي يستبطن مصالحها.. ويبلور نفسيتها... يؤسس الرأسماليون وأصحاب الأعمال منظماتهم. وكل واحد منهم يرى بأم عينيه كيف يكدح العمال في مصنعه، وكيف يقومون بالجزء الأعظم من العملية الإنتاجية بدءً من تحويل الخام.. حتى تعبئة المنتج، فإذا طولب بزيادة في الأجور أو بأن يكون للعمال صوت في إدارة الصناعة، استغرب واستعجب ورأى في هذا أمراً نكراً لأنه شب وشاب في مجتمع يرى أن قِسمة العمال هي الكدح والشظف وأن قسمة أصحاب الأعمار هي الإدارة والربح حتى أصبح هذا لديهم هو العدل والنظام الذي يقوم فيه المجتمع.. وتقيم القلة المستعمِرة في البلاد التي تستعمرها هيئات الحكم مقصورة عليها، لا يدخلها أهل البلاد، ويتحدثون بعد ذلك عن عبء الرجل الأبيض ودوره في نشر الحضارة والعدالة بين الشعوب الملونة... وقال مثل هذا في الهيئات والدعوات الأخرى. أن الوعي الذاتي هو منطلقها.. وهو الذي يحدد لها الغاية والوسيلة. كيف إذن يكون الحل.. ومن أين نأتي بالمعيار الموضوعي الذي يخلو من التحيز ويسمو على الوعي الذي ويبرأ من الضعف البشري أمام المصلحة.. والاستسلام لما تهوى الأنفس. نقول أن هذه هي أصلاً رسالة الأديان التي تميزها عن غيرها فإنما جاءت الأديان من الله تعالى حتى تسمو فوق نقص البشر وضعفهم وأنانيتهم حبهم وبغضهم، ولو لم توجد لما كان هناك حل آخر ولكُتِب على البشرية أن تتخبط في إسار أهواءها ونقصها وتميزها. إن حقيقة الأديان أنها من الله.. فما معنى هذا ؟ معناه إنها جاءت من أصل أعظم، وأسمى وأحكم من الإنسان وإنها جاءت "لهداية الناس" وبتعبير القرآن "إخراجهم من الظلمات إلى النور" وإنها تقدم قيَّما ومعايير أسمى وأحكم من قيَّم ومعايير البشر المتأثرة بالقصور حينا وبالتحيز حينا آخر. إن الذين ينكرون الأديان، وإنها من الله لا ينكرون أن الأديان جاءت بقيم أسمى وأكثر موضوعية من قيم الدعوات والقوانين التي وضعها الإنسان، فمن أين جاء هذا التميز.. إن الأديان هي أقدم عقائد البشرية، وقد ظهرت مع ظهورها. وفي كل مرحلة كان الدين أسمى من الأوضاع المقررة حتى وإن أخذ شكلاً ساذجاً يتناسب مع درجة تقدم البشرية، فلم يخل الدين في أي مرحلة من مراحله من لمسة "مثالية" حتى أخذ شكله الأخير، مع الأديان السماوية، وختامها الإسلام... إن البشرية لن تبدع المعيار الموضوعي والمثل الأعلى. لأن كل ما تضعه يتأثر بواقع وينطلق منه وليس هناك فكر إنساني مجرد. إن عقل الإنسان كجسمه، بدأ في رحم إمرأة، وحمل رواسب الوراثة ثم تأثر بالبيئة، فلا إنفكاك له من كل هذا، وبالتالي فلا يستطيع أن ينشئ مثلا أعلى مجرداً أو معياراً موضوعيا مطلقا حتى وأن توصل إلى رياضيات وعلوم مجردة، أما المُثل والمعايير فلا.. لابد أن يأتي هذا من مصدر أخر غير اللحم والدم، والعقل الذي تكوُّن في الرحم وتأثر بالرواسب والوراثات وليس هناك سوى الله وقد أنزل الله تعالى القِيَّم والمثل عبر وحيه في الدين وجعل البشرية تلمح شعاعاً من المثال الالهي المطلق والمجرد، وليس شرطا أن تحقق البشرية هذا "المثال" لأنه ليس للتحقيق، ولكن للهداية بمعنى أن تسير البشرية في نوره وأن تتخذ اتجاهه. لقد افترض "أرشمدس" أنه لو أعطى "عتلة" ضخمة، لأمكن له أن يحرك الكرة الأرضية. وقضية إيجاد مثل هذه "العتلة" المهولة التي تحرك الأرض تصغر أمام قضية أخرى هي أين يقف أرشميدس ليحرك بعتلته تلك الكرة الأرضية؟ إن هذا المثال الذي وضعه رائد الفزياء القديمة يكشف لنا جانباً هاماً في قضية لتغيير. ذلك هو أنه لكي تغير وضعاً، لابد أن تكون مستقلا عنه، لابد أن تستند على متكأ غير الذي تريد أن تغيره، إذ لا يمكن لنا أن نغير وضعها، ونحن أنفسنا بداخله.. فأي تغيير جذري للمجتمع لا يمكن أن يأتي من داخل هذا المجتمع ولابد أن يأتي من قوة أخرى خارجة عنه، ومتحررة منه.. لابد من "وحي إلهي". ورغم كل ثورات الملاحدة على الأديان، وما تضمنته كتب "العلمانيين" من نقد للأديان. فلم يقل أحدا إن دينا من الأديان يحض على الفحشاء، والمنكر أو يدعو إلى الشر والرذيلة أو يرتضي الظلم والقسوة.. وقد كانت معظم وجوه النقد موجهة إلى "المؤسسة الدينية" من أحبار أو رهبان، وما وجه من نقد إلى الدين نفسه فمنطقه بدور حول "مثالية" الدين وعدم قابليته للتطبيق وفاتهم أن "مثالية" الدين – على وجه التحديد – هي الأمر المطلوب من الدين. والذي ينفرد به الدين. وإنها هي المطلوبة أشد الطلب بالنسبة للحضارة الأوروبية الحديثة.. التي تخلصت من الربا في الاقتصاد، ومن القيِّم في السياسة.. وأقامت "الدولة العصرية" الغنية، القوية التي تشبع الأهواء وتؤجج الشهوات. إن هذه الدولة "العلمانية" كما يقولون، الإنجاز الأعظم للحضارة الأوروبية وللعقل البشري هي أحوج ما تكون لهداية الدين لأنها وصلت في التقدم المادي إلى الغاية التي تهددها بالانفجار وتتطلب قوة أعلى منها. توقفها عند حدها وتحول بينها وبين الاستسلام للشهوات المتجددة والمآرب المتعددة حتى تنفجر ، أو تتمزق أو تنتحر أو تقضي على نفسها بنفسها وليس ما ينضح به هذا المجتمع من صراع وعنف وشره وسرف وجنون وصور الاستعلاء والسيطرة والاستمتاع وإهدار الموارد وإفساد البيئة.. إلا ظواهر ذلك... هذه الحضارة الرائعة، المتوهجة التي أقامها العقل تمزقها الأحواء، وتظللها المآرب والشهوات، وتتفجر في داخلها عوامل القلق والاضطراب كأنها البراكين والزلزال ولا يمكن أن ينقذها من نفسها.. إلا الله تعالي...
وقد تأثرت الحركة النقابية، كبقية الحركات الإنسانية بالوعي الذاتي، بل هذا الوعي متأجج فيها لاستغلال الرأسماليين الذي أرهف حساسية العمال. ولكن الذي حال دون أن تكون الحركة النقابية عدوانية بحكم ذاتيتها، أنها كانت ولا تزال الجانب الضعيف وأنها "رد الفعل" وليست الفعل نفسه فغلبة الوعي الذاتي عليها لا يقودها إلى الطغيان والظلم وقصارى ما يصل بها هو أن تنال حقها المشروع في عالم العمل، ولهذا لم تجاوز الأطر الإنسانية. مع هذا، فإن افتقاد المعيار الموضوعي أساء إلى الحركة النقابية، وأفسح المجال لأن تتقوقع في قوقعة المطلبية والفئوية. وليست المطلبية في حد ذاتها نقيصة لأنها في صميم قضية الانتصاف، ولكن الذي ينقصها هو المعيار الموضوعي.. وهذا المعيار الموضوعي حقا لا يتأتى إلا للدين...
ولعل الحركة النقابية في أمريكا وأوروبا معذورة إلى حد ما، في عدم تلمسها هذا
المعيار الموضوعي، لأن المجتمع كله ينطلق من منطلقات ذاتية أبرزها "وازع الربح"
ولأن المصدر الوحيد الذين يمكن أن يقدم هذا المعيار الموضوعي هو المسيحية التي
تعرضت لهزات أبعدتها عن الحياة والعمل، وجعلتها تنفض اليدين من شئون المجتمع
وتقنع بالخلاص الروحي. Ë
ولكن الصورة تختلف بالنسبة للحركة النقابية المصرية.. ففي مصر، كان قوام العمل، والحياة، ومحور الاداب والتشريع والسياسة هو الدين. كان ذلك في مصر القديمة كما هو في مصر الحديثة، ولأن الإسلام دين حضاري يعالج شئون الحياة الدنيا والآخرة.. ويضع – في القرآن الكريم – خطوطاً عريضة عن الاجتماع والاقتصاد والسياسة تعد بحكم ورودها الصريح في القرآن جزءاً لا يتجزأ من الإسلام ولا يستقيم الادعاء بأن الإسلام علاقة روحية بين الإنسان والله. ولا دخل له بشئون المجتمع إن هذا لا يكون إلا مكابرة تناقض الحقيقة فضلاً عن أنها تلغي الجانب الإنساني والاجتماعي للإسلام الذي استهدف به الإسلام العدالة والكرامة الإنسانية ولا يكون من مصلحة المجتمع في شيء مناصرة مثل هذا الادعاء. لأنه يحرم المجتمع من أصل عظيم هو الوحيد الذي يحل مشاكله على أساس موضوعي سليم، وهذا هو ما يريده الإسلام نفسه. لأن الله غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية وقد قال القرآن "ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه" ولم يقل إنه ظلم الله، تعال الله عن ذلك، أو أخل بالإسلام، أنه أولا وقبل كل شيء ظلم نفسه…
وكمؤرّخين للحركة النقابية المصرية، فإننا نعرف الملابسات التي أبعدتها عن الإسلام. فقد بدأت الحركة النقابية المصرية في مستهل القرن على أيدي مجموعة من العمال الأجانب سيطروا عليها في السنوات الأول قبل أن "يمصرها" محمد فريد عندما أسس نقابة الصنائع اليدوية سنة 1909، ولكن محمد فريد اضطر للهجرة من مصر سنة 12 فلم تتعرف الحركة النقابية المصرية على الإسلام في مرحلتها الأولى، ثم اندلعت ثورة 19، وجاءت بالأحزاب "العلمانية" التي أعطت الإسلام من طرف اللسان حلاوة، ولكنها ما كانت تؤمن به كنظام اجتماعي وسياسي، دع عنك أنها كانت تريد إستلحاق النقابات والاستحواز عليها لمصلحتها ونجحت في هذا بصورة شغلت الحركة النقابية عن إحكام فنية العمل النقابي نفسه وانتهت هذه المرحلة بالانقلاب العسكري سنة 52 الذي أعلن حرباً شعواء على الإسلام وأراد إحلال الاشتراكية وبدء مرحلة عسْكَّرة الحركة النقابية وفرض رقابة ثقيلة عليها.. فالحركة النقابية المصرية لم تسنح لها فرصة التعرف على الإسلام. ومن سوء الحظ أن الهيئة الوحيدة التي كان يمكن أن تعِّرف الحركة النقابية على الإسلام، وهي الأخوان المسلمون. أصيبت بضيق أفق في هذا المجال، وخضع قسم العمال بها للفيف من ذوي "النفسية البرجوازية الصغيرة" فلم يحسن، بل أساء في بعض الحالات، وأدت سياسته إلى انفضاض بعض العمال الذين انضموا بحكم وعيهم الإسلامي. فالحركة النقابية المصرية، حتى بضع سنوات ظلت، لم تسنح لها فرصة التعرف على الإسلام وما يمكن أن يقدمه لها[6] ومن هنا فإننا لا نلومها على الماضي. ولكن الصورة اختلفت تماماً منذ عشر سنوات عندما ظهر الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل، وقدم للمكتبة العمالية دراسات نقابية فنية تشرح قضية النقابية الإسلامية، وجاءت دعوته من قبل نقابي قديم، وكاتب عمالي، ومحاضر في معهد الدراسات النقابية من سنة 63 ثم الجامعة العمالية حتى الآن، فتجاهل هذه الدعوة ليس له معنى إلا إيثار "الأمر الواقع" إما لأنه يحقق للقيادات سلطات ومغانم كبيرة، أو خوفاً من التغيير والتصدي للسلطات وكلاهما لا يصلح مبرراً للتجاهل..
ولنعد إلى السياق الذي قطعه الشرح الموضوعي لنوضح كيف يمكن للإسلام أن يصلح نقطة الضعف هذه في الحركة النقابية. وقد قلنا إنها غلبة الوعي الذاتي وافتقاد المعيار الموضوعي، وألمعنا إلى أن الآثار السيئة لذلك تكون على أقلها في الحركة النقابية لأنها تمثل الطرف الضعيف، ولكنها مع هذا أساءت إليها ومكنت أعداءها من تصويرها كحركة مطلبية، فئوية، مسرفة في دعاويها. إن الدين، والإسلام بوجه خاص، ينقذ النقابية من مأزقها. ذلك إن الأديان جميعاً وقفت مع الشعوب والجماهير والمستضعفين في الأرض في مواجهة الطغاة: طغاة الحكم وطغاة المال. وهذا واضح تماماً في الأديان العظمى الثلاثة. فاليهودية استنقذت بني إسرائيل من استعباد الفراعنة، والمسيحية مكنت الجماهير والشعوب من مواجهة الطغيان الروماني الذي إسترقها، والإسلام حرر عبيد مكة وضعفائها من جبروت قريش وكبرائها. وعندما تستند الحركة النقابية على سند ديني، فإنها تكتسب إيمانا هي في أمس الحاجة إليه، وسنشير إليه في فقرة تالية، ولكنها عندما تستند إلى الإسلام بالذات، فإنها تكتسب بالإضافة إلى الإيمان – المعيار الموضوعي – الذي تفتقده لأن الإسلام قد جعل من العدل طابعه الرئيسي المميز له. وإذا كان التوحيد هو طابع اليهودية، والمحبة هي طابع المسيحية، فإن العدل هو طابع الإسلام. وعندما تقيم الحركة النقابية أهدافها على أساس من العدل الإسلامي، فإنها ستحول قضية النقابية من مطلبية فئوية إلى مبدئية عمومية. ويمكن لها عندئذ بدلاً من المطالبة بزيادات من الأجور، لفئات معينة من العمال أن تعالج قضية الأجور من منظور العدل الإسلامي. بجعل حق العامل في الأجر يتناسب مع تكلفة الإبقاء عليه، وأسرته، حيا، عاملا، يعني أن يكفل الأجر حياة كريمة للعامل. وقد تستطيع النقابات أن تسير خطوة لتنادي بأن يلحظ هذا المبدأ عن الأجور عند وضع دراسات الجدوى وتكلفة المشروع بحيث لا تخضع الأجور لربحية المشروع أو لتطورات السوق. ألخ لأنها أي الأجور الأساس في تكاليف المشروع ويمكن أن تبني هذا على المبدأ الإسلامي السليم "العمل هو الذي يشغَّل رأس المال" أي أنها تستطيع أن تضع نظرية اقتصادية إنتاجية تتمحور حول العمل، وتوضع ترتيباتها من منطلق العمل. بحيث تؤثر الأجور على الأرباح، أكثر مما تؤثر الأرباح على الأجور. وليس ضروريا أن تصل الحركة النقابية إلى هذه النظرية فوراً، وفي المدى القريب، لأنه يكفي إقامة المطلبية على أساس العدل الإسلامي لتتحول الصورة من مطلبية فئوية إلى مبدئية إسلامية ومن يستطيع أن يقف في وجه الإسلام ؟ ويمكن للنقابة أن "تجر" رجل الحكومة وتدفع بها إلى الساحة. إن الإسلام يرتب على الحاكم واجبات والتزامات نحو الفرد المحتاج باعتبار ذلك "حق معلوم" وبهذا تختلف عن الحكومة الرأسمالية التي لا تتدخل بحجة حرية العمل كما تختلف عن الحكومة الشيوعية التي تستبعد الفرد لقاء ما تقدمه من رعاية، لأن ما تقدمه الحكومة الإسلامية هو حق معلوم وليس منِّه، ويفترض أن تقوم به الحكومة لأنه مفروض عليها. وقد يمكن على هذا الأساس إلزام الحكومة بخطة تأمينات شاملة، أو علاج لمشكلة الإسكان، وحتى في قضية الأجور، فيمكن إذا أوضحت دراسة التكلفة صعوبة زيادة أجور العمال الذين يعولون أولاداً عن أجر عمال لما يتزوجوا، لصعوبة تحديد أو حتى التنبؤ بذلك. فيمكن أن تتحمل الدولة الزيادة وتؤديها من ميزانية الزكاة، أو الضمان الاجتماعي أو غير ذلك. والاستعانة بإمكانيات الدولة لتحقيق الأهداف النقابية ورقة رابحة يمكن للنقابات عندما تستند إلى واجبات الحكومة الإسلامية أن تكسبها. وليس من الكياسة أو الفطنة في شيء إهمالها. فإنما دخلت النقابات السياسة وتعرضت لتياراتها ومشاكلها لتحقيق شيء من هذا يعتمد على "مشاطرتها" وليس على الواجب الذي يفرضه الإسلام على الدولة. ويمكن للحركة النقابية أن تستند إلى مبدأ الشورى والنص القرآني العام عنه لكي يكون لها صوت في سياسة المنشأة. أن فكرة حرية صاحب العمل الطليقة في إدارة مصانعه تجافي الفكر الإسلامي وتناقض مبدأ الشورى ويجب أن يفهم أصحاب الأعمال هذا و"يسلموا تسليماً". وقد وقع المفكرون الإسلاميون في لَبس هو قصر الشورى على المجال السياسي. وقد صحح لهم الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل هذا الخطأ في عدد من رسائله أبرزها "الشورى في الإدارة" إن الشورى في مجال الصناعة لا تقل عن الشورى في مجال السياسة.. وربما تزيد لأنها تتعلق بالحياة اليومية للمواطنين، وما تطرحه من مشاكل.. قد يقول بعض النقابيين المصريين، ما لنا وهذا المجال الجديد الذي يختلف عن التكنيك النقابي التقليدي، ويقذف بنا إلى متاهات أو مجالات لسنا سادتها.. نقول إن منطق الاتباع للوسائل القديمة وتقليد الأباء والأسلاف، وعدم إعمال الذهن للبحث عن وسائل جديدة أو التكيف مع أوضاع متطورة والعزوف عن الجديد وإيثار الكسل والسلبية، أو كما يقولون "السلامة" يتنافى مع روح الحركة النقابية التي اتسمت بالذكاء والمرونة واستخدام كل الوسائل الصالحة واللعب بكل الأوراق الرابحة. وقد نظمت نفسها بما يتفق مع التطورات حتى لا يخلفها التطور وراءه وهي تدخل معركة صعبة، وقاسية، وتجابه الحكومات وأصحاب الأعمال. ولم تتردد في أن تدخل مجال العمل السياسي عندما وجدت أن هذا يخدم قضيتها، رغم أن الابتعاد عن العمل السياسي كان من المبادئ النقابية المقررة وإذا كانت النقابات الأوروبية لم "تشتغل" بالدين، فذلك لأن أوروبا بأسرها لا تعنى بالدين، ومن هنا فإن اشتغال الحركة النقابية به لن يفيدها.. لقد انتهى دور "نقابة المنشأة" الصغيرة، وانتهى أيضا دور النقابة الضخمة المكافحة والمعادية للمجتمع، وبدء عهد المشاركة مع أصحاب الأعمال والدولة في حل المشاكل عمالية أو قومية، وأصبح من المقرر النظر إلى العمال باعتبارهم "الشركاء الاجتماعيين" كما يطلق عليهم في ألمانيا أو في كتابات منظمة العمل الدولية. وتعين على الحركة النقابية أن تتزود بأفق واسع وفكر منفتح ونظرة قومية. وفي مصر يمثل الإسلام رأس مال ضخم يمكن للحركة النقابية أن تسحب منه، ويمكن أن تستند عليه وهي تجابه أصحاب الأعمال وتستمد منه الأدلة والبراهين التي تناصرها. ويمكن أن تستعدي عليهم الحكومة والرأي العام لأنها لا تتحدث بمنطلق مطلب، فئوي أو مادي، ولكن بمنطق المبدئية الإسلامية، ولا تدخل الحلبة على أساس الصراع الطبقي ولكن على أساس السلام الاجتماعي والعدل الإسلامي وأن يقوم كل بواجبه، وينال كل حقه، ويشترك الجميع عمالا وإدارات في بناء البلاد واستدراك تخلفها. وبهذا تسد على الرأسماليين كل ما يمكن أن يثيروه ضدها. وتكسب ولاء وتدعيم الشعب بأسرها لقضيتها.. وثمة شبهتان يمكن أن يثارا. الشبهة الأولى: إن استلهام الإسلام وبناء المطلبية النقابية على أساس العدل الإسلامي يمكن أن يقيد الحركة النقابية ويوقعها.. تحت رحمة الفقهاء والشيوخ. واجتهاداهم وفتاويهم، ولكن هذا لا قيمة له لأن الإسلام لا يمنح هيئة ما احتكار الإسلام أو تفسيره، بل لقد ظهر جليا أن تأخر المسلمين يعود إلى تخلف فهم كثير من الفقهاء. وأن هناك حاجة ماسة إلى التجديد الإسلامي وإعلان صوت الإسلام في القضايا الجديدة التي تعد "العلاقات الصناعية" من أبرزها. ولن تعجز النقابات أن تقدم إضافاتها في فهم الإسلام وهناك العديد من المفكرين الإسلاميين على استعداد للوقوف بجانبها. وقد وفَّر الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل عليها كثيراً من العناء في هذا المجال بما قدم من كتب، وما جلاه من أفكار، وما كشف عنه من أن معالجة الإسلام من منطق العمل تُثْرى الإسلام نفسه. وتبرز أبعاداً جديدة له، قدر ما يدعم الإسلام قضية العمل. الشبهة الثانية: أن هذا التحول قد يوجد حساسية لدى الأقلية القبطية من الشعب. وهذا كلام فارغ ركيك لا يقوله إلا شخص سطحي الثقافة سيئ الفهم. فإذا كانت الحركة النقابية ستكسب من الإسلام فهل يعقل أن يرفض قبطي هذا الكسب لمجرد أنه جاء من منطلق إسلامي؟ وهل يتعين على الأغلبية الكاسحة (95 أو 90% على الأقل) أن تخلى عن إيمانها مجاملة لأقلية محدودة (5 – 10%) لقد قلنا مراراً وتكراراً، وفي عدد كبير من رسائل الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل[7] إن الذين يثيرون هذه النقطة يغرسون الازدواجية، ويسيئون إلى الوحدة، بل ويسيئون إلى الأقباط الذين يكونون أسعد ما يكونون عندما تسعهم سماحة الإسلام.. وبالنسبة للحركة النقابية فإن الإسلام مُثُل عليا وقيم حضارية تتمحور حول العدل.. وقد أجاز الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل انضمام المنظمات غير الإسلامية إليه إذا تعهدت باحترام دستورية..
إن نقطة الضعف الثانية في الحركة النقابية، وفي كل الحركات الإنسانية، والتي حالت دون تحقيق "إنسانية" الإنسان هي عدم توفر تلك القيم الثمينة المنبثقة عن الإيمان الالهي، والتي يسير فيها الإشباع المادي جنباً إلى جنب مع الإشباع الروحي. إن إتاحة الحياة المادية الكريمة بتوفير شروطها من أجر كاف، ووقت يتسع للقراءة وحماية الصحة من أمراض وحوادث العمل وتأمين المستقبل بمختلف صور التأمينات توجد الشروط الضرورية لإنسانية الإنسان. والتي لا تتحقق إلا بها، ولكنها – وهنا المفارقة الهامة – لا تحقق وحدها إنسانية الإنسان. فنحن إذا حرمنا الإنسان من الغذاء، والكساء، والأمن والاستقرار. ووقت الفراغ ألخ... فإننا لا نستطيع أن نحقق له الإنسانية، إذ لا إنسانية لجائع أو خائف أو مهدد ألخ.. وفي الوقت نفسه فإننا إذا كفلنا له هذه وحدها. فنحن لا نحقق – على وجه التعيين – إنسانية الإنسان. ولكن نحقق الجوانب المادية في الإنسان، والتي لا يتخلف فيها الإنسان عن الحيوان إلا قليلاً. إننا نوجد إنسانا حيوانا حسن التغذية والصحة والمظهر. يقضي وقت فراغه في مشاهدة التليفزيون أو الأفلام السينمائية أو إشباع ما تهوى الأنفس. ولكنه لا يكون – بالضرورة – إنساناً كريما رحيماً، عادلاً، خيِّراً يأنف من القسوة والشر والرذيلة وقد لا توجد لديه مشاعر الحب والعاطفة، أو المرؤة والنخوة، أو التضحية أو القدرة على كبح جماح النفس... وهذه الصفات هي ما تميز الإنسان عن الحيوان، وما نبرز "إنسانية الإنسان" وما تضيء الحياة الإنسانية. وقد يحدث ما هو أسوأ... إن هذه التهيئة المادية لإنسان كي يستكمل إنسانيته قد لا تجعله إنسانا، ولكن شيطانا! إن غزارة الطعام والشراب وكثرة وقت الفراغ وتوفر الصحة المفززة، والاطمئنان تماماً إلى المستقبل.. كلها يكن أن تضرم في الإنسان مشاعر الضراوة والعدوان والاستكثار والبطر والأشر. وليس هذا احتمالاً مستبعدا أنه الواقع الذي تعيشه الحضارة الأوروبية والتي كلما ترتفع مستويات معيشتها كلما يزيدها ذلك أنانية، وطغيانا وعدواناً.. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. وقد لا تصل الوفرة بإنسان المجتمع الحديث إلى هذا المدى، ولكنها تجعله يركز كل اهتمامه حول الأكل والشرب فيعنى بأنواع من اللحوم وصنوف من الشراب، ثم ينتقل إلى الملابس ولزي والقمصان والكرافت ألخ.. والسيارة التي يقتنيها ويغيرها مع تغيير "الموديل" والفيلا التي يسكنها من أثاث و"ديكور" ويجعل من "الكورة" أو الملاكمة ومسابقاتها هوايته المفضلة أو أبطال وبطلات السينما مثله العليا بحيث تشغل هذه الاهتمامات حياته كلها.. وتنطبق عليه كلمة القرآن "يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام.." ويستحق وعيد الرسول واحتقاره "تعس عبد لدينار تعس عبد الدرهم.. عس عبد القطيفة.." والذين يجعلون من هذه الاهتمامات حاور حياتهم يمثلون نسيج المجتمع الأوروبي ولحمته، كما يكونون "الطبقة المحدثة" في مجتمعات العالم الثالث. كيف يمكن أذن للحركة النقابية أن تمنع هذا المصير السيئ وتحول دون أن تستغل قوى الشر والغريزة ولشهوة ما تقدمه من مستوى حياتي رفيع للعامل؟ كيف يمكن أن تستكمل مسيرتها لتحقيق إنسانية الإنسان؟ ليس إلا بأن تكون قوة هداية، تستلهم الإسلام وتبتهل إلى الله أن يهديها، وأن يرزقها القوة لتتغلب على الشر والأنانية والاستعلاء. وأن يشيع بين أعضائها القيم والمعنويات إن النقابية "التجارية" و"الانتهازية" و"السلبية" و"الخالصة والبسيطة" لم تعد قادرة على التصدي لتحديات العصر.. والنقابية المؤمنة وحدها هي التي تستطيع ذلك.
من أبرز ما تعاني منه الحركة النقابية الحديثة ضحالة إيمان الأعضاء بها. ذلك الإيمان الذي يجمع حولها القلوب، ويوحد الأفئدة ويكفل الانتظام في حضور الاجتماعات، والمشاركة النشطة في مختلف مجالات العمل.. وقد قررت بعض النقابات الأمريكية أن نسبة المشاركة البسيطة في اجتماعاتها لا تتعدى 10% من العضوية، وأن عدداً كبيراً من الاجتماعات يفشل في تحقيق النصاب المطلوب لصحته. وهذه الظاهرة تعود إلى أن النقابية ليست نظرية متكاملة وعقيدْة محكمة، وإنما هي – كما أشرنا إلى ذلك من قبل – "تكنيك" معين يقوم على احتكار عرض العمل، وبالتالي إجبار أصحاب الأعمال على مقابلتهم في منتصف الطريق، وعقد اتفاقية جماعية معهم. وهذا التكنيك على ما فيه من براعة، فإنه لا يثير بالضرورة الحماسة، أو أنه لا يكفل استمرار الحماسة، فعندما يحين أوان عقد اتفاقية جماعية، أو تجديدها ينتظم حضور الأعضاء وتتعالى حماستهم، ولكن ما أن تبرم الاتفاقية حتى يهبط الحماس ويعود الفتور.. إن النفس الإنسانية لها أعماق لابد أن نضعها في التقدير فمع أن الشروط والظروف المادية (أجور – ساعات العمل – أجازات – تأمينات ألخ..) هي أهم ما يحرص عليه العامل، وما تمثل اهتماماته اليومية المتجددة، فإنه ما أن يحققها حتى تفتر حماسته لها لأن جانبا كبيراً منها له طبيعة الغرائز، ما أن تشبع حتى يفتر عملها ومن السهل تصوير ذلك بقوة غريزة الجوع عند الجائع وغريزة الجنس عن المحروم. إن إلحاحهما يكاد يسيطر على نفس صاحبهما، فإذا أشبعتا توقف إلحاحهما وهكذا فإن النقابية التي تكون خلية محل إبان عقد الاتفاقية الجماعية، تصبح عشاً مهجوراً بعدها.. ولم يقتصر أثر هذا العامل على ضحالة الإيمان بالنقابة فتور العلاقة ما بين الأعضاء وبينها. إذا أن عدداً من أنبه القيادات النقابية في كثير من الدول هجرها إلى الاشتراكية التي وجد فيها تنظيراً ووعوداً بعالم سياسي واجتماعي جديد. لأن جفاف التكنيك النقابي عجز عن استيعاب الطاقة الروحية والنفسية لهؤلاء القادة.. فإذا أرادت النقابة أن تكسب إيمان أعضائها بها. فعليها أن تربط نفسها بدعوة أو عقيدة. وبالنسبة لعالم النقابية والعمل، فليس إلا الاشتراكية أو الإسلام. وقد أغنانا تهوي الاشتراكية عن إيضاح وجوه النقص فيها كنظرية، واستحالة اصطناعها في المجتمع المصري لغربتها عنه. وقد حاول عبد الناصر إقحامها، وسخر كل قواه لذلك فجاءته بهزيمة 67 التي قضت عليه وعليها. ثم تهاوت في بقية دول العالم.. فلم يبق سوى الإسلام على أن الإسلام لو لم يكن الخيار الاضطراري للحركة النقابية، لكان خيارها التطوعي ومحل فخرها وحرصها. فليس من الضروري أن نكون مسلمين لأن نقرر أن ثورة الإسلام هي أعظم ثورة حضارية شاهدتها البشرية منذ أن قام حتى الآن.
إن
عقلانية الإسلام التي جعلت معجزته "كتاباً" ملهما على مر العصور، وقضائه على
"المؤسسة الدينية" التي تحتكر الإيمان، وتفسيره لله تعالى تفسيراً يخلو من
اللاهوتية المعقدة. وتوجيهه الناس لأن يتفكروا ويتدبروا ويسيروا في الأرض.
واعترافه بالأديان السابقة وأنبيائهم وسماحته مع المخالفين وحرية الاعتقاد
وأمره بالزكاة والإنفاق والشورى وتحريمه للربا والخمر والظلم والطغيان، وإعجاز
القرآن وعظمة الرسول وتفوق "ديمقراطية الجامع" التي أقامها الرسول في المدينة
على "ديمقراطية السوق" التي أقامتها أثينا، تفوق الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر
وعلي على أغسطس ونابليون ولينين هذه كلها بعض مآثر الإسلام، فأين يمكن للبشرية
أن تجد ما يساويه، وأنى لها أن تجد قرآناً آخر ومحمد آخر.. وكيف يمكن أن تكون
هذه الأمجاد كلها بين يدي الحركة النقابية المصرية ثم تقف منها موقفا بليداً
غبياً يهدرها ويحول بينها وبين الإفادة منها. فسواء كانت الحركة النقابية نفعية
أو إيمانية فمن الأفضل لها أن يكون إلى الإسلام منتهاها.
لقد قلنا في مستهل الفصل أن الحركة النقابية المعاصرة لو خُيِّرت لاختارت أن تكون كالطائفة القديمة التي كانت تجمع أطراف العمل وتحدد العلاقات بينهم بما تقتضيه القيم الدينية والأصول العرفية مصلحة المجتمع التي كانت جزءاً لا يتجزأ منه. ولكن الثورة الصناعية والرأسمالية وروحها المادية مزقت المجتمع وقطبت معسكر العمل بين عمال ورأسماليين وفرضت العداوة والبغضاء وجعلت الروح المادية تسود المجتمع، وقضى على النقابة أن تتخندق في خندقها وأن تعتكف على نفسها وأن تحمي مصالحها. ولم تكن سعيدة دائماً بهذا الوضع. لأنها كانت تريد أن تقوم بدورها القومي وتشارك في هموم واهتمامات مجتمعها كجزء منه، وعندما طيح بالرأسمالية مدت إلى الاشتراكية، ولكن الاشتراكية مدت إليها مخالبها وأرادت استبعادها فتمردت عليها. وأمام الحركة النقابية المصرية أفق جديد يجعلها جزءاً لا يتجزأ من أمتها وبربط ما بينها وبين أصحاب الأعمال وفئات المجتمع بوشائج الأخوة والإيمان بقيم مشتركة تجعل حقوق العمال واجبات أصحاب الأعمال وحقوق أصحاب الأعمال واجبات العمال وتتيح للجميع أن يعملوا للبناء والسلام، وينزلوا عند الخلاف على العدل الإسلامي دون غضاضة أو حساسية. فهل تهمل الحركة النقابية المصرية هذا كله.. ونقول ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا..﴾
4 يوليو 1992
|