|
الحركة النقابية حركة إنسانية [ م ] |
مقدمة سنة 2003 ماذا قدّمت الحركة النقابية ______ |
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
مقدمة [خاصة بالطبعة الإلكترونية] كان فلاحو بريطانيا فى أواخر القرن السابع عشر يعيشون حياة صعبة، متقشفة، ولكنهم رادوا نفسهم على تقبلها فتقبلتها ثم لم يعدموا الفينة بعد الفينة لحظات من جمال أو هدوء تأتت من أن معيشتهم تلك كانت طبيعية، فهم يعيشون على الأرض يفلحونها، وقد يرعون قطيعاً من الأغنام ويسدون حاجاتهم الغذائية بطرق الاكتفاء الذاتى فكل شىء يؤدى فى الكوخ أو المزرعة. وكان من مكملات حياة هؤلاء الفلاحين أن يوجد فى كل بيت مغزل ومنسج. أما المغزل فيستخدمه نساء الأسرة وفتياتها فى تحويل صوف الأغنام إلى خيوط يتلقاها رب الأسرة ليقوم بنسجها على نول يدوى ينسج ليصبح ثوبا متينا من صوف إنجليزى خالص. وكان يمر عليهم فى بعض الأوقات تجار يشترون هذه الأثواب أو يعرضون مزيداً من الصوف يقوم النساء بغزله والرجال بنسجه. وكان هذا يمثل مورداً إضافيا يعين الأسرة على مواصلة حياتها المتقشفة. رضى فلاحو بريطانيا هذه الحياة ولكن التطور كان يضمر لهم شيئاً آخر. فبدءاً من العقود الأولى للقرن الثامن عشر وقد بدأ الميكانيكيون فى استخدام القوة البخارية التى هُدى بعضهم إليها بمحض الصدفة عندما أطار البخار المكتوم فى "حلة" غطاءها بقوة لفتت انتباه أحد صبيان الأسرة إلى ما تتضمنه هذه الظاهرة من قوة حاول عندما أصبح ميكانيكيا أن يستخدمها بأن يحبسها فى أنابيب حديدية ثم يسخرها لتحريك "ترس" فتولد قوة دفع يمكن أن تستغل وبدأ استخدام هذه الظاهرة فى صناعة الغزل والنسيج التى كانت رغم ازدهارها وممارستها فى كل بيت، فإن وفرة الصوف وتفتح شهية التجار أرادت وسيلة للغزل والنسيج أكثر سرعة وأكثر ناتجاً مما تقدمه المغازل والأنوال اليدوية .. وهكذا فوجئ أصحاب الأكواخ الهادئة الوادعة بقعقعة ونعيق "صفارة" المصنع الآلى الذى كان بدوره نذيراً بالثورة الصناعية التى قضت على البقية الباقية من العهد القديم ودمرت حياة الفلاح والحرفى. إذ أخذ أصحاب الأراضى فى تحويلها إلى مراع ثم جاءت وسائل الصناعة الآلية فى الغزل والنسيج فقضت على المغازل والأنوال اليدوية. كان هذا التطور قبيحاً، مزعجاً، فالمصنع كان أشبه بالسجن الذى يقام على أرض عارية رطبة مظلمة يمتلئ جوها بالدخان والغبار ونثار الصوف وترتفع قعقعة الآلات وكان النول الميكانيكى الأول قبيحاً، معقداً، فجاً، بعيداً كل البعد عن النول الخشبى الصغير الذى صقلته الأيدى حتى أصبح ناعماً تحنو عليه اليد، ويحنو عليها كأن بينهما مودّة. أوجدت الثورة الصناعية طبقة الرأسماليين وهم التجار الذين أقاموا المصانع كوسيلة لاجتناء الأرباح وأداروها كمشروع تجارى، وكان دستورهم هو دستور التجار فى كل أنحاء العالم "اشترِ بأرخص الأسعار وبع بأغلاها"، وأوّل من حاولوا شراءه بأرخص الأسعار هم العمال. لقد انتهى العهد القديم.. انتهى عهد الريف الهادئ والحرفى الذى يملك "عدته" وبدأ عهد المصنع الآلى. عهد الحديد، والنار والدخان الذى لوث سماء إنجلترا بأسرها. ما الذى "حدفهم" على هذا المرّ ؟ إنه كما يقول المثل "ما هو أمرّ واصعب"، صيحات الأفواه الجائعة فى بيوتهم. فى إحدى لحظات الإلهام التى لمعت كشهاب ثاقب فى ظلمات الاستغلال تراءت فكرة "المساومة الجماعية" أى أن لا يتقدم العمال إلى المصنع آحاداً وأفراداً فيستبد بهم صاحبه ويملى عليهم شروطه. ولكن أن يتقدموا كجماعة لها صوت واحد بحيث لا يوجد إلا هذا الصوت الواحد وبالتالى يضطر أصحاب الأعمال للنزول من عليائهم.. والتفاهم مع العمال.. وكان ذلك ميلاد الحركة النقابية ... وسلكت الحركة النقابية طريقاً طويلاً خشنا حافلاً بالأشواك والأهوال والمتاعب والتضحيات وفى النهاية انتصرت وأثمرت عدداً من التجارب الاجتماعية التى كانت فى صميم بناء المجتمع الحديث، بل وأساس قيامه. ماذا قدمته الحركة النقابية للمجتمع الحديث ... 1- قدمت الحركة النقابية فكرة "المفاوضة الجماعية" التى أجلست العمال جنباً إلى جنب أصحاب الأعمال على مائدة المفاوضات لتحديد ظروف وشروط العمل. فدعمت الديمقراطية عمليا. وفى كتابهما الضخم أطلق سيدنى وبياتريس وب على المفاوضة الجماعية إسم "الديمقراطية الصناعية". وإنه من المؤسف أن هذا الأسلوب الذى أطلقنا عليه "الشورى الصناعية" لم ينتقل إلى المؤسسات التجارية أو الهيئات العامة بدعوى أن العلاقات العمالية "تعاقدية" وأن العلاقات الأخرى "تنظيمية" يحددها قانون. كان يجب على العاملين فى هذه الهيئات أن يقولوا إن الأمة مصدر السلطات وأن العاملين فى كل مكان هم أدرى الناس بوضع القانون المناسب لهم، والذى يتسم بالمرونة التى تتطلبها المعالجات الاجتماعية. 2- وقدمت الحركة النقابية أسلوب "الإضراب" كطريقة للضغط، وكانت الحكومات لا تعرف وسيلة للضغط إلا الحرب فى الخارج والأحكام العرفية الاستثنائية فى الداخل فجاءت الحركة النقابية بالإضراب والإضراب معركة سلبية لا تضيرها هذه السلبية ولا تفقدها حظها من التضحية والصمود والتعرض للاضطهاد، ولكنها لا تمس الآخرين إلا مساً سلبيا. لقد أصبح الإضراب أبرز وأقوى وسيلة جماهيرية للاحتجاج فى كافة المجالات وأضاف أشكالاً وصوراً عديدة له تطلبتها الملابسات، وبهذا وضعت الحركة النقابية فى أيدى الجماهير وسيلة فعالة تعبر بها عن غضبها وتضغط بها على السلطات والمُلاك للتجاوب. ولا يمكن أن يقاس بالإضراب الوسيلة التى أوجدتها هيئات المصالح للضغط على المسئولين بأن تترصد للسلطة التشريعية فى ممراتها وأبهائها لممارسة ما يسمونه "اللوبى" لأن هذه وسيلة تتضح بروح مصلحة فئوية، بينما الإضراب يعرب بقوة وشجاعة ووضوح وصراحة عن حقوق. 3- مع أن الحركة النقابية حركة مهنية تتعلق بظروف وعلاقات العمل – إلا أنها تبينت – حتى من أيامها الأولى أن العمل السياسى لازم لحل مشكلات العمل ذات الطابع القومى. فضلاً عن أن النقابات وقد أصبحت هيئات جماهيرية لم يعد بنقصها الوعى السياسى وبهذا بدأ عمال بريطانيا أول حركة شعبية، جماهيرية لإصلاح نظم الانتخاب وهى الحركة الميثاقية (Chartism) وكانت الوسيلة فيها وسيلة جماهيرية مباشرة لها طابع من التنهيج، وكانت النقط الستة التى طالب بها الميثاق هى أساس الإصلاح الانتخابى فى بريطانيا وتحققت خمسة منها. وفى مرحلة لاحقه توصل النقابيون إلى أن يكون لهم حزب عمالى ينبع من الحركة النقابية، ويرتبط بها ولكن مع محافظة الحركة النقابية على استقلالها فليست هى الحزب وحزب العمال ليس هو الحركة النقابية إنه إبنها أو محاميها. ولكن له كيانه الخاص كما أن لها كيانها الخاص وبهذه الطريقة توصلت إلى المساهمة فى العمل السياسى دون أن تذوب فيه أو أن تجعل الحزب العمالى يذوب فيها. وهكذا ظهرت "أحزاب العمال" التى دفعت بالقضية الاجتماعية لتكون فى صدارة اهتمامات العمل السياسى. وكانت الحركة النقابية الأولى التى استكشفت بذرة الفساد فى النظام الذى وضعه لينين باسم "المركزية الديمقراطية" وأقام عليه بنيان الحزب واستلحق بمقتضاه النقابات. كانت المعارضة العمالية بقيادة مدام كولنتاى وزعيم عمال المعادن شليابنكوف هى التى نقدت هذه الفكرة المحورية التى كانت حجر الزاوية فى بناء الاتحاد السوفيتى وكانت هى الحركة الجماعية الوحيدة التى تصدت لنقد نظام لينين فى حضوره وتنبأت بأن البيروقراطية ستفسد الحركة النقابية والحزب، والاشتراكية وتأتى فى النهاية على الاتحاد السوفيتى. وتحملت المعارضة العمالية أقسى صور الاضطهاد، وحرم قادتها من صفاتهم، أما مدام كولونتاى التى لم يكن ليستطيعوا معها مثل هذه الإجراءات فأبعدت إلى الخارج كسفيرة – أول سفيرة فى تاريخ الديبلوماسية الأوربية الحديثة. 4- اخترقت الحركة النقابية لأول مرة فى العصر الحديث أسوار القوميات وحدود الدول وتغلبت على صعوبات اللغات، وذللت عراقيل المواصلات. لتأخذ شكلاً دوليا وعالميا. وقبل أن تفكر أى حركة أخرى فى عالمية شعبية أسست الحركة النقابية أول "أممية" سنة 1864 وهى الأممية التى أخذت من لندن مقراً وعاشت ردحاً فى ضيافة الحركة النقابية البريطانية التى كانت وقتئذ أغنى النقابات وكان يمكن أن تحقق الكثير لولا المشادات النظرية بين خصمين عنيدين هما ماركس وباكونين الفوضوى الأمر الذى أدى إلى نقلها إلى أمريكا. ولم ييأس العمال فكونوا الأممية الثانية فى باريس فى أعقاب الاحتفال بمرور مائة سنة على الثـورة الفرنسية (1889) وفى إحدى مؤتمراتها ظهر المندوبان الروسى واليابانى وقد عانق أحدهما الآخر عندما كانت دولتاهما فى حرب قاسية إيثاراً وتفضيلاً لمعنى العمل والأخوة الإنسانية على المقتضيات السياسية السلطوية التى تتخذها الدول. تلك كانت خطوات رائدة نحو ضم الإنسانية تحت لواء أخوة العمل بعيداً عن الأطماع السياسية التى هيمنت على الجماهير. وساقتهم كالشياه فى حروب، مع جيرانهم لأسباب سياسية. وعندما تلبدت سماء أوروبا بالغيوم التى سبقت الحرب العالمية الأولى. جاهدت الأممية الثانية للحيلولة دون نشوب القتال. ولكن الحوادث غلبتها على أمرها. وخلال سنوات الحرب ساورت واستشرفت دوائر العمال ماذا سيكون عليه السلام المقبل. فعقدوا مؤتمرات لتكوين اتفاقيات دولية تتعلق بظروف العمل. وكانت الحركة العمالية الأمريكية ورئيسها صامويل جومبرز (Samuel Gomberz) وراء جهود الرئيس ولسن الذى دخل الحرب على أساس تكوين "عصبة أمم" يلحق بها محكمة العدل الدولية لتفصل فى الخلافات الخارجية ما بين الدول ومنظمة العمل الدولية التى تفصل فى الخلافات التى كانت تهدد السلام الاجتماعى وأعنى بها الخلافات ما بين العمال وأصحاب الأعمال وظهرت منظمة العمل الدولية بتشكيل فريد يضم العمال الذين كانوا القوة الدافعة فى سنوات التأسيس الأولى. وأريد لمنظمة العمل الدولية أن تضع قانونا دوليا للعمل تحقق بالنسبة للدول المتقدمة المستوى الذى يمكن بلوغه، وبالنسبة للأقل تقدما المستوى الذى يجب أن تستهدفه فى المستقبل .. ولم تقف الحاسة العالمية فى الحركة العمالية عند هذا إذ إنها أقامت الاتحادات العمالية الدولية التى تضم النقابات والاتحادات فى كل دول العالم ويساند بعضها بعضاً ويؤازر القوى فيها الضعيف. وكانت تلك الاتحادات هى أقوى وأبرز صور "الديبلوماسية الشعبية" التى يمكن أن تعمل داخل الشعوب لتحقيق السلام فى العالم ومعالجة مشكلات المجتمع بدفع وتأييد المنظمات الشعبية نفسها وكانت هذه الاتحادات الدولية تخترق الحدود القومية وتجابه سياسات الاستحواز والرغبة فى الهيمنة لدى دول عديدة .. ودفع قيام الاتحادات العمالية هيئات أخرى عديدة للتكتل فى إطار دولى. يجابه أطماع السلطات واستغلال الشركات الكبرى. وقد ظهرت الاحتجاجات الشعبية فى أجلى صورة عند اجتماعات "دافوس" أو مؤتمر التجارة العالمى أو اجتماعات البنك الدولى الخ ... وقد لا يعلم الكثير أن فريقاً كبيراً من النقابات الأوروبية والأمريكية عارض بقوة سياسة بلاده فى تأييدها الأعمى لإسرائيل وفى حربها للعراق وأعرب عن تعاطفه مع آمال العرب. [اضغط هنا] وإذا كان هناك أمل فى إنقاذ العالم من هجمة "العولمة" وسطوة "الأمركة" فإن هذا سيكون معلقا بقوة الحركات الشعبية والجماهيرية المنظمة لأنها يمكن أن تعمل فى العمق الأمريكى نفسه. ويمكن أن تصل إلى تغيير الرأى العام. إن القوة العسكرية لدى الدول والقوة الاقتصادية فى الشركات الكبرى لا يمكن أن تجابه بما يماثلها، وإنما يمكن أن يحفر فى أساس مجتمعها نفسه حتى يتهاوى ولا يكون هذا إلا بجهود منظمات شعبية فى كل دول العالم بحيث توجد قوة موازية للقوة العسكرية/ الاقتصادية تحول دون الاستسلام لسلطان الظلام الذى يعمل بقوة السيف والمال ... وفى البدء.. كانت الحركة النقابية ... جمــال البــنا يونيه سنة 2003 ربيع الآخر 1424
Ë Ë Ë
يشيع بين الناس أن الحركة النقابية حركة مهنية، تعني بظروف وعلاقات العمل من أجور. وساعات عمل، وصحة مهنية ألخ …… أي أنها حركة "أكل عيش" لا ترقى إلى مستوى الحركات الإنسانية الكبرى ذات الصيت المدوِّى والبريق الآخاذ كالديمقراطية والاشتراكية، ولي سفيها ما يجذب الإنسان أو المواطن، أو ما يَمِتُ إلى القيم الإنسانية الرفيعة، وبالتالي فلا يهتم بها إلا أصحابها من العمال المعنيين. ودعم هذه الفكرة في الأذهان أن الحركة النقابية في حقيقتها مجرد "تكنيك"، وأن النقابة مجرد أداة، وليس لها بناء نظري محكم كالاشتراكية مثلاً، وأنها نشأت في معسكر العمل. ومارسها أول مرة أمشاج من العمال بطريقة عشوائي. فتعرضوا خلال مسيرتهم الصعبة لكثير من الخطأ والتخبط. ولم يُعْنَ بها المفكرون والمنظرون. لأنها لم تدع لنفسها نظرية. كما لم تنشأ عن منظِّر أو مفكر تقترن باسمه. وأن أصحابها الأصليين – أي العمل – لا تتوافر لهم ملكات الكتابة والتأليف والتنظير والفكر. وهكذا ضاعت الحركة النقابية بين إهمال المفكرين وعجز العماليين. وظُلمت حقها بين الحركات الإنسانية الكبرى. وفى الوقت الذي تملأ فيه صفحات الكتب. حركات التحرير السياسية والاجتماعية والإصلاحية، فإننا لا نجد ذكراً للحركة النقابية، أو نجد ذكراً لا يتناسب مع دورها الحقيقي. وإنعام النظر يوضح لنا أن القضية التي تصَّدت لها الحركة النقابية وجعلتها محور عملها وكفاحها قضية إنسانية، بل لعلها قضية إنسانية المجتمع الحديث. فقد نظرت الرأسمالية الصاعدة إلى "العمل" باعتباره سلعه. ولم تفرق بينه وبين أي سلعه أخرى من متطلبات الإنتاج ولم تجد حرجاً فى أن تشتريه بأرخص الأسعار. وجاء وقت أطلق فيه على الأجور كلمة "الثمن" أي ثمن العمل. وغفل أصحاب الأعمال والرأسماليون عن أن هذه السلعة لا تنفصل عن صاحبها، إنها ترتبط بيد العامل، ويد العالم ترتبط بجسمه، وجسمه هو "هيكل" و "إطار" إنسانية العامل. فإن تعتبر العمل سلعة يستتبع تلقائيا أن يكون الإنسان سلعة أيضا، وأن لا يكون هناك فرق بين العامل في المجتمع الحديث. والعبد في المجتمع القديم. بل لعله أسوأ، لأنه كان يُحرم من الأجر إذا مرض، لأنه لم يقدم السلعة، فلا يستحق الثمن. وإذا كان العامل متزوجا وأباً لعدد من الأبناء فإن الآلة لن ترق له فتضاعف في إنتاجها. ولن يكون هناك مبرر لزيادة في الأجر لزيادة في الأعباء العائلية. ولو سمح لهذا المنطق بأن يمضي إلى غايته. لما ظهر في المجتمع الحديث عمار أحرار، ولكن عبيد مصدفين في الأغلال يفقدون "إنسانيتهم" وأن لم يفقدوا وجودهم المادي، ولما كان هذا المجتمع ليفترق في شيء عن المجتمع الروماني القديم... كانت الحركة النقابية هي القوة الوحيدة التي تصدَّت لهذا المنطق. ورفضته وقدمت العمل باعتباره ناطا إنسانيا لا ينفصل عن الإنسان. ويمثل إضافته الخاصة قدر ما يكون المورد الذي يستمد منه العامل ما يكفل له الحياة الكريمة. بعد أن حول – أي العمل – الركام والحجارة إلى مساكن وبيوت، وحول الخشب إلى أثاث ومكاتب، وجعل من القمح خبزاً واستخرج من بطن الأرض الحديد والمعادن ألخ... إن عمل العامل هو الذي قام بهذا التحول في العملية الإنتاجية، وأوجد القيمة المضافة التي تصبح حقاً للعامل يأخذ منها ما يكفل له الحياة. كي يواصل العمل ولكي تتوالى القيمة المضافة. نعم إن الاشتراكية تحدثت عن القيمة المضافة. بل لعلها هي التي زجت بها في مجال الفكر، ولكن الاشتراكية.. ويا للعجب.. عالجت العمل كأصحاب الأعمال، من ناحية التنظير المجرد، فلم يشفع لها كثيراً أن أعلنت القيمة المضافة، أما الحركة النقابية فلم تتوصل نظرياً، ولكن عملياً، إلى القيمة المضافة. وأقامت عليها مطالبها. فلم يكن في الحركة النقابية تنظير، ولكن عمل. ولم يكن في الحركة الاشتراكية عمل، ولكن تنظير... أثبتت الحركة النقابية بمنطق العمل، وليس بمنطق النظر، أن للعامل حقاً في ثمرة ما ينتجه. وأن من الطبيعي أن يتلاءم هذا الحق مع ثمرة العمل. فبقدر ما تزيد الثمرة، يزيد حق العامل فيها. كان منطقها بعيداً عن السفسطة أو المجادلة الفكرية. أو حتى المدافعة أو التمسح بحق الإنسانية ودعواها.. كان منطقاً عمليا بسيطا وواضحا. إن للعامل الحق في ثمرة عمله. وعندما يراد تحقيق هذا عمليا فإنه يعني الزيادة في الأجور وتقصير ساعات العمل ألخ... لم تتحدث الحركة النقابية كثيراً عن إنسانية العامل، أو الحقوق الطبيعية للإنسان. لأن الأحاديث تكون عادة على حساب العمل. ولكنها عملت بالفعل له عندما رأته عدلاً تقضي به طبائع الأشياء. وتوصلت، دون أن ترفع عقيرتها، إلى تحقيق الشروط الأولى ليحيا الكائن الإنساني حياة إنسانية. ذلك أن الأجور، وساعات العمل، والصحة المهنية ألخ..، ليست مجردات. إن لها مدلولاتها "الإنسانية". إنها المفردات التي تُهَيّئ الكيان الإنساني. فلا إنسانية إذا جاع الإنسان. ولا إنسانية إذا عدم الآمان... أو أصبح تحت رحمة التقلبات والظروف. فلا يحس الإنسان بمعنى إنسانيته إلا إذا توفر له أولاً إشباع الاحتياجات والضرورات اللازمة لحياته المادية بالصورة المطلوبة. وهذا هو ما قامت به الحركة النقابية. وستثبت هذه الرسالة الموجزة أن الحركة النقابية تأتي بعد الأديان مباشرة، وقبل الديمقراطية والاشتراكية. وأن أثرها في تقدم الشعوب والجماهير يفوق أثر الديمقراطية والاشتراكية وأي حركة إنسانية أخرى. وأنها من منطلق الأجور وساعات العمل والصحة المهنية والتأمينات كانت أكثر تمثيلاً لمقومات الإنسانية من أي دعوة أخرى. وبالتالي. فإنها أحق من غيرها بأن تكون الدعوة الإنسانية الكبرى في العصر الحديث.
وليس هذا كلاما يقال على عواهنه. أو يطلق على عِلانه، فكل دعوى فيه لها ما
يثبتها. وسنرى في الفصول التالية أن مقومات الإنسانية تتلبس بالحركة النقابية
وتتوائم معها تماما. f
لقد كان هذا الموضوع، يلح على الذهن كلما طُلَّب إلى أن أحاضر عن تاريخ الحركة النقابية أو التنظيم والبنيان النقابي. وكنت أرى أن من الخير أن يسبق هذه المحاضرات محاضرة عن منزلة الحركة النقابية بين الدعوات الإنسانية ليعرف الدارسون قدرها. وإني لآمل أن تكون هذه الرسالة مرجعا لمحاضرة عن هذا الموضوع تقدم في الجامعة العمالية ومعاهدها. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للجامعة العملية. فإنه لأشد أهمية بالنسبة للجامعات الأخرى. والهيئات والرأي العام الذي لا يزال ينظر إلى الحركة النقابية نظرة متخلفة عن دورها، وقبل هؤلاء جميعاً، الحركة النقابية نفسها، أي النقابات العامة التي يجب أن يكون هذا الموضوع منطلقها للعمل.. جمــال البــنا
ربيع الأول
1413
|