|
|
|
قد يكون من حق الشاعر جميل بثينة أن يقول : يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأى جهاد غيرهن أريد كما قد يكون من حق جماعة الجهاد أن ترى أن الجهاد على طريقة غزوات الرسول هو "الفريضة الغائبة" .. من حق هؤلاء وأولئك، ومن حق غيرهم أيضاً أن يقولوا ما يشاءوا. ولكن هذا لا يغير الحقيقة التى تفرض نفسها فرضا على الجميع. تلك هى أن العالم الإسلامى بأسره اليوم هو فى الدرك الأدنى بموازين القوة: قوة البأس العسكرية: قوة المال الاقتصادية. قوة المؤسسات الراسخة والنظم المستقرة. وان أهله أصبحوا قطيعاً من الجياع العراة.. الذين غلبت عليهم الذله والمسكنة وتحكمت فيهم عصابات من الحكام الطغاة. وأن الشعوب لا تملك ثقافة، ولا حرية، ولا تنظيماً تمكنها من العمل. وأصبحت تتخبط فى المتاهات دون أن تصل إلى حلول .. هذه هى الحقيقة المفجعة، فإذا كان هناك حديث عن جهاد فأولى ثم أولى أن يكون جهاداً فى مواجهة هذا الواقع المزرى وهذه الحال التى هى أبعد ما يكون عما أراده الله تعالى عندما قال ولله العزة ولرسوله والمؤمنين. فإن المؤمنين لم يعد لهم أى نوع من العزة. وإنما أصبحوا يتخبطون ما بين الأغلال المفروضة لا يهربون من غل إلا ليقعوا فى غل آخر. ولا ينجون من قيد إلا ليلاحقهم قيد ثان. العالم الإسلامى يتخبط ما بين حكام استبدت بهم شهوة السلطة وارتبطوا باتفاقيات ومعاهدات مع الدول الكبرى التى ترسم لهم سياساتهم ويتلقون لقاء ذلك المناصرة والتأييد من هذه القوى والسكوت عما يقترفونه من مظالم وموبقات .. وترسم هذه القوى للعالم الإسلامى طريقاً تدعى أنه ينهض بشعوبها، ولكنه فى الحقيقة يربط هذه الشعوب بإسار التبعية للدول الكبرى بحيث يكونون مواطنين درجة ثانية أو ثالثة يمارسون الأعمال اليدوية التى لا تتطلب ذكاءً ويتأثرون بأسوء مكونات الثقافة الحديثة التى تجعلهم أسرى الاستهلاك والعاجزين فى الوقت نفسه عن الإنتاج. ثم لا تكتفى هذه الدول بذلك، بل تقيد العالم الإسلامى بقروض ربوية تجعله يعجز عن سداد الدين الذى يتضخم، وبالكاد يدفع فوائده. ويرتهن اقتصاد البلاد وزبدة الإنتاج لتسديد هذه الفوائد. وقد يقدمون "معونات" والحقيقة أنها معونات لهم وليس للعالم الإسلامى لأن كل معونة تصطحب بشروط وقيود وإجراءات وضمانات وعدد من المستشارين الأجانب أو تشترط سلعاً معينة قد تكون راكدة فى دولتها وتريد التخلص منها، وتشترط أن تتم عمليات التبادل الصناعى والتجارى على سفنها أو بطرقها. وفى النهاية فإن نتيجة المعونة توظيف عدد من الأجانب، ورشوة عدد من المسئولين والتخلص من بعض سلعها الراكدة وتشغيل سفنها ونظمها الخ... فهى كسب للدولة "المانحة" على حساب الدول المتلقية ! وداخل كل دولة، فى وزارتها، خبراء وموظفون يعكفون على إتمام هذه الخطط ويضعون ترتيباتها ويكتبون التقارير ويعتمدون على أرقام وإحصائيات مزيفة أو توقعات خيالية.. وعندما تكذبهم الوقائع فإنهم يتمحكون وأن كانوا فى النهاية يعمدون إلى المزيد من القروض ويبخسون عملتهم حتى لا تساوى شيئاً أمام الدولار. وهؤلاء هم خبراء التنمية وأساتذة الاقتصاد، وقد حكم عليهم الوضع بهذا الموقف، وأصبحوا أدوات له. وهم يصدرون التقرير تلو التقرير، ويعتمدون على نسيان الشعوب، وتصديقها ورضوخها وانصياعها فى النهاية لأنها لا تستطيع العمل، ولا تهتدى للحل. وبفضل هذا يعيش الحكام فى قصورهم، ويعيش "التكنوقراط" فى فيلاتهم. ويكسب المستوردون والتجار الملايين وتنحط يوماً بعد يوم مستوى المعيشة بصورة تدريجية تصبح مفزعة فى النهاية، وأن لم تظهر كذلك فى البداية .. إن هذه الوسائل التى تعتمد على سياسات الحكام وعلى تقارير الفنيين والاقتصاديين ومن ورائهم التجار الجشعون والرأسمالية الطفيلية، وسياسات صندوق النقد الدولى.. وفتح الأبواب للسلع المستوردة التى تودى بكل صناعة وزراعة لا يمكن أبداً أبداً أن تحقق نهضة ولا أن تحفظ لشعب كرامته وعزته واستقلاله .. لا يمكن الإنقاذ إلا عندما تعتبر الجماهير عملية التنمية عمليتها وتأخذها من أيدى الخبراء والتكنوقراط. وهذا لا يتحقق إلا بإيمان عظيم بأن هذا هو الجهاد الحق الذى أراده الإسلام وعندئذ تتحول التنمية إلى معركة حضارية، شعبية، إسلامية تؤدى تحت لواء الجهاد المقدس. تبدأ من نقطة العدالة التى لا تتطلب إلا الإجراءات الإدارية لتحقيق التقارب فى الدخول والثروات حتى تصل إلى مرحلة الكفاية التى تنهض بالإنتاج بحيث يتيح مستوى المعيشة المطلوب لكل الشعب .. إن إرادة الشعوب وحدها هى التى يمكن أن تصمد، وأن تنتصر، على هذا الطوفان، عندما تنتظم وتعبئ نفسها فى جهاد مقدس وتحت راية قيمة عظمى كالإسلام. إن هذا الجهاد هو وحده الذى يستطيع أن ينهض من الحاضر المتردى المعقد، ويجابه التحدى الكاسح للعولمة. إن الجهاد اليوم ليس هو أن نموت فى سبيل الله. ولكن أن نحيا فى سبيل الله. كان الجهاد الإسلامى الأول فى عهد الرسول والخلفاء الراشدين موجها "ضد الكسروية والقيصرية والنظم الطبقية التى استعبدت الجماهير. وكان الجهاد فى القرن الماضى لاستعادة الحرية السياسية والقضاء على الاستعمار البغيض، واليوم فإن الجهاد هو سبيل تحرير البلاد والشعوب من قبضة التبعية الاقتصادية، والتخلف ومواجهة العولمة ... كان شعار الجهاد قديماً "من يبايعنى على الموت فى سبيل الله" واليوم فإن شعار الجهاد "من يبايعنى للحياة فى سبيل الله" .. b |