الجهــاد

الفصل الأول

b

الباب الأول : الجهـاد

الفصل الأول

الطبيعة الجهادية للإسلام

 

 

لم يكن عبثا أن اصطنع القرآن الكريم تعبير الجهاد بالذات وخصه بالذكر وجعله طابع الحياة، ذلك لأن كلمة الجهاد تركز فى كلمة واحدة "بذل الجهد" وهى لا تقيد هذا البذل الأقصى فى مجال دون مجال، وإنما يفترض أن يكون خطة ومنهاجاً وأسلوباً وسلوكاً.. وهذا المنهج هو ما يتفق مع الطبيعة الجهادية للإسلام.

الحياة مبارزة بين الخير والشر :

ومن أين جاءت هذه الطبيعة ؟ لقد جاءت – بالدرجة الأولى – من التصور الرئيسى الذى أقترن بظهور الحياة على هذا الكوكب الأرض. بل بسببه ظهرت الحياة وارتبطت به. وهذا ما يشرحه لنا القرآن الكريم بتفصيل رائع، وإعجاز بالغ فى أكثر من سورة، وأكثر من مناسبة. ففى هذه المواضع تحدث القرآن الكريم عن آدم فى الجنة يعيش فيها رغداً وكيف حذره الله من أن يستمع لغواية الشيطان، ولكن آدم فى إحدى لحظات الضعف أنخدع بغواية الشيطان الذى أكد له أن الشجرة التى أمره الله أن لا يقربها هى شجرة الخلد وأنه إن أكل منها فسيرزق الخلود.[3] وانخدع آدم. وحقت عليه كلمة الله أن يترك الجنة وأن ينزل الأرض ليبدأ أجيال المعاناة.

ولكن الله تعالى فى سابق علمه كان يريد لآدم شيئاً عظيماً هو أن يكون خليفته على الأرض. وقد أهله لهذا بأمر ميزه على بقية الخلق جميعاً هو العلم ومن أجل هذا فلم يكن نزول آدم من الجنة إلى الأرض عقوبة، ولكنه كان قضاء وإرادة من الله تعالى بأعمار هذه الأرض وأن يقوم فيها بكل الأعمال العظيمة التى أهّله الله لها فضلاً عن تلك النفثة الإلهية التى نفثها فيه وهو صلصال مهين فانقلب إلى مخلوق كريم يمكن أن يحمل رسالة الله فى الأرض بعد أن زوده الله تعالى بالضمير من ناحية والعلم من ناحية أخرى.

ويقص القرآن هذه القصة التى رمز بها لدور الإنسان على الأرض ومكانته فيها.. وأجرى لكى يقرب المضامين إلى إفهامنا حواراً بينه وبين الملائكة الذين هالهم أن يجعل الله تعالى خليفة له على الأرض هذا الإنسان لكى يفسد فيها ويسفك الدماء. فرد الله عليهم بأنهم لا يعلمون ما يعلمه وسألهم :

  • ]وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ[ {30} ..

  • ]وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[ {31} ..

  • ]قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنـَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ[{32} ..

  • ]قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ[ {33} ..

  • ]وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجـُدُوا لآدَمَ فَسَجـَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَــى وَاسْتَكْبَرَ وكَــانَ مِنْ الْكَافِرِينَ[ {34} .. { البقرة 30-34}

وفى الآية الأخيرة يشير القرآن الكريم إلى رفض إبليس السجود مع الملائكة على أساس أنه أفضل من آدم، فقد خلقه الله من نار وخلق آدم من طين.

ورمز القرآن الكريم بالشيطان لقوة الشر، لأن دعواه قامت على الأثرة والأنانية مع الجهل بحكمة الله تعالى وكان جديراً به أن يفهم أنه ما دام الله تعالى أراد سجود الملائكة الذين هم من نور فإن له حكمة لا يفترض ضرورة أن يعرفها. وعندما تقترن الأنانية بالجهالة فإنها تكون أصل كل الشرور.

برفض إبليس السجود لأنه يرى نفسه أفضل من آدم ويجعل من نفسه العدو الأبدى للإنسان. وأراد الله تعالى له أن يمثل هذا الدور الذى أختاره لنفسه بحيث تكون الحياة مبارزة ما بين الإنسان من ناحية والشيطان من ناحية أخرى. وهو ما تفصله الآيات ..

  • ]وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ[ {11} ..

  • ]قَــالَ مَــا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُـدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طــــِينٍ[ {12} ..

  • ]قَالَ فَاهْبِـــطْ مِنْهَا فَمَــا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَــا فَاخْــرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِــرِينَ[ {13} ..

  • ]قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[ {14} ..

  • ]قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ[ {15} ..

  • ]قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ[ {16} ..

  • ]ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِــنْ بَيْــنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَــنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ[ {17} ..

  • ]قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ[ {18} .. {الأعراف 11-18}

  • ]وَإِذْ قُلْنَــا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُــدُوا لآدَمَ فَسَجَــدُوا إِلا إِبْلِيــسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا[ {61} ..

  • ]قَــالَ أَرَأَيْتَكَ هَــذَا الَّذِي كَــرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً[ {62} ..

  • ]قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا[ {63} ..

  • ]وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا[ {64} ..

  • ]إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً[ {65} .. {الإسراء 61 65}

أننا لا نجد دينا أبرز الشر ممثلاً بالشيطان بمثل هذه الصورة من القوة والوضوح، ولا نرى دينا يعطى الشيطان "كارت بلانش" ليقوم بالغواية بكل ما يستطيع بل وكاد يكون أمراً له بهذه الغواية ]وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولأدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا[.[4]

ولما طلب الشيطان أن يمهله طوال الحياة الدنيا، أمهله الله ..

إن هذا ينم عن الثقة الكبيرة التى يضعها القرآن فى الإنسان المزود بالعلم والضمير والمسلح بهداية الأنبياء والكتب المقدسة التى تضع للإنسان معالم الطريق وسبل الهداية.

هكذا يتهيأ مسرح الحياة ليكون جهاداً كأشد ما يكون الجهاد.. جهاداً ما بين نار حارقة.. ونور هادئ، جهاداً بين غواية ساحرة جاذبة. وبين إيمان راسخ رصين. جهاداً يستمر ما استمرت الحياة ويضم مجالاتها وتكون أسلحة الغواية فيه المال والغرور والنساء والشهوات والمراكز والمناصب والكبرياء وأسلحة الهداية العلم والضمير والخير وهداية الأنبياء وتعاليم الكتب المنزلة.

إن هذا التصور يعطى الإسلام طبيعة جهادية تجعل المسلم على أهبة دائماً، وأبدا، وإذا كان المسيحى يحمل صليبه، والفارس يحمل سيفه ودرعه فإن المسلم يحمل إيمانه وعقله، لأنه يعلم أن الشيطان يسرى من الإنسان مسرى الدم فتلك طبيعة الإسلام، وهذا هو قدر المسلم ..

f

الحياة ابتلاء واختبار :

لا تقتصر الطبيعة الجهادية للإسلام على التصور الإسلامى للحياة، وكيف بدأت. وكيف تطلبت الجهاد أبداً. إن هناك عنصراً آخر يشير إليه القرآن الكريم يحمل معنى ومضمون الجهاد وإن حمل اسما آخر هو "الابتلاء" وهذا العنصر يوجد حتى لو لم يوجد الشيطان ويؤتى منه الإنسان من حيث لا يؤتى من الشيطان لأنه لا يكون من الشر دائماً، وإنما من الخير أيضاً ولا يكون من الفاقة والمرض والمنغصات، ولكن يكون من الصحة والثروة والراحة والبلهنية، وفى ضوء هذا الابتلاء قد تكون النقمة نعمة، كما قد تكون النعمة نقمة ..

وللبلاء معنى الشدة، ولكن الابتلاء يتحول ليصبح اختباراً وليضم إلى الشدة.. الرخاء أيضا.

من البلاء أن لا يجد الرجل الفقير فى بيته ثلاجة صغيرة تتيح له الماء البارد وتحفظ له طعامه من الفساد، ولكن من البلاء أيضا أن تحتشد ثلاجة الرجل الغنى بعشرات من الأطعمة والأشربة والمعلبات والمشهيات. إن إغراء الوفرة لا يقل أثراً عن مرارة الحرمان.. لأن الأولى قد تؤدى إلى التخمة والبطنة كما أن الثانية تؤدى إلى المجاعة والمسغبة وكلاهما سيئ.

ومن البلاء أن يعيش بعض الناس على الكفاف وأن يتعرضوا لمآسى الفاقة لأن هذا بالطبع يجعلهم فى صراع مع الضرورات والتزام بصنوف من الحرمان، ولكن من البلاء أيضاً أن تتضخم الثروات لدى فرد أخر لأن هذا التضخم سيجعله راعياً له وسيكون عليه أن يفرغ نفسه لذلك أو أن يستخدم فريقاً له، وإذا علمنا أن المال فى الإسلام هو أصلاً مال الله وأن الإنسان مستخلف فيه، ومؤتمن عليه علمنا ثقل هذه الأمانة وأنه يندر من يقوم بحقها سواء بدفع الزكاة عنها أو حسن التصرف فيها وهذا أيضاً من الابتلاء.

والآيات القرآنية العديدة هى خير ما يوضح لنا مدلول الابتلاء وموضوعه والغاية منه.

  • ]وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ[ {البقرة 155}

  • ]لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُــــورِ[ {آل عمران 186} ..

  • ]وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ[ {الأنعام 165} ..

  • ]وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ {الأعراف 168} ..

  • ]وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ[{محمد 31} ..

  • ]كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[ {الأنبياء 35} ..

  • ]إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[ {الكهف 7} ..

  • ]فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ[ {محمد 4} ..

  • ]الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[ {الملك 2} ..

  • ]فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي[ {الفجر 16} ..

  • ]إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[ {الإنسان 2}..

هذا الذكر المتكرر لمعنى الابتلاء كاختبار يكون على المسلم أن يجتازه وأن ينتصر على ما قد يحيق به من متاعب، ومصاعب وكوارث، ومصائب.. وكذلك أن يصمد أمام إغراء المال. والقوة والصحة ومختلف النعم التى ينعم الله بها على الإنسان فيطغى البعض، ويشكر البعض الآخر. وبقدر ما تفتن الفاقة الفقير فقد تفتن الثروة الغنى بحيث يلتقيان فى الافتتان وعدم الصمود... الحياة هنا اختيار مبدئى. ووقوف أمام الخير والشر، النعم والنقم موقفاً صامداً يغلب الضعف البشرى ]إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21) إِلا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)[ {المعراج 19-23} ..

ويصل هذا الابتلاء إلى غايته فى التصوير الرمزى البليغ :

]إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْـهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً[ {الأحزاب 72}.. فماذا نفهم من هذه المسئولية الثقيلة التى أشفقت الجبال والسموات والأرض عن حملها إن لم تكن هى الحرية التى مُنحها الإنسان والتى هى فى أصل الاستخلاف والابتلاء ومنعت منها الأجرام السماوية التى تسير بمقتضى القوانين التى وضعها الله ولا تملك عنها انحرافاً أو تحللاً.

إن التصور الإسلامى للحياة الإنسانية باعتبارها كفاحاً ضد غواية الشيطان وصبراً وثباتاً عند الابتلاء والاختبار يعطيان الفعالية الإنسانية تكثيفاً قد لا نجده فى أى عمل درامى أو فنى ولا يمكن أن يتطرق إلى نفس المسلم فكرة عن عبثية الحياة أو ما ساور الشاعر :

حياة ثم موت ثم بعث

حديث خرافه يا أم عمرو ..

أو ما استقر فى أعماق المشركين إن هى إلا حياتنا الدنيا. نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ..

فهنا نظام محكم كأشد ما يكون الأحكام، مرتب كأتم ما يكون الترتيب، شامل كأوسع ما يكون الشمول، له بداية يبدأ منها وله غاية ينتهى إليها ويتطلب الإيمان والالتزام والصمود، يحف به الوعد والوعيد. ويستتبع حساباً بمثقال ذرة... ثم إلى جنة.. أو جحيم. ويوفر الحرية التى تتضمن بالطبع حرية الاختيار ما بين الخير والشر ويضفى على هذا كله طابعاً ربانياًً وغلاله من الغائية الإلهية الخالقة القاضية.

عندما يؤمن الإنسان بهذا التصور وما فيه من إحكام وإبداع وشمول تتملكه حالة نفسية تجعله يستشعر ما استشعره الأنبياء. ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)[ {الأنعام 162-163}.. وهو أيضا الذى يمكن أن يفهم فى ضوء الآية – التى أسيئ فهمها – ]وَمَا خَلَقْتُ الْجـِنَّ وَالإنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي[ بحيث تكون الحياة نذراً وتطبيقاً لما خلق الله الإنسان من أجله من أداء الطيبات واجتناب السيئات واتباع هداية الأنبياء واجتناب غواية الشياطين فهذا هو محض عبادة الله ...

ومن الناحية المقابلة فهل يتصور فى مثل هذا المجتمع أن يحس الإنسان بالاكتئاب أو الاغتراب أو العبثية أو الملل القاتل؟؟ أو يشغله التساؤل من أين جاء وأين انتهى؟ هذا لا يمكن أن يرد على ذهن إنسان يؤمن الحياة كما يقدمها التصور الإسلامى بداية بالخلق ونهاية بالبعث، وفيما بين هذين كفاحاً واختباراً ومسارعة فى الخيرات واستباقاً إلى الفضائل والإقبال على الحسنات.. والعزوف عن السيئات.

وقد صور الرسول r موقف المؤمن "عجباً لأمر المؤمن" إن أمره كله له العجب وليس ذلك لأحد إلا المؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيراً، وأن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له (مسلم). وكذلك "إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط". متفق عليه. والحقيقة أن العجب لا يقف عن هذا، لأنه فى الوقت الذى يجعل الإيمان المؤمن راضيا لا تنغصه المتاعب، ولا يأسَ على ما فاته، ولا يفرح لما يؤتاه. يكون عليه أن يدخل فى الكفاح مع قوى الشر وإغواء الشيطان، وزهو السلطة والثروة، وقهر الفاقة والمرض أى أن يجمع بين أهبة المحارب، وسلام المؤمن ..

 قد تضيق نفس الإنسان الأوربى المتحرر بهذا العالم الملتزم، ولكن ما هو مصيره؟ فى بعض الحالات ينسحق تحت ضغط توترات الحياة الحديثة. أو الاكتئاب أو الإغواء أو يعب من اللذات حتى تفقد لذتها.. فيجد نفسه حيث بدأ. أو يحاول أن يتابع عجلة الاستهلاك فلا يستطيع، لأن كل يوم يوجد حاجة جديدة يجب إشباعها فيجرى خياله لاهثا أو ينتفخ ويستعلى بما وضعه العقل الإنسانى فى يده من وسائل القوة التى دفعت به إلى أعماق البحار ورفعته إلى أجواز السماء فتكون النتيجة الغرور والاستكبار والزهو والازدهاء.. والاندفاع الذى يصل إلى حافة الانتحار النووى.

أن الانتحار فى المجتمع الأوربى قد يكون يأساً واكتئابا كما قد يكون استعلاء على الحياة.. واستباقاً للموت، وجعله – فيما يظنون – إرادة وليس قضاءً.

وهذه كلها خيارات شاذة.. مهلكة.. تنتفى منها الغائية والاعتدال ولا تجعل من الحياة ساحة لجهاد، تنتهى بنصرة الحق.. ولكن ساحة الصراع أهوج ينهى نفسه بنفسه.

بعد هذا التصوير عن "الطبيعة الجهادية للإسلام نستطيع أن ننتقل الآن لتوضيح مفردات، ووسائل الجهاد، وما يمكن أن نسميه "دستور الجهاد الإسلامى."

b

[م] [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [خ] [هوامش] 5

                            الجهاد

                            إقرأ