|
|
|
رأينا أن الإسلام له طبيعة جهادية، وهذه الطبيعة تقتضى من المسلم سلوكاً خاصاً، والتزاماً بالقيم الجهادية فى الإسلام إيجابية وسلبية. وهذا السلوك هو ما يتضمنه بالدرجة الأولى والأساسية توجيهات وموجبات القرآن الكريم، كما تجلى فى سلوك وسياسات وتصرفات الرسول، وسنعرض هنا لأبرز هذه التوجيهات ..
"وجاهدهم به ..." وقفت طويلاً أمام هذه الآية: ]وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[ {الفرقان 52} .. الضمير هنا يعود إلى القرآن الكريم. كيف يمكن للرسول r أن يجاهد بالقرآن ؟ وكيف يمكن للمسلمين أن يجاهدوا به ؟ وكنت كلما أفكر كلما كانت تتفتح أمام بصيرتى أفاق ومجالات ووسائل وطرق. من الممكن أن يتلو الرسول القرآن على مسامع المشركين وقد أمره الله بذلك ]وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ[ {النمل 92} .. وما كان الله تعالى أن يقول هذا لولا أنه يعلم أن فى القرآن نفسه – فى معانيه وألفاظه وأسلوبه ونظمه ما يؤثر على نفس المشرك بحيث يزلزل شركه ويجعله "يعود بوجه غير الذى دخل به" .. وقد حدث هذا ... ولكن هناك ما هو أكثر ... هناك أن يتوجه الرسول، والدعاة إلى غير المسلمين، بالمعان والتوجيهات التى أمر بها القرآن الكريم وهو ما يدخل فى الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .. ولكنى كنت أفكر فى استخدام القرآن كأداة للجهاد، كما هو منطوق الآية، وليس للهداية. وهذا ما توصلت إليه أخيراً ... إن قراءة القرآن، والاستماع إليه بصفة منتظمة، أو شبه منتظمة، تبنى شخصية المسلم وتزوده بروح الكفاح بل وتعده لهذا الكفاح. وإذا راجعنا القرآن لوجدنا أن ثلاثين سورة على الأقل من السور الطوال التى تحمل فى ترتيب الأرقام من 10 إلى 30 وتبدأ بسورة يونس، وتنتهى بسورة السجدة التى تحمل رقم 32 كلها سور مكية لا تتضمن قتالاً ولكن جهاداً وكل سورة منها تحرك الجبال فما بالك بالإنسان وتحمل من القوى والمحفزات ما يدفع للجهاد.. وتتضمن من القوارع والتنديد ما يؤدى إلى الكف عن كل شر، أو بخل أو استخذاء. وطالماً كنت أسائل نفسى كيف توصل محمد إلى تربية جيل الصحابة وحولهم من عامة عرب قريش إلى رسل حضارة فيهم أفضل ما يشترط فى بناه الإمبراطورية من صدق وإخلاص وشجاعة. وقد انتهت إلى أن هنا يعود بالدرجة الأولى إلى الاستماع المنتظم والمستمر للرسول وهو يتلو فى صحراء مكة النائية السور الطوال فى صلواته، ولا سيما الصلوات المشهودة، صلاة الفجر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء. التى كانت جمهرة الصحابة رجالاً ونساءً يحضرونها، وأتصور أن الملائكة أيضا كانت تحضرها وتضع أجنحتها لها.. إن صوت الرسول. ونظم القرآن ومعانى الكلمات كانت تنزل من شفتى الرسول إلى أعماق القلوب لتقر بها وتنغرس فيها ما تنطوى عليه من أمر ونهى ووعد ووعيد دفع للخير ومقاومة للشر وصبر على المشاق وصدق فى القول ووفاء بالعهد وعدل فى التعامل.. كل هذه القيم يسوقها القرآن فى نسق فريد وفى نظم له ما للموسيقى من آثر فى النفس. أن كل أساسيات الإسلام ودعائمه وقيمه تكون على أفضلها فى القرآن الكريم، ولا يقتصر عنصر الامتياز على حسن العرض وسلامة التصوير، ولكن يضاف إليه النظم الموسيقى الذى يعطى المعانى قوة وعذوبة ويدفع بها إلى القلب وهذه هى أهمية التلاوة، والأمر الإلهى "وأن أتلو القرآن..." أو الاستماع إليه هى طريقة تعلمه. نعلم أن الفنون والآداب تقوم فى العصر الحديث بدور بارز فى التثقيف وصقل الشخصية وتنمية الوجدان وأن الاستماع إلى الموسيقى فى نواديها أو حضور السيمفونيات ذات الشهرة العالمية وكذلك حضور حفلات الأوبرا والبالية.. كلها جزء لا يتجزأ من الثقافة الاجتماعية للإنسان الأوربى. وهم يحضرون فى أبهى ملابسهم – رجالاً ونساءً – ويجلسون يستمعون فى صمت وإصغاء فلا ترتفع نأمه حتى ينتهى المشهد ليكون من حقهم التصفيق وهم يرون أن هذا الجانب من أهم جوانب سمات الشخص المتمدن والمهذب، وأذكر ما رواه أستاذ فى الجامعات الأمريكية – من أصل عربى. من أن إحدى السيدات ألحت فى زيارته بمنزله، ورغم غرابة هذا الطلب. فقد رحب الرجل ودعاها، فلم تكد تدخل وتشاهد بيانو كبير فى الصالة حتى سألته عنه وعندما قال لها إنه خاص به وأنه يعزف عليه أحياناً حتى ولت على أعقابها وفهم الأستاذ بعد ذلك أن رؤية هذا البيانو دلها على أنه أستاذ مثقف متمدن كالأوربيين، وأنه ليس شرقيا بدائياً. كما قد يتبادر إلى ذهن بعضهم ! صلاة الجماعة، والاستماع إلى السور الطوال، خاصة إذا كان فى مسجد مفتوح كمسجد الرسول فى المدينة حيث تتبدى الشمس الغاربة.. أو السماء الصافية. وفى جو الاستغراق الذى تفرضه الصلاة بحيث لا يرتفع صوت خلال القراءة تنتقل الآيات إلى النفس وتفعل فعل السحر فيها وعندما يتكرر هذا يصبح طبيعة ثانية. فى العصر الحديث كانت إمامة الإمام الشهيد حسن البنا لشباب الإخوان فى صلوات "الكتيبة" فى المغرب والعشاء، أو الفجر من أقوى الأساليب فى التكوين الروحى والنفسى لشباب الإخوان. وقد قدر لى أن أشهد إحداها، كما أنى أذكر حتى الآن صلاة الإخوان فى معتقل الطور وكان يؤمنا أحد العمال، وكان له صوت شجى مؤثر ينفذ إلى القلوب ولا أزال أتذكر صوته – بعد خمسين سنة – وهو يتلو دعاء إبراهيم فى سورة إبراهيم كأنما يصدر من قلبه وهو يقف عند آخر الآية 40 من السورة وهى كلمه "دعاء" رب أجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى وتقبل دعاء .. وكثيراً ما تتملك الحيرة والعجز طالبى الإصلاح.. أنى لهم أن يصلحوا النفوس ويعالجوا القلوب.. وأنا أدلهم على طريقة سهلة وسائغة، تلك هى المشاركة فى صلاة المغرب والعشاء (وحبذا لو كان يوم خميس) وراء إمام يتقن القراءة على غير عادة القراء. فهو يقرأ قراءة متأنية، واضحة، يؤدى فيها للحروف حقها كما فى علم التجويد ولكن دون تقعر – وأن لا يكون ذلك فى مسجد مغلق ولكن فى صحراء مكشوفة يقرأ سوراً من السور الطوال (الأعراف أو الإسراء أو التوبة الخ...) أؤكد أن وقع الكلمات سيكون عليهم أعظم أثراً من وقع الموسيقى على الأوربيين، وأنهم سيتشربوها، وفى النهاية يمكن أن توجد فيهم السليقة القرآنية ... إننا نؤكد هنا ضرورة الاقتصار على التلاوة بالصورة التى حددناها، بحيث لا يكون هناك أى شرح أو تفسير. نعود إلى الغرض من إيراد كل هذا.. أن الرسول جاهد المشركين بالقرآن بطريقتين. فمن ناحية فإنه عندما كان يتلوه عليهم، أو يدعوهم بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة فإنه كان يزلزل شركهم ويعدهم للإيمان ومن ناحية أخرى فإن صلواته بالمسلمين خاصة فى مكة، وقراءاته بالسور المكية الطوال كان من أكبر العوامل التى غرست هدى القرآن فى نفوس الصحابة بحيث خلقهم خلقاً جديداً، وكيف لا يخلقهم خلقاً جديداً وهو يقرأ عليهم ]وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[ {الرعد 31}. أى واحد يستمع حاضر القلب إلى تنديد القرآن بالبخل واكتناز الأموال، وأمره بالكرم والإنفاق ثم يكون بخيلا؟ وأى واحد يسمع تقريع القرآن للذين لا يتفكرون ولا يتدبرون ويقولون نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ثم يكون مقلداً دون فكر أو تدبير؟ أى واحد يسمع الثناء الجميل على القلب السليم. والعمل الخيرّ، والوفاء بالعهود والصدق فى القول والإخلاص فى العمل ثم يكون ناكثاً للعهد، فاعلاً للشر، تاركا للخير. كيف يمكن أن يدعى أنه مسلم، ويحلف بالقرآن وهو يخالف القرآن ليل نهار ! إن السماع المنتظم لآيات الذكر الحكيم يخلق الإنسان خلقاً جديداً يذهب بالأباطيل والشهوات والعادات الموروثة ويهدى إلى القيم العظمى من عدل، وحرية، وإخلاص وخير ... وقد لا يتم هذا فوراً، أو بالصورة الكاملة لأن العادة طبيعة ثانية، والتقاليد تتملك النفوس وليس من السهل التحرر منها، ولكنه مع المواظبة والاستمرار يحدث. فإذا كان هذا لا يحدث اليوم، فذلك لأن المسلمين لا يقرأون القرآن. وإنما يقرأون التفاسير ولا يستمعون إلى القرآن ولكن يستمعون إلى تلحين القرآن. أو يكرون كراً دون أى وعى أو فكر كلمات الذكر الحكيم تنشيطاً لعضلات اللسان! وليس فى هذا أو ذاك ما يفيد.. ثم هم لا يمنحون القرآن قلوبهم ولكن آذانهم أو حتى بعض آذانهم لأنهم يستمعون وهم مشغولون باهتمامات أخرى، ومثل هذا بالطبع لا يأتى نتيجة وإنما تأتى النتيجة عند السماع المنتظم للسور الطوال فى الصلوات لأنها المناسبة التى ُتهيئ القلب. وهذه هى الحكمة فى الصلوات الطويلة التى كان الرسول يؤديها. أنها كانت تعليماً للمسلمين وبناء لنفوسهم، فلابد من تخصيص الوقت اللازم لذلك لا باعتبارها أداء عبادة ولكن باعتباره جهاداً وبناءً للنفس لأن العبادة يمكن أن تؤدى بقصار السور، والله تعالى غنى عن العالمين. وما يراد من هذه الصلوات هو أن تنطبع الآيات على قلب المسلم فتخلقه خلقاً جديداً ... ومن الخير أيضاً أن يفكر الخطباء فى صلاة الجمعة وغيرها فى استخدام القرآن بدلاً من كلامهم الغث. وقد كان الرسول r يخطب بالقرآن. وتحدثت صحابية أنها ما حفظت سورة "ق" إلا من كثرة ترديد الرسول لها فى خطبه. ثانيا : الصبر والثبات في مواجهة الاضطهاد ما أن يؤمن المؤمن حتى يتعرض لصنوف من الاضطهاد، هذه سُنة الله فى المجتمع الإنسانى. وقد تعرض لها المؤمنون الأول وتحدث إليهم الرسول عن الرجل الذى كان يشق رأسه بالمنشار وذكر القرآن الكريم الأخدود الملتهب الذى يلقى فيه بالذين يرفضون كلمة الكفر ويتمسكون بكلمة الإيمان. ونعلم من التاريخ الويلات والفظائع التى تعرض لها المسيحيون الأول على يد أباطرة الرومان.. وكيف كانوا يجعلونهم طعمه للوحوش المفترسة .. وقد تعرض المسلمون الأول لصنوف من الاضطهاد صبها عليهم سادة قريش وأثرياؤها حتى راح ضحية لها ياسر أبو عمار وسمية أمه. فكان الرسول يمر عليهم وهم يعذبون فيقول لهم "صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة." وقد يستغرب البعض هذا الموقف من الرسول أو يتصور أنه قد كان عليه أن يفعل شيئاً ليخفف عنهم العذاب الأليم .. ولعل الرسول كان يتمنى ذلك أيضاً. ولكن ألقى فى روعه أن الصبر، وليس التخفيف، هو السلوك الأمثل فى مواجهة الاضطهاد، لأن القضية ليست قضية حالة فردية، فهناك الملايين من الرجال والنساء أمثال ياسر وسمية سيتعرضون للعذاب فى سبيل مبادئهم ولن يجدوا نبياً يشفع لهم وسيكون عزاءهم الوحيد، ومصدر مقاومتهم وصبرهم هو أنه كان هناك فى صحراء العرب القاحلة من عذب حتى مات من العذاب، بمقربة من نبى الرحمة، ليقضى الله أمراً كان مفعولاً. وليمض ما وضعه من أسس وأصول لظهور الدعوات ونجاحها. رغم ما يوضع فى سبيلها من عقبات وما يتعرض له دعاتها من عذاب .. إننا لا نجد من يشفع دائماً، وإن وجد أحيانا، وقد وجد فى حالة ضعفاء – مكة فى شخص أبى بكر الذى استنقذ خمسة أو ستة منهم، ولكن يظل هذا استثناء ولا نجد وسيلة لدفع العذاب.. فالأبواب مغلقة والأسوار منيعة ولا يستطيع الذين فى الداخل شيئاً، كما لا يستطيع الذين فى الخارج شيئاً.. فلا مفر فى النهاية من الصبر وإذا استطاع الظلم أن ينتصر بأن يقضى على البقية الصابرة، فإن هذا لن يكون النهاية بل سيكون البداية على أيدى أبناء وأحفاد هؤلاء القتلى. إن التاريخ ليس معركة واحدة تنقضى فينقضى، ولكنه الحرب السجال الطويلة عبر الأجيال .. وفى ضوء هذه الحقائق نفهم توجيه القـرآن الرسول والمؤمنين للصبر .. وليس معنى هذا أن يستسلم المعذبون لو أنهم استطاعوا حيلة، ولا أن يستكين آلهم وذويهم وإخوانهم فى الخارج فلا يحركوا ساكنا.. فإن هذا يدخل بالطبع فى باب الجهاد، على أن لا ينزلق هذا إلى العنف المُضل. ولكن سوابق التاريخ توضح لنا أن الأغلب الأعم أن يعجز هؤلاء، وأولئك عن أن يعملوا شيئاً. ولا يبقى أمام الجميع حائلاً دون الاستسلام إلا الصبر والثبات.. وسيظل الصبر هو الحارس اليقظ لكل الدعاة ساعات محنتهم وخلال تعذيبهم. وقد كان هذا هو حال الإخوان المسلمين الذين عذبوا فى سجون الطاغية الأثيم عبد الناصر وسجون الطاغية المجرم حافظ الأسد عليهما اللعنة وسوء الدار .. ولكن لا يدخل فى هذا مقاومة المجتمع، لأن هذه المقاومة لابد وأن تأخذ شكلاً سرياً، ولابد أن تلوذ بصور من العنف أو اللاشرعية مما يسمح بانزلاقات خطيرة، دون أن يحقق شيئاً، ولو فكر أعضاء الجماعات الإسلامية فى سياسة دعوة الرسول فى الفترة المكية، وكيف أنه لم يقم بأى مقاومة يقارع بها المجتمع الجاهلى، لقاء ما ارتكبوه من حماقات لفهموا حكمة ذلك، ولما انساقوا فى "جهادهم" الضال العقيم ولما لاذوا بصور من العنف أساءت إليهم وإلى الإسلام، وإلى الأمة كلها. الصبر إذن هو المسلك الأمثل، ومن ثم جاءت توجيهات القرآن آمرة به ..
ولا يوجد صبر إلا عندما يوجد الإيمان بالله، لأنه الأقوى من الطغاة، ومن العذاب.. ولأن إليه المآب فى النهاية فالمؤمن بالله حقا يصبر لأنه نوع من الجهاد، فإذا قتل أو مات فإنه يظفر بالشهادة وأن عاش يظفر بالبطولة وبقدر إيمانه بالله يكون صبره على العذاب .. ثالثا : الحكمة والموعظة فى التعريف بالدعوة ما الذى يجعل دعوة تزدهر، وتنتصر بينما تفشل دعوة أخرى وتنغلق وتنطوى؟ عندما تتساوى العوامل، فإن الدعوة التى يلجأ دعاتها إلى الحكمة والموعظة الحسنة هى التى سيكون لها الانتشار والانتصار. لقد قال القرآن الكريم فأوجز، وأعجز، وبلغ الغاية ]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[ {النحل 125} .. فرسم فى هذه الآية سبيل الدعوة .. ومرة أخرى : ]وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[ {العنكبوت 46}.. وأى سبيل آخر غير الحكمة لا يمكن أن يجدى جدواها أو يشجى شجواها.. أو يبلغ منتهاها.. فالمال مثلاً لا يمكن أن يثمر فى ميدان الدعوات. إن الذين يعطى لهم يأخذونه ويلعنون صاحبه! ويرون أنهم أحق به منه.. وهو لا يصنع أخوة أو يحكم رابطة وصدق الله ]وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ {الأنفال 63} .. والسلطة لا تجدى فتيلاً فى الدعوات وستأتى بالانتهازيين والطامعين والمنافقين الذين يزيدون الحاكم خبالاً وضلالاً. ولعلهم يفعلون سراً عكس ما طلب إليهم جهراً ... ولو كان المال أو السلطة يجديان لكان الأنبياء والدعاة من الأثرياء، والحكام. ولكن هذين بالذات هما أبعد الناس من الدعوات .. ليس إلا الحكمة والموعظة الحسنة. بألفاظها ومعانيها، أى السلامة فى عرض فى الموضوع التى تكشف عن حكمته، والأسلوب الحسن الذى يكفل قبولها والمحاولة بالحسنى التى تفند الشكوك والشبهات ثم بعد هذا فلا تأسى إذا لم يؤيد البعض، لأن الله تعالى أعلم بهم منك .. وقد كانت ولا تزال – الحكمة والموعظة الحسنة هى أمثل الطرق فى اكتساب الأعضاء للدعوات فإن فرداً واحداً تكسبه الدعوة يمكن أن يكون أمه.. إن أبا بكر وحده كسب للإسلام المجموعة التى قادت الإسلام بعد ذلك. وعندما مر المسيح على صائد سمك. دعاه وجعله صائداً للناس وأرتفع إلى مستوى كبار الحواريين .. ومع انتشار وسائل الدعاية الحديثة، وقوة تأثيرها، فلا تزال العلاقة الشخصية، والكلمة المباشرة من فم إلى فم هى أكثر الطرق فعالية للتوصل إلى العناصر الصالحة. لأن الصلة الشخصية هى أوثق العلاقات وهى تجعل الداعية يختار أفضل العناصر بحكم معرفته، ويستبعد من لا خلاق له، أو من ليس مؤهلاً لحمل الدعوة فيدرأ عنها كثيراً من الغثاء الذى يحسب عليها لا لها. وهذا العنصر الصالح سيستمع من قلبه لصديقه لأنه يعلم أنه جاد. وسيقوم بدورة فى الدعوة وبهذا تنتقل الدعوة من الداعية لتكسب داعية أخر وهلم جراً .. ولا يمنع هذا بالطبع من أن وسائل الدعوة الأخرى كالنشرات والرسائل والكتب والاجتماعات والندوات الخ... تستخدم فقد يكون أسلوب الدعوة الفردية وحده مما لا يتسق أو يسير مع السياق.. ولكن هذه الوسائل من اجتماعات ونشرات تأتينا بالكثير من الغثاء.. الذى تضيق به الدعوة فيما بعد، ويكون عليها أن تخلص منهم. وإشارة الآية الكريمة ]إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُــــوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[. توجه الدعاة لعدم إلحافهم بالدعوة على الذين لا يتقبلونها لهذا السبب أو ذاك. لأن السلامة الموضوعية للدعوة قد لا تكون سببا للإيمان، فقد يكون هناك من العوامل الذاتية ما يجعل فرداً ما يرفضها لأنها تخالف مصالحه الخاصة أو تؤثر على وضعه الاجتماعى الخ ... وهناك أمر آخر وثيق الصلة بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. ذلك أن المسلمين مطالبون بتعريف العالم على الإسلام وتعميق هذا بالطبع – ولو ضمنا – دعوة للإيمان به، ولكن هذا ليس جزءاً لا يتجزأ من دعوة التعريف وهى التفسير للنص القرآنى ]لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[. لأن النص وإن كان يوحى الخصوصية بعهد الرسول، فإن العبرة هى بعموم النص وليس بخصوص السبب – كما يقولون.. ويجب أن يتم هذا بالحكمة والموعظة الحسنة، وإذا تطلب تحاوراً فيجب أن يتم طبقاً للأصول التى وضعها القرآن "بالتى هى أحسن" وأن ينتهى الموضوع عند هذا، لأن الإسلام وإن كان له جانبه الحضارى والقيمى الذى يستحق العرض والدفاع، فإن له جانبه العقيدى الإيمانى الذى يخضع لاعتبارات عديدة ارتأى معها القرآن أن يكتفى بمجرد التبليغ ثم ترك الأمر لله.. وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهمْ وَأَنفُسِهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. من يتقصى آيات الجهاد يجد أنها تضم الذين "يجاهدون بأموالهم وأنفسهم" ويلحظ أن القرآن الكريم قدم الأموال على النفوس.
أن إدخال الأموال فى باب الجهاد وتقديمه على النفس أمر قد يثير الدهشة لأن النفس أكرم من المال. ولكن هذه الدهشة تتبدد إذا تذكرنا أن الجهاد أسلوب فى الحياة. يعنى بذل الجهد، كل الجهد، فى سبيل الخير، كل الخير. فى هذا الأسلوب يكون جهاداً بذل المال إعانة لمحتاج، أو مشاركة فى تسليح أو تزويدا لمحارب بالعدة، أو مساهمة فى بناء مؤسسات للخير أو حتى القيام بنشاط اقتصادى للشعب ييسر الوظائف وينهض بمستوى المعيشة هذا كله فى صميم جهاد الحياة اليومية، بل لا نغالى إذا قلنا إن هذا الجانب هو ما يشغل الناس جميعا، فقضية المال والحرص على تملكه واكتنازه أو استخدامه فيما تهوى الأنفس من شهوات واستمتاع أو الحرص على كسبه بطرق قد يدخل فيها استغلال العمال وظلم الفلاحين الخ... هذه كلها هى ما يملأ مخيلة، وطموح، معظم الناس وما يؤدى إلى ما يعانيه المجتمع الحديث من مظالم وأزمات وما الفرق بين المسلم المؤمن الذى يبتغى بحياته رضا الله ورضوانه.. وبين اليهودى الجشع أو الرأسمالى الذى لا يعُنى إلا بمصالحه ومكاسبه؟ أن حُسن التصرف فى المال هو أحد الوسائل البارزة فى طرق ووسائل الجهاد.. ولأنه يصدر عن الفرد ولأنه يعرض كل يوم، فإن القرآن قدمه على الجهاد بالنفس الذى لا يُتطلب إلا لحظات القتال الاستثنائية والتى عادة ما تأخذ شكلاً جماعياً. وأدلل على الأهمية القصوى التى تجعل الإنفاق جهاداً بالمثلين التاليين : أولا: قرن القرآن الكريم الزكاة بالصلاة، فلا يذكر الذين يقيمون الصلاة إلا ويقرنها، "ويؤتون الزكاة" بصورة جعلتنا نصدر إحدى رسالاتنا عن الزكاة تحت أسم "أخت الصلاة المهجورة" وكما هو معلوم فإن رفض القبائل العربية دفع الزكاة كان هو الدافع الرئيسى الذى جعل أبا بكر يحاربهم وجعل المسلمين يعتبرون هذا العمل ردة، ولو حكمنا بهذا المعيار على مسلمى اليوم لأصبح معظمهم فى عداد المرتدين الذين يفرقون بين الصلاة والزكاة فيؤدون الأولى ويغفلون الثانية واستحقوا عجب الشاعر : عجبت لمعشر صلوا وصاموا ظواهر خشية وتقى كذابا وتلقاهم حيال المال صُماً إذا داعى الزكاة بهم أهاباً ولا يتسع المجال للحديث عن عبقرية الزكاة وقد بينا عشرة وجوه تفضل بها الزكاة النظم الأخرى التى وضعها المجتمع كالضمان الاجتماعى أو صور التأمينات.[5] ثانيا: الحملة الشعواء التى شنها القرآن الكريم على الربا وتهديده لأصحابه بحرب من الله ورسوله والتى أريد بها الحرب على الاستغلال الاقتصادى وضرورة ملاحظة الاعتبارات التى تتحكم فى الفقراء إلى درجة جعل فيها القرض نوعاً من الصدقة عندما سمح بتأخير دفعه إلى ميسرة وأنى للفقير المستدين من ميسرة ؟ إن منطق الإسلام هو أن على الدائن الغنى أن ينظره إلى النهاية أو يحتسب قرضه صدقة فى سبيل الله. فإن هذا وإن أخل بحساباته فلن يعجزه.. ولكن السداد هو ما يعجز عنه الفقير. ولكى يعزز القرآن الكريم الجهاد بالمال، فإنه فى آيات عديدة حذر من البخل ومن الاكتناز وتوعد الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها فى سبيل الله بالنار ]يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ[. كما أنه رفع الأنصار إلى أعلى مرتبة لأنهم ]وَيُؤْثِــرُونَ عَلَــى أَنْفُسِهِــمْ وَلَــوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[ {الحشر 9} .. وحدد القرآن الكريم فيم يكون الإنفاق .. من هنا جاء حث القرآن الكريم على الجهاد بالأموال واعتباره أعظم قربى إلى الله، وأولى وسيلة فى الجهاد، لأن أثره يعم المجتمع ويحل مشاكل الحياة اليومية فيه. ويمكن أن يسعد، أو يشقى، الملايين من الناس بدءً من الأسرة والجار إلى كل المواطنين. واستعراض هذا، يجعلنا بدلاً من أن نندهش لاعتبار الإنفاق وسيلة من وسائل الجهاد.. نندهش كيف فاتنا ذلك، ولم نعتبره من أولى وسائل الجهاد. خامسا : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الأسباب التى تدفع بالمجتمعات إلى الانحراف عديدة والوقوع فيها هو مما لا مناص عنه. فقد أشرنا إلى قوة الشهوات وجاذبية المال والسلطة، وأشرنا إلى أن الطبيعة البشرية بها عرق ينزع إلى الهبوط إلى الأرض. وتحدثنا عن الابتلاء الذى يتطلب قوة وصموداً يغلب أن لا يتوفرا لمعظم الناس. بل حتى فى مجال الهداية الإسلامية لا نعدم أسباباً تؤدى إلى الانحراف مثل سوء فهم النصوص. أو التمسك بآراء الأئمة والتعصبات المذهبية. أو العجز عن التمييز ما بين الحديث الذى لا يعتد به – والحديث الذى يعتمد عليه. وهذه كلها تؤدى إلى إنحراف فى مجال الدعوة الإسلامية والسلوك الإسلامى لا يقل عن الانحراف فى مجال الحياة الدنيا والاستسلام لشهواتها ونزواتها. من أجل هذا كان من الضرورى أن توجد جهادية الإسلام أداة لمواجهة هذه الانحرافات. وقد أوجدتها فى "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" بحيث يجد كل واحد من يعرفه بالخطأ أو الضعف الذى ينساق إليه، وقد يكون هو نفسه ممن يقومون بهذا، وفى الوقت نفسه ممن يحتاجون إليه. ولا يجوز أن يفوتنا دلالة التعبير القرآنى عن "المعروف والمنكر" فقد كان يمكن أن يقول الحلال والحرام أو الحسن والسيئ ولكنه استخدم تعبيراً يمثل فى دلالته جانبا من الأعجاز القرآنى لأنه فى الوقت الذى يبعد فيه عن متاهات القضايا الموضوعية، فإنه لحظ ما يفشى بين الناس وما يحكمون عليه بمعاييرهم من أن هذا معروف يمارسونه ويتقربون إلى الله به وأن هذا منكراً يعزفون عنه ولا يأتون منه شيئاً. فالأمر المحقق أن هذا الشىء أصبح معروفاً سواء كان حسناً أو سيئاً، ولا يمار أحد فى هذا لأن الدأب اليومى فى التطبيق يثبته ... والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هى الأداة الشعبية ليصلح المجتمع بعضه بعضاً بحيث تستمر الجهادية الإسلام وتسير دون إنحراف. وقد عنى القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عناية جعلته يقدمه فى إحدى الآيات على كل شىء إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، كما أنه فى آية أخرى جعل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مبرراً أفضلية أمة المسلمين.
وللأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإيكاله إلى المؤمنين دلالة أخرى هى عمق التكافل والتكامل فى المجتمع الإسلامى. وأن هذا المجتمع هو كما قال الرسول – كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.. فلا يملك الفرد المسلم عندما يرى منكراً ممارساً ومعروفاً مهملاً إلا أن يتحرك بطريقة لا إرادية كان عمق التكامل فى نفس المسلم أوجد أداة تتحرك لا إراديا وتجعله يندفع للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وإذا حال حائل دون ذلك فإنه يحس أنه حرم ما وجب عليه، فهو صورة من تفاعل المقتضى الاجتماعى مع الإرادة الفردية. ويدخل فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كل عالم العلاقات الفسيح وما يعرض له من تطورات، سواء فى ذلك ما بين الرجل والمرأة، العامل وصاحب العمل، الفرد المحكوم والجهاز الحاكم. وعندما أعطت الآية 71 من سورة التوبة المؤمنات حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر جنباً إلى جنب المؤمنين، فإنها أعطتهن "كارت بلانش" لولوج كل أبواب العمل العام بحيث لا تقل مسئولية المرأة عن الرجل فى هذا المجال. وتعبير "المعروف" و"المنكر" دون تحديد يمكن أن يجعل إطار ذلك شاملاً لكل معروف، ولكل منكر. وهذا ما يجعل تطبيق ذلك أمراً يتطلب كياسة وتعاملاً مع كل حالة، أو مع كل صنف من الناس، وملاحظة الوقت والظروف إلى آخر ما ينبغى أن يلاحظه كل آمر بالمعروف ناه عن المنكر حتى لا يسىء القيام بهذه المهمة النبيلة بحيث يولد من المنكر المنهى عنه منكرا أكبر مما أراد القضاء عليه.. وهذا أمر لم يغب عن فطنة الذين كتبوا فى هذا الموضوع فوضعوا ضوابط عديدة له. فلا تجوز الممارسة ما لم يكن المعروف المأمور به أو المنكر المنهى عنه معروفاً صريحاً ومنكراً خالصاً ولا يكون هناك ريب أو شك فإذا كان هناك ريب أو شك فمن الواجب التريث. كما يجب أن يكون الأسلوب مهذباً رقيقاً وقد قال الله تعالى عن الرسول ]وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[. وأوحى لموسى وهارون أن يأتيا فرعون وأن يقولاً له قولاً لينا فكيف يكون الحال بداعية من عامة الناس. إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قد يكون بابتسامة أو قد يكون بالتحية والسلام كما قد يتعدى "الأمر" إلى العمل كإعانة الضعيف ومساعدة المريض وإنقاذ مشرف على الهلاك. ويجب أن يلحظ دائماً أن هناك رخصاً وتيسيرات، كما أن صغائر الذنوب لا تستحق أن نقيم لها أمراً وتهيأ، لأن الله تعالى يتجاوز عنها، ولأن سلم الأولويات يقتضى البدء بالأهم قبل المهم، وليس من الصواب فى شىء أن نبدأ بأمر ضئيل الأهمية ونهدر ما هو أكثر أهمية .. وقد جاءت النصوص القرآنية كلها مقصورة على "الأمر" ولكن الحديث المشهور عن "تغيير" المنكر باليد، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان، أعطى مؤشراً اخطأ الكثيرون فى فهمه وتطبيقه، وأوجد من "المناكر" ما يفوق ما أريد درؤه فإن استخدام اليد أمر شديد الخطورة. ويمكن أن يصبح صورة من التطاول على الناس وعلى من يمارسه أن يقدر المسئولية، ويتحملها. ولا يجوز بصفة عامة ممارستها إلا فى حالات الضرورة القصوى. وفى ثلاثينات القرن العشرين تملكت الحماسة لفيفا من أعضاء "مصر الفتاة" للقضاء على الحانات فداهموا عدداً فيها ودمروا مقتنياتها، وقبض البوليس على الذين قاموا بذلك وقدموهم للمحاكمة، وفى هذه المناسبة أرسل الإمام حسن البنا رحمه الله خطاباً مفتوحاً للسلطات نشرته مجلة الإسلام فى العدد 49 السنة السابعة الصادر فى 17/2/1939 ص 6 أستنكر فيه هذا الفعل {تدمير الحانات} والطريقة التى تم بها، ولكنه فى الوقت نفسه وجه نظر السلطات إلى المعانى الموضوعية التى دفعت بالشباب إلى هذا العمل، واعتقد أن مسلك الإمام البنا هذا هو المسلك الأمثل من زعيم إسلامى كبير يقدر كافة الأبعاد والعوامل. وجاء فى هذا الخطاب .. "لست أُقر أحداً على أن ينتقض على القانون ولست أدعو إلى العدوان فى آية صورة من صوره. فقد نهانا القرآن عن العدوان، ولكنى أعتقد أن عناصر الجريمة فى هذه القضية مفقودة تماماً والقصد الجنائى منعدم تماماً فليست بين هؤلاء الشباب، وهذه الحانات وأصحابها صله تحملهم على الانتقام والأجرام، وإنما حملهم على ذلك دافع شريف جدير بالتقدير هو فى الواقع مساعدة للقانون على أداء مهمته، وهى محاربة الجريمة والقضاء عليها، وسد المنافذ التى يدخل منها المجرمون إلى انتهاك حرمة القانون" انتهى .. وفى السبعينات شهدت مصر انتشار ظاهرة النهى عن المنكر خاصة فى الصعيد، وبين طلبه جامعتها ووصل الأمر إلى حرق أندية الفيديو، بينما كان طلبة الجامعة يترصدون لكل من يسير مع سيدة ويطالبونه بإثبات علاقته بها. كما كانوا يوقفون المحاضرات بمجرد أن يرفع الآذان .. وأخيراً سمعنا فى أبريل عام 2000 عن اعتداء بعض الشباب على فتاه كويتية غير محجبة فضربوها، وقصوا شعرها.. مما كان له أسوء الأثر.. فى المجتمع الكويتى. وفى المجتمع الحديث الذى بنى على التنظيم، والذى يعنى بالعمل العام، وإن لم يهمل العمل الخاص، يأخذ الشكل المنهجى والمنظم للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر شكل التنظيمات الأهلية فى المجتمع كالجمعيات والروابط والهيئات التى تعنى كل هيئة منها بجانب من جوانب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإن لم يقضى هذا على الدور الفردى الذى هو فى الحقيقة حجر الأساس فى العمل الدينى. ونحن لا نكتب هنا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلا باعتباره معلماً من معالم الطبيعة الجهادية للإسلام، ومن ثم فقد يكفى هذا، أما من يريد التوسع فهناك كتب عديدة منها ما أصدرناه بعنوان "تفسير حديث من رأى منكم منكراً الخ ... يعلم الله تعالى الذى خلق الإنسان وهو أقرب إليه من حبل الوريد ما يتردد فى جنبات النفس وأطواء الضمير. إن الإنسان مهما حاول ابتغاء الخير وتجنب الشر، فإنه لا يسلم من الخطأ أو ما يؤدى إليه القصور، كما لا ينجو من خطيئات يقع فيها بحكم الضعف البشرى – لأن الإنسان ليس معصوماً. وقد قال حديث "كل بنى آدم خطأون وخير الخطائين التوابون" واعترف القرآن بضعــف الإنسان فقــال : ]وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا[ {النساء 28} .. ]إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا[ {المعارج 19}.. وأشار القرآن إلى ضعف بنى آدم الموروث عن أبيهم الذى قال عنه القرآن ]وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[. ]وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا[ {طه 115}.. لهذا فإن الإسلام لا يستبعد أن يقع المؤمن فى خطأ أو يتورط فى معصية، ولكن الإسلام ينتظر ممن فعل ذلك أن يندم أو يتوب أو يغير من ذلك بطريقة ما. وقد يفضل الإسلام من يذنب فيستغفر على من لا يذنب ولا يستغفر، لأن خطأ الأول قاده إلى الاستغفار أى ذكر الله تعالى وسؤاله الصفح وقبوله التوبة وهذه كلها من الأفعال التى تصلح ما أفسدته الخطيئة بل وتتجاوزها فلذلك قال حديث "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء، بقوم يذنبون ويستغفرون فيتوب الله عليهم". فليس السيئ أن يخطئ الإنسان، ولكن السيئ أن يصر على الخطأ أما إذا أقلع عنــه واعتــرف بــه واستغفـر الله. فـإن الله يغفـر لــه. ]وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون[ {آل عمران 135}. ووضع الله تعالى فى قرأنه أسلوب المقاصة. فمن يعمل سيئة ثم يتبعها بحسنة فإن الحسنة ستمحو السيئة. وستكسب له أجراً ومن هنا قال "إن الحسنات يذهبن السيئات" ويدرءون بالسيئة الحسنة" "واتبع السيئة الحسنة تمحها." واستعراض هذا يجلى الأعجاز فى المعالجة القرآنية لما يثور فى النفس البشرية من عناصر القوة والضعف وما يصدر عن ذلك ويتفاعل بعضه مع بعض كأمواج البحر التى تدفعه يميناً وشمالاً، ويظهر الحياة مسرح جهاد وكفاح.. تمثل فوقه معارك الخير والشر والانتصار والانهزام مع وجود قوارب النجاة التى تحول دون أن يبتلع البحر الناس ويطويهم فى أعماقه البعيدة.. وأنها تكفل للمؤمن أن يأوب شاكراً حامداً لأن الله تعالى أفسح له سبل النجاة ولأنه يكافئ عن التوبة من ذنب بأضعاف أضعافه فهو وإن كان جندياً شاكى السلاح متحفزاً للحرب، فإنه من ناحية أخرى يرتع فى بحبوحة من كرم الله وصفحه ومثوبته. لقد عسر على الفقهاء وهم رجال التقنين والتحديد، الأبيض والأسود.. أن يستوعبوا هذا التفاعل الديناميكى فى الخير والشر، وهذه المعركة التى تحمل النصر والهزيمة فأرادوا أن يقيموا سداً يحمى الحلال من تسلل الحرام. وسموا ذلك "سّد الذريعة" وهى طريقة تختلف كل الاختلاف عن طريقة المقاصة التى وضعها القرآن وحبذها الرسول والتى تعبر عن ديناميكية الإسلام وتفاعله. ويعود النقص فى سد الذريعة إلى أنها استبعدت عامل المقاومة فى نفس المؤمن، وافترضت استسلامه للأغراء بمجرد تلاقيه فأرادت حمايته بأى طريقة، وكأنها أرادت اقتلاع الأعناب حتى لا يعصرها الإنسان خمراً... واحتباس النساء فى البيوت حتى لا يفتن بهن الرجال حتى وإن كان هناك أمر صريح من الرسول "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" فقد قالوا لو شاهد رسول الله ما فعلت النساء لما أباح لهن الخروج ولأمر بالقرار فى البيوت. وهو افتيات صريح على الرسول .. القرآن الكريم يعرف أن المحارب شاكى السلاح الذى يحرص كل الحرص أن لا يهزم فى موقعة فاصلة، قد يساقط منه ما يخفف عنه ويجعله أكفأ فى القتال، ولا يعد هذا نقصاً أو تفريطاً وإنما هو تطبيق لحساب الأولويات، وقد اعتبر الرسول خالد بن الوليد كراراً لا فراراً لانسحابه الحكيم بالمسلمين فى موقعة مؤتة ومنحه لقب "سيف الله المسلول". ومن هنا أوضح لنا القرآن الكريم أنه يتجاوز عن اللمم، وعن الخطأ للذين أثبتوا صدقاً وعزماً.. ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ[ {الأحقاف 16}.. ]وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ[ {الشورى 37} .. ]الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى[ {النجم 32} .. وهذه الآيات توضح أن فارس الجهاد الإسلامى ليس هو المبرء من الخطأ، إن عملية الجهاد لابد وأن تثخنه بالجراح. ولابد أنه وهو يتقدم ويهاجم أن يعثر مرة أو مرتين. دون أن يؤثر هذا على مسيرته، أو ينال من روحه، وهو يعلم أن عليه أن لا يبدد جهده فى الصغائر، وأن يدخرها للمعركة الكبيرة .. سابعا : الهجرة كملاذ أخير عندما يضيق الخناق يعرض القرآن حرصا على بقاء المؤمنين، وعلى استمرار الإيمان، الهجرة كملاذ أخير عندما يضيق الخناق على المؤمنين وهذا ما يحدث عندما يجد المؤمن نفسه وهو مجرد من كل وسائل الدعوة بحكم ما فرضته القوى المعادية من وسائل القمع والكبت والملاحقة والتجسس.. فما أن يجتمع ثلاثة مثلاً حتى يمكن القبض عليهم لأنهم تجمعوا تجمعاً غير قانونى للتآمر على نظام الحكم! وعندئذ يجد المؤمن نفسه كالجواد المعطل .. فأمسى لا يطال له فيرعى ولا هو فى العليق ولا اللجام فليس هو فى السجن والمعتقل يُعذب ويقابل ذلك بالصبر والثبات، وليس هو بالطليق الذى يستطيع أن يقوم بالدعوة لمقتضيات إيمانه كتطبيق قيم الشريعة من عدل وحرية ومساواة أو ممارسة لأمر بالمعروف ونهى عن المنكر. إزاء هذا الحصار الذى يحول دون ممارسة أدنى درجات الجهاد، شرع القرآن للمؤمن الهجرة كمبدأ فقال :
وطبق الرسول هذا المبدأ ثلاث مرات على الأقل. فأمر فريقاً من المؤمنين بالهجرة إلى الحبشة "فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد.." ثم دفع بفريق آخر إلى الهجرة للحبشة نفسها، وأخيراً هاجر هو وأبو بكر إلى المدينة. وتقاطر المسلمون للهجرة إلى المدينة بعد ذلك بحيث أصبح تعبير "المهاجرين" يماثل تعبير "الأنصار" أى أنهم أصبحوا كتلة المؤمنين من الفترة من هجرة الرسول حتى فتح مكة عندما أعلن الرسول أن ليس هناك حاجة للهجرة بعد الفتح "لا هجرة بعد الفتح" ولكن جهاد ونية" وتواترت الآيات فى مديح المهاجرين وسجلت لهم الرضا والتوبة والغفران ..
وقد كانت هجرة الرسول فتحاً مبيناً وحدثاً فى تاريخ الإسلام استحق أن يبدأ به تاريخه. كما أن هجرة كثير من الأفراد أو المجموعات إلى دول قريبة أو بعيدة كان إيذاناً بدخول الإسلام إليها. وهكذا فإن الهجرة لم تحرر المهاجرين من أسر حكامهم الظلمة الذين حالوا بينهم وبين حرية العبادة. بل إنها أيضاً جعلت هؤلاء المهاجرين سادة فى بلاد جديدة ومكنهم من نشر الإسلام فيها بل لقد توجد هجرة للدعوة، وليس للمهاجرين. وقد هاجرت دعوة الإسلام إلى المدينة ففتحتها قبل أن يهاجر المسلمون إليها. وبالطبع فإن للهجرة مشاقها فهى تعنى التخلى عن البيوت والسكن والمتاع والعتاد وما يملكونه من أراضى أو عقارات.. ثم العيش تحت سماوات جديدة وفوق أرض جديدة قد يختلف مناخها وناسها، بل قد لا يتحدثون العربية. ويكون عليهم التأقلم معها وقد يتعرضون لمقاومة مجموعات معينة ويكون عليهم أن يكافحوا ويكدوا حتى تثبت أقدامهم. والحق أن هذه المشاق كانت من الأسرار التى جعلت القرآن يمتدح المهاجرين، ويقدر تضحياتهم، ويكفل لهم أعظم الثواب. وأسلوب الهجرة يوضح أن الجهاد فى الإسلام جهاد متفتح ليس مغلقاً وأنه إذا أعتمد على الإرادة والتحكم فى النفس، فإنه يستخدم العقل للبحث عن الوسائل التى تمكن المسلم من ممارسه جهاده عندما يضيق عليه الخناق فى بلده فالجهاد الإسلامى لا يقف فى سبيله شىء، وهو يتوصل إلى الوسائل التى يغلب بها كل المعوقات والمثبطات. f ليس هذا هو كل دستور الجهاد الإسلامى. لقد تحدث الرسول عن الإيمان كبضع وسبعين شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق. وفيما بين هذين مجال أى مجال، وفسحة أى فسحة. وعرَّف الإسلام المسلمين على عالم الحلال والحرام وغرس فيهم حاسة تستشرف الحلال وتقبل عليه وتتنسم الحرام فتدبر عنه. كما عرف المسلمين بالفضائل ومكارم الأعمال .. كان يمكن أن نتحدث عن الحلم عند الغضب أو الصدق عند القول. ومعروف أن رجلاً سأل الرسول أن يوصيه فقال الرسول "لا تغضب" ولآخر "لا تكذب" كما قال لثالث "لا تسأل الناس شيئاً." وثابت أيضاً أن الرسول فضل إصلاح ذات البين على الصلاة والصيام والحج والزكاة .. وكان يمكن أن نتكلم، وينفسح المجال للحديث عن العمل.. الذى هو مصداق الإيمان ومبرر الثواب والعقاب فى الآخرة وما فى هذا العمل من إضافة للبشرية، وتنمية للشخصية وقضاء للحاجات، وضرورة إتقانه وإعطاء كل جزئية فيه حقها. كما كان يمكن أن نجرى مقارنة ما بين المجاهد الإسلامى والفارس الأوربى كما تعرضه لنا وقائع التاريخ الرومانى ووقائع التاريخ الأوربى الوسيط، وكيف أن المجاهد الإسلامى يجرى معركته مع نفسه التى بين جنبيه أولاً. ثم هو يتجرد من كل صفات الزهو والغرور والاستعلاء التى تغرسها فى نفس الفارس الأوربى عتاده وسلاحه، وهدف فروسيته .. وقد أجرى التاريخ بالفعل هذه المقارنة عندما جابه مجاهدو الإسلام فرسان كسرى وقيصر. وأثاروا أول الأمر السخرية بأزيائهم الرثة وعتادهم الخفيف، ولكنهم كسبوا الاحترام.. عندما بدأت المعركة وظهر أن سلاح النفس أقوى من أى سلاح آخر يمكن أن يحمى الجسم، ولكنه لا يكفل له الإقدام والاستماتة. إن المجاهد الإسلامى لا يريد علواً فى الأرض أو استكباراً، ومثله الأعلى هو محمد الذى دخل مكة ساجداً على قتب بعيره، وليس القائد الرومانى الذى يسير فى موكب النصر تتقدمه العربات التى تحمل الغنائم المكدسة والأسرى فى الأصفاد. f فى مقدمة هذا الكتاب أشرنا إلى اللبس الذى وقع فيه المجتمع الإسلامى ما بين الجهاد والقتال وكيف أن عوامل عديدة أدت لإعلاء كفة القتال على الجهاد وأشرنا إلى الآثار الوخيمة التى نتجت عن ذلك لأن الجهاد فى حقيقته يمثل منظومة الخلق الإسلامى "وبقدر ما يحسن فهمها وتطبيقها بقدر ما يتقدم المجتمع، وبقدر ما يساء فهمها ويهمل تطبيقها بقدر ما يتخلف المجتمع. ولا يمكن للقتال أن يحل محل الجهاد أو أن يجدى جدواه، وضربنا المثل على ذلك الدولة العثمانية التى كانت قتالاً ليس فيه جهاد ولذلك ذهبت المدافع بما جاءت به السيوف وفقد حكمها كل القيم الإسلامية فتبدد بعد أن حنت على العالم الإسلامى وأدت إلى دماره. كما ضربنا المثل بانتشار التصوف الذى كان فى حقيقة الحال الفرار من المجتمع والعجز عن مجابهة مشاكله إلى مجتمع آخر أسطورى من إبداع أصحابه يمكن أن يجدوا فيه بديلاً يحقق لهم أحلامهم. وسنشير هنا إلى لبس داخل إطار الجهاد نفسه هو اللبس ما بين الجهاد فى الحياة الدنيا، والجهاد للحياة الآخرة. وما وقر فى نفوس المسلمين من أن الجهاد الحق هو الجهاد ضد الدنيا. وهو التركيز على العبادات. وأن علينا أن نشترى الحياة الآخرة بالدنيا وهذا فهم سقيم أدى إليه التدهور السريع للمجتمع الإسلامى منذ أن تحولت الخلافة الراشدة إلى مُلك عضوض وما فرضه هذا الحكم الاستبدادى من قيود على حرية الفكر وحرية العمل. بحيث أصبح المجال الوحيد أمام الفقهاء والشيوخ هو مجال العبادات الذى صالوا فيه وجالوا .. إن هذا الانفصام ما بين الدين والدنيا والعجز عن تحقيق التواؤم بينهما هو مأساة الجهاد الإسلامى. لأن الإسلام وقد أراد أن يكون منهج حياة لا يمكن أن يعادى الحياة الدنيا .. ولأن الإسلام حتى وإن جعل الحياة الدنيا الوسيلة والحياة الآخرة هى الغاية. فلابد من أن يوجد اتساق ما بين الوسيلة والغاية ولا يمكن أن نطلب غاية شريفة بوسيلة دنيئة. وحقا أن القرآن الكريم فى آيات عديدة حذر من الدنيا.. وذكرنا بالآخرة.. وذم الأولى وحمد الثانية .. ولكن أى دنيا ذمها القرآن ؟ إنها دنيا الأثرة. والأنانية، دنيا الضعة والخسة. دنيا التهافت على الشهوات والانصراف عن المروءات.. دنيا الجهل والاستخذاء للحكام والغفلة واتباع الأباء والأسلاف، دنيا تتجرد من القيم التى جاء بها القرآن من حرية أو عدل أو مساواة أو إخاء أو محبة أو رحمة الخ ... وأى آخرة أرادها القرآن ؟ .. هل هى مجرد الصلاة، والصيام، والدعاء والتهليل والتسبيح ؟ إن الآخرة التى أرادها القرآن تقوم على ما قدمته الدنيا من العمل الصالح، والجهاد الدائب فى مقاومة الشهوات وتحقيق المروءات.. والعمل فى مجال التجارة والصناعة والزراعة حتى يتحقق للأمة الكفاية وحتى تستطيع أن تسلح لنفسها، بالخلق القوى ثم بمختلف الأسلحة التى تكفل لها الكرامة. فليس هناك تعارض ما بين الحياة الدنيا والآخرة، والحياة الدنيا هى مزرعة الآخرة وما نزرعه فيها نحصده فى الآخرة. وسيكون الحساب والعقاب فى الآخرة على ما كنا نعمل. وقد تقبل القرآن قول من قال ]وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[ {القصص 77} .. وقد صدق كلام الرسول كلام الله. فعندما أعجب الصحابة بشاب جلد وقالوا لو كان جلده فى سبيل الله صحح النبى r لهم هذا المفهوم "لو كان يسعى على أبوين شيخين فإنه فى سبيل الله أو يسعى على نفسه يعفها فهو فى سبيل الله" فسبيل الله ليس مقصوراً على الصلاة والصيام. وعندما أثنى بعض المؤمنين على أحدهم لأنه يصوم النهار ويقوم الليل سألهم الرسول فمن يعد حاجته قالوا كلنا قال كلكم خير منه!! وندد بالذين يزيدون فى العبادة ويزهدون فى طيبات الحياة التى أتاحها الله للناس ونهى الذين ينذرون الحج مشيا أو يتعرضون للشمس بفكرة أن تحمل عذابها يزيد فى الثواب !! والصحابة أنفسهم، الذين كان الرسول بين ظهرانيهم وهو رسول الله المصطفى ما تركوا أعمالهم ليكونوا بجانبه بل كانوا يمضون إلى الأسواق للشراء والبيع أو ممارسة الحرف. ولو كان الأمر أمر قربى فحسب لوضعوا أنفسهم عند قدميه وما تركوه أبداً ... f للأسف، ولعوامل عديدة أعتبر الجهاد ممارسة للعبادات الأخروية وليس عملاً وسلوكاً فى المجالات الدنيوية وسار هذا حتى النهاية فوجد الذين يحسنون "الموت فى سبيل الله" ولكنهم لا يستطيعون الحياة فى سبيل الله.. وكان هذا فى حقيقته نهاية للجهاد الدنيوى والاستغراق فى الجهاد الأخرى مما أدى إلى فساد الاثنين معا. b |