|
|
|
الباب الثاني : القتــال فى الإســلام كانت هجرة الرسول r إلى المدينة المنورة، إيذاناً بفتح عهد جديد فى الدعوة الإسلامية. عهد تكون فيه سيدة بلادها تحكم بالقرآن وتدين للرسول بالطاعة، وكان هذا بالطبع يختلف اختلافاً تاماً عما كان عليه عهد مكة وملاحقة قريش للرسول وحيلولتها ما بينه وبين الناس ليبلغ دعوته .. واصطحب تغيير البيئة بتغيير وسيلة العمل فبعد أن كانت فى مكة الجهاد النفسى فإنها أصبحت فى المدينة القتال المسلح لأن الصراع أصبح يقوم بين كيانين كيان الإيمان بالمدينة وكيان الكفر بمكة ومثل هذا الصراع يطلق عليه الحرب، أو القتال .. كان الانتقال من الجهاد بصبره، وهجرته، ومقاصته، إلى القتال بما يعنيه من قوة ورباط الخيل وسلاح انتقالاً طبيعياً. رغم ما فى ذلك من اختلاف، كان مختلفاً عن سابقه ولكن مؤتلفاً مع لاحقه وكان القرشيون أنفسهم هم الذين بلغوا به هذا التطور عندما حاكوا مؤامرتهم على الرسول التى كادت أن تتم لولا هجرته. النقطة الهامة التى فاتت معظم الكتاب الإسلاميين أن هذا الانتقال كان بالدرجة الأولى تطوراً فى المواقف تطلب وسيلة جديدة للدفاع عن مبدأ قديم وهو المحور الذى تدور عليه العقيدة إلا وهو حرية العقيدة، فلم يسن القرآن القتال كمبدأ. إنه سن الجهاد. أما القتال فليس إلا وسيلة تطلبها الدفاع عن المبدأ عندما تطلبت، بل وفرضت الظروف إستخدامه .. وهذه نقطة هامة لأن القرآن يقدس الحياة، ويقدس حق الفرد فيها. وأن لا تنتزع منه إلا بناءً على أسباب محددة وضعها على وجه التعيين. وإذا كان الله تعالى قد كتب فى أحد كتبه المقدسة.. ]أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا[. فإن هذا يؤكد لنا أن الإسلام ليس سيفاً فى الأصل إنه "كلمة" جاء بها الوحى ليقرأها الناس. وعندما هوجم الإيمان، وهدد المؤمنون، لم يعد مناص من القتال، حماية له ولهم، وقد حرص القرآن الكريم على إيضاح هذه المعانى وصيانتها. وكما ذكرنا فى المقدمة، فإن هذا التمحيص قد دق على كثير من الكتاب الإسلاميين الذين أخذوا أحكاماً من آيات القتال دون أن يتبينوا أن آيات القتال نفسها تعود إلى أصل أساسى هو حرية العقيدة والنفس. وأن هذا الأصل هو الذى قاد إلى موقف معين هو تبنى القتال. وهو سبب مشروعيته وأن هذه المشروعية تفتقد إذا لم تتطلبه حرية العقيدة، أى إذا لم تعد هناك "فتنة" وبالتالى حاجة للقتال. فالقتال أمر كريه، وقد كان كرها للمؤمنين لأنه فى حقيقته ليس إلا سفكاً للدماء وإهداراً للحياة وإصابة الآخرين بالعاهات من بتر الأيدى والسيقان الخ... ولم يجعل الله تعالى هذه الكره خيراً إلا عندما يتعلق الأمر بحماية حرية الضمير والنفس. فهذا وحده، هو الذى يعطى المشروعية للقتال ويبرره، بل ويجعله خيراً لأن الاستسلام للحكم الظالم لا يعنى إلا مزيداً من الظلم والإذلال. ومن هنا كانت مقاومته ولو بالقتال أفضل من الاستسلام له. بدليل أنه ما أن يلقى من يحارب الإسلام السلم ويتخلى عن الحرب حتى يستجيب له المسلمون ..
الفصل الثالث المناخ الذى نزلت فيه آيات الجهاد.. لا يمكن فهم آيات القتال، ولا الشكل الذى أخذته إلا بالتعرف على المناخ الذى صدرت عنه – وبسببه – هذه الآيات. إن النقلة من مكة إلى المدينة لم تكن نقلة من مكان إلى مكان ولكنها كانت نقلة إلى مجتمع جديد له صفات وخصائص تختلف كل الاختلاف عن مجتمع قريش. لقد آمن الأنصار أعمق الإيمان، وأسلموا إلى الرسول r الأمر كله ليحكمهم بالإسلام، ولم يكن هناك أدنى شك فى إخلاص الأنصار ولا حكمة وموضوعية وكمال القيادة النبوية المعززة بالوحى. ولكن القضية لم تكن بهذه البساطة. فلم تكن النقلة قطيعة بين عهد مدنى وعهد مكى، ولكنها كانت تطوراً فى ميزان القوى. من عهد مكى لا يزال موجوداً إلى عهد مدنى بدأ فى الظهور. لأن المشركين أى أهل مكة – تملكهم الغيظ عندما استطاع النبى أن يفلت من قبضتهم وأن يهاجر ليجد أنصاراً يحمونه ويضعون سيوفهم فى خدمته وطوع أمره. ومن ثم عقد المشركون العزم على ملاحقته قبل أن يستغلظ أمره.. ورأوا أن من الضرورى إصلاح خطأهم عندما أفلت منهم إلى المدينة خاصة وأن المدينة يمكن أن تهاجم قوافلهم التجارية التى كانت عماد حياتهم. وكان فى المدينة نفسها جالية قوية من اليهود استوطنوها منذ عهد طويل وأقاموا بها الآطام أى الحصون وسيطروا على التجارة والحرف فيها. ومع أن الرسول حاول أن يسترضى هؤلاء اليهود فعقد فى الأيام الأولى لدخوله المدينة اتفاقاً يعطيهم حق المواطنة، ويجعلهم مع المسلمين "أمة واحدة لليهود دينهم وللمسلمين دينهم" إلا أنهم نقموا أن لم يكن هذا النبى العظيم منهم، وأن يخرج إطار النبوة من بنى إسرائيل إلى بنى إسماعيل. فضلاً عن أن الأخوة الإسلامية الوثيقة بين الأنصار قضت على سياسة "فرق تسد" التى كان اليهود يتبعونها ما بين الأوس والخزرج ويحولون بذلك دون اتحادهم. ومن ثم فقد وقف هذا المعسكر موقف المتربص الذى إذا بدت له فرصة القتال قاتل. وإذا لم يجد لاذ بوسائل من النفاق وإدعاء الحيلة، أو نصب المكائد ودس الدسائس. وكان فى المدينة نفسها، ومن الأنصار أنفسهم، قلة تلتف حول زعيم الخزرج عبد الله بن أبى الذى كادت الأنصار تتوجه ملكاً قبل ظهور الرسول. فلما جاء الرسول تبدد هذا الأمل وضاعت على بن أبى فرصته فى أن يكون ملكا. ولم يكن لعبد الله بن أبى رغم منزلته الرفيعة اتباع بل إن إبنه نفسه كان من خيار المؤمنين. ولكن يظل الأمران شخصاً بمثل هذه المنزلة يكن عداوة عميقة للإسلام، لابد وأن يكون لها آثار. ولم تكن العلاقة بين المهاجرين والأنصار مشكلة، لأن أخوة الأنصار استوعبت الوضع الجديد رغم أن وضعهم كان أشد الأوضاع حرجاً لأن المهاجرين شاركوهم الأرض وزاحموهم السكن. وكان هذا وذاك يمكن أن يثيـر النفوس ولكن أخـوة الإسلام وإيثـار الأنصار الذى امتدحه القـرآن. ]وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[. بدد كل الآثار السيئة التى كان يمكن أن يحدثها هذا التطور الجديد. وفى مرحلة لاحقه صحح الرسول وضعية هؤلاء المهاجرين .. مناخ المدينة إذن، رغم حماسة الأنصار، وإيمان المهاجرين. لم يكن صفواً خالصاً. لقد كان فيها أعداء يكتمون عداوتهم ومنافقون يخفون طويتهم.. بينما كان المشركون يعدون العدة لمعركة لابد وأن تقع قربت أو بعدت .. فإذا كان مناخ مكة قد أفرز "دستور الجهاد" فى مقابلة الاضطهاد. بكل مفرداته التى أشرنا إليها فى الفصل الأول، فإن مناخ المدينة كان لابد وأن يفرز القتال لأنه عندما ينشأ صراع بين قوتين متميزتين يكاد يكون كل منهما "دولة" فإن هذا الصراع يأخذ اسم القتال أو الحرب .. وفى الحقيقة كانت القضية أكبر من هذا بكثير .. فلم تكن الهجرة إلا الخطوة الأولى على طريق "ثورة الإسلام" فالإسلام لم يكن دين كهانة كبقية أديان العرب إنه كان الثورة العربية الكبرى التى تحل "الأمة" محل القبيلة، والشريعة محل التقاليد. والله محل الأوثان. ولعل قريش تذكرت كيف رفض محمد المُلك والرآسة عندما عرضتها قريش عليه، فلو كان الأمر أمر رئاسة لقبل محمد وأختصر الطريق، ولكن كانت إرادة الله سابقه أن يجمع محمد العرب فى أمة واحدة تحمل رسالة الإسلام إلى العالم، وكان لابد لذلك من حروب تصهر وتذيب العصبية القبلية فى أخوة الإسلام ومواطنة الأمة. بل لقد ظهر أن هذه الحرب كان لابد أن تستمر عندما تصورت بعض القبائل العربية بعد وفاة الرسول أنها تستطيع أن تنشق وترتد إلى النظام القبلى، وكان على أبى بكر أن يقوم بما قام به "لنكولن" بالنسبة للأمة الأمريكية بعده بألف عام – الحفاظ على وحدة الأمة ولو بالسيف. وهكذا جوبه الإسلام بضرورة وحتمية القتال فلم يكن المشركون ليتركونه، ولم يكن اليهود ليقلعوا عن دس الدسائس وتأليب الأعداء الخ... ولم تكن المجموعة القليلة من "الأعراب" أو اتباع بن أبى الذين أطلق عليهم القرآن الكريم "المنافقين" ليتركوا الإسلام فى سلام وما كان المسلمون بالذين يتراجعون عن دورهم التاريخى والحضارى الكبير. كان لابد من الصدام بين أوضاع تقليدية قديمة فاسدة، وأوضاع جديدة ناهضة. كان اللقاء ما بين الإسلام والوثنية هو أول حلقة فى "صراع الحضارات" إذا أصبنا التعبير. f هكذا جوبه الإسلام بموقف جديد هو القتال فكان عليه أن يعلن تصوره له .. فى آيات عديدة أوضح القرآن أن "دفع الناس بعضهم ببعض"، وهو التعبير الذى كنى به القرآن عن القتال، هو أحد الضرورات التى يقوم عليها المجتمع الإنسانى. لأن هذا الدفع هو الذى يحول دون استئثار أو تحكم فرد أو فريق فى الأمر إذا لم يجد من يدفعه. ومن ثم فإنه مبدأ أصولى من مبادئ الاجتماع الإنسانى. وقد جاء التعبير عن ذلك مع صدور الإذن بالقتال الدفاعى فى آيات سورة الحج 39 – 40. ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)[. ثم جاءت آية البقرة تؤكد هذا المعنى. وكذلك ... ]وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّــاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَــدَتْ الأرْضُ وَلَكِــنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[ {البقرة 251} .. ومن الواضح أن هذا المبدأ يتفق أساساً مع الطبيعة الجهادية للإسلام، وتصور الإسلام للحياة كصراع ما بين غواية الشياطين وهداية الأنبياء قدر ما يتفق مع ما أثبتته الوقائع والتاريخ عن المجتمع البشري. وما ظل هذا الصراع يقوم لدرأ الفساد والغواية ولتحقيق الصلاح والهداية ويكون فى حماية العقيدة والنفس فإن الإسلام يتقبله، بل ويشجع عليه. ولكن عندما تنقلب الآية فيكون الصراع فى سبيل الثروة أو القوة أو السلطة الخ... فإن الإسلام يرفضه وعندما سئل الرسول عن الرجل يحارب شجاعة أو شرفاً أو حسباً الخ... قال من قاتل لتكون كلمه الله هى العليا فهو فى سبيل الله. ومن هنا، فإن الهدف الوحيد المسموح به للقتال فى الإسلام هو الدفاع عن العقيدة أو عن النفس أو عن المُلك المشروع. أى أنها فى جميع الحالات حرباً دفاعية وفى غير هذه الحالات فإن الحياة الإنسانية مقدسة ولا يجوز المساس بها. هذا بالنسبة لغاية الحرب والهدف منها أما عن الوسيلة التى تتخذها الحرب فقد وضع الإسلام توجيهين الأول تطلبته طبيعة القتال. وهو أن الحرب جد خالص لا يصلح معها التراخى، أو التخاذل، أو التهاون، أو الميوعة لأن أى تخاذل يعنى الهزيمة، أى العار وفقد الشرف والكرامة.. ثم النفس أيضاً .. من هنا جاءت توجيهات القرآن صارمة. فهو يستحث المسلمين للقتال، ويرفع معنوياتهم، ويوحى ببذل غاية الجهد وأن "يثخنوا" فى العدو.. لأن نتائج الاستهانة لا تقتصر على الهزيمة، ولكنها يمكن أن تؤدى إلى زيادة سفك الدماء أما الشدة من البداية، فإنها تضمن نهاية سريعة وتكون أكثر رحمة. بل يرى القرآن الكريم أن إعداد العدة بصورة جادة قوية ومؤثرة يمكن أن يصرف العدو عن الاعتداء وهذا هو "الإرهاب" الحميد الذى يحول دون نشوب اللقاء ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[. وهذا التوجيه هو سر الشدة التى نلمسها فى الكثير من آيات القتال، وأى خبير فى الحرب والقتال إذا لم يحمدها فإنه يرى أنها ضرورية ولا مناص عنها وسنشير عند استعراضنا الآيات إلى بعض ملابسات ذلك. أما التوجيه الثانى فهو أنه جعل أسوأ حالاته هو المعاملة بالمثل بحيث لا يجوز استخدام وسيلة أكثر سوءً مما يستخدمها العدو. وهذا الحد الأدنى يرفقه الإسلام بما يرفع مستواه وما يجعله متفقاً مع القيم الإسلامية، فلا يجوز تدمير أو تحريق أراضى وممتلكات ولا يجوز اقتلاع أشجار أو الاستحواز على محاصيل أو أقوات إلا بالثمن وما أن تضع الحرب أوزارها ويقاد الأسرى إلى محبسهم حتى يتم التصرف فيهم على أساس المن أو الفداء. وهذا ما لم يكن يحلم به المهزومون أمام الجيوش الرومانية الذين كانوا يعلمون أن النخاسين وتجار الرقيق يسيرون بصحبة الجيش لشراء الأسرى واسترقاقهم. وقد بينت وصية الرسول r للجيوش المحاربة، وكذلك وصية أبى بكر وعمر أن على هذه الجيوش أن لا تقرب النساء أو الأطفال أو الشيوخ، أو الرهبان أو الأدبار والكنائس، وأنه لا يجوز لهم أن يضعوا أيديهم على أى شىء إلا بالثمن وأن لا يذبحوا شيئاً إلا لمأكله. كذلك مما يتعلق مع توجيهات القرآن أن يتقبل المسلمون كل بادره للسلام ]وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[. قد يجوز لنا أن نقدم إضافة فيما يتعلق بعرض "السلم" أو إبداء بادرة صلح. لأنها تبرز ما ترسب فى نفوس المؤمنين بفضل القرآن وما اقتضاه من ضرورة الالتزام بإيقاف الحرب لدى أى بادرة للصلح أو السلم من الآخرين، فقد أرسل أحد الموالى إلى أهل حصن يحاصره المسلمون بالأمان. وفتح المحاصرون أبواب حصنهم بناء على هذا. ورفض قائد الجيش الالتزام بما حرره المولى. ولكنه كتب إلى أمير المؤمنين، فأخبره بأن يمضيه "لأن المسلمين عدول يسعى بذمتهم أدناهم" وكذلك ما روى عن تمرد قام به بعض سكان قبرص فى ولاية عبد الملك بن صالح بن على بن عبد الله بن عباس فكتب هذا إلى لفيف من التابعين يستفتيهم فى نقض عهدهم أمانتهم فرد الليث بن سعد أن لا يسرع لأن أمان أهل قبرص كان ساريا لمدة طويلة وما من أحد من الولاة نقض صلحهم ولا أخرجهم من بلدهم وأنا أرى أن لا تعجل بنقص عهدهم ومنابذتهم حتى تتم الحجة عليهم.. وكتب موسى بن أعين وإسماعيل بن عياش بهذا المعنى وأفتى معظمهم بحفظ العهد ونصحوا الحاكم بالتريث.[6] f كان الإسلام ثورة أعمق من الثورة الفرنسية والثورة الشيوعية وكانت مقومات الثورات فيه على أمثلها فهناك النظرية أو بمعنى أدق العقيدة التى تختلف أو حتى تضاد ما كان سائداً من عقائد.. وهناك مشاركة كاملة وفعالة من الجماهير وهناك إرادة قوية لا يقفها الموت نفسه للتغيير. وكانت الثمرة التى حققتها ثورة الإسلام أبعد مدى مما حققته الثورتان الفرنسية والبلشفية لأن ثورة الإسلام خلقت من القبائل العربية المتنازعة التى كانت تفخر بسبق جواد أو قرابة نسب أو كسب رهان وقمار... إلى أمة متماسكة تحمل الكتاب والميزان إلى من حولها من حضارات كسروية وقيصرية، ونظم طبقية تقوم على استعباد الجماهير وتسخيرها .. ومع هذا ... لم تعرف ثورة الإسلام مشاهد "الحيلوتين" ولا النساء اللاتى جئن خاصة ليتسلين بمشاهد الإعدام، ولا عهد الإرهاب. ولا وسائل التخلص من المعارضين ولو بإغراقهم. ولم تشهد شيئاً من ويلات وفظائع الثورة البلشفية ولا إبادة كل الطبقة الحاكمة وأولادهم ونسائهم وخدمهم ولا عشرة ملايين من صغار الملاك الذين رفضوا تسليم أرضهم لأنها مصدر قوتهم وعيشهم فأخذت منهم عنوة، كما أخذ كل ما لديهم من محاصيل وتركوا ليموتوا جوعاً وبرداً وقيل عنهم "كولاك" أى ملاك الخ... إن شيئاً من هذا لم يحدث فى ثورة الإسلام ولا يجاوز قتلى الحروب فى عهد الرسول سواء من العرب المسلمين أو المشركين ألف نفس. كان يمكن أن يضحى بها فى أحد أحياء باريس أو موسكو.. أيام الثورة الفرنسية أو البلشفية دون أن يعلم بهم أحد .. إن الثمن الذى دفعته ثورة الإسلام من دماء أنصارها أو دماء أعدائها لم يكن إلا جزءاً ضئيلاً لا يكاد يعتد به مما سفك من دماء فى الثورتين. وما ارتكب من فظائع. وما خلفتاه من دمار. لو جاز أن تقوم ثورة دون دماء لكانت هى ثورة الإسلام. ولكن تأبى أوضاع المجتمع، ويأبى تمسك ذوى المصالح المكتسبة، والمتوارثة من العهود القديمة أن يتنازلوا عنها. ومن ثم تحتم القتال. وقد تم هذا بأقل قدر يتصور فى ثورة الإسلام عهد الرسول. f هناك موقف ثالث لم نتحدث عنه فيما سبق وهو الموقف من الآخرين. الذين لا يحاربون الإسلام والمسلمين، ولــم يضطهدوهــم أو يخرجوهــم من ديارهــم وهؤلاء تحكمهــم الآيــة ]لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ {الممتحنة 8} .. f هذا هو ما قاله القرآن الكريم عن "القتال" وحتى يطمئن القارئ فسنضع تحت أنظاره كل ما جاء عن هذا الموضوع خاصاً بغايته، ووسيلته والموقف من الآخرين ليلم القارئ بوجهه نظر القرآن كاملة عن هذا الموضوع. ولو اتسع لنا المجال لكان يجب أن نعرض وجهة نظر القرآن عن مجالات أخرى قد لا تتصل بطريقة مباشرة بالقتال – ولكنها تتصل بطريقة غير مباشرة مثل قبول الإسلام للتعددية وإرجاء الاختلافات ما بين العقائد إلى الله تعالى ليفصل فيها يوم القيامة. والتركيز على العدل الذى لا يجوز لشنأن قوم أن يحملهم على أن لا يعدلوا الخ... لأن من يريد أن يجزم برأى القرآن فى موضوع لا يجوز له أن يقتنص آية أو آيتين عن هذا الموضوع، بل قد لا يكتفى أن يأتى بكل الآيات عن هذا الموضوع لأن من المحتمل أن يوجد فى القرآن الكريم آيات أخرى تختلف فى طبيعتها ومعناها عن الآيات التى أوردها فى موضوعه ويكون من الضرورى الإلمام بها، ويكون له أن يأخذ بآيات معينة دون آيات أخرى وأن اختلفت فى معناها عن الأولى لأنها فيما يرى الأفضل لا على سبيل النسخ المزعوم لأننا لا نؤمن أن فى القرآن الكريم ناسخاً ومنسوخاً، ولكن فى القرآن بدائل وسِعه وفسحه وتعددية بحيث يتجاوب القرآن مع التطورات المختلفة ومع الافهام المتفاوتة، ولا يكون هناك حرج على من يمسك بآية رغم وجود آية أخرى مختلفة، لأن كل آية تمثل بُعداً، أو جانباً من الحقيقة المتعددة الأطراف والأبعاد. فلابد أن تكون هناك آيات تأمر بالقتال عندما يقاتل المشركون المؤمنين ولابد أن تكون هناك آيات تمنع الحرب ما لم يكن هناك فتنة أو اضطهاد وهناك آيات تأمر بالسلم إن جنحوا له، وآيات تفضح مكائدهم ونقضهم للعهود فكل هذا لابد أن يتضمنه القرآن ولا يقال إن بعضه يعارض البعض الآخر، لأن لكل آية مكانها ومناسبتها، وأسبابها. المهم أن ينتزع أحد آية من سياقها وأن لا يتعصب كل واحد لما ينتهى إليه أو يظن أن ما أن يراه هو الحق الوحيد والمؤكد وأن ما سواه باطل لا ريب فيه. لأن القرآن للجميع، وفيه سعة وفسحة ولأنه يعالج الظروف المتغيرة والمتطورة ولأن أى واحد لا يستطيع أن يقول فى القرآن برأيه، وإنما قصارى ما ينتظر منه أن يفهم بقدر قدراته، وليس هو مسئول عن الآخرين، وإنما هو على نفسه بصيرة وله أن يقول هذا فهمى ولكم فهمكم... لا يفرض أحدنا فهمه على الآخر، ولأن قول أى واحد، مهما علا، فى القرآن لا يحسب على القرآن، وإنما يحسب على قائله، فهو اجتهاد منه فى فهم القرآن الكريم، واجتهاده قد يصيب وقد يخطئ .. ولما كان القرآن يتحدث بطريقته الخاصة عن القتال أو ما يتعلق به فى سور عديدة، ويزجى فى كل سورة جانباً دون ترتيب معين. فسنعرض لكل ما جاء فى دفتى المصحف بدءاً من البقرة حتى سورة الناس ولما جاء فى هذه السور من آيات خاصة بالقتال وسنشير إلى الترتيب التاريخى بقدر ما تسنح الفرصة ... b |