الجهــاد

الفصل الخامس

b

الباب الثاني : القتــال فى الإســلام

الفصل الخامس

الجهاد فى السُنة ولدى الفقهاء

 

 

-1-

اعتمدنا فيما سبق من فصول فى الحديث عن الجهاد والقتال على القرآن الكريم لأننا نؤمن أنه الأصل الأصيل للإسلام ومع هذا فنحن نؤمن أيضاً أن للسُنة دوراً فى تبليغ القرآن وتبيينه.

لقد عرضنا رأينا فى السُنة ومكانتها فى الشريعة فى مناسبات عديدة للغاية، وخصصنا الجزء الثانى من كتاب "نحو فقه جديد" بأسره للسُنة.

وجملة الرأى يمكن إيجازه فى الأتى :

1. نحن نؤمن أن السُنة هى الأصل الثانى بعد القرآن وفكرة الاقتصار على القرآن الكريم دون السُنة مستبعده تماماً ولا يمكن التفكير فيها – فضلاً عن الأخذ بها.

2. أن فشو الوضع، والحديث بالرواية وما يلحق الأحاديث نتيجة للسهو أو خطأ الفهم الخ... مما أساء إساءة بالغة إلى السُنة. لا ينفى وجود أحاديث تمثل فصل الخطاب وجوامع الكلم وتشع نوراً وهدى، بل أكثر من هذا فإننا نقول إن السُنة ليست إرثا خاصاً للمسلمين يتصرفون فيها كما يشاءون لأنها إرث للبشرية كلها ما دام الرسول رسولاً للعالمين وعلى المنكرين للسُنة أن يعرفوا قدرهم فلا يجاوزوه.

3. مع هذا فلابد من التنبيه إلى أن الأصل الأول هو القرآن، والسُنة تابعة له مقيدة به والرسول لا يستطيع أن يزيد فى القرآن حرفاً أو ينقص حرفاً أو يبدل حرفاً فالسُنة تبع للقرآن ومحكومة به.

4. تنشأ بالنسبة للسُنة قضية لا تنشأ للقرآن هى قضية الثبوت. لأن السُنة لم تدون إلا بعد مائة سنة من الهجرة بأمر الخليفة عمر بن العزيز فيما قيل.. ولهذا فشا الوضع والرواية بالمعنى الخ... وقد بذل أئمة الحديث جهوداً جبارة ونزلوا بمئات الألوف من الأحاديث إلى عشرات الألوف، لكن اتسع الخرق على الراتق. ويرى الفقهاء أن ما وصل إليه المحدثون القدامى هى الغاية التى لا يمكن الإضافة عليها فقد ميزوا بين الأحاديث صحيحها وسقيمها وأنزلوا الرواة منازلهم ما بين ثقات ووضاع.. الخ... وحسما للخلاف فإننا نقول إن القضية ليست قضية آحاد أو تواتر، حسن أو ضعيف ولكنها أولاً وقبل كل شىء الاتفاق مع القرآن الكريم إذ يفترض أن تتفق الأحاديث معه فإذا شذ حديث فعندئذ يكون الخيار هو ما بين القرآن والسُنة ونحن لا نتردد فى الأخذ بالقرآن.

وقد وضعنا فى كتابنا عن السُنة أثنى عشر معياراً من القرآن الكريم يفترض تجاوب السُنة معها.

5. بالإضافة فنحن نرى أن السُنة ليس لها تأييد القرآن لأن القرآن الكريم عندما لم يذكر إلا الكليات فإنما كان ذلك لأنه لا يريد التأبيد إلا لهذه الكليات ولو أراده للتفاصيل والجزئيات لذكرها. وعندما وكل للرسول إيضاح التفاصيل والجزئيات فإنه أراد لها أن تستمر ما ظلت صالحة، متوائمه مع التطور. أما إذا جاوزها التطور فعندئذ نعود للقرآن لنستلهم منه الحكم المطلوب لأن ما جاء به الرسول من سنة إنما كان عن طريقة "وحى سنى" يختلف عن الوحى القرآنى. ولأن الله تعالى لم يرد للرسول أن يكون مشرعاً كالله، وإنما يمكن أن يضع أحكاماً لابد أن تلحظ الظروف الزمانية والمكانية لها. ولا يكون لها إطلاق أو تأبيد القرآن.

ومعلوم أن الفقهاء ذهبوا إلى أن جزءاً كبيراً من أحكام الرسول لا تعد تشريعاً ..

f

هذه هى آراؤنا فى السُنة. وقد تتضح وجاهتها عند مقارنة الآيات التى استشهدنا بها فى الفصول السابقة بالأحاديث عن الجهاد – سواء كان جهاداً أو قتالاً. ففى حين جاءت كل الآيات عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مقصورة على الأمر. جاء الحديث المشهور ليضيف التغيير باليد، أو باللسان أو بالقلب، وعلى حين جاءت كل الآيات عن القتال على أساس درأ الفتنة أو صد العدوان أو الانتصاف من الإخراج من الأرض الخ... وعلى عدم المساس "بالذين لم يخرجوكم من دياركم" فإن الأحاديث التى سترد يوحى بعضها بالقتال لنشر الإسلام ولحمل الناس على الإيمان.. حقيقة أن هناك آية أو إثنتين لهما طابع الإطلاق ولكن لابد أن لهما حكما خاصاً لأن كل الآيات الأخرى تقيد القتال بما أشرنا إليه من دواعى وتجعلها دفاعية ..

كما يلحظ ذلك فى الأحاديث عن المرأة، فإنها تأثرت بواقع المرأة، وظروف المجتمع العربى وفى الحقيقة فإن الأصل فى السُنة – خاصة ما يمس قضايا المجتمع – هو التلاؤم مع أوضاع المجتمع، لا بمعنى التسليم لها، لأن الإسلام جاء لتغيير وإنهاض، ولكن أن تتم عملية التغيير والنهضة فى الأطر وبالمدى الذى تسمح به حالة المجتم.

وفى حرية العقيدة يكرر القرآن أن لا إكراه فى الدين، وأن لا عقوبة دنيوية على من يرتد عن دينه فى حين نص حديث بطريقة حاسمة "من بدل دينه فاقتلوه" وهو فى صحيح البخارى.

من هنا فليس من العجيب أن يكون تركيز معظم الأحاديث عن الجهاد هى عن القتال. لأن الأحاديث عن المعانى الجهادية العامة توزعت على مختلف أبواب الفضائل. وأصبح المقصود بالجهاد هو القتال وهو تطور لم يكن منه مناص بعد أن شغل القتال مساحة كبيرة فى الحقبة المدنية.

f

فى ضوء هذه التحفظات نورد ما جاء من الأحاديث عن القتال نقلاً عن الإمام الشهيد حسن البنا فى رسالته "الجهاد".

1. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول: "والذى نفسى بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنى ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو فى سبيل الله، والذى نفسى بيده لوددت أنى أقتل فى سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل" رواه البخارى ومسلم.

[السرية: القطعة من الجيش لا يكون فيها القائد العام].

2. عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله r قال: "والذى نفسى بيده لا يكلم أحد فى سبيل الله والله أعلم من يكلمُ فى سبيله إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك".

[الكلم: الجرح. ويكلم: يجرح].

3. وعن أنس رضى الله عنه قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدنى قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحُد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعنى أصحابه) وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعنى المشركين) ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إنى أجد ريحها من دون أحد فقال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه: ]مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ...[. إلى آخر الآية رواه البخارى.

[من دون أُحُد: أى من جهة جبل أُحُد].

4. وعن أم حارثة بنت سراقة، أنها أتت النبى r فقالت: "يا نبى الله ألا تحدثنى عن حارثة – وكان قبل يوم بدر أصابه سهم غرب – فإن كان فى الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه فى البكاء. قال: يا أم حارثة إنها جنان فى الجنة، وإن أبنك أصاب الفردوس الأعلى" أخرجه البخارى.

[السهم الغرب: الذى لا يُعرف راميه].

[اجتهدت عليه فى البكاء: بكيت بكاء شديداً].

فأنظر يا أخى كيف كانت الجنة تنسيهم المصائب وتحملهم على الصبر عند المكاره.

5. وعن عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه أن رسول الله r قال: "إعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" أخرجه الشيخان وأبو داود.

6. وعن زيد بن خالد الجهنى رضى الله عنه أن رسول الله r قال: "من جهز غازيا فى سبيل الله تعالى فقد غزا، ومن خلف غازيا فى سبيل الله بخير فقد غزا" رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى.

أى: له أجره.

7. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله r: "من احتبس فرساً فى سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه فى ميزانه يوم القيامة". رواه البخارى.

ومثل الفرس كل عدة فى سبيل الله.

8. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قيل: يا رسول الله ما يعدل الجهاد فى سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا تستطيعونه. ثم قال: "مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد". الستــة[9] إلا أبو داود.

9. وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله r "ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلاً عمل فى سبيل الله على ظهر فرسه أو ظهر بعيره أو على قدمه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً يقرأ كتاب الله تعالى لا يرعوى بشىء منه". رواه النسائى.

[لا يرعوى: أى لا ينكف ولا يتعظ ولا ينزجر].

10. وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول" "عينان لا تمُسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس فى سبيل الله تعالى". الترمذى.

11. وعن أبى عميرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله r : "لأن أقتل فى سبيل الله أحب إلى من أن يكون لى أهل المدر والوبر". أخرجه النسائى.

[أهل المدر والوبر: أى أهل الحواضر والبوادى].

12. وعن راشد بن سعد رضى الله عنه عن رجل من الصحابة أن رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون فى قبورهم إلا الشهيد؟ فقال: "كفاه ببارقة السيوف على رأسه فتنة". أخرجه النسائى.

وهذه امتيازات الشهيد فى الموقعة، وكم له من امتيازات كهذه ستأتى بعد ..

13. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله r قال: "ما يجد الشهيد من مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة" الترمذى والدارمى، وقال الترمذى حسن غريب.

وهذا امتياز آخر للشهيد ..

14. وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله r : "عجب ربنا تبارك وتعالى من رجل غزا فى سبيل الله فانهزم أصحابه، فعلم ما عليه فرجع حتى أريق دمه، فيقول الله للملائكة: انظروا إلى عبدى رجع رغبة فيما عندى وشفقاً مما عندى حتى أريق دمه، أشهدكم أنى قد غفرت له".

[شفقاً: خوفاً. وأريق دمه: سال دمه].

15. وعن عبد الخير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال: جاءت امرأة إلى رسول الله r يقال لها أم خلاد وهى متنقبة تسأل عن ابن لها قتل فى سبيل الله تعالى، فقال لها بعض أصحابه. جئت تسألين عن ابنك وأنت متنقبة. فقالت: إن أرزأ ابنى فلن أرزأ حيائى. فقــال لهــا النبى r: "إن أبنك له أجر شهيدين" قالت ولم؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب". أخرجهما أبو داود.

[أرزأ ابنى: أفقده وأصاب فيه].

وفى هذا الحديث إشارة إلى وجوب قتال أهل الكتاب، وأن الله يضاعف أجر من قاتلهم، فليس الجهاد للمشركين فقط ولكنه لكل من لم يسلم.

16. وعن سهل بن حنيف رضى الله عنه أن رسول الله r قال: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه". أخرجه الخمسة إلا البخارى.

17. وعن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله r : "من أنفق نفقة فى سبيل الله تعالى كتبت له بسبعمائة ضعف". رواه الترمذى وحسنه النسائى.

18. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رسول الله r بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت فى هذا الشعب. فذكر ذلك لرسول الله r فقال: "لا تفعل فإن مقام أحدكم فى سبيل الله أفضل من صلاته فى بيته سبعين عاماً. ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، أغزوا فى سبيل الله، من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة". رواه الترمذى.

[عيينة: عين صغيرة تفيض بالماء].

19. وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله r : "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له فى أول دفعه، ويرى مقعده فى الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع فى سبعين من أقربائه" رواه الترمذى وابن ماجه.

20. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله r : "من لقى الله بغير أثر من جهاد لقى الله وفيه ثلمة" رواه الترمذى وابن ماجه.

21. وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله r : "من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه" رواه مسلم.

22. وعن عثمان بن عفان رضى الله عنه عن النبى r قال: "من رابط ليلة فى سبيل الله سبحانه وتعالى كانت كألف ليلة صيامها وقيامها" رواه ابن ماجه.

23. وعن أبى الدرداء رضى الله عنه أن رسول الله  قال: "غزوة فى البحر مثل عشر غزوات فى البر، والذى يسدر فى البحر كالمتشحط فى دمه فى سبيل الله سبحانه" رواه ابن ماجه.

[يسدر: يميل ويهتز وترتج به السفينة. وفيه الإشارة لغزو البحر ولفت نظر الأمة إلى وجوب العناية بحفظ سواحلها وتقوية أسطولها، ويقاس عليه الجو فيضاعف الله للغزاة فى الجو فى سبيله أضعافاً مضاعفة].

24. وعن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه يقول: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حزام يوم أحد قال رسول الله r : "يا جابر ألا أخبرك ما قال الله عز وجل لأبيك؟ قلت: بلى، قال: ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحاً فقال: يا عبدى تمن على أعطك. قال يا رب تحيينى فأقتل فيك ثانية. قال: إنه سبق منى أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب فأبلغ من ورائى. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ]وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[. رواه ابن ماجه.

25. وعن أنس عن أبيه رضى الله عنهما عن النبى r قال: "لأن أشيع مجاهداً فى سبيل الله فأكففه على رحله غدوة أو روحه أحب إلى من الدنيا وما فيها". رواه ابن ماجه.

26. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله r : "وفد الله ثلاثة: الغازى والحاج والمعتمر". رواه مسلم.

27. عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله r : "يشفع الشهيد فى سبعين من أهل بيته". رواه أبو الدرداء.

28. عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله r : "إذا تبايعتم بالنسيئة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم" رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم.

29. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "أنطلق رسول الله r وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون، فقال رسول الله r : "قوموا إلى جنة عرضُها السموات والأرض" قال عمير بن الحمام: بخ بخ، فقال رسول الله: "ما يحملك على قولك بخ بخ" قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى إنها لحياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل" رواه مسلم.

30. عن أبى عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم. فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقى بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصارى فقال: أيها الناس أنتم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله r، إن أموالنا قد ضاعت وإن الله تعالى أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا فى أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد علينا ما قلناه ]وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[. وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً فى سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. رواه الترمذى.

31. وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله r أنه قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق" رواه مسلم وأبو داود ونظائره كثيرة.

والأحاديث الشريفة فى ذلك وأمثاله، وفى غزو البحر وتفضيله على غزو البر بمرات وفى غزو أهل الكتاب". انتهى الاستشهاد من رسالة الجهاد.

وكما قلنا فإن هذه الأحاديث يجب أن توضع فى الإطار القرآنى الواسع الذى يقر التعددية، ويفترض وجود الاختلاف، ويفرض حمايته ورعايته على الأديان الأخرى... مما يكون ضابطاً لبعض الأحاديث وقاضيا على البعض الآخر خاصة وأن فيها ما لا يرقى لمستوى الصحيح ..

ومن الخير أن نضيف إلى ما أورده الإمام البنا إشارة عن توصية الرسول لمعاذ بن جبل ولعلى بن أبى طالب وهما بمعنى واحد وأن اختلفت بعض الألفاظ ففى الوصية لمعاذ بن جبل قال "لا تقاتلوهم حتى تدعوهم، فإن أبو فلا تقاتلوهم حتى يبدؤكم فإن بدءؤكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلاً ثم أرهم هذا القتيل وقولوا لهم هل إلى خير من هذا؟ فلأن يهدى الله على يديك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.

وفى وصيته لعلى بن أبى طالب "إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلاً، فإن قتلوا قتيلاً فلا تقاتلهم حتى تريهم إياه فتقول لهم هل لكم إلى أن تقولوا لا إله إلا الله ولأن يهدى الله بك رجلاً خير مما طلعت عليه الشمس وغربت".

ويبدو أن الإمام على بن أبى طالب تأثر بهذه الدعوة، فهو لم يحارب الخوارج الذين أسمعوه قوارص الكلم بل وتهددوه بالقتل ثم انحازوا بقضهم وقضيضهم إلى حروراء، فلم يحاربهم، بل ولم يمنعهم الفىء أو يحرم عليهم دخول المساجد، ولم يشرع فى حرب إلا بعد أن قتلوا بريئاً.. وأرسل إليهم بطلب قاتله قالوا "كلنا قتله" وعندئذ سار إليهم ولكن قبل القتال وعظهم فتفرق كثير منهم، ولم يبق إلا قله أصرت على القتال. وهؤلاء هم الذين قتلوا فى حروراء.

فلئن كان المناط فى هذه التوصية هو الإيمان أو الكفر، فإن سبب القتال أصلاً هو سبق المشركين إلى القتل.

وأوصى الرسول كل سرية بأن لا يقتلوا الأطفال أو النساء ولا عسيفا وهو المدنى الأجير الذى يعمل لكسب عيشه. وعندما أرسل أبو بكر يزيد بن أبى سفيان إلى الشام أمره "لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً. وأنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم فى صوامع فدعهم وما زعموا ...

-2-

إذا انتقلنا من السُنة إلى الفقهاء، فكأننا انتقلنا إلى روح العصر الذى حكم الفقهاء، وانتهت إليه المعارف الإسلامية نتيجة للاختلاط الثقافى والجنسى والمعرفى. ورواسب الحضارات الفارسية واليونانية الخ... وحتى لا نغرق فى الدوامة الفقهية والمذهبية، فإننا نجتزى ببعض ما أورده الإمام الشهيد فى رسالته عن الجهاد ..

1. قال صاحب "مجمع الأنهر فى شرح ملتقى الأبحر" مقرراً أحكام الجهاد فى مذهب الأحناف: "الجهاد فى اللغة بذل ما فى الوسع من القول والفعل، وفى الشريعة قتل الكفار ونحوه من ضربهم ونهب أموالهم وهدم معابدهم وكسر أصنامهم، والمراد الاجتهاد فى تقوية الدين بنحو قتال الحربيين والذميين إذا نقضوا والمرتدين الذين هم أخبث الكفار، للنقض بعد الإقرار والباغين. بدءاً منا فرض كفاية، يعنى يفرض علينا أن نبدأهم بالقتال بعد بلوغ الدعوة، وإن لم يقاتلونا، فيجب على الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين وعلى الرعية إعانته وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإذا لم تقع الكفاية بذلك البعض وجب على الأقرب فالأقرب، فإن لم تقع الكفاية إلا بجميع الناس فحينئذ صار فرض عين كالصلاة، أما الفريضة فلقوله تعالى ]فاقتلوا المشركين[. ولقوله عليه الصلاة والسلام "الجهاد ماض إلى يوم القيامة" وإن تركه الكل أثموا.. إلى أن قال: فإن غلب العدو على بلد من بلاد الإسلام أو ناحية من نواحيها ففرض عين، فتخرج المرأة والعبد بلا إذن الزوج والمولى، وكذا يخرج الولد من غير إذن والديه، والغريم بغير إذن دائنه.

وفى كتاب البحر: "امرأة مسلمة سبيت بالشرق وجب على أهل المغرب تخليصها ما لم تدخل حصونهم وحرزهم" أ. هـ.

2. وقال صاحب "بلغة السالك لأقرب المسالك فى مذهب الإمام مالك": الجهاد فى سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى كل سنة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقى، ويتعين (أى يصير فرض عين كالصلاة والصوم) بتعيين الإمام وبهجوم العدو على محلة قوم، فيتعين عليهم وعلى من يقربهم إن عجزوا، ويتعين على المرأة والرقيق مع هذه الحالة ولو منعهم الولى والزوج والسيد ورب الدين إن كان مديناً، ويتعين أيضاً بالنذر، وللوالدين المنع فى فرض الكفاية فقط، وفك الأسير من الحربيين إن لم يكن له مال يفك منه فرض كفاية وإن أتى على جميع أموال المسلمين. أ. هـ.

3. وفى متن المنهاج للإمام النووى الشافعى: كان الجهاد فى عهد رسول الله r فرض كفاية وقيل عين، وأما بعده فللكفار حالان :

أحدهما – يكونون ببلادهم ففرض كفاية، إذا فعله من فيهم الكفاية من المسلمين سقط الحرج عن الباقين.

والثانى – يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن وإن أمكن تأهب لقتال وجب على الممكن حتى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن.

4. وفى "المغنى" لأبن قدامه الحنبلى قال: مسألة – والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين، ويتعين فى ثلاثة مواضع :

أ- إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف ويتعين عليه المقام.

ب- إذا نزل الكفار ببلدة تعين على أهله قتالهم ودفعهم.

ج- إذا استنفر الإمام قوماً لزمهم معه ..

وأقل ما يفعل مرة كل عام.[10]

f

وهناك حكم للجهاد لابن القيم أورده فى زاد المعاد وأعجب به الشهيد سيد قطب وجعله أساس فكرته عن الجهاد وأورده فى "معالم الطريق" وفى الظلال وهو "نقلاً عن معالم الطريق".

"لخص الإمام ابن القيم سياق الجهاد فى الإسلام فى "زاد المعاد" فى الفصل الذى عقده باسم: "فصل فى ترتيب هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقى الله عز وجل" أول ما أوحى به الله تبارك وتعالى، أن يقرأ باسم ربه الذى خلق، وذلك أولى نبوته، فأمره أن يقرأ فى نفسه "فأنذر" فنبأه بقوله: "اقرأ" وأرسله بـ: "يا أيها المدثر"، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين. فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له فى الهجرة وأذن له فى القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة.. فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفى لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده.. ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها: فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية. أو يدخلوا فى الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم.. وجعل أهل العهد فى ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم.. فقتل الناقض لعهده، وأجل من لا عهد له أو عهد مطلق، أربعة أشهر. وأمره أن يتم للموفى بعهده عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل الذمة الجزية.. فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة.. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.. وأما سيرته فى المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهى أن يصلى عليهم، وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم.. فهذه سيرته فى أعدائه من الكفار والمنافقين" أنتهى الاقتباس.[11]

f

وهذا العرض لأقوال الفقهاء عن الجهاد يوضح أنهم فهموا من الجهاد القتال وأقاموا كل أحكام الجهاد على هذا الأساس، وانهم قد يكونون المسئولين بالدرجة الأولى عن إشاعة ذلك وقد ترتب عليه من نتائج أشرنا إليها فيما سبق. وقد يكون لهم – إلى حد وما – عذر لأن الأحاديث أيضاً ركزت على القتال.

ومقارنة كلمات الفقهاء بما جاء فى القرآن الكريم يتضح أن هناك بوناً كبيراً، وإن كان لهم حق فى إبراز القداسة الكبرى والأهمية العظمى للدفاع عندما تداهم البلاد بهجمات الأعداء.

أما فيما عدا هذا فالكثير يعود إلى روح عصر الفقهاء.. وما لا نجد أنفسنا فى حاجة لمناقشته، لأننا لا نرى أنفسنا ملزمين به أصلاً ومناقشته تعد إهداراً للوقت الثمين.

وقد أدرك عدد من الفقهاء المعاصرين الخطأ الذى وقع فيه الأسلاف بتأثير عصرهم وأثبت بعضهم كالشيخ محمد أبو زهرة. والشيخ عبد الوهاب خلاف. أن الإسلام يؤثر السلم على الحرب، ولا يرى فى القتال وسيلة لنشر الإسلام. وإنما كان القتال دفاعاً عن النفس وحماية العقيدة. كما ذهب إلى ذلك الإمام الشهيد حسن البنا. ولكن أحداً من دعاة الجماعات الشاردة لم يعُن بذلك ولم يشر الشهيد إلى سيد قطب إلى أراء هؤلاء الفقهاء، ولا حتى إلى رأى الإمام البنا وإنما اهتموا بابن القيم، وابن تيميه وابن كثير الخ... وهذا فى الحقيقة مما يضاعف من مسئوليتهم ويظهر أنهم فى اتجاههم هذا كانوا يخضعون لمؤثرات نفسية أكثر مما هى مبررات عقيدية.

b

[م] [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [خ] [هوامش] 5

                              الجهاد

                              إقرأ