|
|
|
تحدث الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله عن مقاصد القتال فى الإسلام فأجملها فى : 1. رد العدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والوطن والدين. 2. تأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتنوهم عن دينهم. 3. حماية الدعوة حتى تبلغ إلى الناس جميعاً ويتحدد موقفهم منها. 4. تأديب ناكثى العهد. 5. إغاثة المظلومين من المؤمنين.[12] وقد أورد الإمام الشهيد هذا فى كتاباته الأخيرة التى كان يحررها فى مجلة الشهاب سنتى 47 و48 أى أنها تمثل آخر الأقوال لديه حتى وإن لاحظنا أنها عاصرت الأيام العصيبة، أيام جهاد متطوعى الإخوان المسلمين فى فلسطين. ولكن التطورات السياسية المأساوية والعنيفة خاصة حرب عبد الناصر على الإخوان المسلمين، ومأساة التعذيب أدت إلى ظهور رأى آخر فى الجهاد، كجزء من نظرية فى الدعوة الإسلامية أمن بها الذين اصطلوا بنار هذه العداوات وتعرضوا للتعذيب، وكانت هذه النظرية تتفق مع الظروف الشاذة التى مرت بها الدعوة الإسلامية من ناحية. وتخبط التجربة الناصرية المشئومة من ناحية أخرى ووجدت داعيتها فى الكاتب الموهوب الأستاذ سيد قطب الذى صاغها فى كتاب "معالم على الطريق" فى سطور ملتهبة تنضح بالإيمان وبكل ما يوجده الإيمان من تأكيد وثقة.[13] ولم تنتبه السلطات المسئولة لخطورة "معالم الطريق" ولهذا نشر الكتاب أكثر من مرة ووجد فرصته كاملة لكى يستوعبه فريق من الشباب المؤمن، خاصة ممن كان فى الإخوان المسلمين ثم ضاق بما اعتبروه سلبية أو استخذاءً أمام الطغيان الناصرى وشيئاً فشيئاً ظهرت دعوة يكون الجهاد فيها هو قطب الرحا، سواء كان على الصعيد الداخلى، أو على الدولى.. وفى الحقيقة فإن ما يميز هذه الدعوة ويعطيها طابعها العام والأممى هى أن هدفها الأسمى هو تخليص البشرية من عبادة العباد إلى عبادة الله. ويعرف المؤرخون أن كلمة تخليص الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله إنما جاءت أول مرة على لسان ربعى بن عامر القائد العربى فى لقائه مع القائد الفارسى رستم قبيل القادسية ومن ثم استحوذت عليها الدعوة الجديدة وجعلتها مماثلة لكلمتها الأخرى "الحاكمية الإلهية" التى كان أول من قال بها فى التاريخ الإسلامى هم الخوارج وجابهوا بها عليا بن أبى طالب .. بعث هؤلاء الدعاة الجدد من التاريخ الإسلامى هذه الشواهد دون أن يدرسوا معانيها، والملابسات التى أعلنت فيها والنهاية التى أنتهى إليها الأخذ بها. وحمل سيد قطب رحمه الله وعفا عنه، على الذين يذهبون إلى أن الجهاد فى الإسلام له طابع دفاعى وأطلق عليهم "المهزومين" وذهب إلى أنهم فى اتجاههم هذا يسايرون المستشرقين الذين يكيدون للإسلام. وأخص انتقاداته لهؤلاء "المهزومين" أنهم بألفاظه: «يخلطون ما بين منهج الإسلام فى استنكار الإكراه فى الدين ومنهجه فى تحطيم القوى السياسية المادية التى تحول بين الناس وبينه، والتى تعبد الناس للناس، وتمنعهم من العبودية لله.. وهما أمران لا علاقة بينهما ولا مجال للالتباس فيهما.. ومن أجل هذا التخليط، وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة! – يحاولون أن يحصروا الجهاد فيما يسمونه اليوم: "الحرب الدفاعية".. والجهاد فى الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم، ولا بواعثها، ولا تكييفها كذلك.. إن بواعث الجهاد فى الإسلام ينبغى تلمسها فى طبيعة "الإسلام" ذاته ودوره فى هذه الأرض، وأهدافه العليا التى قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة، وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات. إن هذا الدين إعلان عام لتحرير "الإنسان" فى "الأرض" من العبودية للعباد – ومن العبودية لهواه أيضا وهى من العبودية للعباد – وذلك بإعلان ألوهية الله وحده سبحانه – وربوبيته للعالمين. إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر فى كل صورها وإشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع فى أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر فى صورة من الصور.. ذلك أن الحكم الذى مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أرباباً من دون الله. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مكان العبيد.. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله فى الأرض، أو بالتعبير القرآنى الكريم :
وقيام مملكة الله فى الأرض، وإزالة مملكة البشر، وانتزاع السلطان من أيدى مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده.. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية.. كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان، لأن المتسلطين على رقاب العباد، والمغتصبين لسلطان الله فى الأرض، لا يسلمون فى سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان، وإلا فما كان أيسر عمل الرسل فى إقرار دين الله على الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال» انتهى.[14] الجهاد هنا فى رأى سيد قطب رحمه الله هو الوسيلة فى يد المسلمين ليدافعوا عن حق الله الذى اغتصبته النظم وحق العباد الذى حرموا من عبودية الله وأجبروا على عبودية البشر. وهذا فيما يرى لا يدخل فيه إكراه ! هذا خيال طامح، بل هو حلم فيه ما فى أضغاث الأحلام من هذيان وخلط وشذوذ واستحالات.. ولقد كان ممكنا من أكثر من ألف عام عندما كانت الحدود بين الدول مغلقة، والأمية سائدة ولا توجد أجهزة ووسائل إعلام وعندما كانت النظم طبقية بالفعل تستغل الجماهير، نقول لقد جوزنا الفتوح الإسلامية فى هذه الظروف بالذات ومع هنا فإنها بعد نجاحها فى صدر الإسلام وتحول الخلافة إلى مُلك عضوض فقدت الفتوح الإسلامية معظم عناصر الإيمان التى قامت عليها، أما الآن فإن أى فرد فى أى دولة يريد أن يعتنق الإسلام فإن دولته لا تتدخل، وهذا جوهر الحرية ويدخل المئات من الأوربيين والأمريكيين الإسلام دون حاجة إلى جيش الجهاد الإسلامى. والنظم التى ينعتها الشهيد سيد قطب بألفاظ الكفر والاستبداد الخ... أقرب إلى روح الإسلام وحريته وسماحته من الدول الإسلامية، ومما يدعو إليه هو وليس إلا إكراها مقيتا فى مجال الدين الذى قال الله تعالى عنه "لا إكراه فى الدين"، وما أشبهه وهو يرفع دعوة الحاكمية الإلهية بأعراب تميم الجفاه الذين لا يعقلون شيئاً ولا يعلمون ويتصايحون "الحكم لله!" وكانت نتيجة صيحتهم المشئومة تلك قتل على بن أبى طالب وإنهاء الخلافة وبدء المُلك العضوض. ومع هذا يرى شاعرهم المغفل أن قاتل على بن أبى طالب "أوفى البرية عند الله ميزاناً " !! ظهرت ناشئة جديدة جعلتها ظروفها مهيئة لتقبل فكر سيد قطب رحمه الله. وأخذوا فى تكوين هيئات عديدة تحت أسماء مختلفة أبرزها الجماعة الإسلامية والجهاد تتفق على اختلافها فى الإيمان بالفكرة التى عرضها الشهيد سيد قطب عن الجهاد .. وقد نشرت الجماعة الإسلامية ميثاق العمل الإسلامى وحمل أسماء عاصم عبد الماجد، وعصام الدين درباله، وناجح إبراهيم عبد الله. وهو كالآتى: «غايتنا: رضا الله تعالى بتجريد الإخلاص له سبحانه وتحقيق المتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم. عقيدتنا: عقيدة السلف الصالح جملة وتفصيلاً. فهمنا: نفهم الإسلام بشموله كما فهمه علماء الأمة الثقات المتبعون لسُنة النبى r وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين رضى الله عنهم. هدفنا: - تعبيد الناس لربهم - إقامة خلافة على نهج النبوة. طريقنا: الدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد فى سبيل الله من خلال جماعة منضبطة حركتها بالشرع الحنيف تأبى المداهنة أو الركون وتستوعب ما سبقها من تجارب. زادنا: تقوى وعلم.. يقين وتوكل.. شكر وصبر.. زهد فى الدنيا وإيثار للآخرة. ولاؤنا: لله ولرسوله وللمؤمنين. عداؤنا: للظالمين. اجتماعنا: لغاية واحدة.. بعقيدة واحدة.. تحت راية وحدة فكرية واحدة» انتهى .. إننا نجد دعوة جادة مخلصة حافلة بالمعانى النبيلة المؤثرة وتتمحور حول أن تكون للحياة غاية ومغزى وترتبط بالإسلام ولها طابع أخلاقى ملتزم. وهى مثل كل دعوة إسلامية تستلهم الإسلام وتجعل ولاءها لله ولرسوله وللمؤمنين وعداءها للظالمين .. مثل هذه الرسالة فى الحقبة التى سادت فيها الانهزامية، والانتهازية وسقطت الفنون والآداب وأصبح المسرح كباريه وشجعت الدولة الإسفاف والشهوات لتشغل الناس وارتفعت الدعايات اليسارية بعد أن شغل اليساريون منابر الإعلام. فى هذا الجو الوبيل تبدو رسالة "الجماعة الإسلامية" مرفأ سلام وأمان لسفينة الشباب الضائع، التائه المتخبط بين الأمواج. ولكن وآسفاه ... إن فهم الجماعة الإسلامية لمضمون الجهاد يطمس الكلمات البريئة التى أجملت فيها عقيدتها وغايتها، بل إن هذا المضمون يسخر عقيدتها وفكرتها الخ... لفكره مسيطرة، مستحوزه، متحكمة تؤدى إلى طاغوت وكابوس وتحسب أنها تحقق تحريراً وإنقاذاً وتقذف بالناس إلى الظلمات بدلاً من أن تنقذهم منها. لقد جعلت الجماعة الإسلامية الآية )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله(.. شعاراً لها وقد شرحنا هذه الآية مراراً وتكراراً عندما عرضنا لها فى باب آيات القتال فى القرآن الكريم من هذه الرسالة. ولكن الجماعة الإسلامية فهمت شيئاً آخر لأن الجماعة ترى أن الإسلام بألفاظها : «جاء ليدخل الخلق كلهم فى دين الله تعالى وشرعه )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ(. وجاء أيضاً ليمحو الشرك فى كل صوره من فوق ظهر الأرض "حتى يعبد الله وحده لا شريك له" كما قال صلى الله عليه وسلم .. نعم كان القتال دعوة للتوحيد بنص حديث رسول الله r "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". كان القتال دعوة للتوحيد لأن الإمبراطوريات والممالك أبت بسلطانها ونفوذها أن تسمح لدعوة التوحيد ودعاته بالنفاذ إلى أرض الله وخلق الله بحجة أن هذه أرضها هى، وهؤلاء رعاياها.. فكان لابد من القتال. وكان القتال سحقا للشرك بإزالة هذه الطواغيت التى علت تلك المجتمعات حاكمة آمرة ناهية، تشرع للناس وتحمل الناس على التحاكم لشرعتها وتجبرهم على الخضوع لها.. رغبة ورهبة .. كان لابد من القتال لإزالة كل سلطان يعبد من دون الله.. لإزالة كل سلطان يقف فى وجه دعوة الإسلام.. لإزالة كل سلطان يأبى أن يدخل فى دين الله ويستكبر ويرفض أن يذعن ويدفع الجزية، ويصر على أن يعلو ويهيمن. كان لابد من القتال لإزالة الفتنة.. وسحق الشرك.. وإعلاء شرع الله )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ( .. إن أحد لم يخلق من دون الله.. وإن أحداً لم يخلق مع الله.. لذا فإنه ليس من حق أحد أن يشرع من دون الله.. وليس من حق أحد أن يشرع مع الله. قال أبن تيميه "ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين، ولا الكفار.. إلا بحكم الله ورسوله" .. إن الناس لم يخلقوا أنفسهم، ولم يخلقوا الأرض التى عليها يحيون وعليها تقوم مجتمعاتهم، لذا فإنه ليس من حقهم أن يهيمنوا أو يهيمن بعضهم ليشرع ويحكم ويأمر وينهى من دون الله .. إننا كمسلمين – مأمورون أن لا ندع أى طائفة على وجه الأرض تحكم الناس بغير شرع الله .. فمن أبى ذلك ورفض الإذعان قاتلناه .. يقولون: هذه وصاية منكم على البشرية !!.. نقول: هذه وصاية شرع الله ودينه على أرض الله وخلقه، نحن مأمورون بتحقيقها لصالح البشرية بوصفنا خير أمة أخرجت للناس. إن الإسلام ليس مجرد عقيدة فى القلب فقط حتى نقنع بحكايتها باللسان والدفاع عنها بالقلم والبرهان ثم نمضى قائلين: )فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(. لا هذا فهم أعوج مبتور.. إن الإسلام منهج حياة، إنه شرع الله الذى جاء ليسير حياة الخلق.. لذا فنحن لا نكتفى بخطبة أو موعظة نقول فيها "عقيدتنا" وندافع عنها وكفى.. كما أنا لا نقنع بحلقة علم نعُلم فيها أو نتعلم بعض المناسك والشعائر وكفى.. بل لابد وأن ننطلق بهذا الدين دعوة باللسان، وحجة بالبيان، ودعوة بالحسنى، وجهاداً بالسيف.. أما اللسان والبيان والحسنى فللقلوب والعقول، فإن آمنت فيها ونعمت، وإن أبت فالجزية والصغار وعلو أحكام الإسلام على الديار، فإن امتنعت واستكبرت وعاندت ولم تسلم لنا القياد فالسيف السيف.. حتى تنزاح هذه الطواغيت، وبعد ذلك نقول )فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(..» انتهى. f بعد ثلاثين عاماً من الاحتباس فى السجون، والعذاب، وبعد أن استشرت أفعال فريق من الجماعات الإسلامية وذهب بها التطرف كل مذهب وأسفرت أعمالهم عن شر النتائج، وبعد أن قتلوا السادات وهو الذى أعلن حرب أكتوبر تحت لواء "الله أكبر" وأغلق المعتقلات وصفى الحراسات وحاول أن يقضى على رواسب الناصرية المقيتة ... بعد أن تخبطوا ثلاثين سنة، وأخذوا المجتمع المصرى فى ذيل تخبطاتهم تبينوا أنهم كانوا فى ضلال عميق .. وجاءت مبادرة ترك العنف .. «ففى الخامس من يوليو سنة 1997 وأثناء نظر القضية العسكرية 235 فوجئ الحاضرون بأحد الإخوة المتهمين فى هذه القضية وهو يقف فى مواجهة رجال الإعلام ليلقى بيانا مذيلاً بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية يدعو الإخوة لإيقاف العمليات القتالية وحقن الدماء. كانت هذه المفاجأة – كما يقال – كمن ألقى حجراً فى ماء راكد سرعان ما تتابعت تداعياته.. حيث سارع البعض لينكر ويشكك ويتهم.. ووقف البعض الآخر يرقب عن كثب ما تسفر عنه الأيام محجما أن يبدى رأيا بتأييد أو معارضة.. بينما سارع الأكثرون يؤيدون ويباركون ويشجعون لعل هذه المبادرة الشجاعة تكون مدخلا لانتشال البلاد من حمام الدم الذى عانت منه لسنوات مضت. ورغم أن هذه المبادرة كانت من طرف واحد ولم تبد أجهزة الدولة أى تجاوب معها إلا أنها أشاعت جوا من التفاؤل بإنهاء تلك الأزمة، وتوقع الكثيرون أن يتجاوب معها الجميع مستقبلاً. وقد زاد من هذا الإحساس بالتفاؤل أن بادر شيخنا الدكتور عمر عبد الرحمن من محبسه فى أمريكا – فك الله أسره – ليدعم هذا التوجه ويدعو الإخوة جميعا للتجاوب معه. أما إخواننا فى الخارج فقد أعلنوا عدم استجابتهم لهذه المبادرة مشككين فى صحة نسبتها إلينا.. وكانت صعوبة الاتصال بهم من سجننا حائلاً أعاقنا كثيرا عن شرح وجهه نظرنا فى هذا الأمر وإن كنا فى ذلك الوقت على ثقة بأن الأمر سوف ينتهى باستجابتهم فى آخر الأمر. وفى غمرة سعينا فى البحث عن سبيل لشرح وجهة نظرنا لإخواننا مع تتابع تداعيات هذه المبادرة على الرأى العام وأجهزة الدولة فوجئنا بحادث الأقصر. وكانت صدمة لنا جميعا.. إذ كان الحادث بما فيه من اعتداء على النساء والأطفال والتمثيل بهم غريباً على منهجنا وتفكيرنا وكان صدى هذا الحادث متفاوتا. فقد أعلنا تمسكنا بمبادرتنا رغم تسرب شىء من الإحباط إلى نفوسنا.. فى الوقت الذى أحدث صداه فى نفوس إخواننا بالخارج وبدأ تأييدهم فرادى يتوالى حتى أعلنوا بجملتهم بيانهم فى 28 مارس سنة 1999 بالتأييد الكامل ووقف كل العمليات تماماً والبيانات المحرضة عليها. وهكذا تحولت المبادرة إلى رأس جسر يحتشد من خلفه كل أبناء الجماعة، وكلهم أمل فى أن ينفضوا عن أكتافهم أثر تلك الأيام العصيبة ليعودوا إلى مهمتهم الأصلية كدعاة إلى الله يشاركون فى هداية الخلائق إلى طريق الله القويم. وها هى سنوات أربع تمر على المبادرة ولا زلنا نشعر بالراحة ونحن نرى شجرة مبادرتنا تتنامى على مهل.» انتهى ..[15] إن هذه المبادرة التى فيما نرى لم تظهر نتيجة استسلام للعذاب أو اتفاق مع السلطات. وإنما ظهرت لأنه استبان لهؤلاء الدعاة خطأ ما ذهبوا إليه أولاً بعد أن درسوا دراسة متأنية الاجتهادات الشرعية فى مجال الجهاد، والثورة، والعنف، وانتهوا من منطق شرعى، وبحكم الأدلة. إلى أن الجهاد وسيلة وليس غاية وأن الغاية هى هداية الناس إلى الحق" وأن هذا لا يتم بالجهاد ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة. ولا جدال أنهم أصابوا هذه المرة بعد أن أخطاوا فى المرة الأولى. ولكننا نلحظ أنهم قصروا فكرهم فى الحالين – فى البداية وفى النهاية – على فهم فقهاء ومفسرين للآيات والأحاديث وليست هذه هى الطريقة المثلى لأنها وإن سمحت لهم بالتصحيح، فإنها لا تنفى وجود وجهات نظر لفقهاء آخرين، بل ولنفس الفقهاء الذين اعتمدوا عليهم وهذا ما يمكن أن يضل جماعات جديدة، وكان يجب أن يحكموا العقل والمنطق وطبائع الأمور وما يوحى به القرآن – كل القرآن – وما أخذ به الرسول بالفعل إن هذا وحده هو الذى يعصمهم من أن يقعوا فى أخطاء جديدة. إن فقه السلف الصالح لا يمكن أن يحسم الموضوع فقد ينقذهم فى ناحية ويوقعهم من ناحية أخرى. وليس هذا مجرد نقد لموقف الجماعة الإسلامية أنه تصحيح المفاهيم. إن الذين أرادوا استنقاذ البشرية من جاهلية تعبيد العباد للعباد إلى تعبيدهم لله، وآمنوا بضرورة إعلان الجهاد على كل النظم الأخرى اخطأوا خطأ جذريا أساسياً. فى الوسيلة وفى الغاية فإنهم اعتبروا الجهاد، والقوة والسلاح هى وسيلة تدمير النظم الحاكمة التى رأوا أنها تحول دون أن تكون كلمة الله هى العليا فى حين أن القرآن الكريم استبعد القوة نهائياً من مجال الهداية. ولم يستخدم السيف إلا درءً أو حماية لعرض أو مُلك، أو عقيدة وقد أرسل الرسول r إلى الملوك خطابات يدعوهم، ولم يرسل إليهم جيوشاً تحاربهم، والفتوح الإسلامية هى ظاهرة تاريخية وليست أصلاً عقيديا، شأنها فى ذلك شأن "دولة المدينة" التى كانت بدورها ثمرة لتطورات عملية وواقعية ولم تكن تحقيقاً لمقتضيات العقيدة ولكن نتيجة لتطورات تاريخية أدت لظهورها وقد قلنا فى إحدى المناسبات إن دولة المدينة تجربة فريدة لا تتكرر ومن هنا يكون القياس عليها خطأ، وهذا ما يمكن أن يقال على الفتوحات الإسلامية فى الصدر الأول للإسلام. وقد تحدثنا عن الفتوحات الإسلامية من قبل. لهذا فإن إقحام السيف فى مجال الهداية خطأ وانحراف عما أراده الله وعما مارسه الرسول. وأما فى الغاية فإنهم أرادوا حمل "البشرية قاطبة على الهداية" وفيم هم من هذا ولو أراد الله تعالى هذا لغيرَّ فى السنن والمبادئ التى يقوم عليها المجتمع الإنسانى بحيث يمكن تحقيق هذا. ولكنه تعالى أراد هذا الاختلاف أراد هذه التعددية. ولام الرسول لحزنه وبخعه لنفسه أن لم يؤمن به المشركون، وقال له بصريح العبارة.. )وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ( {الأنعام 35} .. )تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( {البقرة 134} .. )فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ( {البقرة 137} .. )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( {المائدة 105} .. )وَلَوْ شَــاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَــنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ( {يونس 99} .. )قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ( {الكافرون 1-6} .. فهذه آيات صادعة فى أن الله تعالى أراد التعددية، وأراد أن يوجد الاختلاف، وأن ليس على المؤمنين هداية هؤلاء ولا يضر المؤمنين من ضل إذا اهتدوا. وهناك لوم وتقريع لمن يريد أن يجعل الناس كلهم مؤمنين، ولو شاء الله لجعل الناس أمه واحدة الخ ... فى ضوء هذه الآيات الصريحة القوية الصادعة يكون الجهاد "لإنقاذ البشرية من تعبيد العباد إلى تعبيدها لله" افتياتاً على المشيئة الإلهية وإعلاء لفهمهم الخاص عليها. ويغلب دائماً أن يكمن فى أعمق أعماق من ينادون بمثل هذه الخطوة عرق ينزغ للسلطة والديكتاتورية وإعلاء الذات وهو الشر المستطير الذى أوتيت منه النظم السياسية فى المجتمعات الإسلامية .. ومن ناحية مقابلة فإن الله تعالى يوصينا أن نتعامل مع كل الذين آمنوا. )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ( {المائدة 69} )إن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ( {الحج 17} .. لقد جمعت هذه الآية كل شرعه مما قد يراها من لا يؤمن بها ضالة، أو نحلة كافرة، وتركت أمرها لله .. )لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( {الممتحنة 8} .. والأتكى والأسوأ أن كل هذه الحماسة والإيمان والتأكد يدور حول تعبير بقدر ما يبدو صحيحاً فى ظاهرة بقدر ما يكون خطيراً وهداما إذا أريد تحقيقه بغير ما رسمه الله وطبقه الرسول. إن هذه المأساة ليست جديدة على التاريخ الإسلامى لقد كان هى الأولى التى فتحت باب الفتن والضلال وأدت إلى الحروب وسفك الدماء وأودت بعهد الإمام على وجاءت بمُلك بمعاوية. وقد تملك الغضب الإمام على، وهو يسمع تصايح هؤلاء الأعراب الجفاة لا حكم إلا لله.. بعد أن جازت عليهم خدعة المصاحف على أسنة الرماح.. فأمر بدعوة الصحابة وجاء بمصحف إمام كبير وجعل يخبط عليه ويقول يا مصحف حدثهم.. ليوضح لهم حماقة هؤلاء الأغبياء. فإن القرآن الكريم لن يتحدث ولن ينطق، وأن الله تعالى لن ينزل ملائكة يحكمون. وإنما سيتولى الأمر هؤلاء الحمقى وليس لديهم أى فهم أو فكر، ولا فى حديثهم إشارة إلى عقل أو إلى عدل أو مصلحة. فبماذا يحكم هؤلاء إلا بالجهالة وإلى أى شىء تؤدى الجهالة إلا إلى الفشل. إلى هذا الجحيم كان دعاة الحاكمية يسوقون الجماهير ويتصورون أنه بقدر ما يشتد الصراخ والصياح وتتعالى الأصوات والهتافات بقدر ما يكونون أدنى إلى تحقيق الآمال. الخوف كل الخوف إن لا يكون دعاة الحاكمية الإلهية استبانوا تماماً مدى الغفلة والحماقة والاستغلال للشعارات، فيما ذهبوا إليه لأن تجربة التاريخ توضح لنا إن الأمم فى ساعات محنتها تمر بها مثل هذه النوبات من الجنون. حتى وإن انقشعت بعد حين أهدرت خلاله الوقت والجهد والدم والمال ... b |