نظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي
|
|
إذا عددنا الآيات التي حث الله تعالى فيها على العدل وحذر من الظلم وأمر بالحق لوصل العدد إلى قرابة ألف آية[30]. لا تقل كل آية عن سطرين. وهذا يعني أن الإشارات إلى العدل تمثل كتاباً فيما يزيد عن خمسين صفحة كلها عن العدل.. والأمر بعد ليس أمر عدد لكنه أمر صياغة.. إن أي رسام يعجز عن رسم لوحة، وإن أي حفار يعجز عن حفر تمثال يوحـي بأثر العدالـة ويلهمها في النفـس كالآيـة )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ( فأنظر إلى هذا الحشد من الملائكة وأولى العلم يشهدون الله تعالى )قَائِمًا بِالْقِسْطِ(. كان لابد أن تنغرس "حاسة العدالة" في نفوس المسلمين وأن يتكون في طبعهم ملاحظة للعدل ونفور من الظلم. وهذا ما يتضح لو قارنا المجتمع الإسلامي بالمجتمعات الأخرى إذ سنلحظ خلو المجتمع الإسلامي من كثير من مشاهد القسوة وممارسات الظلم التي حفلت بها هذه المجتمعات في علاقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية… وفي صميم العقيدة، كانت قضية العدل هي محور الانقسام الأعظم ما بين سنّة ومعتزلة وجعلت المعتزلة تتمحور حول العدل والتنزيه وحملهم إيمانهم بالعدل إلى آخر المدى وأن لا يقفوا عند محل الإجماع لدى المسلمين من أن الله عادل لا يقترف ظلماً وأنه يكافئ المحسن ويعاقب المسئ، إذ ألزموا الله تعالى تطبيق ما انتهى إليه فهمهم من العدل. وإلا كان ظالماً، وكان لهم عن هذا مندوحة ويكفيهم أن يقرروا المبدأ والمبدأ لا خلاف عليه. أما ما عداه من تفصيلات فما كان لهم أن يقحموها لأنها لابد وأن لا تخلو من الخطأ فضلاً عن أن هذا الأسلوب يمكن أن يجافي عاطفة – بل وعقل – المؤمن. وكان المعتزلة رغم شططهم أقرب إلى الصواب من الأشعرية الذين أضفوا على أنفسهم صفة "السنّة والجماعة" لأن خطأ المعتزلة عندما قالوا إن الله تعالى يكون ظالماً لو كافأ المسئ وعاقب المحسن هو أقل من خطأ الأشعرية الذين قالوا إن الله تعالى لو قذف بالناس جميعاً إلى النار لما كان ظالماً لأن الظالم هو من يتصرف في غير ملكه والناس جميعاً هم من خلق الله فلا ينسب إليه ظلم مهما فعل بهم – نقول إن المعتزلة كانوا أدنى – على بجاحتهم – إلى الصواب من الأشعرية في هاتين المحاجتين التي دفع إليها شطط كل فريق، لإغفال الأشعرية أن الله تعالى قرر في القرآن أنه )لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا( )وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا(، بل إنه كتب على نفسه الرحمة. لا نريد أن نستطرد في هذه المحاجة ولكننا أشرنا إليها لإثبات المدى الذي بلغته قضية العدالة في العقيدة الإسلامية. وكيف أن التمسك بها دفع بها إلى مستوى الألوهية.. وأن ما في هذا المستوى من قدسية وحساسية لم يمنع المعتزلة من أن يسيروا إلى النهاية.. إنهم على شططهم كانوا أقرب إلى طبيعة الإسلام من غيرهم. وإذا كان ثمة نقد يوجه إلى المعتزلة، فهو إنهم لم ينقلوا إيمانهم بالعدل ونظريتهم عنه إلى واقع الحياة والعمل. وكان بهم أمسّ، وإلى نصرتهم أحوج – فكأن المعتزلة هنا – كفلاسفة اليونان – كانوا يعالجون الفلسفة للفلسفة – دون أن ينزلوا بها إلى الواقع والحياة العملية. والملاحظ أن الأجيال الأولى للمعتزلة كانت أشد عناية بعدل الحكام مما كانت بتحبير الألفاظ، ووضع الفروض، وعندما خرج زيد بن على بن الحسين، وهو زميل واصل بن عطاء، خرج معه لفيف كبير من المعتزلة. ودفع كل من جهم بن صفوان والجعد بن درهم -رغم أنه كان أول من قال بـ "خلق القرآن"- حياته ثمناً للتنديد بالظلم الأموي. الأول ذبحه خالد بن عبد الله القسري والي العراق يوم الأضحى وجعله ضحيته، والثاني قتله هشام بن عبد الملك. ومن لم يقتل منهم مثل عمرو بن عبيد لم يخف معارضته سواء للحكم الأموي في فترته الأخيرة، أو الحكم العباسي في فترته الأولى. ولكن الأجيال التي عاصرت المأمون جعلت من قضية "خلق القرآن" محوراً لدعوتها وهي قضية ليس لها مضمون اجتماعي، وقبلت في هذا السبيل أن تنكل بالمعارضين وتستبيح قتلهم – وكان ذلك إيذانا بنهاية المعتزلة "فمن قَتَل بالسيف، بالسيف يُقْتَل".
على أن الإسلام لم يتحدث عن العدل حديثاً مجرداً. إنه يضع من النظم ما تحققه – كالزكاة والعمل الطيب – وقد جعل القرآن الزكاة قرينة للصلاة والعمل الطيب قريناً للإيمان بالله. وحدد القرآن – على غير عادته – مصارف الزكاة تحديداً وجعل من أكبر الأعمال الصالحة الإنفاق وكافة صور التكافل الاقتصادي. وجعل هذا الوعي بالعدل والتجديد في المجال الاقتصادي المجتمع الإسلامي أيام العُمَرَيْن، عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، مجتمعاً عادلاً بصورة مباشرة توزع الثروات فيه : كيلاً أو وزناً على الشعب.. ويفرض لكل مولود عطاء وكان هذا العطاء يحسب عند بلوغ الوليد مرحلة الفطام حتى وقعت تلك الحادثة المشهورة عندما مرّ عمر بن الخطاب متنكراً على امرأة تعلل أبناءها بماء في قدر تضعه على النار حتى يناموا. فأصبح العطاء يُصرف بمجرد الولادة. وفي عهد عمر بن عبد العزيز أُلحق بكل معوق (أعمى – أعرج) تابعاً يخدمه ويعينه على حياته. ومثل هذه النظم لم توجد في المجتمعات الأوروبية إلا في الفترة المعاصرة وبعد كفاح مرير استغرق قروناً طويلة، ثم إنه قد لا يوجد بهذه الصفة. وقد يقولون : هذا يعود إلى الظرف الاستثنائي الذي حدث للمجتمع العربي عندما تدفقت ثروات الأمم على سكان المدينة المنورة المحدود. وهذا إلى حد ما صحيح. ولكن ثروات الأمم تدفقت على روما في عهد أغسطس وانهالت على لندن في عهد فيكتوريا وانهمرت على أسبانيا إثر فتحها للمكسيك وبيرو ولم تفكر روما كما لم تفكر إنجلترا أو أسبانيا أن تضع نظماً للتكافل الاقتصادي كالتي وضعها عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز عندما استلهما القرآن. وقد كان الالتزام بالحق/ العدل هو السبب الرئيسي في تحريم الربا )فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ( وإن كانت "تتُظْلَمُونَ" الثانية قد تفتح مجالا لأن يأخذ الدائن أكثر من رأس ماله إذا كان قد رأس ماله النقدي قد تآكلت قيمته العملية بالتضخم. وهي صورة من المعالجة تبرز الحرص على العدل واستبعاد الظلم سواء وقع على المدين أو الدائن وتبرز أيضا مدى إحكام وشمول المعالجة الإسلامية لقضية الربا. إن النص القرآني الذي نزل في وقت لم يكن ليعرف تضخما يُعَدّ نوعاً من الإعجاز لأنه تضمن العلاج لأوضاع لم تعرفها البشرية إلا بعد أن توصلت إلى العملة الورقية وقيام البنوك على أساس فكرة "الائتمان". وفي غير المجال الاقتصادي، فإن الإحساس بالعدل وصل من العمق حداً يعرض فيه الرسول جسمه ليقتص منه من ظن الرسول أنه أذاه وهذا ما فعله عمر بن الخطاب بنفسه وما فرضه على عامله عمرو بن العاص وما جعل جبله بن الايهم يفر من المدينة ويرتد عن الإسلام عندما أراد عمر أن يقتص منه عندما لطم إعرابيا داس على إزاره، قائلاً أنه ملك والآخر سوقة.. وقد أصبح هذا من تقاليد الحكم الإسلامي. ولا يقل عنه ما جرى عليه القضاء الإسلامي من التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء حتى عندما يكون أحد الطرفين أمير المؤمنين على بن أبي طالب والطرف الآخر يهودي في المدينة! وهو أمر نبه عليه عمر بن الخطاب في رسالته عن القضاء إلى أبي موسى الأشعري التي سنعرضها في فقرة تالية. وقد يدخل في هذا أيضا أن الأقليات لم تظفر بعدالة كالتي ظفرت بها تحت حكم الإسلام سواء في ذلك أقباط مصر في عهد عمر بن العاص أو في العهد الأموي.. أو يهود الأندلس على تنائي الدار وتباعد الزمان. كما يدخل في هذا استبعاد التعذيب كوسيلة للحصول على الأدلة. وكان هذا التعذيب هو الطريق المقرر لدى الرومان للحصول على الأدلة من العبيد كما كان هو الوسيلة الممارسة في محاكم التفتيش الرهيبة طوال "القرون الوسطى" للحصول على أدلة تدين صاحبها بالانحراف عن المسيحية.. فجاء الإسلام واعتبر أن صفع السيد لعبده أو ضربه مبرِّر وسبب يبرر عتقه.. وأن أي ضغط على المتهمين يسقط الأدلة التي يدلون بها. وجاء في كتاب الخراج لأبي يوسف "ومن ظُن به أو توهم عليه سرقة أو غير ذلك، فلا ينبغي أن يعزر بالضرب والتوعيد والتخويف فإن من أقر بسرقة أو بحد أو بقتل وقد فعل به ذلك ليس إقراره ذلك بشئ ولا يحل قطعه ولا الأخذ بما أقر به".
ووصلت فكرة العدل درجة من القوة أصبحت فيها ضابطة للحق وأدت إلى ظهور نظرية "إساءة استخدام الحق" كما يقولون في القانون وهي فكرة تناقش فكرة الحق المطلق لصاحب الحق لدى القانون الروماني : حق الحياة والموت على الكائنات (سواء كانوا عبيداً أو حتى أبناء أو مدنيين) وحق السفه والتبذير والتصرف كما يشاء في الأموال والأملاك. جاء الإسلام فجعل العدل قواماً على الحق ملزماً بضرورة ممارسته ممارسة عادلة. ووضع لذلك الضوابط على كافة التصرفات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية التي يمكن أن يمارسها كرجل أسرة أو ربة بيت أو حاكم أو تاجر.. إلخ. وهكذا فأينما نظرنا في جنبات المجتمع الإسلامي فإننا نرى العدل ضابطاً لكل نشاط فيه واضعاً إياه موضعه السليم. وثمة وثيقتين عن العدل صدرت الأولى عن عمر بن الخطاب في القرن الأول الهجري وصدرت الثانية عن ابن القيم الجوزية في القرن التاسع. وهما يصوران عمق الإحساس بالعدل. الوثيقة الأولى هي خطاب عمر بن الخطاب إلى قاضيه أبي موسى الأشعري الذي وضع له المبادئ في التقاضي وهي تفضل خطابات "يوليوس قيصر" أو "شيشرون" أو غيره من أساتذة الخطاب والإدارة والقضاء في الرومان .. وجاء فيها :
b أما كلمة الفقيه ابن الجوزي فجاءت في كتابه "إعلام الموقعين" عند حديثه عن تقصير الفقهاء وجراة الحكام وهي تتغنى بالعدل بأجمل مما نجده فيما قدمه الأثينيون من أفلاطون حتى بريكليس .. إن ابن الجوزي أشار إلى ما نشأ عن تقصير الفقهاء واجتراء الحاكم فقال :
cb |
|
|
تصور بعض المستشرقين والمثقفين ثقافة أوروبية أن العقوبات الإسلامية التي تتسم بطابع من الصرامة كالجلد والقطع تتنافى – أو على الأقل – تتجافى عن العدل دون أن يخطر في بالهم، لأسباب سنشير إليها في فقرة تالية، أن معاقبة الجناة بهذه العقوبات إنما هو من باب العدل وتحقيقا للعدل .. وقد يكون القصاص من أكبر أبواب العقوبات الإسلامية ومما يدخل في إطار نقد الناقدين. ومع هذا فإنه مبني على صميم العدل ومحضه فعندما تثبت التهمة على الجاني وتستبعد من ظروف الجناية ما قد يحمل على الرأفة فإن القصاص يكون هو العدل محضا. فإذا كان في توقيعه قسوة، فإن البادئ أظلم وعليه تقع المسئولية. وتخفيف الحكم عن مستوى الجناية المقترفة يعد في حقيقة الحال ظلما للمجني عليه. وهناك حكمة أخرى في القصاص هي أنه بالإضافة إلى العدل الفردي – أي ما بين الجاني والمجني عليه – فإن القصاص يحقق الردع وهو أحد الأهداف الاجتماعية للعقوبة. وهو وحده الذي يمكن أن يحسم شأفة بعض الجرائم التي ابتلى بها المجتمع الحديث. كالتعذيب الذي بعد أن ضربت صفحته مع انطواء القرون الوسطى – عاد فظهر مع ظهور المجتمعات الفاشية والشيوعية وزحف على المجتمعات الديمقراطية بحيث أصبح في بعض الدول – ولعل دولنا العربية منها – دأبا متبعا وأسلوبا مقررا ولا شئ يمكن أن يحسم شأفته إلا تطبيق القصاص على الذين يمارسونه. فهذا وحده هو الذي يمكن أن يوقفه. ومع أن تطبيق ذلك سيتضمن تكرير ممارسة تلك السُبة، إلا أن هذا التكرار لن يستمر إلا مرة واحدة وقد لا نكون في حاجة إليه إذا أعلنت السلطات عن عزمها المؤكد على تطبيق القصاص. فهذا الإعلان وحده يكفي لإيقافه. فإذا أردنا أن نقضي على أبشع الجرائم دون مجاوزة لحدود العدالة. فعلينا بالقصاص. ويجب عندئذ أن نستبعد كل الاعتراضات. بل يمكن أن نطبق القصاص في جرائم يحدد عقوبتها "التعزير" كما يقول الفقهاء. فعندما نسمع عن شخص يصنع خموراً مغشوشة تصيب شاربها بالعمى كما روت الصحف[32]، فقد يكون الحكم العادل على مثل هذا الجرم هو أن يشرب نفسه خموره وهذا ما يقال أيضا على الذين يغشون المواد الغذائية أو يطعمون الشعب لحوم الكلاب والقطط وبالمثل تلك الجريمة النكراء : إلقاء حامض الكبريتيك أو كما يقولون "ماء النار" على وجوه الفتيات.. فلا شيء يوقف هذه الجريمة أو يتعادل معها إلا القصاص حتى وإن كان من الممكن إصدار أحكام بالنفي تطبيقا للحديث – من غشنا فليس منا – وهو بدوره يمثل العدل. فإننا نجد أن القصاص أكثر العقوبات فاعلية. وقد كانت فكرة الردع هي التي جعلت القطع عقوبة السرقة. وعندما يغيب هذا المعنى، تبدو العقوبة وكأنها لا تتناسب مع الجريمة ويصبح من حق الشاعر أن يتساءل :
كما يجوز للأوروبيين والمحدثين أن يكتبوا عن "وحشية" العقوبة ولا جدال أن عقوبة القطع عقوبة قاسية غاية القسوة ولا أحد يسعد بها. وكما ذكرنا في كتابنا "روح الإسلام" فإن وجه الرسول تغير تغيراً شديداً عند تطبيق هذه العقوبة، ووجه الصحابة لأن لا يعينوا الشيطان على إخوانهم. وفي الوقت نفسه فإنه تمسك بضرورة توقيع العقوبة عندما تثبت وتصل إلى السلطان. ووجهة نظر الإسلام – فيما نرى – هي أنه لما كانت جريمة السرقة هي أكثر الجرائم شيوعا في المجتمع وأنها في حد ذاتها ذات طبيعة اجتماعية، فإن العدل بالنسبة للمجتمع أولى من تطبيق العدل بالنسبة للجاني، والعدل بالنسبة للمجتمع هو "الردع". والقطع مع أنه أهون من القتل الذي كانت تحكم به المحاكم في الدول الاشتراكية على من تثبت عليهم السرقة، فإنه أشد فاعلية من القتل وبالتالي أكثر تحقيقا للردع[33]. وقد أثبتت التجارب والوقائع أن هذه العقوبة تحقق هدفها فتهبط بالجريمة إلى الحد الأدنى وتكاد تختفي وهذا إنجاز عظيم يضاف لحسابها لأنها في الوقت الذي تحقق هذه النتيجة المنشودة التي لا تصل إليها أبدا المجتمعات الحديثة، فإنها تحد من مرات توقيع العقوبة فكأنها تحكم على نفسها. وبهذا يتحقق الإنجاز العام بأقل التضحيات. وينظر الكثيرون شذراً نحو عقوبة "الجلد" باعتبارها مهينة للكرامة الإنسانية. ولا جدال في أنها مهينة ولكن اقتراف الجريمة يدخل الجاني في مجال وبيل تختلف معاييره بعد الدخول فيه عنها قبله والعقوبات بأسرها تتضمن عنصرا من عناصر المساس بالكرامة. وقد استعظم الإسلام الضرب دون جريمة إلى درجة جعلته مبررا لتحرير العبد المضروب دون مبرر. ولكن التورط في الجريمة يوجد وضعا جديدا. وفي الوقت نفسه فإن القطع والجلد والقصاص كلها تطبق مبدأً هاماً من مبادئ العدالة هو شخصية العقوبة. وأنها توقع على شخص الجاني فلا يضار غيره بها. كما يحدث عندما يحكم عليه بالسجن، فيضار أهله بانقطاع كسبه وحرمان أسرته من رعايته دون أن يكونوا قد اقترفوا إثما. وفي السجن بعد من المهانات التي تستمر لسنوات ما يصغر أمامها مهانة الجلد الناجزة. ومما يستحق الإشارة أن عقوبة القطع بالنسبة للسرقة طبقت في بريطانيا حيناً ما، وكانت العقوبات الجنائية فيها في غاية القسوة وفاقت الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام المائة ولم يكن يستثني حتى الأطفال منها، وفي القرن السادس قبل الميلاد كانت بعض الولايات اليونانية تعاقب بالموت من يسرق تفاحة... وفي الدول الاشتراكية كان القتل هو عقوبة السرقة. وقد أثار دهشتنا ما روته صحيفة أخبار اليوم (عدد 3 شوال 1415 – 4 مارس 1995) تحت عنوان "المؤبد عقوبة سرقة البيتزا في أمريكا" وجاء فيه (ص 10) : "لوس أنجلوس – وكالات الأنباء : صدر حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة 25 عاما ضد الأمريكي جيري ويليامز بتهمة سرقة قطعة بيتزا من بعض الأطفال وهي نفس العقوبة التي يحددها القانون لجريمة الاغتصاب. وقد رفضت المحكمة اعتراض محامي المتهم على العقوبة باعتبارها لا تتناسب مع الجرم الذي ارتكبه ويليامز وقالت إن المتهم من أصحاب السوابق وسبق إدانته في أربعة جرائم سرقة من قبل. وكان المتهم قد قبض عليه في يناير الماضي بعد أن اختطف قطعة من فطيرة البيتزا من أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و15 سنة. وقال ممثل الإدعاء إن ما ارتكبه المتهم هو جريمة سرقة بالإكراه. ووفقا لقانون كاليفورنيا فإن تكرار ارتكاب جريمة السرقة – بصرف النظر عن حجمها – يجعل من حق النيابة اعتبارها جناية". والإشارة التي جاءت في هذا النبأ عن أن المتهم سبق إدانته في أربع جرائم سرقة من قبل تبرز لنا إحدى الحقائق الهامة وهي ان الغالبية العظمى من المجرمين هم من الذين سبق لهم اقتراف جرائمهم وحكم عليهم بالسجن وأن بعضهم مسجل "كشقي خطر" وأن جريمة السجن لا يمكن أن تكون عقوبة رادعة، بل إن السجن نفسه هو في معظم الحالات مدرسة الإجرام. فإذا لم يكن السجن هو العقوبة الرادعة – فليس إلا القطع أو الجلد التي قررها الإسلام، ولعلها أن تكون عند احتساب الأبعاد العديدة للموضوع – أرحم من السجن للمتهم نفسه وللمجتمع أيضا. وهناك صفة تختص بها العقوبة في الإسلام تلك هي أنها مكفرة بمعنى أنها تكفر عن الذنب وتطهر صاحبها من أدرانه. ومن هنا كانت تلك الظاهرة الفريدة أن يسعى من يقترف ذنبا لتوقيع العقوبة صائحاً "طهرني" وفي هذه الحالة تنتفي كل أثارة من أثارات المهانة ويستحق المذنب ثوابا يشمل المئات. وهذه الحالة تختلف كل الاختلاف عما يحدث في المجتمعات الأوروبية عندما تستنفر السلطات كل وسائل الضبط لإيقاع المتهم متلبسا بالجريمة وما يحدث من إنكار المتهم ومحاولة المحكمة التوصل إلى الأدلة بمختلف الطرق. وأن تكون العقوبة مكفرة يقتضي أن لا يقتصر أثر التكفير على الحياة الآخرة ولكن الدنيا أيضا بمعنى أن العقوبة لا تستتبع عقوبات تكميلية كما هو الحال في القوانين الوضعية وهذه العقوبات قد تكون أسوأ من العقوبة الأصلية لأنها تضم فيما تضمه الفصل من العمل.
|
|
|
يغلب دائما رغم كل ما قدمناه من إيضاح لاتفاق العقوبة الإسلامية مع العدل أن لا يتقبل الفكر الأوروبي هذا الإيضاح ويظل عازفا عنه لأن هناك فرقا أصولياً في فهم الإسلام للعقوبة وفهم المجتمع الأوروبي لها يعود إلى الاختلاف في الجذور الحضارية. فالجذور الحضارية للمجتمع الأوروبي تعود إلى اليونان فالرومان فالإحياء ثم عصر "التنوير" وما تلاه ذلك حتى الحقبة المعاصرة وجذرها جميعا هو "الإنسان" وفلسفتها جميعا من الإنسان وللإنسان. وليس للدين من دور حقيقي لأن أوروبا وثنية، إلاهها هواها. وقد فعلت بالمسيحية الأفاعيل لتطوعها طبقا لمفاهيمها. ونظمها السياسية هي صورة مطورة لما عرضه أرسطو في "السياسة" ما بين ديمقراطية وأرستقراطية وصور من "الأوليجاركية" بالإضافة إلى الديكتاتورية التي ابتدعها الرومان. من أجل هذا قلنا في القسم الأول من هذا الكتاب أن العدالة لم تكن أبداً من القيم الحاكمة في الحضارة الأوروبية، وأن الطريق إلى العدالة فيها ليس هو الحق ولكن القوة. وقد أثمرت هذه الجذور الأوضاع الحالية للمجتمع الأوروبي. وأبرز هذه الأوضاع هو الوضع الديمقراطي الذي هو محل فخر أوروبا ورمز حضارتها. وهو وضع يفترض فيه أن تكون السيادة للشعب ولكن تجربة التاريخ تكرر في الحاضر ما حدث في أثينا وروما بصورة حديثة. إن آليات السوق لا بالمعنى الاقتصادي. بل بالمعنى السياسي أيضا تضع "سيادة الشعب" في يد التكتلات السياسية والاقتصادية التي عملت المنافسة وحرية العمل على إبرازها. إلا وهي الأحزاب والتكتلات الاقتصادية التي يمكن أن نطلق عليها "المؤسسات". إن مأساة الحضارة الأوروبية هي أن الإنسان فيها ما أن يبدع شيئا ليحرر نفسه حتى ينقلب هذا الشيء عليه لأنه يصبح في أيدي "المؤسسات" فعندما اخترع الآلة لتحرره من لعنة الكدح العضلي. تصور روبرت أوين أن أربع ساعات عمل ستصبح هي ساعات العمل المقررة إذ سيمكن الآلات في هذه الساعات أن تغمر السوق بسلع ما كان يمكن للكدح العضلي أن ينجزها إلا بأسابيع عمل طوال... وتوصل دافي إلى مصباحه الساذج ليؤمن الفحامين النزول إلى أعماق ينعدم منها الأكسجين، وتوصل الإنسان إلى الطباعة وإلى الإذاعة وإلى التليفزيون ليثقف نفسه.. ألخ. إن كل هذه النعم استغلت ضد الإنسان. فالرأسمالية أرادت الملايين والبلايين وكان لابد أن تسخر الإنسان ليعمل ثمان أو عشر ساعات أمام الآلات، واستغل أصحاب المناجم مصباح دافي فأخذوا يزجون بالفحامين إلى أعماق سحيقة في أمن المصباح. لتنهار عليهم المناجم! أما الإذاعة والتليفزيون فقد أصبحت أقوى وسائل "المؤسسات" في الهيمنة على الفرد وتسييره حسبما تشاء. وأصبحت الكلمة الأخيرة في كافة المجالات للمؤسسات ولما تنتهي إليه المؤسسات من منطلق مصالحها. على أن أوروبا تستحق مأساتها – وكما تكونوا يولي عليكم – فقد كان لابد من أن يحدث هذا ولو لم يحدث لكان اختلافا كمياً وليس نوعيا لأنه إذا ترك الإنسان لنفسه دون هداية من الله فلابد أن يضل. فالغريزة آصل وأغلب من العقل، ووهج الشهوات والعواطف والأهواء أشد جاذبية من نور الحكمة. وكانت النتيجة أن المجتمع الأوروبي في تمجيده للحرية والعمل والانطلاق وفتحه الباب للمبادآت الفردية تقبل ضمنا ومن باب الضرورة خلال هذه الممارسات ما يمكن أن يعد سرفاً أو شططاً أو يشارف مستوى الجريمة، إن الجريمة الحقيقة هي السلبية والخمول والفقر أما ما يمكن أن يأتي به العمل والحرية كائنا ما كان فتظل له فضيلة العمل والأقدام ويمكن أن "يمرره" المجتمع. وكما أن آليات السوق جعلت من البطالة جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي فإن هذه الآليات جعلت الجريمة أيضا جزءاً لا يتجزأ من النظام الاجتماعي. وأصبح كلاً من المتعطل والمجرم "ضحية" للنظم يستحق العطف ومن هنا جاءت تلك الصيحة التي تنبعث تلقائيا من قاعة المحكمة عندما تعلن المحكمة تبرئة المتهم "يحيا العدل!" دون تحقيق لما إذا كان العدل هو في تبرئة هذا المتهم أو إدانته. وعَمَّق هذه النظرة وأضاف إليها بعداً جديداً عدم وجود المعيار الموضوعي لتقرير العدالة فالمفاهيم التي تطرحها آليات المؤسسات كلها ذاتية. ويمكن تتبع هذا من أثينا فروما فالحقبة المعاصرة. ففيها جميعا كانت الفئات المميزة تتمتع بإعفاءات أو حصانات من المحاكمات أو العقوبات. وفيها جميعا كانت الفئات الدنيا تحمل بأثقال وتجازي بعقوبات أضعاف ما تجازي به الفئات المميزة. وقد حقق المجتمع الأوروبي ما دعا إليه ميكيافيلي من الفصل ما بين السياسة والأخلاق. كما حقق الفصل ما بين الاقتصاد والأخلاق الذي دعا إليه آدم سميث ومراكس معاً، وتقبل مقولة كلاوزفست عن "أن الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل أخرى" ونتيجة لهذا أصبح الهامش ما بين الخير والشر متآكلاً متداخلاً. ووجدت العدالة الأوروبية نفسها عاجزة أمام هذا التداخل. تقف كأم لأبن شرير لا يستطيع أن توقع عليه العقوبة العادلة التي يستحقها لأنه – بعد كل شئ – ابنها ولم يكن مناص، والقيم الحضارية الأوروبية على ما هي عليه من أن نشهد اليوم ظهور الجريمة المنظمة والصور العديدة التي تأخذها "المافيا" والتعاون ما بين بعض العصابات وسياسيين أو أجهزة أو مؤسسات وأخيرا شيوع الفساد (corruption) بين المسئولين الحكوميين وآخر صيحة في هذه المسيرة هي "حقوق الإنسان" التي أضفت شرعية على صور من الانحراف لا يقتصر أثرها السىء على ما بين المقترفين لها. كما في العلاقات الجنسية الشاذة ولكن أثرها يمتد إلى الآخرين فيما تحمله من عدوى تنقل الأمراض إلى الأبرياء الآخرين، أو حرية حمل السلاح وما تغري به من عدوان أو حرية إدمان المخدرات وما ينتهي إليه من استعباد المدمن. بل إن شيوع "البلطجة" والانحراف في بعض المدن الأمريكية حرم على عامة الناس الخروج ليلاً أو السير في الشوارع وسمح بوقوع أسوأ الجنايات في المجتمع الأوروبي والاغتصاب علناً وجهرة دون استطاعة أحد التدخل. إن حاضر المجتمع الأوروبي اليوم لهو أكبر شاهد على جريرة التسامح مع الجريمة وعدم وجود معايير موضوعية للعدالة تفرض على المجرم العقوبة التي تتكافأ مع جريمته. وتكون قاسية بقدر قسوة الجريمة. وهي قضية قد تذهب بكل منجزات الحضارة الأوروبية لأنها تدس لها السم في الدسم بعدم التفرقة بين الخير والشر وتوهن من مقاومتها بحيث تستسلم تدريجيا لوازع الشر استسلامها لوازع الربح وقد تتبين الحقيقة لأن العلم شئ والإرادة شئ آخر والقدرة شئ ثالث، وهي تتبين لأن العلم لا ينقصها ولكنها قد لا تريد لاختلاط الشهوة بالألم، وإذا أرادت فقد لا تقدر فقد تلوت عليها أفعى الجريمة، وليس لها من نكزتها دواء...
|
|
|
تختلف نظرة الإسلام إلى الجريمة والعقوبة عن النظرة الأوروبية التي عرضناها في الفقرة السابقة اختلافاً تاماً. فالإسلام الذي يتمحور حول "الله" ويأخذ كل منطلقاته منه. يوجد مثل عليا ويوجد مبادئ ثابتة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تمثل عناصر الحفاظ والهداية وهذه المبادئ مستمدة من الله تعالى عن طريق الوحي[34] وبهذا فإنها تبرأ من الضعف والتحيز الإنساني وما ظل هناك أمانة في الفهم والتطبيق فإنها تحقق هداية تستعصي على التطويع والاستغلال ووساطة عقد هذه المبادئ والقيم "العدل". ومن منطلق العدل يجري الإسلام معاملاته مع الجريمة والعقوبة. فهو حرصا على العدل يدقق كل التدقيق في وسائل الإثبات لكي يتأكد من وقوع الجرم ونسبته إلى المتهم. وقد وضع في هذا السبيل مبادئ من أثمن ما يمكن أن تصل إليه عدالة. مثل "المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته" والأحاديث النبوية "تعافوا الحدود فيما بينكم" – "وادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله – فإن الإمام لأنت يخطئ في العفو خير من يخطئ في العقوبة"[35] والأثر "ادرأوا الحدود بالشبهات". وقد رأى بعض الفقهاء أن مجرد إدعاء الشبهة في مظنتها من مرتكبي الجريمة الموجبة للحد يسقط الحد دون الحاجة إلى إثباتها. واعتمدوا إنكار المتهم. بل إنهم كادوا يجاوزون إطار الحق عندما أقروا تلقين المتهم الإنكار. ولكن هذا لا يكون إلا في جريمة شخصية تكون عقوبتها مع ذلك الرجم الرهيب فيتسع العدل الإسلامي لقبول هامش من الرحمة وسنرى نقيض ذلك في حد السرقة. وهي جريمة اجتماعية وعقوبتها أقل من القتل يزاحم الردع – أو العدل الاجتماعي – العدل الفردي. وهما معاً ينطلقان من العدل. ولكنه يتمدد في إحداهما وينكمش في الثانية. وقد يتصور أحد أن الإسلام أهمل الحقيقة وهي أصل العدل عندما يقرر "الولد للفراش وللعاهر الحجر" وعندما يهمل الدلالة المؤكدة لعامل الوراثة الذي يثبت أن الابن ولد سفاحاً ومع هذا لا يوقع حداً على الأم التي أقسمت أيمان الملاعنة. قد يتصور أحد أن الإسلام أهمل العدالة ولكن الحقيقة أن تطبيق العدالة على الأم التي نجت بأيمانها من الحد حتى وإن كانت مذنبة. كانت يعني إيقاع الظلم بالطفل البريء. فالإسلام أثر العدل. إلى جانب المعاني الاجتماعية التي يكون لها نوع من الارتفاق على العدل. وقبل مرحلة الإثبات فإن الإسلام يعني بتهيئة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تسد منافذ الجريمة مثل التكافل الاقتصادي والمساواة في الفرص والحقوق والواجبات والشورى في السياسة والإشباع الجنسي بالزواج المبكر واستبعاد الاستغلال والطغيان في كل صورهما وبقدر ما تتوفر هذه الظروف والاشتراطات بقدر ما يمكن تطبيق الآليات الإسلامية في العقوبة. فإذا لم تتوفر فلا يمكن تطبيقها. فمن غير المنطقي أن تطبق عقوبات وضعت لمجتمع بمواصفات خاصة إذا لم يوجد هذا المجتمع أو لم توجد هذه المواصفات. وقد يمكن في هذه الحالة الأخيرة أن تكون العقوبات سلاحا في يد الطغاة وأداة ضد المستعبدين والمرحومين أي أداة لتعميق الظلم وليس لتطبيق العدل. وليست هذه افتراضات نفترضها من تلقاء أنفسنا إنها "سوابق" عملية ثابتة في التاريخ الإسلامي عندما أوقف عمر حد السرقة عام المجاعة وعندما كاد أن يبطش بحاطب بن بلتعة عندما طلب إقامة الحد على غلمانه للسرقة عندما اتضح له أنه يجيعهم، فضلا عما يوجبه روح الإسلام. وإذا كان بعض الفقهاء لا يبرزون هذه الجوانب. فإن هذا لا يمس الإسلام إنما يمسهم ويغلب أن يكون ذلك لحساب السلطان والنظم القائمة. وعندما يوجد المجتمع طبقا لما قرره الإسلام وبعد أن تتخذ كل الضمانات التي أشرنا إليها للتثبت من حقيقة قيام المتهم بارتكاب جريمته فإن العدالة الإسلامية توجب إيقاع العقوبة دون تهاون ولا يكون هناك محل لأي شفاعة بعد أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم قولته التاريخية المشهورة "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" و"من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاق الله في أمر" ويرتفع صوت العدالة "ولا تأخذكم بهما رأفة". وهو ما لا يمكن للعدالة الأوروبية أن تصل إليه. ذلك أن توقيع العقوبة عند ثبوت الاتهام وبعد الضمانات التي أشرنا إليها هو الوجه الآخر لعدالة البراءة عند عدم الثبوت، وكما أن إيقاع العقوبة في الحالة الثانية ظلم. فإن الإعفاء منها ظلم أيضا في الحالة الأولى. إن العدل هو حجر الأساس في المجتمع الإسلامي وهو ضابط الإيقاع ما بين كل القوى فيه. لذلك فإن أي تسامح فيه أو تجاوز هو مما يهدد المجتمع في الصميم. وتطبيق الحدود – عند الثبوت وبعد الضمانات – رمز للتمسك بالعدل وتطبيقه ومن هنا يمكن تفهم الأثر "حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا".
عرضنا في ما سبق بعض صور تعامل الإسلام مع العدل وأعماله توضح عمق فهمه وأن هذا يدفعه لأن يلحظ أبعاداً له قد لا تبدو للنظرة السطحية أو العابرة ونضيف هنا قسمة أخرى من قسمات العدل الإسلامي هي شدته في التعامل مع المسئولين. إن شدة الإسلام في محاسبة المسئولين ومضاعفة العقوبة عليهم لا تعد ظلما لهم. كما أنه تحقق العدالة للآخرين: لا تعد ظلما لهم لأن وضعهم الخاص يجعل لهم مستوى معينا تكون المضاعفة هي العدل لهم كما يحقق العدالة للآخرين لأنها تردع هؤلاء الحكام عن الظلم وتفتح السبيل لمحاسبتهم حسابا عسيراً. وقد صدمت صدمة عنيفة عندما قرأت الحكم بتبرئة أربعة وأربعين ضابطا من ضباط السجون اتهموا بالتعذيب "لعدم ثبوت الأدلة" وأحسست أنها مجافاة أو حتى مناقضة لميزان العدالة الإسلامية الذي يجعل للمنصب اعتبارا عند تكييف الحكم. إن هذا الحكم وإن أريد به العدالة لأربعين متهما لم تثبت إدانتهم كان ظلما لمئات أو لآلاف من الناس تولى هؤلاء الضباط القساة – أو حتى الأنذال – تعذيبهم وأتقنوا جريمتهم بحيث لا تثبت الأدلة على وجه قاطع. إن تحقيق العدالة بالنسبة لمثل هؤلاء يتطلب تكييفا يختلف عما هو عليه بالنسبة لآحاد المتهمين، تكييفا يضع في تقديره المناخ العام الذي يعمل فيه هؤلاء الضباط والمنصب الذي يشغلونه والروايات المتواترة التي تصل إلى حد الإجماع على وقوع التعذيب بل وأنه أصبح أمرا مقررا وسياسة منهجية وأن السجين وهو ضحية لا حول لها ولا قوة في يد سجانيه لا يتهيأ له من وسائل الإثبات ما يتهيأ لغيره. وقد أصبح تغطية أعين المسجونين عند تعذيبهم حتى لا يتعرفوا على معذبيهم أمراً مقرراً. في مثل هذه الملابسات ولمصلحة العدالة وأخذاً بأٍسلوب الردع الذي هو في حقيقته تفضيل لعدالة المجموع على عدالة فرد.. يصبح مبدأ "المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته" مجافيا لطبائع الوضع الخاص لهؤلاء الضباط. ويصبح المبدأ أن "المتهم مدان حتى تثبت براءته" هو الأقرب إلى العدالة بحيث لا يطالب الضحايا بإثبات جرم المتهمين ولكن يطالب المتهمون بإثبات براءتهم لأن المناخ الذي يعملون فيه يفرض الاتهام عليهم فرضا. ولا يكون في هذا حيف على العدالة. ما دام هناك محاكمة وإفساح المجال للمتهمين لإثبات براءتهم. إنما يكون الحيف هو في عقوبات دون محاكمات أو الأخذ بما يسمونه "الشرعية الثورية" وليس فيها في حقيقة الحال شرعية. واعتقد أن كل وزراء الداخلية من سنة 1952 يجب أن يعدوا مدانين حتى تثبت براءتهم. لقد كان العدل عند عمر أن يقاسم ولاته ثرواتهم وكان العدل في القرآن بالنسبة لزوجات الرسول "يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشه مبينة يضاعف لها العذاب يوم القيامة وكان ذلك على الله يسيراً". وحاشا أن يكون في هذا ظلم، وإنما هو ملاحظة مستوى لا يتحقق فيه العدل إلا بهذا المقياس.
وأبدع الإسلام بحكم استلهامه للعدالة مبادئ لا نجدها في القوانين الأخرى مثل عدم سقوط الحق بالتقادم وعدم مشروعية تصرف بُنَّيَ على باطل مهما كان التصرف في حد ذاته سليما حتى ولو كان "الصلاة" التي لا يجيزها الفقهاء على أرض مغصوبة... فنحن نرى هنا تطبيق العدالة إيجابا وسلباً فالباطل لا يكب والحق لا يخسر. وفي سبيل تحقيق العدل سن الإسلام "لا يضيع دم في الإسلام" فإذا تعسر معرفة القاتل فلا بد من تعويض أهل المقتول إما بالقسامة أو من بيت مال المسلمين. وهو ما لا يتوفر في معظم القوانين الوضعية. وثمة قضية وقعت في مصر في الخمسينات ورزقت شهرة عريضة عن سيدة من عائلة معروفة صدمت بعربتها شخصاً فقتلته واقتحمت صيدلية فخربتها واستطاعت المتهمة أن توجد من الشبهات ما لم يجعل الأدلة قاطعة فبرأتها المحكمة. وكان معنى هذه البراءة إهدار دم مواطن وخراب صيدلية. ولو طبقت مبادئ العدالة الإسلامية لنال أهل القتيل وصاحب الصيدلية تعويضا من بيت مال المسلمين لأن المبدأ "لا يضيع دم في الإسلام" وقد أعطى الإسلام لكل واحد الحق في المطالبة بتحقيق عدل انتهك أو مقارنة ظلم وقع عندما أوجب على المسلمين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وجعل المسلمين عدولاً يسعى بذمتهم أدناهم. وبالتالي يكون لكل واحد حق رفع القضايا دون أن يكون "صاحب مصلحة" مباشرة في الموضوع. لأنه وهو مواطن في مجتمع متماسك له مصلحة في تماسك هذا المجتمع وعدم انهياره.
cb |
|
|
معالجة القانونيين المعاصرين لنظرية العدالة في الإسلام
|
يفجع القارئ عندما يطالع ما كتبه رجال القانون المعاصرون عن العدالة الإسلامية كأصل من أصول القانون وما يعلمونه لأبنائنا في كليات الحقوق عنها.. فهؤلاء العلماء يحسنون الكتابة عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني وحتى في القانون البريطاني رغم أنه ليس في هذه كلها "تنظير" للعدل أو إقامة للحكم – أو حتى القضاء عليه – ولكنهم عندما جوبهوا بالعدالة في الشريعة الإسلامية ولديهم شواهد القرآن وسوابق الخلافة.. أبلسوا أو قل أفلسوا وجاؤا بشئ يصور هذا الإفلاس فهم يضعون "الرأي" مقابلا للعدالة.. في حين أن هذا شئ والعدالة شئ آخر تماما.. وتتطلب معرفة أسباب ذلك كاتبا محققا يتفرغ لاستجلاء هذه النقطة، ولعلنا نسهم في هذا الشئ، ففي كتاب صدر في الثلاثينات باسم "فن القضاء" تولى ترجمته وعلق عليه الأستاذ محمد رشدي المستشار السابق بمحكمة استئناف مصر الأهلية نجد أول إشارة إلى "الرأي" كمقابل للعدالة عندما كان المؤلف يحاول أن يجد المقابل لها في الشريعة الإسلامية وخلال محاورة له مع زميل يبدأها بأن قال بأن للعدالة في القوانين الوضعية مصدرين وأن لعدالة كل مصدر اسما خاصا. المصدر الأول القوانين والعدالة المستمدة منها يسمونه (justice) والعدالة الأخرى مصدرها القاضي نفسه ويسمونها (équité) وقال إنه ليس هناك تسمية مقابلة لها في الشريعة الإسلامية فرد عليه زميله وقال : "قرأت في كتاب المبسوط للسرخسي في الجزء السادس عشر صفحة 169 أنه ذكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى اليمن بم تقضي يا معاذ قلت: بما في كتاب الله قال عليه الصلاة والسلام فإذا لم تجد في كتاب الله قلت: أقضي بما يقضي به رسول الله r قال صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد ذلك فيما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت أجتهد رأيي. فقال صلى الله عليه وسلم (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله) ثم قال فلماذا لا يسمون كلمة (équité) اجتهاد الرأي واجتهاد الرأي يشترك فيه عقل القاضي وقلبه وإحساسه وضميره وفهمه وعلمه وتجاربه فقلت وأنا كذلك قرأت في كتاب ضحى السلام في الجزء الأول صفحة 290 للأستاذ أحمد بك أمين تأييدا لهذا الرأي فقال: (وعلى الجملة فقد كان كثير من الصحابة يرى أن يستعمل الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة والمتتبع لما روي عن العصر الأول في (الرأي) يرى أنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة العدالة وبعبارة أخرى ما يرشد إليه الذوق السليم بما في الأمر من عدل وظلم وفسره ابن القيم "بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب". فقال محدثي : لقد اتفقنا هنا أيضا على أن نقول عن كلمة (équité) اجتهاد الرأي قلت: وعلى هذا ماذا على وزير العدل لو سأل أحد قضاته بم تحكم ؟ فقال أحكم بالنصوص التشريعية. فقال فإن لم تجد. قال اجتهد رأيي (équité) ويا حبذا لو عدَّلت الوزارة نص المادة الثانية من مشروع تعديل القانون المدني التي نصها (فإذا لم يوجد نص تشريعي يحكم تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة équité) فاستبدلت بكلمة (قواعد العدالة) كلمة (اجتهاد الرأي).[36] ولعل هذا هو النص الأول لوضع كلمة "الرأي" أو "اجتهاد الرأي" في مقابل العدالة إذ أننا نجد المراجع التي تقدم لطلبة كليات الحقوق تذهب هذا المذهب فبعد أن تتحدث عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني تنتقل إلى الشريعة الإسلامية فتشير إشارة خاطفة إلى مَصْدَري التشريع القرآن والسنة ثم تنتقل إلى "الرأي" وهو عندها القياس في بعض الحالات والإجماع في حالات أخرى وتستطرد إلى المعتزلة وقد تعني بقضية "التحسين والتقبيح" على بعدها شيئا ما عن قضية العدالة المباشرة التي تصدى المعتزلة لها بشجاعة ووصلت فيها إلى مدى إلزام الله تعالى بها وينتقلون من هذا إلى "المصالح المرسلة" أو "الاستحسان" أو غيره من وسائل ابتغاء المصالح والمقاصد في الفقه الإسلامي. وعذر هؤلاء أنهم كفقهاء لم يجدوا من مصادر الشريعة الإسلامية كما وضعها السلف العدل. وإنما وجدوا الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولما كان لابد لهم أن يجدوا مجالاً للعدالة في الشريعة الإسلامية حتى تكون على قدم المساواة مع الإغريق والرومان فإنهم اعتبروا أن "الرأي" يحل هذا الإشكال وهي معالجة سقيمة ولكنها مألوفة في الكتابات الأكاديمية فقد أصبحت الجامعات قلاعا لحماية وإذاعة المذاهب المقررة وليس للتجديد والإبداع أو البحث عن الحقيقة ومن ثم فلم يجد رجال القانون أن واجبهم أن يستخرجوا من القرآن والحديث مبادئ العدالة التي كانت وراء كل تشريع أو في أصله وجوهره.
ونعتقد أن هذه الطريقة في معالجة العدل في الشريعة الإسلامية لم تعد كافية أو مقنعة. ولا هي تتفق مع اهتمام الشريعة الإسلامية بالعدل. إن لم نقل قيامها على العدل ولا هي مما يتناسب مع الخدمة المطلوبة لقضية العدل. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن رجال القانون لدينا يهربون من القضية بهذه الصورة من المعالجة لأن عرض القضية بهذه الصورة أمر مخجل.. ولا يجوز.
|
|
ولاستكمال هذا النقص نعرض هنا الخطوط العريضة لنظرية العدل في الإسلام :
|
|
|
|