نظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي

   

   مقدّمة
             ش

       بسم الله الرحمن الرحيم
                  والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
 

 

كما تتوهّج النجوم في السماء وترسل شعاعاً من نورها ترتاح له النفوس وتقرّ به العيون ويهتدي به الضال، فإن القِيَم في المجتمع الإنساني وحياة الفرد المكدودة تبثّ الأمل وتبعث على العمل وتقاوم اليأس والقنوط وتحول دون الانحراف والتخبّط وتجعل لحياة الإنسان رسالة ومغزى.

والقِيَم كالجواهر الثمينة تتفاوت أو يختلف تقدير الناس لبعضها دون بعض، فقد لا يعدل فريق بالحرّية قيمة أخرى ويرى أنها الشرط الأوّل والضروري لكل تقدّم. وقد يفضّل الفنّانون والشعراء الجمال الذي يلهمهم وتنعطف له حواسهم الفنّية بينما يصرّ الطامحون إلى السلطة على القوّة ويرون أنها سيّدة القِيَم.

ولكننا نؤثر العدل...

لقد كان العدل - وما يزال - هو أمنية الجماهير وطُلبة الشعوب التي ترى فيه ملاذها وضمانها وأمنها من الحاجة والعوز والظلم والحيف. إن الحرّية بقدر ما هي ضرورية ولازمة ولا مناص عنها فإنها قد تسمح للأقوياء باستبعاد الضعفاء وللأغنياء باستغلال الفقراء .. والعدل هو وحده الذي يقف دون ذلك.

وهناك سبب آخر. إن العدل هو فضيلة الإسلام وقيمته العظمى - وسيرى القارئ فيما سيلي من فصول، أسباب ومبرّرات ذلك - وهذا عامل جديد يعطي العدل أهمّية خاصة.

 

س ش س

 

ومنذ وقت طويل وقد عُنينا بقضية العدل. وفي السنة الأخيرة - عندما تبلورت فكرة إصدار هذه الرسالة - عكفنا على دراسة مكانة ومنزلة العدل في الفكر الأوروبي ومدى تطبيقه لها مقارنين ذلك بما في الفكر الإسلامي والمجتمعات الإسلامية مستهدفين التوصّل إلى تأصيل لنظريّة العدل بنأي بها عن صفة النسبية التي تقترن عادة به وتفتح الباب للتأويلات.

باستثناء محاولة أفلاطون منذ ألفي وخمسمائة عام إقامة جمهورية على أساس العدل، وفكرة المعتزلة عن العدل منذ ألف وأربعمائة عام فلم نجد في الفكر الأوروبي والإسلامي معالجة أصولية لنظريّة العدل وإن لم نعدم بالطبع الإشارات المتكرّرة إليه كفضيلة بين الفضائل أو كأساس من أسس المجتمع.

ويشوب محاولة أفلاطون أنها خيالية فضلاً عن وجوه نقص عديدة بها كما يشوب نظريّة المعتزلة عن العدل أنّهم عالجوها بالنسبة لله تعالى وليس بالنسبة للمجتمع الإنساني، وهذان نقصان خطيران حالا دون أن تقدّم المحاولتان نظريّة متكاملة للعدل.

وقد قادنا استعراضنا لفكرة العدل في الفكر الأوروبي من اليونان إلى العصور الحديثة إلى أن العدل لم يكن من القِيَم الحاكمة في الفكر الأوروبي ومن باب أولى العمل والتطبيق باستثناء الفترة التي أعقبت الثورة الصناعية وجاءت بالاستغلال الرأسمالي وظهرت نتيجة لذلك "الاشتراكيّة" وهي أصلاً دعوة للعدالة. وهذه النتيجة نفسها هي التي كنّا قد انتهينا إليها من استعراض القِيَم الحضاريّة للمجتمع الأوروبي وأنها تقوم - أساساً - على الحرّية والجمال والقوّة والعلم. أما التطبيقات العديدة في المجتمع الأوروبي الحديث للعدالة فإنها تعود إلى كفاح الفئات المهضومة وليس إلى استلهام نظريّة العدل، فهي تكاد تكون جزءًا من "القوّة" التي هي في صميم وجذر المجتمع الأوروبي، فقد اكتسبت هذه الفئات حقوقها قوّة واقتداراً وبعد كفاح مرير. ولعلّ ذلك هو الأصل في تلك الكلمة الشائعة عن أن الحقوق تؤخذ ولا تُعطى. إذا المفروض أن تُعطى الحقوق عن طيب خاطر أو بناءًا على تقنين.

لقد كان محتملاً أن يتوصّل فقهاء المعتزلة إلى النظريّة المنشودة للعدل لو عالجوها من مضمون المجتمع الإنساني ونُظُم حكمه لأن الإسلام، وبوجه خاص القرآن الكريم يتضمّن المبادئ التي يمكن للفكر الأصيل أن يستخلص منها نظريّته لولا أنهم حلّقوا بها في السموات وابتعدوا بها عن الأرض...

ولم نجد في الكتابات الحديثة سواء بالنسبة لنظريّة العدل في الفكر الأوروبي أو الفكر الإسـلامي ما يحقّق طلبتنا وما نـرى أنه يقدّم تأصيلاً بما في ذلك كتـاب الأسـتاذ مجيد قدّوري (بالانجليزية - The Islamic Conception of Justice)  عن كرة العدل في الإسلام" الذي غلبت عليه الأكاديمية وركّز الحديث عن القضاء والقدر وحرّية الإرادة كما يراها المعتزلة... الخ ومن هنا كان علينا أن نقدّم هذه الإضافة.

إننا حاولنا في هذه الدراسة أن نقدّم - من ناحية - تقصّياً لفكرة العدل في الفكر الأوروبي يختلف عن المعالجات التي تقدّمها الكتابات الأوروبية، لأن هذه الكتابات بالإضافة إلى ارتباطها بملابسات التاريخ الأوروبي على وجه التعيين، فإنها لا تشعر "بعنصريّتها" وتعتبر تفوّق الجنس الأوروبي وما أبدعه من ثقافة وحضارة وما طبّقه من نظم وسياسات أمراً بديهيّاً لا يحتاج إلى إيضاح ويبرّر العديد من صور العدوان والظلم دون حساسيّة. في حين أن ذلك من وجهة نظر غير الأوروبيين يغيّر القضية تماماً ويصيب العدل الأوروبي وموضوعيته في مقتل.

ومن ناحية ثانية فإننا حاولنا أن نقدّم تأصيلاً للعدل يقوم على ما قدّمه القرآن الكريم من آيات عنه وذلك باستنطاقها والربط فيما بينها. فالعدل هو الحقّ مطبّقاً كما أن الحقّ هو العدل مجرّداً. والارتباط بينهما في الآيات القرآنية وثيق. وهناك ارتباط بينهما وبين الله تعالى متأت من أن العدل والحقّ إسمان من أسماء الله تعالى، وأن الله أنزل الكتب وأرسل الرسل بالحقّ وأقام السموات والأرض بالحقّ. ولا بدّ أن يتمخّض هذا الربط ما بين العدل والحقّ من ناحية، وما بينهما والله تعالى من ناحية أخرى عن وجود حقيقي للعدل، وأنه أساس الرسالات النبوية وما تقيمه هذه الرسالات من مجتمعات إنسانية، وأن العدل في الإسلام ليس كما يعتقدون "سراباً"... إنه حقّ بقدر ما أن الله تعالى حقّ...

هذه باختصار فكرة الرسالة. إننا لم نُعن إلا باستنطاق الآيات .. ولم نحاول أن نغرب أو نشطّ وابتعدنا عن الشنشنة الأكاديمية وإيراد الشواهد ونصب المبارزة الفكرية بين الآراء وتحقيق كل منها إلى آخر هذا الأسلوب الذي تحرص عليه بعض الكتابات قدر ما ننأى عنه ونحرص على ألا نقع فيه. فعندما يكون القرآن العظيم بين أيدينا فماذا عسى أن نلتمس بعده أو معه ؟؟

والسؤال الذي يفرض نفسه على مثل هذا البحث هو كيف حدث أن حقّقت أوروبا العدالة دون أن يكون العدل في قِيَمِها الحضارية الحاكمة وأن أهملت المجتمعات الإسلاميّة العدل، وهو روح الإسلام وواسطة القِيَم التي ترتبط بـالله تعالى نفسه ؟

إن الردّ على الشطر الأول من السؤال قد أوردناه آنفاً وقلنا ان تطبيق أوروبا للعدل لم يكن انبثاقاً عن العدل كقيمة - أو استلهاماً له - ولكن ثمرة لكفاح الفئات المظلومة كفاحاً مريراً وطويلاً .. وأن هذا هو ما يتّفق مع الطبيعة الديناميكية العملية للمجتمع الأوروبي التي تكون "القوّة" هي الطريقة - والوسيلة - للعدل. أما بالنسبة للشطر الثاني الهام فقد انتهينا إلى أن المجتمعات التي تُنْسِب نفسها إلى الإسلام ليست إسلاميّة حقّاً وجوهراً وإن تكوّنت من أفراد مسلمين يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله. ولكن المجتمع - كمجتمع - لا يقوم على الأصول الإسلاميّة وأولها الحرّية في الفكر والعدل في العمل تطبيقاً لمئات الآيات القرآنية، وما يطبّق هذين الأصلين هي المجتمعات الأوروبية. فهي أقرب إلى الإسلام وأن الإسلام - كنظام - قد يكون مطبّقاً في دولة ترفع راية الصليب أكثر مما هو مطبّق في دولة ترفع راية الهلال.

وبهذه المفارقة المأساوية يختتم البحث.

فإذا دفعتنا الدهشة العميقة والأسى الممض لإعادة النظر والعمل لإحلال العدل المحلّ الذي حدّده القرآن له في المجتمع، فإن هذا البحث يكون قد أدّى دوره.


وعلى الله قصد السبيل.

 

 جمـال البنـا

القاهرة،
   
ذو الحجة 1415، مايو 1995

[مقدّمة] [1-أ] [1-ب] [2-أ] [2-ب] [خاتمة] 5  

          نظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي

          هوامش

          إقرأ