نظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي
|
|
من الطبيعي أن نجد يف الأديان جميعا إشارات متعددة إلى القيَّم المعنوية من رحمة أو محبة أو عدل، فالأديان إنما قامت لتهدي الإنسان إلى سواء السبيل في ضوء هذه القيم وهي في هذا تختلف عن النظم السياسية التي وضعها فكر أوروبي وثني واقعي لا يرتفع إلى سماوات القيم. |
|
المنزلة الفريدة للعدل في الإسلام
|
وبالنسبة للإسلام فإن العدل يتبوأ منزلة فريدة لا نجدها في الأديان الأخرى للأمور التالية: أولاً : إن الإسلام يعالج كل نواحي الحياة. إن الإسلام له طبيعة « تعدّدية » على نقيض ما يتصور البعض من أن الإسلام دين التوحيد. نعم إنه دين التوحيد بالنسبة لله تعالى. ولكن التوحيد في الإسلام لا يكون إلا لله تعالى ومن هنا جاءت صيغة الشهادة بالنفي (لا إله إلا الله) وبذلك أثبتت التوحيد بنفي ما عدا الله. وجعلت نسبة هذه الصفة الفريدة المنفردة إلى غير الله شركاً. وبقدر ما جعل الإسلام الله تعالى واحداً بكل معنى الكلمة بقدر ما أقام الكون والمجتمع على أساس التعدد الذي يبدأ من (زوجية) إلى عناصر عديدة وقوى كثيرة وشعوب وقبائل وحيوان ونبات.. إلخ. والإسلام يتحدث عن الزكاة كما يتحدث عن الصلاة وعن الذين يعملون الصالحات بقدر ما يتحدث عن الذين آمنوا وهو يفرض الحج ويحرم الربا والميسر وشرب الخمر ويضع قواعد معينة في الزواج والميراث والحرب والسلام، إنه يعالج كل هذه الجوانب للحياة. وفي مثل هذه الطبيعة التعددية يكون العدل هو فضيلة الفضائل. هو « المايسترو » الذي يضبط إيقاع كل الفصائل الأخرى. وأن كل واحدة تقوم بدورها في سيمفونية المجتمع كما ينبغي لها دون نقص أو زيادة. وكما سنرى في تعريف العدل فإنه لا يُتَصَوَّر إلا مع "التعدّد"، ومن ثم فإنه كان على وجه التعيين الفضيلة المميزة للإسلام، والتي ترمز له عندما يرمز التوحيد لليهودية (الإله الواحد والشعب الواحد) والحب للمسيحية. ثانيا : إن الإسلام افترض قيام نوع من الحكم يحقق ما أرساه من أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية. والحكم في الإسلام قضاء وليس سياسة وتلك نقطة قد دقّت على الذين ذهبوا إلى أن هناك تناقضاً بين طبيعتي الدين والسياسة وهذا صحيح، ولكن الإسلام يحوّل السياسة إلى قضاء أو إلى "حكم القانون" ويتطلب هذا وجود القانون وأن يبلور في طبيعته الحق وفي ممارسته العدل وهذا هو ما يتضمنه بشقيه القرآن الكريم. ومن يراجع إشارات القرآن إلى العدل يلحظ أنه يقرنها بالظرف "بين" وفكرة أن يحكم فرد أو هيئة الناس فكرة مستبعدة من الإسلام لأنه مع انتفاء المعيار الملزم، أي القانون، لا يصبح هذا حكماً مقرراً منهّجاً بقدر ما يصبح تحكّماً – يخضع للأهواء : أهواء الفرد الحاكم أو أهواء الأغلبية التي تخضع لمصلحتها أو للمؤثرات "الديماجوجية" التي يعلمها كل من يدرس تاريخ الجماعات والشعوب. والإسلام يرى أن حكم الناس [وليس الحكم بين الناس] هو الذي أدّى إلى ظهور الملوك والطغاة الذين استبدوا بأمر الشعوب والجماهير لأن ما يحول دون ذلك هو وجود القانون، الذي يحوِّل الحكم من سلطة وسيادة إلى قضاء وعدالة، وما يلزم الحكام ضوابطه التي تكبح جماحهم وتلزمهم الجادة، وهذا هو الجانب التحرّري "للإسلام السياسي" – إذا جاز التعبير – الذي غفل عنه أنصار وأعداء هذا الاتجاه على حد سواء. أنصاره لأنهم لم يفطنوا إلى جوهره وقنعوا بالقول أن عبودية الله تحرر عبودية البشر. وأعداؤه لأنه تصوروا الحكم الإسلامي حكماً الهيا تحتكره مؤسسة كالكنيسة في أوروبا. ثالثا : قد تكون أعظم الدلالات على أهمية العدل تركيز الإسلام على "الدار الآخرة" وإقامة محورها في الحساب والعقاب على "ما كنتم تعملون" وشمول هذه الدار أو إن شئت المحكمة على الثواب جنباً إلى جنب العقاب. وهو ما تنفرد به لأن محاكم الحياة الدنيا عادة ما تقتصر على العقاب دون الثواب. وإشارات القرآن الكريم إلى الدار الآخرة متعددة ومركزة وشاملة بصورة لا تلفت "مثقال ذرة" بتعبير القرآن أو "الشاة الجماء التي نطحتها الشاة القرناء" كما جاء في الحديث، سواء كان الحقيقة أو رمزاً. والدار الآخرة هي أكبر مقوّم للأديان لأن الإيمان بالله هو مما يؤمن به الكافة – تقريباً – وقد آمن به المشركون الذين "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله" وأنهم لم يعبدوا الأوثان إلا "ليقربونا إلى الله زلفى". فالفيصل في الأديان هو "الدار الآخرة" وبقدر ما يكون إحكام موضوعها بقدر ما يكون إحكام الدين. وبقدر ما يكون هذا هو تحدّيه… ولا نجد ديناً كالإسلام عُنِيَ بالدار الآخرة وركّز عليها. وربما تقاربه إلى حد ما الديانة المصرية القديمة التي نلمح في تضاعيفها وجوه شبه بينها وبين الإسلام... بالنسبة "للدار الآخرة"، ووجود "الميزان، والنعيم والجحيم" الخ.. أما الأديان الأخرى فإما أن تتجاهلها أو تشير إليها إشارات عامة. والمحور في الدار الآخرة كلها هو إتاحة الفرصة لإثابة المحسن الذي يغلب أن تكون قد فاتته في الحياة الدنيا، ومعاقبة المسيء الذي يحدث أن يفلت من المساءلة في الدنيا فجوهرها تحقيق الكمال للعدل.. ولذلك كانت وسيلتها الرمزية في الإسلام – وفي الديانة المصرية القديمة – الميزان. وهذه النقطة من العمق بحيث تجعلنا نتساءل هل الإسلام هو الذي أوجد العدل أو أن العدل هو الذي أوجد الإسلام أو أنه لا وجه لهذا التساؤل لأن الإسلام والعدل شيء واحد والذي أوجدهما هو الله تعالى.
وهناك إشارة توضح أن العدل هو الهاجس الأكبر للإسلام. فكما نعلم أن كل الديانات تصورت "نزول" مخلّص آخر الزمان يصلح في الفساد المستشري الذي عجزت عن إصلاحه المجتمعات بوسائلها الخاصة. ونجد هذا "المخلّص" [المسيا Messiah] أو المهدي في كل دين يتزيا بزي الدين. فهو في اليهودية يعمل لتخليص اليهود وإعلان سيادتهم على العالم وهو في المسيحية نقيض ذلك يقضي على اليهود ويعلن حكم المسيح.. ولكنه في الإسلام "يملأ الدنيا عدلاً" بعد أن مُلِئت جوراً... cb |
|
|
مع أننا قد أخذنا فكرة عن العدل، فتبقى هنالك حاجة لمزيد من التعرّف. وقد كان السؤال "ما هو العدل" هو الذي دفع بأفلاطون كما رأينا في القسم الأولى من الكتاب إلى كتابة "الجمهورية" "لكي يرى العدل بحروف كبيرة" وكأنه يشير ضمناً إلى أن الطبيعة التعدّدية (للدولة مثلاً) تتطلب العدل وتبرز دوره أفضل من التعريفات المجرّدة التي قد يتطلب كل تعريف منها تعريفاً آخر... ولو أننا رجعنا إلى القواميس العربية ومعاجم اللغة لوجدنا – على سبيل المثال :
("القاموس المحيط"، ص 3 ج4، الطبعة الأولى – المطبعة الحسينية 1330) كما نجد : ع. د. ل. من الحسّي نصف الحمل أي حمل معدول مساو له. وعَدَل الرجل – كضرب – ركب معه في المحل فوازنه. وعدل الشخص الحمل وازنه بما يساويه. ومنه كان العدل بكسر العين وفتحها. والعديل المثل والنظير. وفرقوا بين العدل بكسر العين وفتحها – فكان ما يدرك بالحواس عدلاً بالكسر. وما يدرك بالبصيرة عدلاً بالفتح. وفعله كضرب. والمصدر العدل والعدالة والعدولة والمعدلة ويوصف به فيكون للمذكر والمؤنث والواحد والجمع والذي يعدل الشيء أو الحمل يمليه هنا وهناك حتى يستقيم ويعتدل فاختلفت معاني فعله باختلاف حرف التعدية. فكان عَدَل به سوّاه بغيره ووازنه به. وعدل عنه مال وانصرف وعدل إليه مال نحوه وعاد إليه. ("معجم ألفاظ القرآن الكريم"، مجمع اللغة العربية – دار الشروق، ص413) كما نجد :
فإن يك في مناسمها رجاء فقد لقيت مناسمها العدالا
("الصحّاح"، تأليف إسماعيل بن حماد الجوهري – ج 5 ص 1761، دار الملايين، بيروت) b تبرز هذه التعريفات الطبيعة المركبة للعدل. وأنه عدل "بين" كما توحي التعريفات بوجود معنى من معاني "الاعتدال" والاستقامة للحيلولة دون الميل للهوى والانحراف عن الجادة. كما قد يوحي التعريف بمعنى "المساواة". ولعل أبو بكر عندما سوى في الأعطيات لم يبعد عن العدل. بينما أدت سياسة عمر بن الخطاب الذي أراد أن يطبق العدل فلا يساوي بين السابقين والمجاهدين وبين الطلقاء إلى التفارق في الثروات. بعد هذا كله قد يقال لماذا هذا اللف الطويل.. إن العدل هو "إعطاء كل ذي حق حقه" أو "وضع الأمور في مواضعها الحقة" وهو رأي سليم لولا أنه يتطلب منا أن نوضح ما هو "الحق" وهو تعريف قد يكون أعصى من "العدل" نفسه.. فلنأجل الرد على السؤال الثاني إلى فقرة مقبلة.
|
|
لا يتسع المجال لا يراد كل الشواهد عن العدل في القرآن لأنها قرابة ثلثمائة آية وسنعرض هنا منها ما يساعدنا على تفهم وجهة نظر القرآن الكريم للعدل ومعالجته له : q فقد يعرضه كوسيلة للفصل (أو القضاء) بين الناس :
فهذه الآية – أو قل الجوهرة الثمينة – التي تتلألأ في سماء التشريع والتوجيه تقتضي من المؤمنين أن يكونوا : أ - قوامين لله. ب - شهداء بالقسط, ج - وأن لا يجرمنهم شنآن قوم على ألا يعدلوا. لأن العدل أقرب للتقوى. و - أن يتقوا الله (إن الله خبير بما تعلمون). وهي توجيهات لا تحتاج إلى إيضاح أو تقريظ لأن مضمونها وصياغتها يغنيان عن ذلك. ولم يكن عبثاً أن ترد كلمة العدل أكثر من مرة في سورة "النساء"، ومن أولى بالعدل منهن وقد حاف عليهن الرجال..، ففي السورة :
هذه الآية التي استحل بها المسلمون الزواج مثنى وثلاث ورباع بدأت باستهداف العدل ثم ضبطت في النهاية بواحدة "فإن خفتم ألا تعدلوا" أي أن الشرط هنا هو مجرد خوف الظلم وليس إيقاع الظلم بالفعل، مما يفترض وجود إحساس عميق بالعدل وقداسته.. وتمضي الآيات…
هنا تحكم الآية (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم). وأعتقد أن هذا الحكم يمكن أن يكون أساساً لعدم التزوج بأكثر من واحدة إلا على سبيل الاستثناء. وقد يقال إن الآية لم تقتض ذلك وأن الرسول نفسه والمؤمنون جميعاً كانوا يتزوجون مثنى وثلاث ورباع. بل قلما نجد أحداً قنع بزوجة واحدة. والرد أن القرآن الكريم يتقبل في بعض أحاكمه مالا تسمح الظروف القائمة بغيرها ولكنه في الوقت نفسه يعرض البدائل المنشودة ويحث عليها لمن يستطيع. أو عندما تتغير الظروف بحيث تسمح بتطبيق هذه البدائل. وجاءت بعد هذه الآية (129) الآية (130).
وهذه الآية كالآية (8 من سورة "المائدة") ولكنها تزيد عليها وجوب الشهادة بالعدل ولو على الإنسان نفسه. ووجوب الشهادة بالعدل على "الوالدين والأقربين" وتحذر من أن يدفع الهوى للانصراف عن العدل… وهناك قوانين عددية تعفي الإنسان من أن يشهد على نفسه أو على أقربائه الأدنين ولكن القرآن في هذه الآية يفترض العدل والقسط بالنسبة للجميع دون تفرقة.. وقبل الآية 135 من سورة "النساء" جاءت الآية 58 :
q قد يعني القرآن بكلمة العدل "الحق". كما في الآية (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) (الأنعام 152) فليس في القول من عدل إلا الحق. يعززه تعبير "ولو كان ذا قربى". فالقول هنا هو بمثابة الإدلاء بالحق ولو كان على ذوي القربى.
q ويستخدم القرآن مرادفات "العدل" "كالقسط" كما يلجأ إلى تصوير عملية العدل بالميزان الذي لا يفلت مثقال حبة والكيل الذي يجب أن يستوفي ويبعد عن التطفيف.
وثمة آية تشخص أمامها الأبصار وتقشعر لها الجلود :
فانظر إلى القرآن الكريم وكيف يصوّر الله تعالى "قائماً بالقسط".. ما من تقدير للعدل والقسط يمكن أن يسامي هذا.
q وفي العصور الأولى عندما كان إثبات الحقوق يعتمد بصفة رئيسية على "الشهادة" عُنِى القرآن بتحصين هذه الوسيلة لتحقيق العدل وإحاطتها بالضمانات. كما احتاط كي لا تستغل فأوجب أربعة شهود في قضايا الزنا وأوجب شاهدين عدلين فيما دون ذلك.. (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل احداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (البقرة 282) وتمضي الآية (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا، ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) وفي الآية التي تليها (283) :
q ولا يكتفي القرآن بالحث على العدل والأمر به ولا يكتفي بذكر التعبيرات المرادفة له أو الرمز إليه بالميزان والكيل ومثقال الذرة ولا بالحرص على الشهادة وضماناتها... إن القرآن لا يكتفي بقرابة ثلثمائة آية تحض على العدل ولكنه في ثلثمائة آية أخرى يندد بالظلم ويحذر منه ويقرنه بالشرك وليس في دين يقوم على توحيد الله ما هو أسوأ وأشنع من الشرك. وهو في تنديده بالظلم يفعل كما فعل في حثه على العدل. أعني أنه يورد مترادفات الظلم من عدوان أو اعتداء أو طغيان حتى يأتي توجيهه شاملاً. والقرآن لا يحدد مجالاً واحداً أو معيناً للظلم. فيمكن أن يكون في مجال الاقتصاد فيأخذ شكل الاستغلال أو أكل الأموال زوراً. ويمكن أن يكون في مجال السياسة فيأخذ شكل الطغيان ويمكن أن يكون في المجال الاجتماعي والعلاقات على مستوى الأسرى أو المجتمع فكل صورة من صور الحيف والظلم تؤثر على حياة الناس واستقرار المجتمع.. ويبين القرآن في معظم آياته عن الظلم أن الظلم هو أكبر ما يؤدي إلى خراب المجتمع في الحياة الدنيا وإلى العذاب في الحياة الآخرة. وهو يشهد القارئ على مصارع الظلمة وآثار ديارهم.
ويعتبر القرآن الطغيان من أسوأ مستويات الظلم ويقترن عادة بكبار الحكام الذين يستبدون بالأمر. والمثل المتكرر له في القرآن هو فرعون. ولكنه يرد أيضا بصدد كل الذين يطغون في أحكامهم كباراً أو صغاراً. أو يستخدمون نظماً ظالمة للحكم أو حتى "الملوك" بصفة عامة "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة". وقد يرمز له بالطاغوت.
c
ويتسع مدلول "الظلم" في القرآن ليشمل مجالاً جديداً غير مألوف بالإضافة إلى المدلول العادي له الذي يحصر الظلم فيما يوقعه طرف على طرف آخر.
إن الظلم في
القرآن
يشمل ظلم الإنسان لنفسه
وهو أمر لا يتصور عندما ينبثق تعريف الظلم من مصادر ذاتية. ولكنه يوجد في
القرآن
لشمول وموضوعية المدلول. فأي تصرف يجاوز المعيار الإسلامي للعدل يعد ظلماً.
ولو مارسه فرد لحساب نفسه ومستهدفاً مصلحتها. إنه في الحقيقة يظلم نفسه ومن
هنا جاء التعبير القرآني "ظلمنا أنفسنا" الذي
يتردد على ألسنة التائبين عندما يتبينوا الحقيقة. cb |
|
|
قلنا في تعريف العدل إنه "إعطاء كل ذي حق حقه" أو "وضع الأمور في مواضعها الحقة" وقلنا إن هذا سيؤدي بنا إلى تعريف الحق. يضاف إلى هذا أن القرآن الكريم في كثير من الآيات يجمع ما بين العدل والحق ومن ثم فلابد لنا من أن نتعرف على معنى الحق مما جاء في استخدام القرآن للكلمة ودلالات السياق وما جاء في معاجم اللغة التي تأثرت تأثراً بالغا باستخدام القرآن بل نحن نذهب إلى أن هذا الاستخدام من القرآن أثر على "اللغويين" ففي القاموس المحيط جاء : الحق : من أسماء الله تعالى أو من صفاته والقرآن وضد الباطل والأمر المقضي. والعدل. والإسلام والمال والملك والوجود الثابت والصدق والموت والحزم ص 221 ج 3. وفي معجم ألفاظ الكريم : "الحق هو الثابت الصحيح، وهو ضد الباطل. والحق لفظ كثير الورود في الكتاب الكريم. والمراد منه على سبيل اليقين يختلف باختلاف المقام الذي وردت فيه الآيات. ومعناه العام لا يخلو من معنى الثبوت والمطابقة للواقع. فالحق : هو الله لأنه هو الموجود الثابت لذاته. والحق : كُتب الله وما فيها من العقائد والشرائع والحقائق. والحق : الواقع لا محالة الذي لا يتخلف. والحق : أحد حقوق العباد. وهو ما وجب للغير ويتقاضاه. والحق : العلم الصحيح. والحق : العدل. والحق: الصدق. والحق: البيِّن الواضح. والحق: الواجب الذي ينبغي أن يطلب. والحق: الحكمة التي فعل الفعل لها. والحق: قد يراد به البعث. والحق: المسوغ بحسب الواقع. والحق: التام الكامل. (ص 145). ويفهم من هذا أن القرآن الكريم يستخدم كلمة حق استخداماً واسعاً ويعني بها معاني عديدة. وإن كانت ذات أصل.. حتى يصل بها إلى الله تعالى..
وهذه الاستخدامات لكلمة الحق لا نجدها في اللغات الأخرى. بل إننا لا نجد
مرادفاً دقيقاً لتعبير
القرآن
الكريم "الحق" عندما يريد به قمة التجريد أو ينسبه إلى الله تعالى ففي معظم
اللغات الأوروبية ترد الكلمة ملحفة بالحرف "في" فيكون معناها "الحق في الملكية"
أو "الحق في الانتخاب" الخ. وقد يرد بمعنى صحيح
right
ضد خاطئ أو واقعي
really
وقد نجد مقابلاً لمعنى العدل أو الصدق
Truth-Justice
ولكني أشك في أن نجد مقابلا
للحق معرّفاً ومطلقاً، كما يوحي به التعبير القرآني. q الحق بمعنى العدل : من المواضيع التي استخدم فيها القرآن الكريم الحق بمعنى العدل. كل ما جاء عن الحكم بالحق فقد وردت الآيات عن أن الحكم يكون بالعدل.. تكرر هذا في آيات عديدة أوردناها. ثم جاءت آيات أخرى تنص على الحكم بالحق. فدل على وحدة الحق والعدل.. ومن ذلك.
وقد يستعير القرآن رموز العدل – كالميزان – لتصوير الحق..
وكما أوضحنا آنفا، فإن
القرآن
استخدم في الآيات السابقة كلمة "العدل" وقرنها بالميزان مما يوضح أن ليس هناك
تفرقة بين العدل، والحق. q وقد يرمز القرآن لرسالة الأنبياء وكتبهم بالحق : وقد يقصد القرآن بتعبير الحق. الرسالة التي أنزل بها الأنبياء. والكتب التي ضمها موضوع هذه الرسالة..
q وقد يعيد القرآن الحق إلى الله تعالى أو يطلق تعبير "الحق" عليه تعالى :
q وقد ينسب خلق السموات والأرض إلى الحق : ومن الصياغة المؤثرة في إبراز معنى الحق. أن يعيد الله تعالى إقامة السماوات والأرض وما بينهما إلى الحق وهي صورة غير مباشرة لنسبة الحق إليه تعالى.
cb |
|
|
|
توضح الإشارات العديدة السابقة واستخدامات القرآن لكل من كلمتي "العدل" و"الحق" أن هناك تفاعلاً قوياً بينهما. أو أن هناك علاقة "عضوية" تربطهما. وهو ما نستنتج منه أن القرآن الكريم يرى أن العدل هو الحق مطبقاً. وأن الحق هو العدل مجرداً. فهما من أصل واحد فكل من العدل والحق اسم من الأسماء الحسنى لله تعالى.. ويستخدم القرآن كل كلمة منهما مكان الأخرى. ولكنهما يختلفان في أن إحداهما تأخذ الصفة العلمية التطبيقية وأن الثانية يأخذ الصفة النظرية المجردة. وقد يكون الحق أوسع نطاقاً وأشمل لأنه يضم ما يخرج عن إطار التطبيق (كالإيمان مثلاً) في حين أن العدل محكوم بإطار التطبيق وتظل علاقة العدل بالحق علاقة الجزء من الكل أو أن العدل يستمد وجوده من الحق. والحق يأخذ شكله بالعدل، وإن لم ينف هذا أن العدل يؤثر على الحق تأثير الخاص على العام كما هو الحال في نظرية إساءة استخدام الحق. أو بمعنى آخر ضرورة ملاحظة العمل عند ممارسة الحق لأن العدل كما قلنا هو تطبيق الحق ولأن كل الحقوق في الإسلام مضبوطة بحسن التطبيق، وليس في الإسلام بالنسبة للفرد ما يمكن أن يعد حقاً مطلقاً. فحقه في التصرف في حياته، وبعد مماته في أمواله كلها يجب أن تتم في إطار القواعد التي وضعها الإسلام لتحقيق العدل ولو كانت في خاصة أمره فليس له أن يؤثر بالنفقة أو الهبة ابناً على ابن أو يحرم البنات من ميراثهن الذي حدده القرآن... الخ فالعدل في التطبيق حاكم على الحق. وهذا يعود إلى أن الحق الذي "يستحق" هذا التعبير تماماً هو ما ينبع من الله تعالى، فالملكية التي تعد أبرز تجسيد للحق هي "وظيفة" لا حق أو هي ملكية استخلاف نخضع لولاية الاستخلاف وليس للإرادة المطلقة لصاحبها لأن المالك الحقيقي هو الله فهو الذي خلق الأرض بكل ثرواتها.. والإنسان أيضاً... وفي الوقت نفسه فالعدل في حد ذاته لا يمكن أن يتصور مجردا. ودون أصل ولابد أن يكون له أصل موضوعي يحقق له طبيعته وقد ألهمت الفطرة الإنسان فكرة "الميزان" رمزاً للعدل حتى قبل ظهور الأديان السماوية. ولكن الميزان بقدر ما يوحي بالعدل إلا أنه بدون (السنجة) لا يمكن أن يعمل. والسنجة التي تزن الأعمال والأحكام والتصرفات هي الحق وبدون الحق يمكن أن لا يصبح الميزان أداة عدالة.. ولكن تقريراً وتقنيناً للظلم وهذا هو ما كان يحدث في المحاكم الرومانية التي كان قضاتها يصدرون أحاكمهم مؤمنين أنهم يحكمون بالعدل في الوقت الذي كانوا يحكمون فيه بقانون "روما" الذي يستهدف في جوهره سيادة روما على العالمين. وهذا – مرة أخرى – ما يقتضي ليس فحسب وجود الحق ولكن أن ينبع الحق مصدقاً وحقاً من الله تعالى وأن يكون شعاعاً من شمس الحق الألهية وبهذا تنتفي منه "النسبية" التي هي أفة الحق عندما يطبقه البشر بوحي فكرهم وحده... ويغلب أن يأتي النقص عند تطبيق الحق لا من "نسبية" هذا الحق ولكن من نسبية فهمه ويتوقف ذلك على مستوى الثقافة والفكر وغلبة الضعف البشري والأغراض الذاتي وهذه كلها مما لا يكون للعدل أو الحق مسئولية عنها لأنها الطبيعة البشرية ولأن إغواء الشيطان للإنسان يأخذ كما يذكر لنا القرآن فنوناً وصنوفاً قلما يصمد أمامها إلا المؤمنون حقاً. ومع هذا فإن الإسلام قد وضع المبادئ والضوابط وحدد التصرفات في حالات عديدة بعينها من مجال النسبية وتدفع الضعف. وقد يمكن ضرب المثل بأثر النسبية في إصدار الأحكام بأفلاطون وارسطو. فأفلاطون عندما تقبل الرق كضرورة سيئة فإنه طبق نسبية كانت المستويات العامة تفرضها. ولكن عندما يقنن أرسطو حكم الضرورة ويعطيه طابع الشرعية الطبيعية فإنه يجاوز النسبية المسموح بها إلى الأرض الذاتي عن عمد وترصد. وقد كانت قضية الرق بالذات قضية عسيرة أمام الإسلام فمع أنه سد منافذ الرق عندما قال القرآن "فإمامناً بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها" فإن مستويات المجتمع لم تسمح بالتطبيق الحقيقي للآية وفرضت بقاء الرق ومع أن مضمون التوحيد كان يمكن أن يوحي أن استعباد إنسان لإنسان يعني قدراً من الشرك لأن العبودية لا تكون إلا لله، فإن الإسلام[29] تقبل الرق على مضض في وقته وبعد وضع السبيل لإغلاقه نهائياً عندما تسمح الظروف والمستويات لتطبيق نص "لإمامناً بعد وإما فداء" وفي الوقت نفسه فإنه أوجب الإحسان وأوجب إيجاباً – بمقتضى النص القرآني – قبول المكاتبة، وجعلت معاملة الرقيق بمقتضى النص النبوي صفع السيد لعبده على وجهه أمراً يوجب عتقه، ناهيك بالذنوب العديدة التي كانت كفارتها "عتق رقبة". وهذا المثال من أبرز الأمثلة على طريقة تطبيق الإسلام لمبدأ العدل وملاحظته للأوضاع والمستويات التي تقف في سبيل التحقيق الكامل والفوري لبعض مبادئ العدالة.
|
|
|