نظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي

   

   خـاتمة
             ش

       بسم الله الرحمن الرحيم
                  والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
 

 

أعتقد أننا أثبتنا فيما قدمناه لنظرية العدل في الإسلام بعض المبادئ التي لا نرى خلافا عليها..

1- من هذه المبادئ أن لإشارات إلى العدل والالتزام به وما يتبعها من نهي عن الظلم وصلت من كثرة العدد وإحكام الصياغة درجة غرسته عميقا في كافة مجالات الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا وكان عهد الرسول في المدينة وفترة الخلافة الراشدة أفضل مما صوره أفلاطون في جمهوريته تحقيقا للعدالة، وقلما يظهر في تاريخ البشرية ما يماثله.

2- إن القرآن الكريم اعتبر العدل تطبيقا للحق ونسب الحق إلى الله نفسه وقرر القرآن أن إقامة السموات أو الأرض وإنزال الرسل والأنبياء وما جاءوا به من الكتب إنما كان بالحق وللحق وبذلك أضفى عليه قداسة وأصالة يصبح من الصعب معها التلاعب به وتحول دون أن تذهب به النسبية المزعومة. وظهر هذا واضحا خلال الآيات التي استشهد بها وهي قليل من كثير لم يتيسر نقله. كما يثبته الكثير من التفاصيل العملية لمضمون العدل من الممارسات النبوية. وأنه نتيجة لذلك فإن العدل أصبح واسطة عقد المجتمع أيام الرسول والخلفاء الراشدين.

مع هذا كله فقد شاهدت الأعوام التي تلت الأربعين عاما الذهبية التي تمثل حكم الرسول والخلافة الراشدة تدهوراً خطيراً للعدل، وإهمالا له من مجالات الحياة. في المجال السياسي انتفت الشورى والبيعة أو أصبحتا شكليتين، وفي المجال الاقتصادي أهمل جباية الزكاة وصرفها إلى مستحقيها وأستأثر الحكام بالمال، وأثقلوا الناس بالضرائب والمكوس والمصادرات وأكل الأموال بالباطل، وفي الناحية الاجتماعية انحطت المرأة وفقدت حريتها وما أعطاها الإسلام من حقوق وعادت الحمية الجاهلية القديمة التي ندد بها الإسلام وحذر منها الخ. وسادت الأمية والخرافات وتخلفت الزراعة والصناعة وانحطت مستويات الحياة.

3- إن المفارقة المأساوية التي تحز في النفس هي : كيف يمكن لأمة لديها هذا التأصيل المحكم للعدالة والتركيز عليها في كتبها المقدسة ثم يكاد العدل أن ينتفي منها ويسود الظلم والجور.. هل نقول إننا وضعنا رأسمالنا كله في القرآن وأن هذا القرآن قد نبذناه جانباً وجعلناه ظهريا..

هل نقول أن السعة التي تطور بها المجتمع الإسلامي وما جاءت به الفتوح من تغييرات جسيمة في بنية هذا المجتمع حالت دون تأصل القيم الإسلامية فيه..؟

إن ما حدث في المجتمع الأوروبي هو نقيض ما حدث في المجتمع الإسلامي. فلا تملك أوروبا نظرية للعدالة ولا يمثل العدل قيمة حاكمة في حضارتها. ولا نجد في كتبها كلها عشر معشار ما نجده عن العدل في القرآن. والقيمة التي آمنت بها أوروبا ومارستها هي الحرية وهذه الحرية هي التي مكنت الملوك من حكم الجماهير والبابوات من التلاعب في روح المسيحية، ولكنها أي الحرية هي نفسها التي مكنت العمال من تكوين النقابات والكتاب من الدعوة الإنسانية وهي التي مكنت الفئات التي وقع عليها ظلم الحكام والأثرياء من العمل والتكتل.. لنيل العدالة في النهاية.

4- قد يظن البعض أن الإسلام لم يعن بالحرية إلى الدرجة الواجبة ومن هنا أوتى الإسلام. ولكن الحقيقة أن القرآن قرر أثمن وأهم حرية وهي حرية الفكر بصراحة ليس هناك ما يدانيها. )فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ( وفي رسالتنا عن "قضية الحرية في الإسلام" قلنا : إن القيم الإسلامية تنبثق عن الحق ولكن هناك قيمة واحدة لا يمكن ربطها بالحق نفسه هي حرية الاعتقاد وإن هذا لا يعود إلى تعارض ما بين الحرية والحق ولكنه يعود إلى أن حرية الاعتقاد هي سبيل الاهتداء إلى الحق ومن ثم لا يكون للحق وصاية عليها أو مصادرة لها.

5- وهذا الدفع يدرأ عن الإسلام تهمة عدم التقدير للحرية أما ما عدا حرية الفكر من حريات فقد أقامها الإسلام على العجل وهو وضع لا يمكن نقده لأن إطلاق حرية الاعتقاد مع إقامة الحريات العملية على العدل توجد توازنا في المجتمع وتحول دون تكرار مأساة سوء استخدام الحرية.

وهكذا نجد أنفسنا دون إجابة عن المفارقة المأساوية : أن توجد هذه القيم الثمينة كلها في الإسلام ومع هذا يتدهور المجتمع الإسلامي ويسود فيه التخلف والظلم والاستغلال.

6- إن حل هذه المفارقة هو أن هذا المجتمع ليس إسلاميا حتى وإن كان يضم مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إن المجتمع كمجتمع إسلامي يفترض أن يقوم على المبادئ التي أقام الإسلام عليها المجتمع وأولها : الحرية في الاعتقاد والعدل في العمل. فإذا لم يتحقق هذا فليس هناك داع للقول بأنه مجتمع إسلامي. إنه مجتمع غير إسلامي يضم أفرادا مسلمين.

وقد نستخلص من هذه الواقعة وما سبقها، أي أن المجتمع الأوروبي يحقق الأهداف الإسلامية دون أن يدري ودون أن يدّعي الإسلام وأن مجتمعنا نبذ الأهداف الإسلامية في الوقت الذي يتمسح بالإسلام، أن نقول إن المجتمع الأوروبي قد يكون أقرب إلى الإسلام من المجتمع العربي اليوم[37] حتى وإن كان المجتمع الأوروبي يتوصل إلى العدالة عن طريق حرية الكفاح وليس عن طريق أصولية العدالة وهي إحدى الاختلافات ما بين الإسلام والحضارة الأوروبية.

ويمكن أن نسير مع هذه الواقعة إلى نهايتها فنقول :

إن المتجمع الأوروبي هو في الواقع تطبيق للأهداف الإسلامية، وأن انخذال المجتمعات العربية عنها هو في الواقع رفض لها. وأن الإسلام قد يعيش في أرض لا تحمل اسمه بل وترفع لواء الصليب أكثر مما يعيش في بلاد ترفع لواء الهلال. فليس المهم الشعارات والمظاهر ولكن العمل والتطبيق.

إن إهمال إعمال العدل هو الذي سمح بوجود هذه المفارقة المأساوية، وإعمال العدل هو وحده الذي يخلصنا منها ويعيد إلى مجتمعنا إسلامه.

 

 س

 

[مقدّمة] [1-أ] [1-ب] [2-أ] [2-ب] [خاتمة] 5 

                           نظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي

                        هوامش

                       إقرأ