تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي
|
|
|
[2] أخلاقيات العمل
القربى إلى الله والمبدئية الاسلامية
|
|
|
لما كان العمل – كما قدمنا – هو مصداق الإيمان في الآخرة.. فإن هذا يستتبع أن يأخذ العمل الإسلامي الطبيعي الأخلاقية – الإيمانية التي تتسم بها الأديان جميعا، والتي تميزها عن النظم والقوانين الوضيعة. إذ المفروض أن يأتي المصداق والمعيار من صميم ما يصدر عنه، أو يعار به. فالعمل في الإسلام جزء لا يتجزأ من البناء الإسلامي وهو إجمال لكافة الفرائض الإسلامية – عبادية أو دنيوية. وبالتالي فإنه يكتسب تلك الهالة من القدسية المعنوية والأدبية التي يفضيها الدين على كل ما يمت إليه. وهذه الحقيقة تعطي العمل الإسلامي طبيعة تختلف كل الاختلاف عن طبيعة العمل في المجتمع الرأسمالي أو الشيوعي حيث لا يكون للعمل – بالضرورة – طبيعة أخلاقية، ويقتصر على أن يكون وسيلة لتقاضي الأجر ولكفالة مستوى معين من المعيشة. كما يمكن أن يكون – أي العمل – أداة لإشباع الهوايات أو مراكمة الأرباح أو دليلا على النجاح والتفوق أو وسيلة لتطبيق سياسات لحزب. وهذه كلها لا تشترط توفر طبيعة أخلاقية – ولا يختلف فيها قرش يأتي من قس، وآخر يأتي من مومس – وفي حالات عديدة تكون الأعمال اللاأخلاقية من تحلل أو جنس أو قمار أو خمر أو غش، أكثر ربحا وكسبا وإغراء من أي أعمال أخرى. ومع أن الطبيعة العلمية المهنية نفسها اقتضت جود آداب للعمل، وتمخضت عن ضمير مهني.. إلا أن هذه الآداب والضمائر ليست لها الطابع الموضوعي والمطلق وهي تتذبذب وتتفاوت من مكان لآخر.. ومن مهنة لأخرى، ومن وقت لآخر، وقد تكون بين القائمين على العمل بعضهم بعضا، ولكن على حساب العمال أو المستهلكين وقد يجامل الضمير المهني أرباب المهنة على حساب الآخرين. وهذا لا ينفي وجود بعض ممارسات تتّسم بأخلاقية بارزة أو فدائية ولكنها تكون حالات فردية. وإذا غطت مهنة كاملة، فلا بدّ أن تكون لها أصل ديني كمهنة التمريض التي قامت في حضانة المحبة المسيحية وعلى أساس أنبل وأخص ما فيها. إن قصور الفكر الغربي في مجال العمل لم يحدث بالنسبة للوسائل، فقد أبدع الكثير منها.. فقد تحدث البروفيسور تاوني عن الملكية كوظيفة والمهنة كرسالة، وتحدث بيتر دركز عن المنشأة كمجتمع، وأشار الكتّاب الأمريكيون إلى العلاقات الإنسانية.. وتوصل العمال في ألمانيا الغربية إلى المشاركة في الإدارة، كما تولّى العمال بأنفسهم الإدارة في يوجوسلافيا ولكن كل هذه الوسائل لم تنجح تماما لأنها فقدت أي أساس ديني لها. والأساس الديني هو القاعدة الصلدة لأخلاقيات العمل. فلم تصل هذه الوسائل إلى العمق المطلوب.. كما تطرقت إليها درجات متفاوتة من الفساد والوهن، لم تكن مألوفة عندما كانت العلاقة بين الدين.. والعمل قائمة، قبل أن تودي بها "كلبية" الرأسمالية الضارية.. وكل من يقرأ تاريخ الطوائف الحرفية التي انتشرت في الشرق والغرب وتولت تنظيم علاقات العمل يعرف أنه لم يكن يسمح لأي "صبي" بأن يكون "صانعا" أو لأي "صانع" أن يكون "أسطى" أو لأي "أسطى" أن يكون "معلما" إلا بعد أن يشهد له المعلمون الحاضرون بحسن الخلق.. وكرم المعاملة وإتقان العمل وأداء الفروض الدينية، ففي هذه العهود كان إتقان العمل والتمسك بالشعائر الدينية وجهين لعملة واحدة... وتصور إحدى الوثائق الطريقة التي كانت تتم بها حفله "الشد والحذام" التي يكن عن طريقها للعامل أن يدخل الصنعة.. ... ".. ويكون جميع الحاضرين جالسين على ركبهم مطرقي الرؤوس ثم يطلب النقيب من العامل قراءة الفاتحة مرة ثانية ثم يذكر النبي ويتلو الفاتحة مرة ثالثة، وبعد أن يفرغ منها يسلم النقيب سبع سلامات. سلام على الحاضرين، وسلام على الحرفة وشيوخها وسلام على السادة وسلام على الإصلاح وسلام على الأحباب ثم يلتفت إلى العامل ويقول له أوصيك يا من تخاوي أو تعاهد بأداء الفروض وراية العهد ويشهد عليك الحفظة وسيكتب من يضيعه من المبعدين. يا بني إن جميع الحرف أهلها أمناء على الأعراض والأرواح والأموال – فكن صادقا أمينا واعلم أن كارك مثل عرضك حافظ عليه بكل ما تملك، وإذا استلمت أموال الناس فلا تفرط فيها واياك أن تخون أهل لحرفة. والخائن مسئول.. ثم يلتفت إلى الحاضرين ويسألهم. - هل يستحق أن يكون صانعا. فيقولون – نعم. وحينئذ يأخذ عليه العهود الخ..."[6] ومن الجمل ذات المغزى العميق التي وردت في هذه الفقرة جملة "واعلم أن كارك مثل عرضك" فالحرفة هي كالعرض يلحظ فيها الأمانة والصيانة والحفظ والغيرة ما يلحظ للعرض...
ومنابع أخلاقيات العمل في الإسلام ثلاثة: الأول – الضمير الإسلامي المهني في الفرد. الثاني – الضوابط التي وضعتها الشريعة لتحقيق الأخلاقيات الإسلامية من تحليل أو تحريم لمختلف الممارسات العملية والاقتصادية. الثالث – أصول ومقاصد الشريعة والروح العامة للإسلام التي يستضاء بها عند حظر أو إيجاب صنوف من النشاط أو العلاقات لم ترد في الضوابط السابقة، وتستلهم عند وضع سياسات العمل وتقعيد علاقاته التي وصلت إلى درجة عالية من التعقيد والتشابك في المجتمعات الصناعية الحديثة. والمنبع الأول – الضمير الإسلامي المهني – هو أهم هذه المصادر لأنه يقوم بما لا يمكن أن يقوم به غيره.. أعني الرقابة الذاتية اليقظة والدائمة والمتجددة على عمل العامل.. فمن أين نأتي بمثل هذا الرقيب الذي يلاحظ ويتابع كل جزئية من الجزئيات التي يقوم بها العامل من بدء العملية الصناعية أو التجارية أو الخدمة، حتى نهايتها وأنى لنا أن نوفر لهذا الرقيب القوة المتجددة التي يتغلب بها على عوامل الضعف وإغراءات الكسب ونوازع القصور والجهد الأقل. إن أي نظام سياسي أو حاكم لا يمكن أن يوجد هذا الرقيب.. وكل القوانين والسلطات ووسائل القمع ونظم المحفزات تعجز عن أن تتابع في السر والعلن أداء العامل أو تقهر فيه عوامل الضعف والإغراء، وليس هناك سوى قوة واحدة قاهرة مهيمنة عالمة بالسر والنجوى هي قوة الله.. وليس هناك من شخصية تتمتع بالتقديس وتلهم الأسوة والقدوة كشخصية محمّد، من هنا فإن ما يأمر به الله وما يوجه إليه الرسول يصل إلى أعمق أعماق العامل ويصبح العمل الإسلامي استجابة لإرادة الله في أعمار الكون وقربى إليه بتنفيذ أوامره وتطبيق توجيهات رسوله.. وعندما تتملك مثل هذه المعاني نفسية العامل فإنه "يستحضر من خلوص النية وصدق العزيمة وصفاء القلب ما يستحضره عند العبادة.. وعندئذ يكون الإتقان والإحسان والحرص على الأداء الأمثل وتحقيق الكفاية الإنتاجية وحسن استثمار الوقت والمواد.. الخ.. كنتيجة طبيعية لمثل هذه المشاعر العميقة وللمحفزات الإيمانية والنفسية التي تفوق بمراحل – حتى وإن لم ترفض – المحفزات الأخرى الإيجابية والسلبية من زيادة في الأجر أو تهديد بالعقاب أو تشديد للمراقبة. لان الأجر النقدي هو من وجهة نظر العامل المسلم جزء مما يظفر به لقاء العمل.. أما الجزء الثاني فهو رضا النفس وإشباع الشخصية وحمد الله وشكره على ما قدره عليه من عمل وما أتاحه له من مساهمة في بناء المجتمع ومساعدة إخوانه على الحياة والتقرب إليه بذلك ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ "[7] قد يقول بعض الناس أننا لا نلحظ أبدا في حياتنا الراهنة مثل هذا الضمير المهني الإسلامي. وقد لا تكون هناك صورة أبشع من صور الاستغلال في الأداء التي يمارسها سواقو التاكسي أو جزارو الجمعية التعاونية في القاهرة حيث تتضافر الغطرسة وسوء الخدمة من الاستغلال المالي البشع بحيث يكاد يكون عمل هؤلاء سرقة صريحة "عيني عينك". وقد يكون تسعة أعشار هؤلاء مسلمين فكيف لم يتحرك ضمير واحد منهم.. الرد أن هؤلاء مسلمون بالاسم. فكل إسلامهم أن أسماءهم أحمد أو محمد الخ.. والذي لديه وعي إسلامي منهم – فإن هذا الوعي متقوقع في العبادة لا يمكن أن يخرج منها إلى الحياة بفعل سوء الفهم المتراكم قرونا بعد قرون. وهناك جهل مطبق بالمعاملات الإسلامية وآداب ومبادئ العمل الإسلامي، لم يتحرك أحد لزحزحته وتقاعست عن ذلك أجهزة الدعوة والإرشاد الرسمية، وعزفت عن معالجته الهيئات الإسلامية وأجهزة الثقافة العمالية والمنظمات النقابية التي لها علاقة مباشرة بالأمر. وقد عايشنا هذه وتلك معايشة فعالة لأكثر من ثلاثين عاما. ولم نلحظ أن أي نقابة عنيت بهذه الموضوعات ونظمت دورات ودراسات لتوعية أعضائها بآداب المهنة وأخلاقياتها وعلى النقيض فقد حدثت سنة 1981 أزمة بين مضيفي شركة مصر للطيران وإدارة الشركة عندما رفض هؤلاء بيع الخمور داخل الطائرات. فوقف ممثل العمال في مجلس الإدارة مع الإدارة ضد لمضيفين، ولم تحرك النقابة ساكنا كأن الأمر لا يعنيها !! واضطر المضيفون للالتجاء إلى القضاء، وهو الملاذ الأخير للإنصاف. فأصدر حكما كان صفعة لمجلس الإدارة نصير الخمور، وللنقابة اللاهية.. أما مؤسسة الثقافة العمالية فإنها لا تقرب الإسلام إلا من خلال محاضرة قد تضعها في البرنامج العام عن "القيم الروحية" أشبه بالوعظ والإرشاد. وقد أجرت جريدة الأهرام سلسلة من الأحاديث والندوات عن الممرضات ومشكلة التمريض في صيف 1981، ولم يرد في أي منها ولو مجرد إشارة إلى الوازع الديني وما يمكن أن يقوم به الإيمان الإسلامي في تقويم هذه المهنة وصلاح حالها. ومهنة التمريض أساسا قامت في حضانة الأديار والكنيسة وكان الإيمان المسيحي هو الذي تغلب على صعوبات ومضايقات المهنة. فالإسلام غائب تماما عن أذهان الإنتلجنسيا المصرية.. هذا فضلا عن الفساد المدوي من الحكام وإهدار كل القيم والمبادئ الإسلامية فالإسلام لم يعد لكثير من هؤلاء المفخرة، والملاذ، والإلهام، ولكنه الخصم والعدو، أو هو القاضي الذي يصمهم بالخيانة والانحراف.. فيكف يمكن للأخلاقيات الإسلامية أن تظهر وسط مغارات اللصوص .. هذه.. ومن المهم أن نوضح أن أخلاقيات العمل التي تنبثق من اعتباره قربى إلى الله لا تخرج منه عناصر الربح الخاص أو إشباع الشخصية أو جماليات العمل، ومباهجه. فلو حدث هذا لما كان هناك فرق ما بين القربى إلى الله بالعمل، والقربى إلى الله بمختلف شعائر العبادة من صلاة أو صيام. إن اعتبار العمل قربى إلى الله إنما يبعد عنه عناصر الشر والدنس والاستغلال والتلفيق والكذب كما أنه يخضع نوازع الربح والكسب والطموح للحدود التي وضعها الإسلام بحيث تؤتي خيرها وتبعد شرها. والمنبع الثاني لأخلاقيات العمل في الإسلام ما وضعه الإسلام صراحة من قواعد ومبادئ لتحقيق هذه الأخلاقية. فقد حرم الإسلام كل صور الكسب والممارسات التي تقوم على دعارة أو خمر أو قمار أو استغلال أو غش أو غرر أو احتكار أو إكراه أو ربا.. وفي مقابل هذا أوجب الاتقان والإحسان والأمانة. وانسحبت هذه كلها ليس فحسب على الإنسان ولكن على الجماد والحيوان. لأن أخلاقية العمل في الإسلام "مبدئية" فهي تسري على الجميع. وإذا كانت منظمة العمل الدولية قد حددت في إحدى اتفاقياتها الحد الأقصى لما يمكن أن يكلف حمّال بحمله، فإن الإسلام قد حدد هذا بالنسبة للحيوان. فروى ابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه – أنه نهى عن اركاض الفرس إلا لحاجة وأنه كتب إلى صاحب السكك أن لا يلجموا حيوانا بلجام ثقيل ولا ينخس بمقرعة في أسفله. وكتب إلى حبان بمصر "بلغني أن بمصر إبل نقالات يحمل البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرف أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل".. وحتى في الفترة المتأخرة من الفكر الإسلامي عندما أطبقت عليه الغشاوات والظلمات نجد التاج السبكي (المتوفي سنة 771هـ) يذكر بين واجبات البريدية الذين يحملون رسائل الملك وكتبه : "وحق على كل بريدي ألا يجهد فرسه بل يسوقها بقدر طاقتها وقد كثر منهم سوق الخيول السوق المزعج بحيث تهلك تحتهم أفما علموا أنها من خلق الله". وكان من واجبات المحتسب ملاحظة الرفق بالحيوان فكان عليه أن يأخذ أرباب البهائم بعلوفتها إذا قصروا وأن لا يستعملوها فيما لا تطيق وعلى المحتسب أن يأمر جلابي الحطب والتبن وغيرهم إذا وقفوا في العراص أن يضعوا الأحمال من على ظهور الدواب لأنها إذا وقفت والأحمال عليها ضرتها، وكان في ذلك تعذيب لها وقد نهي الرسول عن تعذيب الحيوان لغير مأكله، ويذكر الشيزري في الحسبة على الجزار أن لا يجر الشاة برجلها وأن لا يذبح بسكين كالة لأن ذلك تعذيب للحيوان ويشترط على من يتعاطى البيطرة أن يكون ذا علم بعلل الدواب وعلاجها وذا دين يصده عن التهجم عليها بفصد أو قطع أو كي، فيؤدي ذلك إلى هلاكها أو عطبها لأن الدواب ليس لها نطق تعبر به عما تجد من المرض والألم. وهذه التوجيهات مبنية على أحاديث تكررت روايتها عن النبي r كما أن هناك أحاديث أخرى تمنع من كي ووشم الحيوان في الوجه واستمرار ركوب الدواب وهي واقفة واتخاذها منابر والنهي عن التحريش بين الطيور والحيوانات أو اتخاذها غرضا تصوب عليه النبال. وقد قضى النبي r على عادة ربط الجمل بقبر صاحبه حتى يموت معه ونهى عن قص معارف الخيل وأذنابها. بل أن أخلاقيات العمل تنسحب على الجماد أيضا فنهى النبي r عن قلع الشجر أو عضده، ونهى عن الإسراف في استخدام المياه عند الوضوء "ولو كنت على نهر جار"... فإذا كانت أخلاقية العمل في الإسلام قد أحاطت هذه الإحاطة بالتعامل مع الحيوان والجماد فهي بالنسبة لمختلف مجالات النشاط العملي للإنسان أوسع وأكثر وقد شملت مضمون العمل بحيث استبعدت كل صور الممارسات اللاأخلاقية كما شملت الأداء... فأوجبت الإتقان والإحسان والأمانة والوفاء بالوعد والعقود.. "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".. "إن الله كتب الإحسان في كل شئ" .. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. "الصلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة وأشد ذلك الودائع".. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾... والآيات القرآنية الواردة في الوفاء بالكيل والميزان أكثر من أن تذكر.. وقد تتضح أخلاقية العمل الإسلامي وانه يحكم الأداء من أنه يعطي العامل الحق بل يوجب عليه الامتناع عن بعض صور الأداء التي تناقض التوجيهات الإسلامية، حتى وإن أمر بها رؤساؤه أو جر عليه مغنما. وقد ضرب الشيخ تاج الدين عبد الوهاب السبكي بعض أمثلة ذلك عند حديثه عن واجبات بعض الحرفيين.. فمن ذلك أن الساقي لا يحل له أن يحضر لمخدومه منكرا يشربه وعليه إعمال الفكرة والحيلة في سد هذا الباب وبالنسبة للفراشين الذين ينصبون خيام الأمراء "وحق عليهم أن لا يحتجروا على الناس ويمنعونهم أرض الله الواسعة. فما أظلم فراش الأمير وغيره إذا جاء إلى ناحية من الفضاء فوجد فقيرا قد سبق إليها ونزل منها ليخيم للأمير مكانه وحكم الله أن السابق أولى والأمير والمأمور في ذلك سواء". وبالنسبة للمكاري "ومن حقه التحفظ فيمن يركبه الدواب ولا يحل لمكار يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكري دابته من امرأة يعرف أنها تمضي إلى شئ من المعاصي فإنه أعانه على معصية الله". أما السجان "وإذا علم السجان أن المحبوس حبس بظلم كان عليه تمكينه من الفرار قدر استطاعته وألا يكون شريكا لمن حبسه في الظلم". ورأى التاج السبكي أن "المشاعلي" وهو الذي يكلف بتنفيذ حكم الإعدام شنقا أو قتلا "متى أمر ولي الأمر مشاعليا بقتل إنسان بغير حق والمشاعلي يعلن أن المقتول مظلوم فالمشاعلي قاتل له يجب عليه القصاص وإن كان ولي الأمر أكرهه أو جعل أمره إكراها فالقصاص حينئذ عليهما جميعا عند الشافعي" [8] فهذه النصوص توضح أن أخلاقية العمل في الفقه الإسلامي تجعله بعيدا كل البعد عن الصور الفاشية للعمل في المجتمع الرأسمالي أو في السلك الحكومي والإداري أو العسكري حيث لا تشترط أخلاقية أو يفرض فرضا الالتزام بالتعليمات.. أو تعد إطاعة الأوامر مبررا للإعفاء من المسئولية. أما المصدر الثالث لأخلاقية العمل فإنه الأصول والمبادئ العامة للإسلام وما يستلهم منها. فعلى سبيل المثال عندما هدم الإسلام الحواجز الطبقية، ونادى بوحدة الإنسان ومساواة الأفراد وقاوم تلك الاعتزازات بالجنس أو باللون أو بالوراثة أو الغنى فإنه أعلى من قيمة العمل اليدوي. فرفع النبي r عاليا يد الصحابي التي مجلتها المسحاة من العمل قائلا: "هذه يد يحبها الله ورسوله". بل وجعل العمل اليدوي الأفضل فعندما سئل أي الكسب أطيب قال: "عمل الرجل بيده.. وكل بيع مبرور".. وقال: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يديه وأن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يديه".. وقال: "إن الله يحب العبد المحترف" وقال: "من أمسى كالا من عمل يده أمس مغفورا له".. وعندما كان النبي وصحابته في سفر وأرادوا إعداد الطعام وتكفل كل واحد بجانب من العمل قل الرسول "وعليّ جمع الحطب" ورفض أن يكفيه صحابته قائلا إن الله يكره العبد المتميز وكان في بيته يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب شأنه ويعقل بعيره ويعلف ناضحه ويقم (أي يكنس) بيته وهناك من صغار الموظفين من يجدون حرجا في القيام بمثل هذه الأعمال ويرون ذلك عارا ولكن النبي العظيم لم يستنكف عن هذا ولم يستنكف أن يقول للعباس وبنيه وهم يسقون ويعملون في زمزم "اعملوا فإنكم على عمل صالح"، ثم قال: "لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه"، وأشار إلى عاتقه "البخاري". وقد كانت فاطمة الزهراء وزوجها على بن أبي طالب في ذروة "الأرستقراطية" الإسلامية القرشية النبوية.. ومع هذا فإنها جرت الرحى حتى أثرت في يدها. واستقت بالقرية حتى آثرت في نحرها وكنست البيت حتى أغبرت ثيابها".. وعندما سألت أباها أن يعينها بخادم قال لها: "اتقي الله يا فاطمة وادي فريضة ربك واعملي عمل أهلك". ونصحها بالدعاء. وبينما كان أبو جهل يأسى وهو في سكرات الموت لأن الذي أصابه (عبد الله بن مسعود) من رعاة مكة ومستضعفيها ويقول: "لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم". كان الرسول نفسه يقول أه رعى الغنم على قراريط لأهل مكة. هذا مثال واحد لأثر أصل من الأصول الإسلامية على أخلاقيات العمل وهو يوضح لنا كيف أن المساواة التي جاء بها الإسلام أعطت العمل اليدوي "أخلاقية" وتكريما بعد أن كان في العهد القديم بأسره وسواء عند المصريين القدماء أو اليونان أو العرب أنفسهم في الجاهلية يصطحب بالمهانة. وعند تدهور القيم الإسلامية في المجتمع الإسلامي نفسه فقد العمل اليدوي هذا التكريم وعادت المهانة مرة ثانية إليه. ومع أن آثار الأصول الإسلامية على أخلاقيات العمل يمكن أن تكون كثيرة كثرة هذه الأصول إلا أن الاستفادة العظمى من هذه الأصول قد لا تكون على وجه التعيين – في مجال أخلاقيات العمل.. ولكن في مجال سياسات العمل وعلاقات العمل وهذا هو ما سنعالجه في الفصل التالي. إن الأهمية الكبرى لقضية العمل في العصر الحديث وأنها المحور الأعظم الذي تدور عليه الحياة اليومية للناس قاطبة، وأن الخلل والنقص والقصور فيها يثير الاضطراب ويفاقم المشكلات.. تجعل لأخلاقيات العمل نصيبا بارزا في تحقيق الدور المطلوب.. والحيلولة دون أن يتطرق إلى عالم العمل عناصر الفساد والانحراف. وقد ناشد البروفيسور تاوني R. H. Tawney في ختام كتابه "مجتمع الاستحواز" “The Acquisive Society” الكنيسة أن تعود لممارسة مسئولياتها الأدبية، وأن تكافح ليستلهم العمل من إدارات ونقابات القيم والمثل المسيحية، وأكد أن هذا ليس خيالا، أو "يوتوبيا" ولكنه الحائل دون القلق والتوتر والفوضى.. وما تؤدي إلى هذه في النهاية من حروب.
|
|
|
|
|