تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي
|
|
|
[6] حتى لا نفقد الابتسامة |
|
|
اقتصر حديثنا حتى الآن عن مقومات ومضمون وأخلاقيات العمل في الإسلام، وما يفترض في هذه كلها، وما ينبغي لها، ولكننا نريد أن نشير إلى ناحية أخرى قلما يلحظها الكتاب والخبراء، وإن لحظها الأدباء والفنانون بحماستهم، تلك هي أنه في كثير من الحالات نجد العامل الأوروبي يعمل.. وعلى وجهه ابتسامة. إن الأمر لا يقتصر على الإتقان والإخلاص والمهارة، ولكن أيضا السعادة التي يحسها العامل عبر عمله وبفضله، سواء كانت هذه السعادة صادرة عن إحساس بخدمة الناس وتقديم شيء لهم يريحهم ويفيدهم أو لأنه يرضي في النفس حاسة أو جانبا معينا. وفي الحالتين، فإن هذه السعادة تتجسم في ابتسامة يهديها العامل مع عمله.. وفوق عمله.. ولكي تكون الفكرة مفهومة. سأنقل هنا ملاحظات لكاتبين عن هذا الموضوع، أولها الدكتور حسين مؤنس الذي نشر في مجلة أكتوبر مقالا بعنوان "حكاية مدام عفاف" [25] تحدث فيه عن تجربته مع السكرتيرات في أوروبا وأمريكا ومصر. ففي سنة 1950 ذهب إلى جامعة بيل (الولايات المتحدة) أستاذا زائرا.. ولندعه يتحدث.. "كنا حوالي عشرة رجال ونساء أعضاء هيئة التدريس في قسم التاريخ. وكانت للقسم سكرتيرة واحدة اسمها مسز نورما كارتن، كانت في منتصف الأربعينات من عمرها، وكانت وسيمة ورشيقة، ولها ولد وبنت في أوائل العشرينات.. ومسز كارتن كانت تقوم بأعمال السكرتارية لنا كلنا على نحو يدعو إلى الإعجاب، كنت لا تراها إلا في آنق صورة دون تكلف أو قصد. كنت تراها في ثياب رشيقة غاية في الحشمة. على وجهها ابتسامة لا تغيب، وفي نفسها طيبة جميلة، وأنت تأتي في الصباح وتطلب منها كل ما تريد : تملي عليها نصوص خطابين أو ثلاثة وترجوها أن تحجز لزوجتك موعدا مع طبيب التوليد. وترسل زهورا إلى زميل لمناسبة عيد ميلاده، وتحجز لك تذكرة في قطار السابعة صباحا إلى نيويورك بعد غد مع الحجز في فندق كذا، وهي تسألك إن كنت ستحضر العشاء عند العميد في يوم كذا، وتبلغك أن الأستاذ فلان مريض في المستشفى ويستحسن أن تمر عليه. وتدخل إلى درسك وتلقي محاضرتك وتخرج لتجد أن كل شيء تمام على الطريقة الأمريكية لا المصرية: خطاباتك جاهزة على التوقيع، وموعد الطبيب حجز، والزهور أرسلت، وتذكرة سكة الحديد حجزت وكذلك حجرتك في فندق ولنجتون وهذا هو رقم الغرفة، وهي تنصحك بأن تحضر العشاء عند العميد لأن السيدة حرم العميد لا تحب أن يعتذر أحد عن الاستقبال في بيتها.. كنت أنا أقل مئونة من غيري لأن الآخرين كانوا يطلبون عشرات الأشياء وهي تقوم بكل المطالب في كفاية تملأ النفس بهجة وهي لا تنسى أن زوجتك اقترب ميعاد ولادتها، فهي تمر عليها في البيت لتذهب معها إلى المتاجر لشراء حاجات الطفل القادم. وإلى حد بعيد كانت نورما كارتن الذارع اليمنى لعشرة رجال ونسائهم، وكان رئيس القسم مؤرخا عظيما ولكن مشاكله مع امرأته لا تنتهي، ونورما دائما هي الوسيط وقاضي الصلح". ويستطرد الدكتور حسين مؤنس فيشير إلى سكرتيرته في باريس مدام سوزان ارفيو.. "هذه يا سيدي كانت في الثلاثينات، ولكنها كانت آية في الكفاية كانت تجيد الإنجليزية والفرنسية وتكتب الماكينة بسرعة ودقة وتأخذ أي رسالة بالاستينو أو الاختزال، وكانت تعرف كل شيء وتحل لك كل مشكل، وتعطيها فقط المذكرة فتكتبها لك أحسن كتابة وأبلغها. وتحجز الطائرة والفندق وتحافظ لك على حقوقك في المنظمة، ومن الثامنة صباحا تجدها في مكتبها وفي منتصف النهار تدعوك للغداء في الكافيتريا مع زوجها وابنتها. زوجها الطبيب يدعوك إلى مسرحية بديعة يمثلونها في الشاتليه. ومدام ارفيو تنصحك في كل ما يتعلق بما تريد شراءه لزوجتك وأولادك. وهي تذكرك بموعدك مع طبيب العيون، ولا أذكر أنها نسيت مرة واحدة أن توصلني بسيارتها إلى المحطة الجوية (الأيرو جار) قرب الانفاليد، فإذا لم تستطع فهناك أبنتها كارولين أو زوجها الدكتور روجيه أرفيو.. وإلى جانب ذلك كله فهي باريسية من شعرها إلى كعب حذائها : أنيقة رشيقة تلبس من عند ديور وشانيل وسكياباريلي وهيأتها تقول أنها لا تنسى أبدا موعدها الأسبوعي مع قاعة التجميل أو الصالون دبوتيه. كل ذلك مع كمال وحشمة وأدب وظرف وحنان أنثوي عظيم". وأخيرا عاد الدكتور حسين إلى الوطن واستقر به المقام كرئيس تحرير.. فجاءوا له – رغم أنفه – بسكرتيرة "لهلوبة" كما ادعوا، هي مدام عفاف. ويأتي الدكتور إلى مكتبه حوالي الثامنة صباحا يكتب ويراجع.. "والساعة العاشرة تصل مدام عفاف وتبدأ يومها بخناقة مع الفراش الذي لم ينظف مكتبها والصوت يترامى إلي من بعيد وأرفع السماعة وأقول : - وصلت يا مدام عفاف؟ - وصلت يا دكتور وسآتيك بعد دقيقة، بعد أن أجد لي حلا مع الفراش.. - إذن فاوصليني بالأستاذ فلان في جريدة الجمهورية. - وما رقمه يا دكتور؟ - يا مدام عندك دفتر التليفون وهناك عمال السويتش تصرفي. والله يا مدام عفاف فإن أمامنا عملا كثيرا، وبعد أن تفرغي من تلك المكالمة تفضلي إلى مكتبي لأعطيك شيئا تكتبينه.. وبعد ثلث ساعة أطلبها فتقول أنها لا تصل إلى رقم جريدة الجمهورية فأستدعيها وأدعوها للجلوس وأطلب مكتب رئيس مجلس الإدارة وأحصل منه على أرقام كل الصحف وأناولها إياها وأقول : - هكذا كنت أريد منك أن تتصرفي، فإن الإنسان ينبغي أن يعمل عقله. وكان ينبغي أن يخطر على بالك أن سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة لديها أرقام كل الصحف، والآن اعملي لك دفتر عناوين مرتبا على الحروف الأبجدية ومن الآن فصاعدا تكتبين الأرقام التي تهمنا. والآن خذي هذا المقال واكتبيه على الماكينة. وأخذت المقال ومضت، وبعد ساعة أذهب لأرى ماذا عملت فأجدها لم تكتب شيئا. - لماذا يا مدام.. - لا أستطيع أن اقرأ خطك. - ولماذا لم تقولي ذلك من ساعة. انني أعرف أن خطي عسير بعض الشيء، ولكنك إذا عرفت بعض قواعده سهل عليك بعد ذلك. أعطني المقال لأراجعه وخذي هذا الكتاب وانسخي هذه الصفحة. وتأخذ الكتاب وأنظر فإذا بأختنا تكتب بإصبع واحد، وتأخذ في السطر دقيقتين فأقول: - يا مدام عفاف، ألا تكتبين سبعين كلمة في الدقيقة ؟.. هذا نص مطبوع. - اكتب ولكني متعبة هذه الأيام.. وأتبين أن مدام عفاف حامل. وما دامت حاملا فلا مجال لمطالبتها بأي عمل، فآخذ أوراقي وأقول لها : - ما دام هذا هكذا فلماذا أخذت عمل السكرتارية ؟ - كل السكرتيرات هنا عملهن الوحيد هو التليفون.. وأفهمها الدكتور أن لب عمله هو كتابة المقالات على الآلة الكاتبة ومراجعة ردود القراء، وحاولت مدام عفاف.. وبالفعل تحسنت "ولكنها لم تستطع أبدا أن تتحكم في وقتها، كانت تعيش بعقلها وكيانها في بيتها أولادها وبيتها قبل كل شيء. وزوجها لم يكن رجلا مريحا، ولكنه محور حياتها. أحيانا كانت تأتي بإبنها الصغير إلى المكتب والولد طول الوقت يجري في الممرات. وأحيانا أخرى كنت أراها تشتغل التريكو ولم أعد أهتم للأمر، ولو أنها أتت بالخضار لتعده في المكتب كما يقال أن غيرها يفعل لما أدهشني ذلك". وقدم الدكتور يوسف إدريس صورة قريبة لما قدمه الدكتور حسين مؤنس، وإن عادت إلى الأيام المعاصرة، وليس إلى ثلاثين عاما خلت، عندما تحدث عن عاملة البوفيه في القطار السريع من باريس إلى مارسيليا الذي يسير بسرعة 350 كيلو في الساعة.. فقال : "البوفيه لا يقل عن الثلاثين شخصا. تلبي طلباتهم جميعا فتاة لم تكف عن الابتسام طوال الرحلة، ولم تكن ابتسامة واحدة ممطوطة وملصقة فوق ملامحها كالقناع الزائف، كانت ابتسامة متغيرة حقيقية، فهي تختلف إذا وجهتها إلى شاب في مثل سنها عنها إذا أجابت بها طفلة أو عجوزا أو ضيفا مثلي متعثر الفرنسية يطلب منها أن تتحدث في بطء ليستطيع متابعتها. ظللت واقفا فترة طويلة جدا أراقبها كيف تلبي طلبات الزبائن في لمح البصر بحيث يفرغ البوفيه ويمتلئ والطلبات لا تتوقف، وكذلك سرعتها في الاستجابة. ثلاث ساعات خدمت فيها ما يقرب من الثلاثمائة مسافر وابتسمت ثلاثمائة مرة، وضحكت عشرات المرات وكان واضحا تماما أنها سعيدة جدا بما تعلم. وهناك، حين أوشك البوفيه أن يفرغ، ولم يبق على مرسيليا إلا بضع عشرات من الكيلو مترات وقفت في جانب من البوفيه، وتناولت حقيبة يدها، وأخرجت علبة سجائر، تناولت واحدة منها وأشعلتها، لأول مرة منذ أن بدأنا الرحلة. راقبتها وهي تدخن أيضا. كان واضحا أنها مدخنة عويصة، وأنا مدخن أيضا ولكن لا تستطيع قوة في الوجود أن تبقيني لمدة ثلاث ساعات بلا تدخين. أكانت متعتها في العمل إذن أكبر بكثير من متعة المدخن بسيجارته." [26] ودهش الدكتور يوسف إدريس عندما علم أن مدة خدمتها في هذا القطار "رغم الهمة الرهيبة والنشاط الباسم والسعادة الحقيقية التي ترتسم على محياها وهي تعمل" هي شهر واحد بعدها يكون عليها أن تجد عملا آخر.. وعندما سألها لماذا كنت تعملين بكل تلك الهمة والسعادة.. وأنت ستغادرين شركة القطارات السريعة بعد شهر ابتسمت وقالت "أنا أحبه" كأن العمل، مجرد العمل "حبيبها" وهي صورة لا تختلف في الجوهر عن سكرتيرات الدكتور حسين مؤنس، وتوفر الخدمة والابتسامة، حتى وإن كانت مهتزة شيئا ما بفعل ثلاثين عاما من التطور الكاسح. ولو اتسع الحال لروينا حالات لا حصر لها عن خطابات يكتبها مرسلوها فيخطئون في الاسم، وفي رقم المنزل، واسم الشارع، ثم تصل إلى أصحابها بفضل تحري موظفي البريد ورغبتهم الصادقة في توصيل هذه الخطابات. ومثل طلبات النجدة بالتليفون التي يبذل العاملات فيها جهودا جبارة للاستجابة، ويواصلن متابعة الحالة.. وما إلى هذا كله مما يعكس التفاني في العمل والخدمة.. مع الابتسامة والتهذيب وقد يصور ذلك ما كتبه الأستاذ أنيس منصور في عموده اليومي "مواقف" في جريدة الأهرام يوم 6/3/1984. "على الرغم من أنني لا أعرف اسم الكتاب الذي ذهبت أبحث عنه في مكتبة "جلوب" بواشنطن فقد حاولت البائعة أن تساعدني على ذلك فالكتاب طبي والموضوع هام، ولا أعرف إلا اسم المؤلف، حتى اسم المؤلف لم يكن دقيقا وكل ما تذكرته أن هذا المؤلف كان مريضا في إحدى المستشفيات. وأن زائرة أتت له بورد، ظنا منها أنه أحد ممثلي المسلسلات التليفزيونية. وكان المريض الطبيب سعيدا بهذا الخطأ، ولم يشأ أن يصححه للزائرة المعجبة التي جعلت تتردد عليه في نهاية كل أسبوع وأحبها وأحبته، وتزوجا. وأن هذه القصة ظهرت على الشاشة فرفع أمره لقضاء وكسب القضية ومعها نصف مليون دولار! واستمعت البائعة إلى هذه القصة، ولم تكن تعرفها، وفي التليفون سألت زميلة وزميلا لها، ولكن أحدا لم يعرف، وأخيرا راحت تقلب في دفتر التليفونات، وتحدثت إلى شبكات التليفزيون، وبعد عشر دقائق عرفت الاسم. وشكرتها على الجهد الذي بذلته، ورغم أن طابورا طويلا من الزبائن يقف ورائي فلا هي تضايقت، ولا أحد من الواقفين، وإنما هي تعمل وهم يقدرون ذلك لأنهم يعملون مثلها بنفس الجدية والإخلاص. ثم قدمت لي ورقة عليها عنوان المؤلف ورقم تليفونه ودار النشر وموعد صدور الكتاب. ونظرت إلى الناس ورائي استأذن في دقيقة أخرى. وسألتها : إذا كان من الممكن أن التقي بهذا المؤلف غدا أو بعد غد. فهزت رأسها، وقالت سوف أبعث إليك بعنوانه في الفندق الذي تنزل به. منتهى الإخلاص في العمل". فإذا قارنا هذا بما عندنا، فقد يصور ما عندنا هذه الشكوى التي أرسلها قارئ إلى جريدة الأهرام ونشرتها الجريدة تحت عنوان "ربنا يهدك" !! [27] "لظروف قهرية اتصلت من السعودية برقم استعلامات تليفونات القاهرة في الرقم 767000 لأطلب رقم مستشفى الرمد بأمبابة للاستفسار عن صحة إنسان أنا بعيد عنه، وعندما اتصلت ردت الموظفة، طلبت منها الرقم، فقالت حاضر أصبر شوية.. ربنا يهدك! فسكت وبعد فترة أعطتني رقم 805892، فشكرتها جدا واتصلت بالرقم المذكور فلم يكن رقم مستشفى الرمد، فاتصلت بالاستعلامات مرة أخرى وردت نفس الموظفة المتخصصة على ما أظن في التهريج والكلام الفاضي الذي نسمعه ونحن على الخط صابرين في انتظار رحمتها، وبعد فترة قالت خد يا سيدي الرقم 810196 فاتصلت به وللأسف لم يكن هو أيضا الرقم الصحيح، وكان ذلك في يوم الأحد. فاتصلت بها في اليوم التالي لعل أعصابها تكون أهدأ وردت الموظفة، وقلت لها أرجوك أنا بأكلمك من السعودية. فأعطتني رقم 810270 واتصلت به فلم يكن هو أيضا الرقم الصحيح! فاتصلت يوم الثلاثاء وكلما سمعت الصوت سمعت منه نفس الكلمات طب حاضر، ثم انتظر على الخط 5 أو 10 دقائق ويقفل الخط مرة واثنين وثلاثا، وكأني أطلب منها لبن العصفور! فلماذا يستهتر البعض بالآخرين هكذا.. لقد لقيت هذه المعاناة وأنا أطلب طلبا بسيطا هو مستشفى للسؤال عن مريض.. فهل هذا يليق !!؟ وعلق المحرر : لا .. لا يليق ولا يجوز أن نعامل بعضنا البعض بهذا الاستهتار المعيب ولا أعرف سر هذه الكلمات السوقية التي أصبحنا نسمعها من بعض موظفي مصالح الخدمات ومحلات القطاع العام، ولا سر هذا الاجتراء السخيف على من يطلب حقه في الحصول على خدمة عامة فيقابل بعبارات من نوع "ربنا يهدك"، إنها ظاهرة مؤسفة تحتاج إلى الردع والعقاب. ونعتقد أن هذه النبذة تمثل تمام التمثيل الأغلبية العظمى لصورة الخدمات في المجتمع المصري، فهناك البقية الباقية من الرغبة في العمل والخدمة، وهذه الرغبة تصطدم بعدم الدقة والمهارة وبالضيق النفسي وعدم الإجماع والاتفاق النهائي والمسلم به على ما يكون عليه التهذيب في المخاطبة والتعبير، وإن كان هذا لا ينفي وجود حالات مختلفة، ولكن تظل الأغلبية تمثلها الحالة التي استشهدنا بها.. وقد أعاد الدكتور حسين مؤنس والدكتور يوسف إدريس سوء الخدمة عندنا إلى المجتمع الذي حطّم شخصية المرأة، وفرض عليها وصاية ثقيلة، وأبهظ عاتق العامل بالمشاكل والهموم والتعقيد بحيث لم يعد هناك مجال لظهور الابتسامة وسط التل المتعالي من الهموم والمشكلات. ولا ريب أن للمجتمع آثاره على نفسية العاملين، ومن يقرأ تاريخ العمل يجد أن الدول الأوروبية عندما تعرّضت لفترة الانتقال من الإنتاج اليدوي إلى الإنتاج الآلي، وما صاحب الثورة الصناعية من زعزعة للأوضاع القديمة المستقرة.. يعرف كيف أن عمل العمال تلك الفترة اتسم بصورة بالغة من الفجاجة والاستهتار والقصور ما اصطحب بحياة العمال من هموم ومشكلات، لا حصر لها نتيجة للاستغلال الرأسمالي وشبح البطالة الرهيب فضلا عن الجهالة الفاشية، وأن هذا كله دفع عمال بريطانيا إلى إدمان مشروب "الجن" الرخيص الذي كانت كمية منه ببضعة ملاليم تجعل العامل يغيب عن الوجود، وتعطيه فترة يهرب فيها من مجابهة الواقع المخيف، وبالطبع ففي مثل هذا المجتمع لم يكن ليتصور وجود سكرتيرات الدكتور حسين مؤنس أو عاملة بوفيه كعاملة بوفيه الدكتور يوسف إدريس. وتطلب الأمر مائتي سنة تقريبا قبل أن تستقر الأوضاع الاجتماعية بفضل جهود المئات والآلاف كل في ميدانه من دعاة إصلاح اجتماعي ومشرعين ونقابيين ورجال سياسة وإدارة وتربية وتعليم وصحة وكتاب وصحفيين وفنانين.. الخ، بحيث استقرت أوضاع العمل، وتخلصت من الأشباح والهموم، وارتفعت مستويات معيشة العمال وكفلت لهم الضمانات والحمايات. وأضيفت كرامة على شخصية الفرد رجلا أو امرأة، رئيسا أو مرؤسا وتقررت ورسخت آداب وانتظمت معاملات أفراد المجتمع بعضهم بعضا، وعندئذ فحسب بدأت تظهر الابتسامة. بل يمكن القول أن هذا كله لم يكن كافيا، وإن كان هو الأساس، لأنه أتاح للعامل فرصة للاستمتاع بالحياة وقت الفراغ، وهذا الاستمتاع هو الذي يمسح عرق اليوم، ويذهب بالملل الذي لابد وأن يزحف على العمل ويرخي الأعصاب المتوترة، ويعطي العامل نفسية متجددة، ومن هنا فإننا نجد أن الحياة الأوروبية قسمة ما بين العمل الجاد بالنهار.. واللهو الممتع بالليل فهذا الاستمتاع هو للنفس ما يكونه النوم للجسم يجدد أعصابه وينعش عضلاته، ويعوضها عما ذهب به تعب النهار.. وقد يكون عدم تنظيم وسائل اللهو والاستمتاع أمام العمال في المجتمع الإسلامي من أسباب هذا التوتر والجهامة التي تعلو الوجوه، أو الملل أو السلبية.. وكلها لا تدع مجالا لابتسامة أو لبشاشة. ودخل الحلبة عامل جديد هو ظهور "المحجبات المقطبات" في مجال العمل، وملاحظتنا الخاصة في هذا المجال تظهر نوعا من الاقتراب ما بين الحجاب.. وما بين التجهم.. دع عنك الابتسام أو البشاشة، وتلك نقطة جديرة بالعناية حتى لا يساء فهم الأمر، أو يكون دعاية سيئة للحجاب نفسه. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الليل يجب أن يخصص لله تعالى يقوم فيه العبد ويتهجد، وهذا أمر – فيما نعتقد – مما لا يكلف به عامة الناس لأنه لا يدخل في إطار الفرائض، وقد كان الرسول r يأخذ مصلاه من المسجد ليصلي في غرفته ما يشاء من تطوع وتهجد، فعبر بذلك عن أن قرباته هي مما لا يكلف بها أو يقوى عليها عامة الناس وأي فرق أذن يكون بينهم وهم "القاعدة" العريضة.. وبينه وهو القمة التي لا مطلع وراءها.. ولا مبلغ بعدها، بل أن الرسول r أعلنها صريحة لصاحبه "ساعة.. وساعة.." وتقبل من أصحابه صنوفا من اللهو بل كان يتيح لعائشة الاستمتاع ببعض صور اللهو التي كانت شائعة وقتئذ.. وأخيرا فيجب أن لا ننسى تلك الإشارة البليغة من الرسول ".. وتبسّمك في وجه أخيك صدقة". وبالطبع فإن عامل الاستمتاع ليس هو كل شيء، بل ليس هو العامل الأول، ولكن الإشارة إليه هي لعدم معالجته، والتحرج منه، وليس هناك حرج في الحق، أما العوامل الأخرى فمنها ما يدخل في اطمئنان العامل ورضاه بما يأخذ من أجر، أو يلقي من تقدير أو يطمئن إليه في مستقبله كما يدخل فيه المهارة وتنظيم العمل.. وعوامل أخرى عديدة. وقد لا تكون الابتسامة عاملا هاما في مجالات العمل، ولكن لا ريب أنها عامل مريح، وأنها يمكن أن تحطم جو الرغبة ما بين طرفي أي عملية، وأنها خاتم يتوج العلاقات الاجتماعية بطابع النجاح والاستقرار وأنها بعد كل شيء.. صدقة.. لا تكلف شيئا.. وتنفذ إلى القلوب مباشرة.. وليس هذا بالشيء القليل. f
|
|
|
|
|