تعميق حاسة العمل
في المجتمع الإسلامي
[م]
|
|
|
|
|
قد لا نستطيع أن نصل إلى رشاقة التعبير وبراعة التصوير الذي وصل إليه شاعرنا الكبير "شوقي" عندما قال :
انظر الكون وقل في وصفه كل هذا أصله من أبوين ومع هذا فلن نخالف جادة الصواب إذا نظرنا إلى هذا الكون وما يحفل به من بيوت ومصانع وطرق وحدائق ومستشفيات ومساجد ومكتبات ومعاهد وإلى الأنوار التي تشق الظلمات.. والسفن الماخرات كالأعلام ولقطارات والطائرات وقلنا "كل هذا أصله من العمل".. نعم إن العمل، والعمل الدائب المستمر هو الذي أقام البيوت وشق الطرق وأحال الصحارى القاحلة إلى مدن آهلة ووضع وسائل الانتقال والاتصال من العجلة البدائية إلى الطائرات والكومبيوتر والتليفزيون.. وهو الذي يوفر يوما بعد يوم للملايين من الناس مأكلهم ومشربهم وما يحتاجون إليه في حلهم وترحالهم عملهم ولهوهم.. إن المجتمع الحديث يختلف اختلافا جذريا عن المجتمع القديم البسيط المحدود الاحتياجات فالثورة الصناعية لم تكن صناعية فحسب وإنما كانت ثورة في حياة الشعوب والجماهير وطرق معيشتها من يقظة الصباح حتى رقدة المساء و"تمحورت" هذه الثورة حول العمل والصناعة والإنتاج وسار يدا بيد العلم مع العمل.. وخاضت أوروبا معركة طويلة صعبة من منتصف القرن الثامن عشر حتى الآن لتوجد هذا المجتمع الحديث وتضع وسائل وطرق ونظم وأسرار وسياق العمل التي يقوم عليها هذا المجتمع وتحقق له الكفاية ومن المحتمل أنها أخطأت ولكن المأخذ في تجربتها جاء على نقيض كل تجارب البشرية السابقة أنها أنتجت أكثر وأن الوفرة وليست الندرة أصبحت المشكلة وتلك قضية التوزيع وليست قضية الإنتاج وهي – بعد – توضح مدى مقدرة "العمل" الحديث. هذه هي يد العمل الساحرة والمبدعة وأثرها في إيجاد المجتمع الأوروبي وتقديم النمط الحديث للحياة فإذا انتقلنا إلى المجتمعات الإسلامية، فسنرى من النظرة الأولى أن من أكبر العوامل التي تؤدي إلى تخلف هذه المجتمعات انحطاط مستويات العمل وضحالة درجات المهارة وسوء المعاملة وعدم ملاحظة ما ينبغي للأداء من دقة وعناية والعجز عن ملاحقة السياق الحثيث الذي تتطلبه الصناعة وما إلى هذا كله مما يلمسه كل واحد تقريبا كل يوم.. مما كان له أسوأ الآثار لأن العصر الحديث يتطلب مستوى رفيعا من الفنية والتخصص وإحكام العمل والعلم بأسراره ودقائقه والتوصل إلى أعماقه وتوفر حاسة التوقيت والسرعة التي هي سمة العصر وطابع سياقه والتي تجعل للثواني فضلا عن الدقائق أهمية وتقديرا.. مع القدرة على استخدام ما توصل إليه العصر من معينات ومعدات ووسائل فائقة الفنية وقائمة على النظريات العلمية والأساليب التكنولوجية من كومبيوتر وحاسبات آلية.. الخ. ولا يغني عن هذا كله المعرفة السطحية أو "الفهلوة" أو الاجتهاد دون القاعدة العلمية والممارسات الفنية. وأدى تخلف المجتمعات الإسلامية في هذا المضمار وما يتضمنه من إنتاج وصناعة ومهن وخدمات إلى ضعفها واستكانتها أمام الدول الأخرى وعجزها عن معايشة العصر معايشة إيجابية أو استخدام آلاته ومعداته التي أصبحت نوعا من لغة العصر فكأنها أصبحت عجماء وسط المتكلمين، عالة بين المستقلين، ورضيت أن تكون من الخوالف بينما لجأت الدول الغنية من بينها إلى استيراد كل شئ من الدول الأوروبية وأذعنت راغمة لدفع الأثمان الباهظة التي تطلبها والنزول على شروطها المجحفة التي تذل كرامتها وتستنزف ثروتها ثم لا تأمن بعد هذا كله على استقلالها أو سلامتها. حتى الزراعة التي هي الحرفة التقليدية في المجتمعات الإسلامية والتي كانت تكفل لأهلها الغذاء وتصدير جزء كبير من الحاصلات زحف عليها التخلف ولم تستطع أن تساير التقدم الذي جعل من الزراعة (كما جعل من كل شئ تقريبا) علما وصناعة ووصل التدهور والعوز والتخلف بهذه المجتمعات أن أصبحت تستورد رغيف عيشها ومادة قوتها من الدول المتقدمة وأصبح القمح سلاحا تشهره أمريكا في وجوه هذه الدول. ولهذا التخلف في مجال العمل والصناعة والمهارات أسباب عديدة اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولكن من الأسباب التي لم تظفر بالاهتمام أو تتوجه إليها عناية الباحثين أن العمل قد حُرِمَ دفع ومساندة القِيَم الإسلامية وتجرد من طابعه ودوره الإسلامي ففقد بهذا أكبر وازع يصلح الخلل ويستدرك القصور ويكون قوة دافعة نحو استكمال ما ينقصنا واستدراك ما يفوتنا. ولعل من أدلة هذا الإغفال أننا لا نرى اهتماما من الهيئات الإسلامية ومن الدعاة الإسلاميين بهذا المجال ولا نرى في المكتبة الإسلامية ما يتناسب مع أهميته من الكتب والرسائل ولا نجد في الهيئات الإسلامية عناية به. وقد كاد الإسلام أن يصبح مجموعة من شعائر العبادة وأن يقتصر على أداء الطقوس والفرائض الدينية من صلاة أو صيام أو حج. وحول هذه الموضوعات وحدها تدور الاهتمامات وتتركز المؤلفات واصبح الناس لا يعلمون من وسيلة للتقرب إلى الله إلا العبادات من صلاة أو صيام أو حج ولا يخطر في بالهم أن إتقان العمل وإحسان المعاملة وإدراك المهارات الحديثة في الصناعة التي تحقق العزة والكرامة للمسلمين تماثل الشعائر وتعد في الإسلام شقائقها ويثيب الله عليها مثل ما يثيب على الصلاة والصيام. وكان لهذا الفهم الضيق آثار سيئة إذ حرم العمل من دفع أعظم المقومات وأعمقها تغلغلا في شخصية المسلمين وأكثرها تأثيرا عليها ألا وهو الإسلام وقد أثار انتباهي ما قرأته في يوم ما في جريدة الأهرام[1] من أن أحد النوادي قرر صنع عدد من اليافطات الصغيرة تحمل الأثر (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) واتفق مع أحد الصناع على ذلك ولكن الصانع أخذ يماطل ويسوف يوما بعد يوم حتى قال به مندوب النادي أن هذه اليافطة تحمل حديثا شريفا يحث على الإتقان فتنبه الصانع الذي لم يكن قد ألقى بالا إلى ما أريد كتابته على اليافطات ووعد مندوب النادي بانتهاء العمل في اليوم التالي ولما مر مندوب النادي وجد اليافطات جميعا على أحسن حال وأفضل مما طلبه واعتذر الصانع بحرارة عن تقصيره لأنه لم يلحظ الحديث وقال "أنا بصراحة لما قريت الحديث الشريف ده تأثرت جدا". وقد كان قيام "الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل" أول خطوة عملية وتنظيمية لسد تلك الفجوة التي فصلت ما بين الإسلام والعمل وأبرز الاتحاد – في عدد من رسائله – العلاقة الوثيقة التي تربط عالم العمل بالإسلام بل أثبت أن "النقابات" ليست طارئة على المجتمع الإسلامي فقد كانت موجودة بل ونقلتها أوروبا عنه كما أن الأهداف التي تدعو إليها النقابات هي نفسها الأهداف التي يدعو إليها الإسلام. وقد عنى الاتحاد بادي ذي بدء بعلاقات العمل وضرورة تسويتها على أساس العدل الإسلامي ليمكن حسم شآفة الخلافات ما بين العمال وأصحاب الأعمال من إضراب أو إغلاق وتحقيق السلام الاجتماعي والاستقرار الذي يمكن العمال من العمل للنهضة ببلادهم وتحقيق خطط تنميتها مع نيلهم – في الوقت نفسه – حقوقهم المشروعة. واليوم يعني الاتحاد بجانب آخر من قضية العمل هو "تعميق حاسة العمل" في المجتمع الإسلامي وإبراز الأهمية القصوى للعمل ودوره في حياة الفرد والمجتمع وأن الموقف الذي يتفق مع السلام ليس هو الانعزال أو السلبية ولكن المشاركة في الحياة النشطة الزاخرة التي تموج بها جنبات المجتمع الحديث من علوم وفنون وصناعات ومهارات وضرورة تصحيح نظرة المسلمين إلى العمل طبقا لتوجيهات الإسلام من تفان وإخلاص وإتقان واعتبار الحياة الدنيا بأسرها معركة في سبيل العمل الصالح. وهناك اقتراح بأن ينص دستور الاتحاد على أن من أهدافه "تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي إذ العمل مصداق الإيمان في الحياة الدنيا ومعيار الثواب والعقاب في الحياة الآخرة ووسيلة القوة والعزة للدول الإسلامية التي تخلفت عن التقدم الحديث في مجالات العمل والخدمات والمهارات". وسيعرض هذا الاقتراح على أول مؤتمر من مؤتمرات الاتحاد لإقراره. إن تعميق حاسة العمل في المجتمع الإسلامي يعني بالنسبة للاتحاد الإسلامي الدولي للعمل شيئا أعظم بمراحل مما يتصور الناس…
فبعد القضية الأولى والرئيسية
التي تجابه المجتمع الإسلامي، قضية حسن فهم
الإسلام التي تحل لنا مشكلة "النظرية" والمسألة الحضارية والمعنوية ويمكن أن
نرمز لها بالإيمان تأتي مباشرة قضية العمل التي تحل لنا مشكلة التخلف والضعف
والمهانة ويمكن أن نرمز لها بالجهاد. فاليوم يكون العمل لإدراك العلوم والفنون
ونيل المهارات في الصناعة والزراعة والخدمات واستدراك التخلف الاقتصادي
والاجتماعي ووضع هذا كله في خدمة الإسلام والمسلمين ولإعلاء كلمة الله هو
الجهاد حقا ويصبح أقرب التطبيقات للمعيار الذي وضعه الرسول
r
عندما سئل عن الجهاد في سبيل الله فقال
"من جاهد لتكون كلمة الله هي
العليا فهو في سبيل الله". كما أنه التصديق
الواقعي للجمع القرآني المتوالي بين
﴿الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. جمال البنا |
|
|
|
|
تعميـق حاسـة العمــل
في المجتمع الإسلامي