تثــويــر القــرآن

الفصل الأول
z  

 

عن الثورة بصفة عامة

 

 

 

في كتابي الموءود "ترشيد النهضة"[1] الذى كتبته فى أغسطس سنة 1952 وقدمته بكل الحب و"العشم" لضباط 23 يوليو سنة 52 أوردت تعريفاً سهلاً سائغا، بعيداً عن شنشنة الأكاديميين عن الثورة، فقلت …

"الثورة حركة تقوم على نظرية وتستهدف التغيير وتطبقها – أو على الأقل تشترك فى تطبيقها - الجماهير ..."

فإذا حدثت حركة دون أن تكون لها نظرية فإنها تكون انقلاباً، وانتفاضة، أو انبعاثه الخ... ويجب أن يلحظ أن هناك فرقاً بين نظرية أصيلة ذات فكرة محورية تنطلق منها التفاصيل، وبين نظرية ملفقة تأخذ من هذه النظرية أو تلك.. أو حتى بدون نظرية ولكن لتحقيق مطالب لأن تحقيق هذه المطالب يمكن أن يحقق دون حاجة إلى نظرية، بانقلاب، أو انتفاضة أو ضغط الخ ...

والشرط الثانى للثورة أن تستهدف التغيير الكلى أو الجذرى وليس الإصلاح الجزئى، أو المرحلى أو التدريجى لأن هذا كله يمكن الوصول إليه دون حاجة إلى ثورة.

وأخيراً فيجب فى الثورة أن تساهم الجماهير عملياً وفعلياً فى تحقيقها، بحيث لا تأتى من أعلى، من رئاسة أو من ملك أو تكون "خطة" يضعها الوزراء والخبراء فى مكاتبهم ودور بحثهم، ويطالب الموظفون والمسئولون بتطبيقها كل فى حدود اختصاصه. إن هذه الصورة لا يمكن أن تكون ثورة.

وافتراض توفر هذه المقومات الثلاثة للثورة يخرج من إطار الثورة معظم الانتفاضات والهبات التى قامت بها فئات مضطهدة بدءاً من ثورة اسبارتاكوس قبل الميلاد حتى ثورة "اسبارتاكوس" وهو الحزب الذى كونته روزا لوكسمبورج فى ألمانيا سنة 1918، وما بين ذلك ثورات الفلاحين فى إنجلترا وألمانيا فى القرن الرابع عشر والسادس عشر، ومثلها ثورة زنج البصرة فى القرن السابع الهجرى..

وكذلك كل الانقلابات العسكرية التى حدثت فى الدول العربية من الثلاثينات حتى الخمسينات، وقام بها ضباط ولم يستطع أصحابها أن يجدوا لها اسما يدل على هويتها فاستعاروا لها أسماء الشهور التى قامت فيها. مثل انقلاب تموز أو فاتح سبتمبر الخ...

فهذه كلها انتفاضات أو قومات أو انقلابات توفر فيها عنصر واحد أو عنصران من مقومات الثورة دون توفير البقية، ومن ثم فلا تعد ثورات، وربما كان الاستثناء البارز منها قومة الشعب المصرى سنة 1919 التى بدأت انتفاضة وانتهت ثورة – وتوضيح هذا يضيق عنه المجال ..

وليست الثورة شيئاً سعيداً، محبوباً تتقبله النفوس، وقد لا نحب الثورة، أو لا نريدها، وقد نضمر لها كراهية أو عداوة أو عزوفاً، ولكن هذا لا ينفى أن الثورة تصبح ضرورة عندما تتجمع أسبابها الموضوعية، والثورة موجودة فى الطبيعة فى البراكين والزلازل، وموجودة فى "الأحياء" فى الطفرة.. كما توجد فى التغييرات النوعية للعناصر بتأثير الحرارة أو البرودة الخ...

وبالنسبة للمجتمع فإن الثورة تصبح ضرورية عندما تتراكم الأخطاء تراكما يجعل الإصلاح التدريجى والجزئى مستحيلاً أو حتى لو كان ممكنا فإنه سيهدر وقتاً ثمينا يجعلنا فى موقف التخلف نفسه الذى كنا فيه قبل الإصلاح، وقد يصل التراكم والتعقد درجة يستحيل الحل ويتحتم القطع.

وقد تحدث الثورة نتيجة لهزيمة قاضية، أى تقضى على العهد وتأتى بعهد جديد كما حدث فى روسيا وألمانيا وإيطاليا وتركيا أعقاب هزيمتهم فى الحرب العالمية الأولى. إذ حدثت فيها – على التعاقب – الثورة الاشتراكية/ البلشفية، وجمهورية فايمار ثم الهتلرية، والفاشية وثورة اتاتورك التى كانت ثورة فى نتائجها وإن كانت عسكرية فى أساليبها.

وقد تحدث الثورة نتيجة للتخبط الذى تصاب به الدولة نتيجة سلسلة من السياسات الفاشلة والمتناقضة بحيث تنبهم أمامها المعالم وتتملكها الحيرة والتردد والفوضى فلا مناص من الثورة.

وليس من الضرورى أن تتراكم الأخطاء وتأخذ شكل التعقد الذى يتطلب القطع، لا الحل. فقد يكفى أن تصاب دولة بدرجة من التأخر والتخلف – لأسباب معينة – وتريد أن تستدرك هذا التخلف، وفى هذه الحالة تصبح الثورة هى الحل الوحيد لأن الإصلاح التدريجى العادى سيتطلب وقتاً يزداد فيه التخلف، ومن شأن المتخلف إذا أراد استدراك تخلفه أن يجرى لا أن يسير، لأن من يريد اللحاق به ليس واقفاً، بل هو يسير أيضاً، وهو عادة يسير بسرعة أكبر مما يستطيع المتخلف أن يسير بها. فى هذه الحالة فإن الجرى نفسه لا يجدى ويصبح من الضرورى القفز. أى الثورة.

إن الثورة تصبح ضرورية ولازمة لأنها – وحدها – هى التى تحقق :

أ. الحسم الذى لابد منه بعد أن وصل التعقد والتفاقم والتشابك نتيجة للتخبطات الماضية إلى درجة لا يرجى معها الحل ولكن البتر.

ب. الانطلاق بسرعة وصرامة لا يسمح بها السياق العادى فى حين أن هذه السرعة أصبحت ضرورية بعد التخلف الشنيع وإهدار الوقت الثمين.

ج. إذابة الاختلافات.. وصهرها فى بوتقة الثورة.

ولكن لسلامة هذه الثورة لابد من توفّر المقوّمات الثلاثة للثورة التى أشرنا إليها (النظرية – إرادة التغيير – مشاركة الجماهير) حتى لا تصبح انقلاباً وبدلاً من أن تقضى على المرض، فإنها تفاقم فيه أمراضاً جديدة ، كما حدث فى الانقلابات العسكرية فى الدول العربية التى أريد بها الإصلاح فلم تأت إلا بالفساد.

ولا تقتصر ضرورة الثورة على استدراك التخلف. إن مناخ الثورة، وما فيه من حماسة وحرارة. هو وحده الذى يصهر الاختلافات والتناقضات الاجتماعية فى بوتقتها، وما دامت تقوم على نظرية فإن النظرية تجذب هذه التناقضات بقوة وتتولى صهرها وإعادتها سبيكة جديدة تختلف تماماً عن العناصر التى تكونها قبل صهرها لأن النظرية أضافت وأخذت بحيث هيأتها لتكون خلقاً جديداً فضلاً عن أن الإيمان بالنظرية سيكون القوة الدافعة لحركة الثورة من رؤية التنظير إلى واقع التطبيق.

وإذا أردنا أن نطبق المقومات الثلاث التى وضعناها للثورة ألا وهى النظرية – إرادة التغيير، مشاركة الجماهير. فقد لا نجد فى العصور القديمة إلا الأديان.. وقد لا نجد فى العصور الجديدة إلا الثورة الفرنسية والثورة الاشتراكية.[2]

ففي الأديان السماوية الثلاثة – على الأقل – نجد النظرية، وقد وصلت أعلى مستوى لها بحيث أصبحت عقيدة، ونجد التغيير الكامل.. ونجد مشاركة الجماهير المستعبدة.. وهذه المقومات واضحة كل الوضوح فى الإسلام، وفى المسيحية، وفى اليهودية بحيث لا نجد أنفسنا فى حاجة للتدليل عليها.

إن عزوف المجتمع الأوربي عن الأديان، وعداوة الاشتراكية (التى احتكرت فى العصر الحديث دعوة الثورة) أدّيا لعدم ذكر الأديان كثورات، وهى واقعة لا تسئ للأديان بقدر ما تسئ إلى هذا المجتمع. إن الأديان الثلاثة كانت هى الصورة الوحيدة التى مكنت الجماهير من أن تثور، ومن أن تحقق التغيير، وذلك لأن نظريتها - أو قل عقيدتها - تولد أعظم درجة من الإيمان (وقود الثورة) وتربط هذا الإيمان بالله تعالى رمز القوة المهيمنة.

وقد كان مقوم "النظرية" فى الثورة الفرنسية هو أضعف مقوماتها. لأنه كان شعارات المساواة والإخاء والحرية، وهى شعارات فضفاضة ويمكن أن يساء استخدامها فتؤدى عكس المقصود منها بحيث يصدق عليها تماماً كلمة مدام رولان الثورية الفرنسية وهى تساق إلى المقصلة "أيتها الحرية، كم من الجرائم ترتكب باسمك".

وفى الثورة الاشتراكية نجد نظرية محكمة تقوم على حتمية جدلية مادية، تتقمص قميص العلمية فى مواجهة " طوباوية - أو المثالية" ولكن الذى جذب لها الجماهير كان دعوى العدالة و "الطبقة العاملة" ولكن لما كانت نظريتها لا تخلو من النقص والخطأ وكانت فكرة "الطبقة العاملة" مجرد إدعاء فإن النقص فى النظرية جعلها ترتكب من الجرائم ما جعل جنايتها على البشرية والجماهير أسوأ من إحسانها إليها، وقد كانت الصورة السليمة لها هى "الاشتراكية الديمقراطية" التى اعتبرها لينين كفراً وخيانة وهرطقة وشن عليها حرباً شعواء، ولو قامت بها روزا لوكسمبورج أو كاوتسكى أو بليخانوف، وليس لينين وتروتسكى لكان من المحتمل أن تتجنب الأخطاء الشنيعة التى انزلقت إليها تجربة الاتحاد السوفيتى.

ولم يتنبه الاتحاد السوفيتى إلى هذا الخطأ، أو يتعلم الدرس إلا بعد سبعين عاماً بذلت فيها الجهود، وعلقت عليها الآمال وتحقق بالفعل من الإنجاز، ما لم تقم به أى ثورة أخرى فى العالم، ولكن على غير أساس إنسانى...، وبدون حرية وهما شرطان رئيسيان فى نجاح النظم، ولهذا تهاوى الاتحاد السوفيتى دون الدخول فى معركة، وهو الذى أمل أن سيحفر قبر الرأسمالية ..

ولهذا فإن الأربعين سنة ظلت مصدراً للإلهام وللإشعاع وللإيحاء بمحاولة العودة إليها فى حين أن سبعين عاماً من البلشفية جعلت الأجيال التالية "تتوب" وتتوقف تماماً عن تكرار المحاولة وتدفعها للتبرؤ منها.

zzz

وهذا ما يجعلنا نشير إلى فارق هام ما بين الثورة الإسلامية والثورة كما تفهمها أوربا فى ثورتيها الثورة الفرنسية والثورة البلشفية. فالثورة الإسلامية استهدفت أولاً وقبل كل شئ إيمان الفرد، والإيمان لا يأتى فسراً وإنما يأتى بالاقتناع والقبول، ولهذا كانت معجزة الإسلام قرآنا يحقق هذا الإيمان، ويحققه بالطريقة الوحيدة أمام أى كتاب أى اقتناع الفرد بما جاء فى القرآن.

وبعد إيمان الأفراد، وتعميق الإيمان فى نفوسهم ينتقل الإسلام إلى القضاء على الأوضاع "الجاهلية" ليغرس أوضاعه الخاصة، ويتم هذا لا بسلطة الدولة بالدرجة الأولى، ولكن نتيجة لإيمان الأفراد، فلو لم يؤمنوا بتحريم الخمر والزنا والربا لعجزت الدولة عن تحقيق ذلك أو لشاب تحقيقها العيوب التى تصاحب كل إجراء يأتى من قبل الدولة.

فثورة الإسلام هى ثورة الكلمة، ثورة الإيمان الذى لا يحتاج إلى سلطة أو سلاح إلا للدفاع، وكحل أخير وهى تحقق تغيير الأوضاع نتيجة إيمان الجماهير وليس سلطة الدولة.

وعلى نقيض ذلك فإن الثورتين الفرنسية والبلشفية استهدفتا من البداية القضاء على الأوضاع، فكان لابد من القضاء على الذين يستفيدون من هذه الأوضاع ويبقون عليها، فكان العنف هو الوسيلة الوحيدة التى لا مناص عنها، وكان لابد لها أن تبرر ذلك فأطلقت عليه "الشرعية الثورية" أى عدم التقيد بالمبادئ التى حمت الأوضاع السابقة.
ولكن التجربة التاريخية تثبت لنا أننا إذا أطلقنا العنف، وتحررنا من الشرعية "الإنسانية" التى تحمى الملكية، والنفس، والعرض بحجة إساءة استخدام بعض الفئات لهذه الحقوق، فإننا سنعجز عن كبح جماحه، وسيؤدى العنف المبرر – إذا جاز – إلى عنف لا يبرر إلا بالعنف نفسه ولا يمكن التمييز بين عدالة عنف ما وعشوائية عنف آخر. إن العنف لأنه ليس له ضوابط – لابد وأن يشمل الجميع – حتى قادة الثورة نفسها فى النهاية.

z

ولهذا جرت الدماء أنهاراً في الثورة الفرنسية ولما عجزت البنادق اخترعوا "الجيلوتين" المقصلة ولجأوا إلى الإغراق ! كما قتلت ثورة البلاشفة ملايين الفلاحين عمداً عندما انتزعت منهم أقواتهم وماشيتهم بحجة أنهم "كولاك (أى ملاك)" وتركتهم للصقيع والجوع حتى ماتوا ثم أنداروا على العمال فأعادوا أساليب السخرة القديمة، وحتى فى الحزب فإن محاكم التطهير كانت تبعد سنويا من عضوية الحزب الحاكم مئات الألوف فيفقدون الوظيفة والسكن الخ...

z

إن الشرعية الثورية هى أسوأ ميراث خلفته الثورتان الفرنسية والبلشفية فى الحضارة الأوربية والفكر السياسى، وقد انتقل منها إلى أقاصى العالم وقامت الدماء أنهاراً فى الصين وكوريا ودول أوربا الشرقية، وكل مكان حكم فيه الشيوعيون، وبعد أن كانت إنقاذا وتحريراً أصبحت عبودية وتقييدا.

وهذه الوصمة المقيتة "الشرعية الثورية" هى مما برأت منه ثورة الإسلام، لأنها كما قلنا كانت ثورة الكلمة والإيمان – وليس السيف والسلطان – وكان أعظم فتوح الإسلام أول عهده هو فتح المدينة وقد "فتحت المدينة بالقرآن" كما قالت عائشة وحتى فتح مكة الذى أراد المشركون أن يجعلوه معركة دامية فإن حكمة الرسول حالت دون ذلك، وبعد أن قتل عدد يقل عن أصابع اليد أعلن الرسول أن مكة إنما "أحلت ساعة من نهار" بعدها أصبحت محرمة ناسها، وشجرها، وطيرها، وعندما علم الرسول أن خالد الذى أرسله داعيا لا مقاتلاً قتل أثنين أو ثلاثة، أرسل على بن أبى طالب ليصالح أهل المقتولين ويدفع دياتهم، وتعويضاً عن أى شئ خسروه حتى "ميلغة الكلب" أى الإناء الذى يشرب منه الكلب.

وقد عبر الرسول عن إمكانية تحقيق الثورة بطريق سلمى عندما قال "الإسلام يُجُب ما قبله" أى صرف النظر عن الماضى، والتنازل عن أسلوب المحاسبة إذا آمن فرد ما لأن هذا الإيمان فصل ما بين ماضيه ومستقبله، وعن هذا الطريق كسب الإسلام عدداً من أكبر أعدائه السابقين مثل خالد بن الوليد، وهو صاحب المناورة التى ألحقت بالمسلمين الهزيمة فى أحد. وعمرو بن العاص، وهو سفير قريش إلى النجاشى لاسترجاع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة. وعكرمة بن أبى جهل ابن أكبر عدو للإسلام وأحد القلة التى حاربت المسلمين عند فتح مكة ثم ولى منهزما. لقد تقبل الإسلام هؤلاء الأعداء القدامى فكانوا سيوفاً له بعد أن كانوا سيوفاً عليه، ولم يحاسبهم الإسلام لأن "التوبة" جزء من آليات الإسلام، ولأن الإسلام يجُب ما قبله، وهو تعبير من أقوى التعبيرات الثورية دون دماء ودون حساب.

فإذا قارنا هذه السياسة بسياسة الجاهلية التى كانت لا تدع الثأر أبداً وتدخل فى حروب لمقتل أحد أفرادها أو بسياسة "اغتصاب المغتصبين" التى وضعها لينين "ولا حرية لأعداء الشعب" وغيرها من سفسطات الشيوعية التى أحلت بها الدماء. أتضح الفرق الكبير بين ثورية الإسلام وثورية الشيوعية الحديثة ..

من هذا العرض يتضح أن الثورة تصبح ضرورة لا مناص عنها عندما نوجد شروطها الموضوعية، وفى هذه الحالة لا يكون التنصل منها محموداً فى شئ، ولكن المهم أن تكون النظرية التى هى ملاك الأمر – سليمة، وقد رأينا أنها فى الثورة الفرنسية كانت فضفاضة وفى الثورة البلشفية كانت خانقة، ولهذا فإن التغيير الذى أحدثناه لم يكن محموداً دائماً، واصطحب بعنف وقضاء على الشرعية، وهى خصائص برئت منها الثورية الإسلامية.

z

[الفهرس] [1] [2] [3أ] [3ب] [3ج] [4أ] [4ب] 5

         الهوامش                                    

        إقرأ