|
|||
|
|
يعود الانتصار الباهر الذى اكتسبه الإسلام أيامه الأولى، والحيوية المتأصلة التى أثبتت وجودها بدرجات متفاوتة حتى فى عهود الانحلال إلى عاملين رئيسين : الأول : الطبيعة الثورية للقرآن. الثانى : القيادة الحكيمة للرسول. وكما سنرى، فإن الطبيعة الثورية للقرآن الكريم هى صاحبة النصيب الأعظم من إنتصار الإسلام . وتعود هذه الطبيعة إلى الصياغة الإلهية المعجزة التى أثارت درجة عالية من الانبهار والانفعال والإيحاء، كما كشفت عن مفاهيم جديدة وقيما جديدة وعوالم جديدة كانت كلها مجهولة بالمرة لدى العرب. وكانت الثورية فى القرآن من القوة بحيث لم تستهدف تغييراً أو إصلاحاً فى واقع المجتمع، ولكنها رفضت هذا المجتمع بالمرة، وقد تضمنت ذلك الكلمة الأولى من شعار الإسلام وهى "لا" فى "لا إله إلا الله". إن هذه الكلمة ذات الحرفين كانت حاسمة، قاطعة، باترة كالسيف المرهف ففصلت بين عهدين، واستبعدت الآلهة المتعددة والأوضاع الجاهلية وأقامت الله الواحد الأحد، وما استتبعه من أوضاع إيمانية. ومن الأيام الأولى لدعوة الإسلام، وقد استبطن الرسول بطريقة ما، هذه الحقيقة، حقيقة أنه رسول ثورة عظمى وتغيير شامل، وهذا الإيمان العميق المتغلغل هو الذى جعله، وليس له حول أو طول أو قوة يستند عليها. يقف كالطود أمام سراة قريش، الذين بدورهم تنسموا المعنى الحقيقى للإسلام، فحاولوا اكتساب الرسول، ولفته عن رسالته وإغرائه بكل المغريات، وسجلت كتب السيرة هذا المشهد التاريخى. "قال ابن إسحاق. وحدثنى يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال: حدثت أن عتبة بن ربيعه، وكان سيداً، قال يوما وهو جالس فى نادى قريش، ورسول الله r جالس فى المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله r يزيدون ويكثرون، فقالوا بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله فقال: يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمت من البسطة فى العشيرة، والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فأسمع منى أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول الله r قل يا أبا الوليد أسمع قال: يا ابن أخى، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله r يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال: نعم، قال فاسمع منى قال: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ. حم. تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾. ثم مضى رسول الله r فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبُة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه ثم أنتهى رسول الله إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك". [3] وفى رواية حتى قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة.. حسبك حسبك. فبأى قوة رفض الرسول السلطة، وهى الهدف الذى يعمل له السياسيون والإغراء الذى يُخدع به الدعاة، وتكررت هذه الواقعة مرة أخرى عندما جاء سراة قريش إلى أبى طالب فقالوا له "يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وأنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه فعظم على أبى طالب فراق قومه r وعداوتهم، ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله لهم ولا خذلانه. قال ابن إسحاق: وحدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث. أن قريشاً حين قالوا لأبى طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله فقال له: يا بن أخى إن قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا للذى كانوا قالوا له فأبق علىَّ وعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق قال: فظن رسول الله r أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه. قال فقال رسول الله r يا عم، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"[4] وكيف استطاع أن يقف أمام إلحاح عمه الأثير.. وأن يصمد أمام تهديد قريش وأن يقول تلك الجملة التى ما كان شكسبير ليستطيع أن يقولها..؟ لا حل لهذا اللغز، أى صدود الرسول عن الملك والجاه إلا إيمانه العميق برسالته وهو ما يكشف عنه ما حدث عندما طلبه سراة قريش ليكلمهم، وظن الرسول بهم خيراً فلما قالوا له ما قالوه فى المرة السابقة وعرضوا عليه الملك والمال والجاه قال "ما بى ما تقولون. ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثنى إليكم رسولاً. وأنزل علىَّ كتاباً وأمرنى أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وأن تردوه علىَّ أصبر لحكم الله حتى يحكم الله بينى وبينكم." فهنا تتبدى ثورية الإسلام فى هدفها وفى وسائلها. فهى لا تطلب سوى الإيمان بالله – لا الجاه ولا السلطة – وهى لا تعتمد فى هذا إلا على إيمان الناس بها وتجاوبهم معها، وإلا "أصبر لأمر ربى حتى يحكم الله بينى وبينكم". ورغم هذه المواقف المتميزة من الرسول فى أيام الدعوة الأولى عندما تداعت عليها قوى قريش، وما تتسم به من بعد نظر يعلى الاستراتيجية على التكتيك، والغاية على الوسيلة. فتظل الأهمية الأولى للقرآن، ويختلف الإسلام فى هذا عن المذاهب التى يغلب عليها اسم صاحبها، كما هو الحال فى الماركسية واللينينية. لأن سياسات الرسول الحكيمة إنما كانت تطبيقاً لوحى القرآن. والمفارقة أن هذه المذاهب تدعى أن البطل ليس هو صاحب الدور الأول فى التاريخ، وأن "العوامل الموضوعية" هى صاحبة الأولوية ومع هذا فإنها تحمل أسماء أصحابها على حين أن الأديان لا تحمل أسم أنبيائها فتقول الموسوية والعيسوية والمحمدية، ولكن اليهودية، والنصرانية والإسلام. z - المجتمع الجاهلي الذي ذهبت به ثوريّة القرآن لا يمكن أن نقدر الثورية القرآنية إلا عندما نأخذ صورة عن المجتمع الجاهلى والأصول التى كان يقوم عليها وأودى بها الإسلام. كانت الجاهلية تقوم على : أ . ديـــن. ب . اقتـصاد. ج . تقاليد وأوضاسع فرضها تفاعل الدين بالاقتصاد بعد أن تفاعل هذان مع مناخ الجزيرة وتأثير الصحراء العميق وانفتاحها أو انغلاقها … وكانت الوثنية هى الديانة الغالبة، وكان لقريش أصنام فى جوف الكعبة، كان أعظمها هبل (وهو الذى فخر به أبو سفيان يوم أحد) وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى. أدركته قريش وهو كذلك فجعلوا له يدا من ذهب، ومن الكتَّاب من يظن أن هبل تحريف "لأبولو" الإله اليونانى المعروف. واتخذ أهل كل دار صنما يعبده وإذا أراد السفر تمسح به حتى يكون ذلك آخر ما يفعله قبيل سفره، وإذا قدم تمسح به قبل أن يدخل على أهله. وفى بعض الحالات كان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعل ثلاثة أثافى لقدره وإذا أرتحل تركه فإذا نزل منزلاً آخر فعل مثل ذلك ! وإذا لم يجد حجراً جمع حثيه من التراب وحلب عليها شاته ثم طاف بها ! وكان للأصنام الكبرى مثل هبل والعزى كهنة يتحدثون باسمها، كما كانوا يضعون تقاليد تتعلق بنياقهم أشار إليها القرآن ﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ[5] لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ وكذلك ما ادعوه من بحيرة وسائبة وحام .. وواضح تماماً أن الدين لم يكن من القوى المؤثرة فى حياة المجتمع الجاهلى. فقد كان استكمالاً سقيما وضحلاً لجانب من جوانب المشاعر النفسية يتماثل مع الحالة الفكرية لهؤلاء التجار أو الرعاة أو الذين يعيشون على الغارات، ويأخذ شكل بعض الطقوس، وإذا كان للدين من قوة، فإنها تعود إلى العصبية، وأنه إرث الأباء والأجداد، والتمسك بهؤلاء جزء من "مناخ" المجتمع الجاهلى، وكانت جِدَّه الإسلام من أكبر ما دفع العرب لرفضه لأنه كان يقضى بأن يخالف دين الأباء والأجداد وهو ما جعل رجلاً مثل أبى طالب يقف هذا الموقف. وكان المجتمع الجاهلى يعتمد فى اقتصاده على الرعى الذى كان يقوم به عادة الأطفال والنساء والعبيد، والتجارة التى كانت صلب عمل قريش وأصل ثروتها بحيث تغلغل الوعى التجارى فى نفسية القرشيين وكان على القرآن، لكى يثير اهتمامهم أن يتحدث عن "تجارة" لا تبور، وتختلف التجارة عن الصناعة التى تقوم على التكييف والإضافة، أو عن الزراعة التى تعتمد على العمل والمتابعة فى أنها لا تتطلب شيئا من هذا، ولا تمثل "قيمة مضافة" وإنما هى عملية نقل المنتجات إلى الأسواق لبيعها هناك. بأثمان تزيد أضعافاً عما دفع فيها.. وأهتبالً الفرص، والتحكم فى الأسواق وما إلى هذا كله من دهاء تجارى يستهدف الربح .. وكان المصدر الثالث من مصادر الاقتصاد هو الغارات على الجيران فعندما تشح السماء، فلا يسقط المطر، ولا يكون هناك مجال لرعى. أو عندما تتعسر عليهم سبل التجارة.. فليس إلا الغارة على الآخرين والاستحواذ على ثرواتهم قسراً وقد تضطرهم الظروف فلا يدخرون أحداً. وأحيانا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا باستثناء الرعى الذى كان يتيح لمن يرعى التعامل مع الطبيعة، والسير فى الخلاء، وأن حياة الراعى تقضى ما بين الأرض والسموات فضلا عما تتطلبه حرفته من تعامل مع الحيوان يقوم على الحرص عليه وتمكينه من غذائه والخروج به فى الصباح والعودة عند المساء. نقول باستثناء الرعى، فإن الغارات كمصدر اقتصادي لا تتضمن إلا قيم السلب والنهب وأما التجارة فإنها تقوم على الذكاء التجارى وتطبيق دستور التجار كافة "أشتر بأرخص الأسعار وبع بأغلاها" ولا جدال فى أنها تتطلب ذكاء ومهارة وخبرة وحسن تقدير ولكنها كلها فى النهاية تصب فى وازع الربح. وتختلف التجارة فى هذا عن الزراعة – أم الحضارة القديمة أو الصناعة أم الحضارة الحديثة فكل واحدة منهما تغرس فى الإنسان مهارات وملكات تمثل إضافة خلاقة وسلوكاً سلبيا فى حالة الزراعة وإيجابيا فى حالة الصناعة. وهنا يتفق الاقتصاد الجاهلى مع الدين الجاهلى فى أنه لا يقوم على قيم أو أسس أو مبادئ موضوعية. وكان المجتمع الجاهلى الذى تأثر بالدين من ناحية، وبالاقتصاد من ناحية أخرى يصطنع عادات ويضم علاقات تفى بالاحتياجات التى تتطلبها حياة البداوة.. أبرزها الولع بشرب الخمر والاستمتاع الحسى بالنساء وتسوية العلاقات بالحرب، التى كانت – كما أشرنا – مورداً من موارد الاقتصاد، ووسيلة لحسم المنازعات بين القبائل المختلفة. وقد استحوذت الخمر على نفس العربى الجاهلى، لأن مجالسها كانت تملأ فراغ يومه، ولأنها كانت تضرم فى نفسه الحمية، والفخر، والشجاعة، ولهذا قال شاعرهم : ونشربها فتجعلنا ملوكاً وأسـداً ما ينهنهنا اللـقاء وقالوا فى رثاء ربيعة بن مكدم : لا تنفرى يا ناق منه فإنه شريب خمر مسعر لحروب كما كانت تغذى الشهوات الحسية، وهذه كلها ملاك الفضائل لدى العربى الجاهلى، وتشجع على حسم العلاقات ما بين القبائل بعضها ببعض بالعنف والحرب، وما بين الرجل والأنثى بالاستمتاع الحسى.. وتعد قصائد امرئ القيس ومعلقة طرفة بن العبد تمثيلا دقيقاً لما كان يملأ حياة الشاب العربى النابه فى الجاهلية، وهى تضم العناصر الثلاث التى قام عليها المجتمع الجاهلى وأشرنا إليها آنفا وتضمنتها أبيات طرفة المشهورة : ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك، لم أحفل متى قام عودى فمنهن سبقى العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد وكرى إذا نادى المضاف مجنباً كسيد الغضاء نبهته المتورد [6] وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الخباء المعمد [7] وبصفة عامة فإن الشعر الجاهلى عن المرأة يعبر عن عاطفة حسية، واستمتاع جنسى باستثناء الحالات القليلة عن الحب العذرى، وهذا هو ما كان يتفق مع المجتمع الجاهلى – مجتمع الحرب أو الشرب مما لم يكن يسمح بمشاركة المرأة، ومن ثم فقد اقتصرت العلاقة ما بين الرجل والمرأة على الصلة الجنسية ولا ينفى هذا أن جانبا من جوانب الحمية، أرتبط بالعرض وأحاط المرأة بصيانة خاصة، ولكن هذا لم ينشأ من سمو المشاعر، ولا من سمو منزلة المرأة، ولكنه كان من مقتضيات الحمية الجاهلية، وقد يدل على هذا أن ثلاثة أنماط من أنماط الزواج الأربعة التى كانت شائعة فى الجاهلية وتحدثت عنها عائشة كانت أقرب إلى الدعارة كزواج الاستبضاع، وهو أن يعتزل الزوج زوجته عند بدء طهرها ويقول لها أرسلى إلى فلان فاستبضعى منه ويعتزلها ولا يمسها حتى يتبين حملها "وإنما يفعل ذلك رغبة فى نجابه الولد !!" بالإضافة إلى نمطين آخرين ينشآن عن العلاقة بالعاهرات، مما ينم على أن حاسة الشرف عند الجاهلى لم تكن بالصورة الشائعة عند الناس. وكان العامل الذى اكسب القبيلة العربية تماسكها فى الجاهلية هو "العصبية" وهى كلمة تغلغلت عميقاً فى جذور المجتمع العربى، وعنى الإسلام أول ما عنى بالقضاء عليها ونجح فى هذا فترة الخلافة الراشدة، ولكنها عادت مع بنى أمية وتمثلت فى موقعة مرج راهط ثم سارت حتى بلغت الأندلس، وكانت سبب تنازع القبائل العدنية واليمنية وأعتبرها ابن خلدون أساس تماسك الملك وكان من العسير اقتلاعها لأن المجتمع الجاهلى بُنِىّ عليها فهى الانتماء وكانوا يقولون إن العرب تنتمى للأباء والأسلاف بينما الأعاجم تنتمى إلى الأماكن والأوطان، وكان عرف القبيلة هو القانون من يحترمه يظفر بحمايتها ومن ينتهكه يحرم من هذه الحماية، ويعد "مهدور الدم" وعرف القبيلة "ذاتى" لا يعرف الموضوعية وشعاره "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" وأن يغضب ألف سيف عندما يغضب شيخ القبيلة "لا يسألون لم غضب" وعن هذه الذاتية المفرطة نشأت عادة الثأر واكتسبت قداستها "وذاتيتها" بمعنى أن ثأر المقتول لا يطلب عند قاتله فحسب، وإنما يطلب عند "قبيلة" قاتله، ولا يقتصر على القاتل، وإنما يشمل أسرة القاتل كلها وقد نشأت أقسى وأطول الحروب نتيجة لثارات كان يمكن أن تسوى لو ضبط الثار ولم يترك ليشمل القبيلة كلها، وما يعنيه هذا من الحرب كحرب البسوس – لأن كليب أصاب بسهمه ناقة البسوس وهى ضيفة جساس – أخى زوجة كليب جليلة – الذى رأى فى ذلك خفراً لذمته ولجواره. فذهب إلى كليب وقتله وهكذا اشتعلت الحرب أربعين عاماً ما بين قبيلة بكر وتغلب وقضت على زهرة فرسان القبيلتين. كما اشتعلت الحرب بين عبس وذبيان نتيجة سباق بين داحس، وهو حصان قيس بن زهير العبسى، والغبراء وهى فرس حمل بن بدر الذبيانى، وكاد أن يسبق داحس لولاً أن رجالاً كمنوا له وردوه عن سيره فسبقت الغبراء ونشبت الحرب بين عيس وذبيان حتى كادت تفنى القبيلتين .. وكان يمكن لهذه الحرب الضروس أن لا تنشب أصلاً، أو كان يمكن أن تحسم بالصلح، لولا غلبة العصبية والغلو فى الثأر .. وصور جعفر بن أبى طالب مجتمع الجاهلية أمام النجاشى فقال "أيها الملك. كنا قوماً أهل جاهلية. نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسئ الجوار ويأكل القوى منا الضعيف .." z على أن هذا لا يعنى تجرد عرب الجاهلية من الفضائل فقد كان فى سجيتهم الكرم والشجاعة والأنفة، ولم يخضع العرب لحكم الملوك ولا لطاعة السلاطين ولم تكن لهم حضارة تقضى على الفطرة التى كانت غالبة عليهم، وقد برزوا فى أحد الفنون الرفيعة وهو الشعر فكان محل فخرهم وكانت القصائد الممتازة تعلق على الكعبة، ومن ثم حملت أسم "المعلقات". كانت الطينة التى جُبل منها العربى الجاهلى طينة فطرية صلبة، ولكن غشيتها غشاوات الجهل والعصبية فحجبت قوتها وانحرفت بها إلى المسارات الضالة، وكان لابد أن يتخلص المجتمع الجاهلى منها حتى تظهر طبيعتها الحرة.. القوية، وهذا ما قامت به ثورية القرآن. z - المجتمع الإيمانى الذى جاءت به ثوريّة القرآن جاء القرآن فقضى قضاءً مبرما على الأوضاع الجاهلية. لقد عرفهم على "الله" تعالى وكشف لهم عن عوالم قدرته، ورحمته، وخلقه لهذا الكون العجيب من سماوات وأرضين، وتسييرها كلها بنظام دقيق ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. وأنه تعالى هو مصدر القيم العظمى من رحمة وعدل ومساواة وحب التى تضمنتها الأسماء الحسنى، وأكد لهم تأكيد اليقين إن هناك بعثاً بعد الموت ونشراً من القبور وحساباً وثواباً وجنة ونار.. يقوم على العدل بميزان لا يغفل مثقال ذرة ... فأٍين هذه الصورة الرائعة والآفاق الجديدة اللانهاية زماناً ومكاناً من أوثانهم تلك القبيحة الجامدة ؟ لقد كان لابد لهذه الأوثان أن تزول حتى وإن لم يسقطها الرسول واحداً بعد واحد عندما دخل مكة فسقطت الأوثان وأرتفع "لا إله إلا الله".. أما الغارات التى كانت مصدر رزق عندما يحل القحط فقد قضى عليها الإسلام بما أوجده من نظم للزكاة وللتكامل الاقتصادى . وكانت قضية العصبية من أصعب القضايا، وقد قضت عليها أخُوَّة الإسلام وإشاعة قيم المساواة الخ.. وندد بها الرسول بصورة تنفر منها النفوس فشبهها بالخرء يدهده الجُعل بأنفه وقال دعوها فإنها مُنتنة . ولئن كانت عوامل التحول التى سنشير إليها فى الفصل المقبل سمحت بعودتها بدرجات متفاوتة، فما كان فى العهد النبوى والراشدى لأعز عزيز فى العرب أن يقول ما قاله مهلهل "بؤ بشسع نعل كليب [8] " وعندما وطأ رجل من فزاره إزار جبله بن الأبهم ولطمه هذا لطمة أدمت أنفه أراد عمر الاقتصاص منه وارتاع جبله وقال "أتقصه منى وأنا ملك وهذا سوقه ؟" فقال عمر إن الإسلام سوى بينكما .. وفض الإسلام مجالس الخمر التى كانت سلوة الجاهلية وتسليتها وأحل محلها مجالس للذكر والعلم والعمل الصالح .. وعمد القرآن إلى الثأر فألزمه جادة العدالة وأن يكون فى شكل "قصاص" مع ترغيب فى العفو فإن لم يكن ففى الدية . أما المرأة، وأما الرقيق فقد كانا همان من هموم الإسلام لم يسترح إلا بعد أن حل مشكلتهما، فأوجب العتق بنص القرآن ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وحرم الوأد واعترف بشخصية المرأة وحقها فى الإرث الذى حرمته الجاهلية عليها، وحقق المساواة بينهما، وحرم تلك الصور من الزواج القائمة على الدعارة، ووضع نظم الزواج والطلاق بما يحقق فى أرادة القرآن من محبة وسكينة .. وعندما نزل القرآن خشع بلغاء العرب وشعراء القبائل أمامه فتصدر، وتأخر الشعر ووضع القرآن أساساً ليظهر النثر البعيد عن سجع الكهان، ولتتقدم الكتابة وليستلهم العرب من معانى القرآن ما لم يكن يجدوه فى الشعر الجاهلى الذى كانت مادته الفخر والغزل والاستمتاع الحسى والتعصب القبلي. أسقطت ثورية القرآن الآلهة المعبودة، وآلهة السلطة، وآلهة المال، وآلهة الشهوات التى طالما استبدت بالناس، وأحلت محلها عبادة الله وحده – الرمز والمثل الأعلى، والخالق الحكيم الرحيم العليم الذى يلهم الخير والعدل والحرية ويوجب المساواة والأخوة بين الناس ويضع أصرهم والأغلال التى كانت عليهم وينقذهم من الظلمات إلى النور. كانت هذه المعانى هى ثورية القرآن، وعندما تغلغلت فى نفوس المؤمنين الأول فإنهم أقاموا عالماً من الحب والأخوة والمساواة والعمل لما يرضى الله . إن شعب فرنسا عندما تعرف بعد هذا التاريخ بألف عام على شعارات الحرية، والمساواة التى نادى بها عدد من المفكرين ثار وأسقط الملكية ودمر الباستيل وأقام الجمهورية. فكيف عندما تأتى هذه المعانى فى أقوى صورة، ويصدع بها القرآن ويدعو إليها الرسول الذى جعل القيادة خدمة ورسالة بعد أن كانت تعاليا وسيطرة... تلك كانت ثورية القرآن ... وعندما حج الرسول حجة الوداع، كان الإسلام قد غرس بذور ثورته وأودى بالأوضاع الجاهلية التى أشرنا إليها.. وأوجد أوضاعاً مختلفة كل الاختلاف تصورها كلماته .. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وأنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من أتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وأن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (وكان مسترضعا فى بنى ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية). أما بعد أيها الناس، إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذا أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم أيها الناس: إن النسىء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله. أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولى فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولى واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ المسلم، وأن المسلمين أخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت .. كانت خطبة الوداع – من ناحية – وداعاً للجاهلية بخمرها، وآلهتها، وعصبيتها، وحميتها، واستقبالاً للإسلام بعبادة الله والأخذ بمكارم الأخلاق وإشاعة لقيم المساواة، والخير، والعدل التى جاءت بها ثورة القرآن .. z |
||