|
|||
|
|
رأينا أن القرآن الكريم والرسول العظيم قاما فى المدينة بتجربة ثورية لم تشهد لها البشرية مثيلاً لأنها جمعت ما بين الدين والدنيا – القول والعمل، وحققت "اليوتوبيا" المنشودة، وبرئت من لوثات الثورات. ولكن عوامل عديدة عصفت بهذه التجربة قبل أن تتغلغل جذورها فى أعماق المجتمع العربى، وكان مقتل عثمان واستشهاد على والألوف المؤلفة للقتلى فى الجمل وصفين، بما فيهم زهرة الصحابة، من العنف والقوة بحيث سمحت بوجود "المُلك العضوض" الذى يختلف فى روحه بالدرجة الأولى، وفى مظاهره بالدرجة الثانية عن روح ومظاهر الثورة التى حققها الإسلام فى المدينة... ولسنا الآن بصدد تحقيق أسباب هذه النقلة الجسيمة، ولا الحكمة منها، ولماذا لم يسمح الله تعالى لهذه التجربة بالبقاء، ولو لمدة أطول مما سلختها، وما هى الحكمة فى ذلك فهذا ما تعنى به دراسات موسعة توضع لذلك أساساً. ولا جدال فى أن هناك حكمة أرادها الله... فإن الله تعالى لا يصطنع أقواماً إلا على أساس إتـباعهم لما أنزله، ولعله تعالى أراد أن يعلمنا أن لا نسرف فى الأمل والتفاؤل أو نستكين إلى مثال سابق. المهم أن المجتمع الذى جاء مع بنى أمية كان مجتمع المُلك العضوض الذى كان كما قلنا – يختلف فى روحه عما أرادته ثورية القرآن حتى وإن احتفظ ببعض الظواهر والشكليات.. ونشأت عن هذا الوضع مفارقة كبيرة، فالناس بين أيديها قرآن تصدع آياته بالثورية، ولكنهم يعيشون فى مجتمع تتعارض، أو حتى تتناقض، أوضاعه مع هذه الآيات.. عوامل عديدة أدت إلى هذه النقلة الجذرية منها : أولا: إن الانتقال من الخلافة الراشدة إلى المُلك العضوض بدأ بالمحنة التى أدت إلى قتل الخليفة الثالث عثمان ثم مرت بمخاض دموى رهيب ومؤلم نزفت فيه دماء المسلمين وقتل قادة الأمة: على، والزبير، وطلحه، وعمار، والألوف من الصحابة، فكان لابد لهذا المخاض أن ينتهى بمولود يحمل سمات مرحلة القلق والاضطراب. ثانيا: إزاء المرارة والحسرة والحيرة والهزة النفسية العميقة التى أوجدها المخاض، وأمام التعقيد الذى انطوت عليه التطورات آثر الحسن بن على أن يسلم الأمر إلى معاوية حتى يتفادى المزيد من سفك الدماء ثم لا تكون النتيجة مضمونة. وكان هذا القرار الذى أتسم بالورع والزهد والتنازل فى حقيقة الحال حنكة سياسية، لأن الأحداث دلت على أن البديل الثانى أى مواصلة الحرب بديل فاشل – كما سيتضح من الفقرة الثالثة، ومعاوية رغم أنه هو الذى غرس بذرة هذا التحول المشئوم كان أفضل من غيره، وكانت فيه أثاره وهنانة من عهد الرسول، وحلم وكرم يلطفان السطوة والسيطرة. ثالثا: إن فئات من المسلمين رفضت الملك العضوض وأرادت العودة إلى عهد الخلافة الراشدة سواء كانوا من الخوارج أو من آل البيت الذى خرجوا مع زيد بن على (زين العابدين) ومع محمد النفس الزكية. أو من أتباع عبد الله بن الزبير أو من القادة الذين ثاروا على الحجاج مثل عبد الرحمن بن الأشعث، وهزم هؤلاء جميعاً فضلاً عن خروج الحسين بن على وكارثة كربلاء التى كادت أن تستأصل أهل البيت. رابعا: لما أصبحت الثورة على القهر مستحيلة لم يعد هناك بد من الاستسلام له، حتى مع عدم "التطبيع" معه، يكشف عن ذلك الصراع بين الأئمة الأربعة، وغيرهم أيضا، وبين سلطة المُلك العضوض ثم أنقرض جيل القتال والرفض، وأنقرض جيل الرفض السلبى وعدم التطبيع وظهر جيل نشأ فى العهد ورضع لبانه، وتأثر به ولم يره شيئاً إداً. فقد حقق القرآن ثورته بالفعل وليس بعد الثورة إلا الحفاظ.. كان المجتمع يريد أن "ينام على الجنب الذى يريحه" كما يقولون، وكانت الأجيال التى نشأت فيه تتفهم هذا وتتقبله، وما كان يمكن أن تتمرد عليه ومن ثم فإنهم رأوا أن دورهم الحقيقى هو الحفاظ وليس الثورة. خامسا: يجب أن لا ننسى أن هذا الملك العضوض تصدى لرسالة بدت وقتئذ مقدسة، وهى فتح بلاد الفرس والرومان، ومواصلة الخط الذى بدأه عمر بن الخطاب فامتدت الفتوحات الإسلامية من الهند وأفغانستان شرقاً حتى الأندلس غربا، ومن المحتمل أن الأجيال التى عاصرت العهد الأموى، والعباسى رأت أن ثورة القرآن مستمرة، على أرض جديدة وتحت سماوات جديدة، وأن هذا يُحمد لهذه العهود ويذكر فى حسناتها ويبرر مناصرتها، وقد صلى عدد من الصحابة وراء يزيد بن معاوية عندما كان يقود الجيش الذى حاصر القسطنطينية. سادساً: كان الإسلام حتى فى عهد الرسول له طابع عالمي، فقد كان حول الرسول سلمان الفارسى وصهيب الرومى وبلال الحبشى وفى بيت الرسول نفسه كانت صفية ذات الأصل اليهودى ومارية القبطية ذات الأصل المصرى، وعندما بدأت الفتوح غطا طرقات المدينة الأسرى وأقبلت الشعوب المفتوحة على الإسلام أفواجاً لما رأت من بساطته وسماحته، ولأنه كان طريق الاندماج فى المجتمع والوصول إلى أعلا مراتبه، وقد استنكر عمر بن الخطاب أن يخلف أحد ولاته مولى له.. فقال الوالى أنه حافظ للقرآن الكريم فتراجع عمر وقبل هذا الوضع لأن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً، ولم يلبث الموالى أن تصدروا كل المعارف الإسلامية: الحديث، والتفسير والفقه. بل حتى اللغة العربية التى كانت بطبيعتها بعيدة عنهم، وأى شئ أكثر دلالة أن يكون إسم إمام العربية "سيبويه". ولا جدال فى إخلاص الموالى لقضية الفكر الإسلامى وخدمتهم له، ولكن هذا لا يمنع من أنهم حملوا عن آبائهم وأجدادهم تراث حضارات فارسية أو رومية أو هندية غريبة عن الإسلام، وكان هذا التراث يسرى فى الدم لأن الوراثة تنسحب على الحركات والسكنات كما تنسحب على الأجسام والألوان وتؤثر فى طريقة فهم الأشياء وتكييفها، وما كان الموالى يستطيعون – لو أرادوا – التحرر منها خاصة وأن الأجيال الأولى لم تقطع علاقتها بجذورها فاحتفظت بلغاتها الأصلية، ولعلها أورثتها أبناءها، وهؤلاء إلى أبنائهم قبل أن تنقطع العلاقة بينهم وبينها، واللغة قناة تنقل الفكر فى النفس، ولابد أن هذه اللغات نقلت إلى عالم الفكر الإسلامى مضامين عديدة جديدة عليه وبالنسبة للموضوع الذى نحن بصدده فيكاد يكون أثرها الأعظم هو فى صف الحفاظ وليس فى صف "الثورة" فلم يحضروا عهد ثورة الإسلام، أو يشتركوا فيها. وقد جاءوا مع الفتوح، التى بلغت أوجها فى العهد الأموى ثم العباسى، وكانت طريقتهم للظهور فى العهد والنظام القائم الاندماج فيه وليس الثورة عليه.. لهذا كان من الطبيعى أن ُتستبعد المضامين الثورية القرآنية ويحل محلها مضامين من أثار الحضارات السابقة التى تقوم على الحفاظ ومقتضيات الملك، ولم يعدم الذين ذهبوا هذا المذهب آيات من القرآن يمكن أن يحملوها بما ذهبوا إليه. سابعاً: إن الامتداد السريع للدولة الإسلامية وما حازته من فتوح على الدولة البيزنطية والفارسية، وما استوعبته الدولة العباسية من مؤثرات فارسية وتركية.. وحركة الترجمة التى بلغت أوجها فى عهد المأمون كل هذا أفسح المجال لظهور طرائق فى التفكير لم تكن معهودة لدى العرب. كما سمحت بظهور حركة " الوضع الوبائى فى الأحاديث " ليس فحسب انسياقا مع الأوضاع أو الضرورات السياسية. بل وكنوع من الدفاع عن الإسلام فى مواجهة المذهبيات كما فعل "الوضاع الصالحون" فى وضع أحاديث عن فضائل السور القرآنية والأدعية وغيرها .. ثامنا: إن عملية وضع الأحاديث ليست إلا جزءً من عملية أكبر وأقدم منها بكثير هى الكيد للإسلام بالدس وإفساد العقيدة بعد أن عجز أعداؤه عن هزيمته، وقد بدأت هذه العملية بمجرد قيام الإسلام، وفى عهد الرسول، وقام بها فريق من المنافقين ومجموعة من اليهود، وكان من وسائلهم نشر الشائعات، وتوجيه أسئلة معجزة للرسول، والإيمان بالإسلام نهاراً والكفر به ليلاً وأخيراً دس أحاديث وروايات لا أصل لها ونسبتها إلى بعض الصحابة واللغو فى القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ {26 فصلت}. وقد يجوز لنا أن نتساءل كم طفل من أطفال بنى قريظة لم يكن قد بلغ الحلم، وعاش بين المسلمين وكم امرأة منهم سبيت ودخلت البيت المسلم، ولعلها قد ولدت وربت وليدها على بغض الإسلام، وليس هذا إلا حالة واحدة من حالات الكيد للإسلام بمجرد ظهوره. وعندما نعلم أن اليهود، وبالذات يهود بنى قريظة حاولوا التأثير على عمر بن الخطاب فستكون لدينا فكرة عن مدى ما حاولوه. إذ دفع أحدهم إليه بصحيفة من أخبارهم يقرأها، وقبل ذلك عمر بن الخطاب بدافع الفضول والتعرف على فكرهم وعندما ذكر ذلك للرسول غضب غضباً شديداً ونهى عمر عن ذلك. ولدينا روايتان عن هذه الواقعة تضمنهما مسند الإمام أحمد بن حنبل : الأولى عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى النبي r بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي فغضب فقال أمتهوكون فيها يا بن الخطاب ؟ والذى نفسى بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذى نفسى بيده لو أن موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني. والثانية عن عبد الله بن ثابت قال جاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى النبى r فقال يا رسول الله إنى مررت بأخ لى من قريظة فكتب لى جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال فتغير وجه رسول الله. قال عبد الله فقلت له ألا ترى ما بوجه رسول الله r فقال عمر رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد r رسولا، قال فسُرى عن النبى r ثم قال والذى نفسى بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم إنكم حظى من الأمم وأنا حظكم من النبيين.[9] وفي موقعة اليرموك ضم المحدث الدقيق والذى يعد من أوثق الرواة فى الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص حمل زاملتين (ناقتين) من أحاديث أهل الكتاب، ولسنا نعلم على وجه التحقيق هل اختلطت هذه الأحاديث بأحاديث صحيفته القديمة التى كان يسميها الصادقة أم لا.. ولكن السيدة عائشة عندما علمت بذلك تطرق إليها الشك، ولم تعد تأخذ حديثه مأخذ التسليم. فإذا كان أمثال عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وكل واحد منهما إمام فى بابه كان هدفا عمل بعض اليهود للتأثير عليه، فما بالنا بالباقى .. نحن لا يخالجنا شك فى أن كل ما روى من أحاديث عن نسخ، وإضافة، وزيادة، فى القرآن، وسنعرض لأمثلة له فيما سيلى ، إنما هو جزء مما أشار إليه القرآن الكريم عندما قال ﴿.. وَالْغَوْا فِيهِ..﴾ وقد ركبت لها أسانيد ثقات حتى لا يُشك فيها، وجازت الحيلة على المحدثين لأنهم أسرى الإسناد ... z تفاعلت هذه العوامل كلها ما ائتلف منها أو ما اختلف وسارت قدماً خلال قرنين أو ثلاثة وضعت فيها أسس المعارف الإسلامية، وقدمت للدولة الإسلامية المتشحة بعباءة الخلافة، والمجتمع بعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية الأطر، والأسس التى تقوم عليها، ويجد فيها سنده التشريعى .. وظهر هذا كله كتطور طبيعى، بل بدا أمراً رائعاً فقد وضعت قواعد وأسس كل المعارف الإسلامية من حديث، أو تفسير، أو فقه، أو عقيدة، ولم يخطر ببال أحد من الذين اشتركوا فى هذه العملية أنهم ابتعدوا عن قيم قرآنية وسوابق نبوية، لأن عملية التحول تأثرت تأثراً تدريجياً، ثابتا بالعوامل التى كانت تفقد النصوص القرآنية مضمونها الثورى خاصة وأن المعالجة كانت أشبه بتقطيع أوصال الإسلام ومعالجة كل جزء على حده، وفرض التخصص ضروراته وأولها العناية بالجزء على حساب الكل.. ففى علوم القرآن كان هناك الذين يفسرونه تفسيراً لغوياً، أو مذهبياً، أو بالآثار كما كان هناك مجموعة أخرى عنيت بقضايا مثل النسخ أو أسباب النزول أو استخلاص الأحكام، وفى الحديث كان هناك علم الرواية وعلم الدراية.. وفى الفقه كان الفقه ينعزل شيئاً فشيئاً عن أصول الفقه، ووراء الجميع، وفى أصل اتجاهاتهم كانت روح العصر تسيرهم دون أن يعلموا فما كان يمكن لثورية القرآن التى قامت فى المدينة، وعلى يدى الرسول نفسه أن تستمر، لقد قبض الرسول، وتوارى الصحابة واحداً بعد آخر فلم تأت المائة حتى كان أخرهم يلفظ أنفاسه، واتسعت الرقعة من "أم القرى وما حولها" إلى إمبراطورية شاسعة لها مقتضيات واحتياجات وتربطها روابط وعلاقات وتواجه قضايا ومشكلات تختلف تماماً عما كان عليه الأمر فى المدينة. ولو قدر لأحد الصحابة أن يبعث فى عهد المتوكل ببغداد أو الفاطميين فى مصر أو عبد الرحمن الناصر فى الأندلس لصعق لما يرى من افتراق بعيد بين ما كان يألفه ويفهمه أيام الرسول[10] وما يلمسه فى هذه المناطق وما يتحدث به هؤلاء الأئمة الأعلام.. ولم يستشعر أحد من هؤلاء الأئمة هذا الافتراق لأنه حدث تدريجيا وعبر مراحل تسلم كل واحدة إلى الأخرى فلم يلحظ أحدهم الاختلاف لأنه كان كمن يشاهد نفسه فى المرآة يوما بعد يوم وشهراً بعد شهر فلم تروعه أثار السن، ولو أنه لم ينظر فى المرآة منذ أن كان فى العشرين مثلا حتى أصبح فى الخمسين لراعه الفرق الكبير .. ونحن بالطبع أبعد ما نكون عن أن ننتقد الأئمة الذين وضعوا أسس هذه النقلة، لأن هذا كان أمراً طبيعياً بعد أن ُصفيت الثورة مع مقدم الملك العضوض، ثم ما تلا ذلك خلال قرنيين حافلين بالأحداث والعوامل التى كانت تطور، وتكيف وتغير النظر فى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وكان بعضها بعيداً كل البعد عن أصول الإسلام، كتلك النقول المسهبة عن التوراة فى كتب التفسير، أو الأحاديث الموضوعة أو طريقة معالجة المنطق الأرسطى، ولكنها تزيت بزى الإسلام وأقحمت فيه عن طريق روايات جازت عليهم لأنها استمدت الشرط الشكلى (كالسند مثلا) ومن المؤكد أنه لم يخطر ببال أحد من الأئمة الأعلام أن ما يقوم به يفرغ نصوصاً قرآنية من مضمونها الثورى، أو يجافى السنة الفعلية للرسول، فلعله لو تنبه لتردد، ولكن مثل هذا التنبه ما كان يمكن أن يحدث لأن الغمار والتيار والسياق وتدافع الأحداث وتوالى عوامل التحول التى أشرنا إليها كلها حالت دون ذلك، وأنظر مثلاً إلى ثورة المفسرين على أبى مسلم الأصفهانى وهو المفسر الوحيد الذى أنكر النسخ فقالوا أنه "جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلاً فظيعاً وأنه "من شياطين المعتزلة" وأن إنكاره للنسخ "لا يصح من مسلم ممن يدعى إسلامه إلا بتأويل" وأنظر كذلك الاستقبال العدائى للطوفى الذى أعلن فكرته عن أن المصلحة هى أول مقاصد الشريعة، وتأمل المعارك التى شغلت معظم حياة ابن تيمية مع فقهاء المذاهب، والتى لم يخلص منها إلا بفضل طلاقة لسانه وثبات جنانه، ومع هذا سجن مراراً، وقل مثل هذا على ابن حزم وابن رشد وكانا من خيار الفقهاء .. ما نريد أن ننتهى إليه هو أنه بتأثير قوى عديدة حدثت عملية تحول تدريجية انتهت بنقلة – تكاد تكون نوعية – جردت القرآن الكريم من مضامينه الثورية – ومع أن هذا لم يكن مقصوداً على وجه التعيين – من المفسرين والفقهاء والمحدثين الذين مارسوا هذه العملية وأحلوا محلها مضامين تدعم الحفاظ، إلا أنها انتهت إلى هذه النهاية لأنها كانت حكم العصر ومقتضى التطور.. وأخذت هذه العملية التدريجية الطويلة شكل : 1. تفسير القرآن الكريم تفسيراً يجعله كتاب قصص وحكايات، ومعلومات وليس رسالة هداية وثورة. 2. إيثار المنهج التقليدى النقلى على المنهج التحرّرى القرآنى وتسخير السنة لتبرير ذلك مما شل ملكة التفكير، خاصة بعد إغلاق باب الاجتهاد. 3. إقحام مضامين لاهوتية أفسدت عقيدة الله وشقت وحدة الأمة -وأدت فيما أدت إليه- إلى ظهور التصوف، وغيره من الاتجاهات. وسنشير إلى كل صورة من هذه الصور فى فصل خاص فيما سيلي ..
z 1- تفسير القرآن كان الصحابة الذين عاصروا نزول القرآن يجدون فيه رياً لنفوسهم، وشفاءً لصدورهم ونهجاً لما تكون عليه حياتهم وسلوكهم. ولم يطمحوا – باستثناء قلة – أن يحملوا القرآن كله، وكان حسبهم عدد من السور يتدبرها الواحد منهم فتغنيه، لأنها قد تكون ذات معان واضحة فيفهمها، أو تكون ذات إعجاز لغوى فتخشع لها نفسه، ويمكن أن يكون هذا وذاك معا، وفى هذا أو ذاك رضا ومقنع. وكانوا على ما روى إذا تعلموا عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، وقد إستغرق عمر بن الخطاب ثمان سنوات فى حفظ البقرة، ولما أتمها نحر جزورا، ووقف عند كلمة ﴿أَبًّا﴾ فى سورة عبس {الآية 31} ورأى أن جهله بها لا يضيره، بل إن تقصيها هو التكلف بعينه. ومما يزيد فى دلالة هذا المسلك ومغزاه أن النبي r كان بين ظهرانيهم، وكان يمكنهم أن يسألوه، خاصة وقد كان كل ما جاء فى القرآن جديدا عليهم، ولكنهم أثروا أن لا يفعلوا ورأوا فى ذلك نوعا من الفضول يثقل عليهم لارتباط العلم بالعمل عندهم. فالقليل الذى يطيقونه خير من الكثير الذى لا يقومون به أولا يؤدون شكره، ويتنافى مع ما ينبغى للمؤمن من سمت وخلق. ولعلهم تذكروا ضيق النبي r بمن يسأل تزيدا وتعنتا أو تفصيلا أو دون حاجة ملحة لذلك، (ذرونى ما تركتكم) وما جاء فى القرآن من تحريم السؤال عن أشياء ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. بل أعجب من ذلك فى الدلالة أن النبى r وقد تنزل عليه القرآن لم يخبرهم بتفاصيل عن تفسير أو تأويل ما جاء به، إذ لو فعل ذلك لوصل إلينا قطعا ليس فحسب من باب الرواية كعشرات الألوف من الأحاديث الأخرى ولكن من باب الأحكام لأن ما سيقوله سيعد الحكم الفصل فى الأمر وكل ما وصل إلينا من التفسير المرفوع إلى النبى لا يتعدى ثلاثة عشر صفحة على ما ذكره السيوطى فى كتابه "الإتقان فى علوم القرآن أجمل فيها التفاسير المصرح برفعها" صحيحها وحسنها وضعيفها ومرسلها ومعضلها وإن لم يعول على "الموضوعات والأباطيل" كما استبعد ثلاثة أحاديث طويلة مرفوعة لم يثبت له صحتها أحدها حديث موسى مع الخضر.. والثانى حديث الفتون والثالث حديث الصور "الذى يتناول يوم القيامة" فسكوت النبى r عن تفسير القرآن أو معظمه له دلالته التى لا يمكن إهمالها لما فيها من حكمة .. ولخص أحد الشيوخ المعاصرين الموقف فقال " إن القرآن الكريم لم يحظ بتفسير مروى عن الرسول ولا عن صحابته إلا فى آيات قليلة جداً ومتناثرة فلا يمكن أن تكون تفسيراً كاملاً بالرواية يعتمد عليه"..[11] وعلى كل حال فقد اختلفت الصورة بعد أن قبض النبى وانقضى جيل الصحابة وجاءت الفتوح بالألوف المؤلفة من الذين أسلموا مع انتصار الإسلام من يهود أو نصارى أو صابئة.. وحملوا معهم بقايا معتقداتهم القديمة التى لم يكن من السهل عليهم التخلص منها ولم تسعفهم معرفتهم المحدودة بالعربية فى تفهم القرآن أو إدراك إيجازه ومجازه، استعارته واشارته، ولم يكن فيهم ذلك الحرص على الجمع بين العلم والعمل وإنما كان فى معظمهم فضول للتعرف على ما جاء فى القرآن ومدى اتفاق أو افتراق ذلك عما كانوا يعتقدونه وعزز هذا كله أن توسع المجتمع وتشعبت قضاياه وتعددت مسائله ولم يكن الذين ولوا الأمر بمنزلة النبى المشرع الذى يفصل فى الأمور بما لا يرد فانفتح الباب أمام ما أطلق عليه "علوم القرآن" وعكفت مجموعات من الناس على تأويل وتحليل وتفسير آيات القرآن كل من زاويتها الخاصة مستعينة فى ذلك بما كان فى الكتب القديمة وبوجه خاص التوراة وما كان بين يدى أهل الكتاب من أقاصيص وروايـات طافحة بالتفاصيل ولم يجدوا حرجا من ذلك لما رووه من أحاديث لا تحرم ذلك بل لقد رووا "حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج" فنقلوا عن "علماء اليهود أو من ظنوهم علماء بالتوراة وربما لم يكونوا من العلماء بل من النقلة المحرفين الذين يحرفون ويزيدون أو من عوامهم الذين يسمعون وينقلون ويزيدون، ويستمع منهم المسلمون حتى لتجد كتب التفسير محشوة بتفاصيل لهذه القصص لم يذكرها القرآن ولكنها مأخوذة عن هؤلاء مما اشتهرت تسميته "بالإسرائيليات" وبعض هذه الإسرائيليات تجدها معزوة إلى ابن عباس أو غيره من الصحابة والتابعين مما يوهم روايتها عن الرسول r وما هى كذلك وإنما هذا مصدرها الذى أتت منه، اليهود الذين أسلموا ونصبوا من أنفسهم أو نصب منهم المسلمون معلمين مخبرين، مما لم يذكره القرآن من تفاصيل القصص."[12] وامتلأت كتب التفاسير بهذه الأقاصيص وغيرها كأن ذكر ذلك هو القصد وليس تفسير القرآن بعينه حتى صح على بعضها ما قيل على تفسير الرازى "فيه كل شئ إلا التفسير." ودخلت ثلاث مجموعات على الأقل مجال التفسير فاللغويون أرادوا أن يصلوا إلى أسرار الإعجاز اللغوى فى القرآن، وما جاء به من نظم بديع ونسق فريد، وتطويع فى بنية الكلمات ليحقق وحدة الإيقاع وتنغيم الألفاظ، وليصل بالجملة القرآنية إلى أقصى درجة من إحداث الأثر وأداء المعنى، والمذهبيون حاولوا إثبات مذاهبهم فى جوانب من العقيدة بمختلف الآيات مستغلين مرونة التعبيرات وما يمكن أن يحمله تركيب الجملة القرآنية من معانى، وبوجه خاص الآيات المتشابهات، والإخباريون تتبعوا الوقائع التى ذكرت فى القرآن من خلق آدم حتى قيام الساعة وما بين ذلك من أحداث، وقصص الأمم التى تحدث عنها القرآن، وفى مقدمتها بنى إسرائيل .. والمأخذ الذى يؤخذ على هؤلاء جميعاً أنهم فى غمرة اهتماماتهم بتخصصاتهم وعملهم لإثبات وجهات نظرهم أهملوا الإشارة إلى روح القرآن نفسه تلك الروح التى تنتظم آياته جميعا ككتاب إحياء ونهضة وهداية يستهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور. وكانت النتيجة أن المفسرين – كما لاحظ ذلك أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية "قد تصوروا مهمتهم على نحو خاص كان له أثر بين فى توجيه التفاسير التى وضعوها فقد واجهوا القرآن فى البداية كنص يراد شرحه وإيضاح معانيه فشرحوا غامضه وحرروا معانيه وأشاروا إلى ما يتضمنه من مبادئ وأصول، ولكن الأمر لم يلبث أن تطور إلى صورة لم تكن تخطر لأحد على بال ولن نستطيع أن ندرك هذا التطور الجديد حق إدراكه إلا إذا تذكرنا أن العلوم العربية كانت فى هذه الحقبة تنمو وتزدهر فى دراستها فأوغل فريق فى دراسة البلاغة وتوسع آخرون فى دراسة النحو والصرف أو اللغة وجمع غيرهم فى دائرة تخصصهم بين كل هذه العلوم أو عدد كبير معها. والأمر الخطير هنا أن التخصص العميق يصبغ صاحبه بصبغته الخاصة بصورة قوية فعالة لا يستطيع أحيانا أن يتحرر منها حتى إنه لينظر إلى الأشياء من وجهة نظر تخصصه شاء أم أبى. وقد أتجه كثير من هؤلاء اللغويين إلى تفسير القرآن فماذا كانت النتيجة ؟ بحسبك أن تنظر فى تفسير الزمخشرى مثلا وأن تتذكر حين النظر فيه أن الرجل من كبار علماء النحو والصرف واللغة والبلاغة فستجد فى تفسيره مصداق ما أشرنا إليه آنفا من تأثر الرجل تأثرا عميقا بالعلوم التى تخصص فيها، فأول ما يأخذه نظره من القرآن فيحاول بحثه ودرسه هو الاستعارات والمجازات وغريب القرآن ثم نحو القرآن وصرفه حتى إذا وصلت إلى حاشية الجمل على الجلالين خيل إليك أن الرجل إنما كان يعنيه أن يتخذ من القرآن الكريم مجالاً لتطبيق علوم اللغة وبخاصة النحو والصرف أما معانى الآيات وموضوع القرآن فقد أصبح بمعزل عن مجال الشرح والعرض وخلاصة الأمر أن القرآن تنقلت به الحال من كتاب لتربية المسلمين وتعليمهم الدين والشريعة إلى نص لمجرد الفهم إلى ميدان فسيح لتطبيق علوم اللغة على اختلاف أنواعها وبهذا تم عزل القرآن كعامل يعمل لتربية المسلمين وتكوين عقائدهم وأخلاقهم وشريعتهم وتوجيه سلوكهم" . [13] وعثرة اللغويين من المفسرين نشأت من أنهم ركزوا العناية على الصناعة اللغوية والنحوية بصورة تفرغ الأسلوب من المضمون فقالوا أن فى آية: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ عشرين ضربا من البديع وأن قوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قد جمع الخبر والطلب والإثبات والنفى والتوكيد والحذف والوعد والوعيد.. وفضلوا الآية ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ على التعبير العربى القديم "القتل أنفى القتل" وتقصوا ما فى القرآن من تشبيه واستعارة وكناية وتعريض وإيجاز وإطناب وخبر وإنشاء الخ... وألفت كتب كاملة عديدة فى أنواع ذلك. وأسوأ من عثرة التركيز على الصناعة بصورة تـُنسى المضمون القرآنى أنهم فى بعض الحالات إفتاتوا على أسلوب القرآن وحاولوا أن يخضعوه لقواعدهم. فإذا نزلوا عن ذلك قالوا –كما روى السيوطى– "هذا تفسير معنى وهذا تفسير إعراب.. والفرق بينهما أن تفســير الإعراب لابد فيه من ملاحظـة الصناعـة النحـويّة وتفسـير المعنى لا تضره مخالفة ذلك."[14] وأشار كاتب محقق هو الأستاذ أحمد عبد الستار الجوارى فى كتابه "نحو القرآن" إلى المأزق الذى وقع فيه النحاة واللغويون عندما أرادوا الجمع بين مذاهبهم المقررة وما تشمل عليه الصياغة القرآنية من بلاغة، بدلا من أن يجعلوا أساليب القرآن المثال الذى يقتدى به وتقتبس منه قواعد اللغة فقال: "ولكن الذى كان ممن وضعوا النحو فى أول الأمر غير ذلك بل عكس ذلك من بعض الوجوه فقد اشتطت بهم السبل وعميت عليهم المسالك فتنكبوا سبل القصد واعتمدوا فى وضع قواعد النحو على ما بلغهم من كلام العرب شعره ورجزه ومثله. أو آثروا جانب المنطق فتصوروا القاعدة قبل استقراء المادة اللغوية وركبوا مركب الشطط فحاولوا أن يجعلوا للقواعد المجردة سلطانا على المروى المأثور يحكمونها فيه ويحسبون أن ذلك هو الصواب وما هو إلا مجانية الصواب ولقد بلغ بعضهم فى هذا المجال مبلغ الإيغال والغلو فحكموا على مواضيع من أى القرآن بخروجها على نحو العربية.. وركنوا إلى التأويل والتخريج، حتى تنسجم تلك المواضع بأساليبها الرائعة وتراكيبها الدقيقة مع ما افترضوا من قواعد وما رسموا للنحو من حدود. وأدى تمسكهم بقواعدهم بالزمخشرى لأن ينزلق دون أن يشعر فيقول فى تفسير ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ "والأصل ويبغون لها عوجا فحذف الجار وأوصل الفعل" ولم يستشعر الزمخشرى حساسية أو أنه أساء التعبير عندما قال "والأصل.." الأمر الذى استشعره مؤلف "نحو القرآن" فوضع لفظة (والأصل) بين قوسين واتبعها بعلامة تعجب واستفهام لأن الزمخشرى دخل الحلبة كنحوى ولغوى يرى الأصل فيما يراه النحاة واللغويون.. بينما رأى الأستاذ الجوارى الأصل فيما يضعه القرآن".[15] وعندما لم يـفهموا ضرورة النغم فى التعبير والإيقاع فى السياق وما يؤدى هذه المهمة من حروف أو كلمات، زعموا أن كل شئ يوجد لتحقيق ذلك، ولا يدخل فى استخداماتهم النحوية، يكون – بتعبيرهم "لغوا" ولم يجدوا حرجا من قول ذلك بالنسبة لنصوص قرآنية.. فنقرأ فى استخدامات "ما". س"والثانى أن يكون لغوا وذلك نحو قوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أى فبرحمة.. ومثل ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أى بنقضهم. وأما قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ ففيه قولان: أحدهما أن ما لغو، والتقدير أن الله لا يستحى أن يضرب مثلا بعوضة والثانى أن ما نكرة وبعوضة بدلا منها يسد مسد الوصف ويجوز الدفع فى بعوضه من وجهين أحدهما أن تكون خبر مبتدأ محذوف على طريق الجواب كأن قائلا قال ما هذا المثل فقيل بعوضة، أى هى بعوضة. والثانى أن تكون ما بمعنى الذى وبعوضة خبر مبتدأ محذوف والجملة من صلة ما والتقدير أن الله لا يستحى أن يضرب مثلا الذى هو بعوضة.[16] فأنظر إلى هذه الإفتياتات والتعسفات والتعبيرات الركيكة والتفسيرات السقيمة على حين يمر التعبير القرآنى بالنفس مرور النسيم العليل ويدخل الآذان دخول النغم الجميل. وقد يتلطفون فلا يقولون "لغوا" ولكن زائدة كما قالوا فى "من" فى قوله تعالى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ "كأنه قيل ما لكم إله غيره" فى حين أن تركيز الجملة القرآنية يكاد يتأتى من حرف "من" الذى اعتبروه زائداً. وقد لفت إطلاق تعبير "زائدة" على حروف أو كلمات أوردها القرآن، ومدى لياقة ذلك الإمام السيوطى. فأورد فيما يجب على المفسر.. ".. أن يجتنب إطلاق لفظ الزائدة فى كتاب الله، فإن الزائدة قد يفهم منه أنه لا معنى له، وكتاب الله منزه عن ذلك".. وأعياهم جميعاً أن يفهموا حكمة كلمة "ليلاً" فى الآية الأولى لسورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..﴾ الخ.. لأن السرى لا يكون إلا ليلاً، ومن ثم فإن تكرارها من الناحية اللغوية فحسب يكون لا معنى له، والحق أن القرآن أثبت ليلاً لأن لها ضرورة فى نغم الآية لا يتأتى إلا بها، والقرآن إيقاع وموسيقى كما هو نحو ولغة، ومقتضيات الإيقاع والموسيقى أكثر ضرورة من مقتضيات اللغة، لأنها هى التى توجد التأثير الذى يريده القرآن. على أن مواقفهم تلك تهون أمام موقفهم تجاه "لحن القرآن" كما زعموا أى التعبيرات من نوع ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ فهنا حطم القرآن أقدس المقدسات النحوية من رفع أو نصب وكان أهون عليهم أن يمسوا قداسة القرآن من أن يمسوا أوثانهم التى ظلوا لها عابدين فأوردوا أحاديث مؤتفكات فرووا عن عروة أنه سال عائشة عن ذلك فقالت: "يا إبن أختى هذا عمل الكُتَّاب أخطئوا فى الكتاب" ورووا عن عكرمة قال "لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملى من هذيل لم توجد هذه الحروف" كما رووا عن أبان بن عثمان يرويه الزبير يقول قلت لأبان بن عثمان كيف صارت ﴿لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بين يديها وما خلفها رفع وهى نصب ؟ قال من قبل الكُتًّاب كتب ما قبلها ثم قال ما أكتب ؟ قال أكتب "الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ" فكتب ما قيل له ونسبوا إلى سعيد بن جبير أنه قال فى القرآن أربعة أحرف لحن "والصابئون" "والمقيمين" ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ .. z ومن هذا ما أخرجه بن جرير وسعيد بن منصور فى سننه عن طريق سعيد بن جبير عن إبن عباس فى قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ قال إنما هى خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا أخرجه ابن أبى حاتم بلفظه هو فيما أحسبه مما أخطأت به الكتاب وما أخرجه ابن الأنبارى عن طريق عكرمة عن ابن عباس أنه قرأ ﴿أَفَلَمْ يتبين الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فقيـل لـه أنـها فى المـصحف ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسْ﴾ فقال أظن الكاتب كتبها وهو ناعس! وما أخرجه سعيد بن منصور عن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقول ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إنما هى ﴿ووصى رَبُّكَ﴾ التزقت الواو بالصاد وأخرجه من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ووصى رَبُّكَ﴾ ويقول أمر ربك أنهما واوان التصقت أحدهما بالصاد[17] وأخرجه عن طريق أخرى عن الضحاك قال كيف تقرأ هذا الحرف وقضى ربك فقال ليس كذلك نقرؤها نحن ولا ابن عباس إنما هى ووصى ربك وكذلك كانت تقرأ وتكتب فاستمد كاتبكم فاحتمل القلم مدادا كثيراً فالتزقت الواو بالصاد"[18]. فهذه كلها إما أن تكون روايات متهافتة وإما أن تكون من باب "وكم من عائب قولا صحيحا. وآفته من الفهم السقيم" وهذا واضح عند مقارنة دعاوى القوم بنص التنزيل العظيم تعالى عما يزعمون ولا يخالجنا شك فى أن هذا الكلام بأسره موضوع أو موهوم حتى عندما يحكم المحدثون بأن فيه ما هو صحيح على شرط الشيخين فلا عائشة ولا عثمان ومن باب أولى عروة وعكرمة وغيرهما يمكن يقولوا ذلك أو أن يحملوننا على قبوله ولأسهل علينا أن نقول إن القرآن أراد أن يحطم وثنية هؤلاء النحاة الذين يعبدون القواعد دون المعانى كما أراد أن يحطم وثنية الذين يعبدون الملوك والأباء والشموس والأقمار دون خالقها جميعاً. وقد كانت هذه الأقوال المنحولة والادعاءات الموضوعة وأمثالها هى عدة المستشرقين وأعداء الإسلام فى الكيد له، وبناء الأحكام عليها .. وقد تقصى كاتب مجتهد بعض مواقف اللغويين المجافية للنصوص القرآنية، مما أدى به إلى المطالبة بتعديل أربعين قاعدة من القواعد النحوية[19] أدرجها فى كتابه "نظرية النحو القرآنى" ونحن نعرض هنا باختصار إفتياتات بعض اللغويين على القرآن الكريم تمسكا منهم بنظرياتهم ووصفهم بعض القراءات الثابتة بالرداءة والقبح، وما إلى ذلك من الصفات التى لا تناسب القرآن الكريم. من ذلك أنهم أرادوا قراءة الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بجر الأرحام عطفاً على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض، وهى قراءة متواترة عن النبى قرأ بها سلف الأمة واتصلت بأكابر قراء الصحابة.. لأنها تخالف قاعدة "لا يجوز عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض إلا بعد إعادة الخافض" وردوها، وخطئوها وحرموا القراءة بها تحريما قاطعاً قال المبرد "لو أنى صليت خلف إمام يقرؤها لقطعت صلاتى وحملت نعلى ومضيت" .. وقال النحويون "لا يجوز وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب" مع أن فى القرآن الكريم ثمانى عشرة آية وقع فيها الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب مثل ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ و ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ و﴿لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. ومن قواعدهم يجب فتح ياء المتكلم ولا يجوز كسرها فى نحو ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ {سورة إبراهيم، آية 22} وتبعا لهذا أنكروها ورموها بالقبح واللحن والرداءة والغلط والوهم والشذوذ وقالوا " إنها رديئة مرذولة" .. وقال النحاة "يمتنع وقوع "كل" المضافة للنكرة مفعولاً به، مع أن هذا أمر جاء فى القرآن الكريم 37 مرة.. وجاءت ست عشرة مرة فى سورة الأنعام.. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ {25} ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ {80} ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ {111} ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ {101} ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ {146}. وضرب المؤلف مثلاً لمعارضة النحاة "ما جاء فى تحقيق الهمزتين فى مثل أئمة فى قراءة سبعية متواترة.. بل فى قراءات متعددة متواترة..، ومع ذلك وصفوها باللحن بحجة أنها لا تتفق مع القياس.. ونسوا أن السماع الصحيح الكثير المتواتر.. فوق كل قياس، لأن اللغة تثبت بالسماع الصحيح الكثير قبل أن تثبت بالقياس.. وما أجمل المبدأ القائل : "مقياس الترجيح هو السماع الصحيح" .. ذلك موقفهم من تحقيق الهمزتين... فلما جاء الإبدال (أى إبدال الهمزة الثانية ياء فى كلمة أئمة) وصفوه باللحن أيضا.. إستمع إلى الزمخشرى يقول: "فأما التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن تكون قراءة، ومن صّرح بها فهو لاحن محرف" .. وقريب من هذا أو اشدّ منه.. موقفهم من قراءتين جاءتا فى قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ حيث قرأت كلمة ﴿هَذَانِ﴾ بالألف مع تشديد النون من "إن" فى قراءة سبعية متواترة.. بل فى قراءات متعددة.. فعارضها بعض النحاة معارضة صريحة.. بل أنكروها إنكارا تاما وقالوا إنها ليست من القرآن لأنها غلط من الكاتب. فلما جاءتهم قراءة سبعية أخرى بالياء "هذين" عارضوها أيضا معارضة صريحة.. وقالوا: إنها "غلط من الكاتب" أيضا. وأنظر إلى ركاكة ما يحملهم عليه تمسكهم بقواعدهم فقد قال الله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)﴾ والإعراب الفطرى الذى يتبادر إلى الذهن لأول وهلة هو أن تعرب كلمة "السماء" مبتدأ. وخبره ما بعده "جملة انشقت"، وكذلك الحال فى الآية الأخرى، فالأرض مبتدأ، ما بعده خبر له "جملة مدت"، وبه قال بعض العلماء الإجلاء غير أن جمهور النحويين رفضوا هذا الإعراب الفطرى السليم، وتأولوا الآيات تأويلا يخرجها عن سلاستها المألوفة فى القرآن الكريم فقالوا: التقدير إذا انشقت السماء انشقت، وإذا مدت الأرض مدت، فـ ﴿السَّمَاءُ﴾ فاعل لفعل محذوف تقديره ﴿انشَقَّتْ﴾، و ﴿الْأَرْضُ﴾ نائب فاعل لفعل محذوف تقديره ﴿مُدَّتْ﴾ تكلفوا كل ذلك ليخضعوا الآيات الكريمة للقاعدة النحوية التى صنعوها بأيديهم.. تلك التى تقول بوجوب إضافة إذا الشرطية إلى جملة فعلية، وفى هذا يقول ابن مالك :
وألزموا إذا إضافة إلى جمل الأفعال كَهُنْ إذا اعتلى ودخل الاخباريون الحلبة، ولعل أسبقهم وأبرزهم ابن عباس الذى أفردوا كتاباً كبيراً لتفسيره ومع هذا فقد قال عنه السيد رشيد رضا .. ".. وأما ما روى عن ابن عباس فى تفسيره فأكثره موضوع لا يصح لأنه مروى من طريق الكذابين الوضاعين كالكلبى والسدى ومقاتل بن سليمان. وذكر ذلك الحافظ السيوطى وسبقه إليه شيخ الإسلام بن تيمية بل إن رواية هؤلاء وإضرابهم التفسير عنه وعن غيره هى المقصودة من قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى "ثلاثة كتب لا أصل لها المغازى والملاحم والتفسير" قالوا إنه أراد كتبا مخصوصة فى هذه المعانى الثلاثة غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقليها ولزيادة القصاص فيها وذكروا منها تفسير هؤلاء بل نقلوا عن الإمام أنه قال فى تفسير الكلبى "من أوله إلى آخره كذب لا يحل النظر فيه" وقالوا إن كل من ينقل فى تفسيره من الأحاديث الموضوعة لا يوثق بتفسيره بالمأثور ومن هؤلاء الثعلبى والواحدى والزمخشرى والبيضاوى."[20] وأهم من هذا وأصرح ما ذكره ابن تيمية فى تفسيره سورة النور "وهذه الكتب التى يسميها كثير من الناس كتب تفسير فيها كثير من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأى بل بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية." "وأما كونه ثابتا عن ابن عباس أو غيره فهذا مما لم يثبت ومعلوم أن فى كتب التفسير من النقل عن ابن عباس من الكذب شئ كثير من رواية الكلبى عن أبى صالح وغيره فلابد من تصحيح النقل لتقوم الحجة."[21] وهذه الكلمات صريحة فى أن كثيرا من المنقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأى المجرد بل بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية ومن يطالع كتب التفسير يجد الكثير مما يصدق عليه هذا من إطلاق الآراء، أو الاجتهادات الركيكة أو الاستشهادات الباطلة بأبيات من الشعر ما أنزل الله بها من سلطان .. وقد ولع الاخباريون بمجالين كبيرين هما الإسرائيليات وأسباب النزول .. ولا يتسع المجال لإيراد، ولو نماذج من الإسرائيليات لأن هذا يتطلب كتاباً مستقلاً، وقد لفتت الظاهرة إبن تيمية وإبن خلدون. ففند ابن تيمية الاستشهاد بحديث استشفاع آدم بالنبى r وقال أنه "إنما نقل عن مثل كعب ووهب وابن إسحاق ونحوهم ممن أخذوا ذلك عن مسلمة أهل الكتاب." وشرح ابن خلدون فى مقدمته أسباب نقل المفسرين هذه الإسرائيليات فقال "والسبب هو أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ مما تتشوق إليه النفوس البشرية فى أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجـود فإنما يسألون أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل الكتاب الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التى يحتاطون لها – مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان، والملاحم، وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل: كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، وفى أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى فيها الصحة التى يجب بها العمل وتساهل المفسرون فى مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنه بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات فى الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ."[22] وفى كتب التفسير من الإسرائيليات "طامات وظلمات" لا يتسع المجال لذكر نماذج منها وقد يكفى لإعطاء الفكرة المطلوبة أن نستشهد هنا ببعض ما جاء فى فهرس كتاب "الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير" للأستاذ الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة. "الإسرائيليات فى قصة أصحاب أهل الكهف – الإسرائيليات فى قصه ذى القرنيين – الإسرائيليات فى قصة يأجوج ومأجوج – الإسرائيليات فى قصة بلقيس ملكة سبأ - الإسرائيليات فى قصة الذبيح وأنه إسحاق وليس إسماعيل عليه السلام – الإسرائيليات فى قصة إلياس عليه السلام - الإسرائيليات فى قصة داود – الإسرائيليات فى قصة سليمان – الإسرائيليات فى قصة أيوب – الإسرائيليات فى قصة إرم ذات العماد – الإسرائيليات فيما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق الخ.. – ما يتعلق بعمر الدنيا – ما يتعلق بخلق الشمس – ما يتعلق بتعليل بعض الظواهر الكونية – ما ذكره المفسرون فى الرعد والبرق – جبل ق المزعوم وحدوث الزلازل – الإسرائيليات فى تفسير {ن} و{القلم} الخ ..." zzz |
||