|
|||
|
|
2- إيثار المنهج التقليدي النقلي على المنهج التحرري القرآني لم يقتصر افتيات الفقهاء على ما وضعوه من غشاوات التفسير التى أشرنا إليها فى الفصل السابق. بل إمتد أيضا إلى السنة التى هى عدتهم وعمادهم. لأن السنة وإن كانت من القرآن بمثابة التطبيق من المثال، وبالتالى تكون محكومة بمقتضيات الواقع، إلا أنها ما كانت لتخالف روح القرآن ولهذا اتسمت بقدر من العقلانية والتحررية. ولكن لما كانت قوى التحول التى أشرنا إليها والتى قضت على الخلافة الراشدة وجاءت بالملك العضوض والحكم الاستبدادى قد ضيقت السبل على الفقهاء، فإنهم أبدعوا منهجاً يتفق مع الأوضاع التى كانت تضيق بكل تحررية، وترفض إعمال العقل ولا تسمح إلا بالعمل فى إطار الوضع القائم لهذا فإن الفقهاء إفتاتوا على السنة أيضاً، ولا جدال أن هذا كان وراء وضع أحاديث عديدة لتتلاءم مع الأوضاع السائدة، فإذا ظهرت الحاجة ابتدعت الوسيلة. وقد يكون هذا المنهج أكثر وضوحاً وصراحة فى قسرهم وتطويعهم لأحاديث لتتفق معهم، فالحديث النبوى المشهور عن معاذ عندما أجاب الرسول بم يقض فيما لم يأت فى القرآن أو السنة "أجتهد رأيى ولا الو" أصبح فى أيدى الفقهاء مخالفاً لنصه وروحه إذ إعتبر الفقهاء أن الاجتهاد ليس إلا قياساً فإذا إتحدت العلة فى قضية جديدة، مع قضية قديمة جاء فيها قرآن أو سنة، حكم فيها بما حكم فى الأولى، وبهذه الطريقة أصبح الاجتهاد قياساً (كما صرح بذلك الشافعى) وقياساً محدوداً مبنياً على حالة واحدة هى اتحاد العلة، وأين هذا من كلمة معاذ الطليقة الحرة "أجتهد رأيى ولا الو .." وكان هذا المنهج أى الابتعاد عن إعمال العقل أو تقبل الحرية وراء تفضيلهم للحديث الضعيف على القياس، وهو مبدأ أخذ به معظم الأئمة كما أثبتنا ذلك فى الجزء الثانى من كتاب "نحو فقه جديد" وهو الخاص بالسنة[26] إذ هو فى حقيقة الحال لا يعد إعمالاً للسنة قدر ما يعد فراراً من استخدام العقل أو إبداء الرأي. وأصرح من هذا كله إغلاقهم باب الاجتهاد بالكلية، وكان السبب الذى أبداه بعضهم أقبح من الذنب. ذلك أنهم رأوا أنه لا يمكن أن يظهر مجتهد فى مثل منزلة الأئمة الأربعة. فكأنهم تألوا على الله وتحكموا فى المصائر .. وأعجب شئ فى هذه المأساة، وما يدل على قوة وتغلغل روح التقليد أن أئمة المذاهب الأربعة أنفسهم وجهوا الناس لعدم الالتزام – ضرورة – بهم وأن آراءهم صواب يحتمل الخطأ .. كان العصر عصر انغلاق.. وكان لابد أن يكون المذهب مذهب انغلاق فعجزوا من التكييف السليم للسنة. zzz لقد وضع الله تعالى مستويين للتشريع : الأول: مستوى التأبيد، وهو خاص بالمبادئ التى تكون واجبة التطبيق فى كل زمان ومكان، وهذا المستوى لا نجده إلا فى القرآن.. وهو سر اقتصار القرآن على الكليات العامة دون التفاصيل فى مجال الأعمال فقد ذكر القرآن صلاة وزكاة، وحج وصوم، ولكن لم يحدد تفاصيل ذلك. لحكمة بالطبع، هى أنه لو ذكر تفاصيل لربما كان فيها ما يوجب حرجاً على أجيال ستأتى فى أزمان مقبلة ولشعوب أخرى ستؤمن بالإسلام، ولهذا لم يذكر القرآن تفاصيل، ولكنه أسهب وتوسع فى ذكر القيم من حرية، وعدل، وكرم، ومساواة، وصدق الخ… لأن هذه القيم هى معايير للعمل والسلوك وبمثابة النجوم التى تهدى الناس وتحول دون الضلال أو الانحراف، ومن هنا كان لهذه القيم طبيعة التأبيد .. أما المستوى الثانى: فهو مستوى تطبيق المبادئ التى أشار إليها القرآن، ولما كان التطبيق لا يعنى إلا التفاصيل فقد أوكل القرآن مهمة وضع هذه التفاصيل إلى الرسول فيما أطلق عليه "البيان" وقام الرسول بذلك بناء على وحى سنى يختلف كيفية ومنزلة عن الوحى القرآنى[27] - فعرف المسلمين كيف تقام الصلاة وعدد ركعاتها وسجداتها وماذا يقال فى كل منها وكيف يؤدى الصيام - وعرفهم على مناسك وشعائر الحج .. ولكن الرسول فى لفتة بارعة، ولها مغزى عظيم نهى عن أن يكتب حديثه. فميز بذلك بين سنة عملية رآها المسلمون جميعاً وشاهدوها ونقلها جيل الرسول إلى الجيل الذى جـاء بعده، وهذا الجيل الثانى إلى الجيل الثالث حتى وصلت إلينا، وهذه فى حقيقة الحال هى الجديرة بكلمة سنة، لأن سنة تعنى فى اللغة ممارسة ما.. وليست حديثا يقال. ميز الرسول بين هذه السنة العملية وبين الحديث الذى يغلب أن يتناول تفاصيل عديدة أو توجهات قد لا تتضمنها السنة العملية، وقد نهى الرسول عن أن يكتبوا حديثه، وأمر من كتب شيئاً بمحوه، وهى قضية ثابتة لا داعى للتمحك والمحاجاة فيها، وأن يكون الرسول قد أذن لواحد أو أثنين فى الكتابة يدل على أن الأصل هو عدم الكتابة، وأن الإذن استثناء، ولو كان تدوين السنة واجباً لقام بذلك أبو بكر الذى أرسل جيش أسامة فى وقت ثار العرب فيه على الإسلام ووضعوا الخطط للهجوم على المدينة لأنه ما كان يقبل هوادة فى تطبيق أمر الرسول، ولم يدون عمر أو عثمان أو على السنة، وإنما دونت السنة على رأس المائة الأولى فى عهد عمر بن عبد العزيز. ونهى الرسول عن تدوين حديثه إنما يعود لأن الرسول رفض أن يكون لحديثه بما فيه من تفاصيل صفة التأبيد التى يكتسبها بالكتابة، لأن هذا التأبيد هو ما رفضه القرآن. إذ لو أراده لأدرجه وذكره، ومعنى هذا أن التفاصيل التى تحدث عنها الرسول تُتُبَّع ما ظلت صالحة، وما أثبتت تلاؤمها مع الأوضاع، وهذا أمر يمكن أن يوجد فى جيل الرسول والأجيال القريبة التى جاءت بعد ذلك، ومن أجل هذا حرص أبو بكر وعمر وبقية الخلفاء الراشدين على اتباع ما أمر به الرسول.. ولكن عندما تمر مئات السنين، وتحدث أوضاع جديدة وتعقيد وتشابك لم يكن للمجتمع النبوى عهد به بحيث لا تتلاءم مع ما أمر به الرسول فيمكن التوقف فيها والعودة إلى القرآن لاستمداد أحكام تتفق مع روحه وإن اختلفت فى صورها أو تفاصيلها مع ما تضمنته الأحاديث. ومن المهم توجيه الأنظار إلى أننا فيما ذهبنا إليه إنما نؤكد ما أراده القرآن وما أمر به الرسول وما يتفق مع السنن التى وضعها الله تعالى للمجتمع الإنسانى، ومن المهم أيضا أن يعلم الناس أن الرسول لم يشأ أبداً لأحاديثه أن تأخذ صفة التأبيد التى فى القرآن .. وفيما يلى بعض ما جاء عن الرسول فى ذلك :
"ستكون عنى رواة يروون ظهوره إلى متطلبات العصر من طاعة للسلطان وتوجيه الجمهور للرضا والتسليم وتميز الأغنياء الخ … وسنعرض هنا لثلاثة أحاديث لا ترقى لمرتبة الصحيح المؤكد، ومع هذا فإنها هيمنت على المجتمع الإسلامى وعلى الفكر الإسلامى طوال ألف سنة تقريباً، ولا يزال بعضها رغم القوارع والمُثلات – يحتل مكانا من نفوس بعض الناس .. الحديث الأول: الأئمة من قريش.. قضى هذا الحديث بأن تحصر الخلافة فى قريش وظل هذا مفهوماً ومقرراً لبضعة قرون، ولم يخطر لأحد من الذين أعملوا هذا الحديث أنه لو كان صحيحاً لكان يجب أن يكون أول من يعلم به أبو بكر، الوزير الأول للرسول أو عمر الوزير الثانى أو أبو عبيدة أمين هذه الأمة، وقد حضر الثلاثة يوم السقيفة العصيب الذى كاد أن يشق وحدة المسلمين ولو كان هذا الحديث عند أحد من هؤلاء الثلاثة وأعلنه لقضى الأمر وحسم الخلاف ولكنه لم يكن معروفاً، وأن يجهل هؤلاء الثلاثة وهم أدنى الناس إلى الرسول وأخصهم فيما يتعلق بإدارة الدولة، ثم يأتى بعد قرن أو أثنين علماء من أقاصى آسيا ليستخرجوا هذا الحديث أمر يضعه أمام خيارين. فإما أن هذا الحديث صحيح وجهله مع ذلك أقرب الناس إليه.. وإما أنه موضوع.. فإذا كان الأول فإن جهل أقرب الناس إليه يسقطه، ويثير شبهة قوية نحوه أو يجعله قابلاً للتطبيق عندما كانت الشوكة فى قريش، وما كان يمكن أن يدوم هذا إلا لمدة محدودة. ومثل هذا التحقيق كان من الممكن أن يتوصل إليه رجل متوسط الذكاء لأنه لا يتطلب نبوغاً، ولكن المسلمين كانوا قد رفضوا استخدام العقل وآثروا اتباع النقل .. والحديث بعد، يخالف مبادئ القرآن التى تقرر تداول السلطة ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ والتى تجعل الأمر لذى التقوى والعمل وليس وقفاً على قبيلة أو أسرة وقد طلب نوح أن يشرك ذريته فأدبه الله تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ كما يخالف المعهود من الرسول الذى لم يجعل لأحد من آله فضلاً بحكم النسب يغنيه عن العمل "يا فاطمة أعملى فأنى لا أغنى عنك من الله شيئا". الحديث الثانى: المرأة عورة.. مع أن الحديث ليس بالحديث الصحيح "وتفرد به الترمذى عن سائر أصحاب السنن ولم يصفه بالصحة بل أكتفى بوصفه بالحسن والغرابة وذلك لأن بعض رواته ليسوا فى الدرجة العليا من القبول والتوثيق، بل لا يخلو من كلام فى حفظهم مثل عمرو بن عاصم وهمام بن يحيى[28] "فقد اتخذ قاعدة عامة، وأى عار يمكن أن يلحق أمة مثل أن يقال عن نصفها إنه عورة، ولم يستخدم القرآن هذا اللفظ النابى إلا فيما وضع له، وليس للمرأة التى جعلها الله قسيمة الرجل ولها ما عليه بالمعروف وقال الله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. ولما زعموا أن المرأة عورة أوجبوا سترها، وأفترضوا أن يتم هذا من رأسها حتى قدمها، فإذا حكمت الضرورات بإظهار اليدين والوجه، فلا مناص .. ولا شئ أدل على هيمنة روح العصر القديم وإتباع الأقوال من إعمال هذا الحديث الذى يخالف صريح القرآن ومبادئ الإسلام وروحه، ولا يرقى إلى مرتبة الصحيح .. الحديث الثالث: "من بدّل دينه فاقتلوه" وهو حديث آحاد مما لا يعمل بها فى العقائد، وهو من رواية عكرمة الذى استبعده مسلم، ومع ذلك فقد تمسك الفقهاء بهذا الحديث جميعاً وبنوا عليه حد الردة. بعد أن أضافوا صياغتهم الخاصة "من جحد معلوماً من الدين بالضرورة" وأصبح هذا الحديث عندما يفسر فى ضوء الإضافة الفقهية سيفا مسلطا على حرية الفكر. والحديث يخالف عشرات الآيات التى تنص صراحة على حرية الفكر والاعتقاد دون قيد أو شرط ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ..﴾ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ويتناقض مع طبائع الأشياء التى تجعل الاعتقاد أمراً شخصيا إراديا يقوم على اقتناع ورضا ولا يمكن أن يفرض بالقوة، ولا قيمة لفرضه بالقوة. بل أغرب من هذا أنه يتناقض مع "السنة" أى عمل الرسول لأن من الثابت إن الرسول لم يقتل أحداً ممن ارتدوا على عهده، وكان عددهم يزيد على أصابع اليد، وأن الحالتين أو الثلاثة التى أجاز فيها الرسول قتل مرتد فلأنه فعل مع ردته ما يوجب القتل، وقد حررنا ذلك فى كتابنا " الإسلام وحرية الفكر."[29] فهذه أحاديث ثلاثة ركيكة، مخالفة لآيات القرآن، وعمل الرسول، ومبادئ المنطق والعقل ومع هذا أعملوها وكانت من أكبر أسباب تخلّف المسلمين. وهى تؤكد ما ذهبنا إليه من أن الفقهاء هربوا من القرآن إلى الأحاديث التى تتفق مع الأوضاع القائمة حتى لو كانت ضعيفة، ثم لما طبقت المذاهب تركوا الأحاديث إلى قول إمام المذاهب ثم أغلقوا باب الاجتهاد، وقضوا على الناس بالتقليد، أى بالعمل دون سؤال ودون معرفة حكمة وهو ما لحظه الشيخ محمد الغزالى عندما قال : هجر المسلمون القـرآن إلى الأحاديث. ثم هجروا الأحاديث إلى أقـوال الأئمة. ثم هجروا أقـوال الأئمة إلى أسـلوب المقلدين. ثم هجروا المقلدين وتزمتهم إلى الجهال وتخبطهم[30] وغنى عن القول أن هذا المسلك من الفقهاء عطل إعمال القرآن، وشل روحه المبدعة وانطلاقاته الثورية والتحررية .. z 3- إقحام مضامين لاهوتية وصوفية كان من أبرز خصائص الإسلام ابتعاده عن التعقيد اللاهوتى وإقامة قاعدته على أساس الفطرة، ولم تتطلب الصورة التى عرضها لله تعالى أو للرسول.. أو حتى لعالم الغيب لاهوتا معقداً، وحتى البعث بعد الموت أقامه الإسلام على فكرة أن من خلق الإنسان من طين قادر على بعثه من التراب.. وحتى عالم الغيب فإنه أقامه على أساس ميزان لا يظلم مثقال ذرة. فكان رمزاً للعدالة، والعدالة عقلانية واستقامة. ولهذا كان الإيمان الإسلامى أيام الرسول إيمانا صافيا لا تعكره شكوك أو تشوبه شوائب .. ولكن الشعوب التى دخلت الإسلام دون أن تتشرب قيم الإسلام أو تألف القرآن ونسقه أو تتعرف على الرسول وتستضىء بهديه. لم يكن لديها هذا التقبل السهل السائغ، ووقفت عند بعض الآيات المتشابهات، والتى أمرنا الرسول أن نؤمن بها لا أن نتعسف الوسائل لنعرف كنهها وكان لهم عن هذا مندوحة لو سلموا قلوبهم لله وللقرآن. والقرآن نمط فريد فى الكتابة يقف بين الشعر والنثر، وهو يضرب أمثلة، ويثير أخيلة لتحقيق الأثر النفسى المطلوب ومما يثير الدهشة أن تتسبب آيات الصفات فيما أحدثته من انشقاق فكرى خطير. لأن أسلوب القرآن يقوم على الرمز والمجاز، ولأنه يستخدم التصوير الفنى، وهذا ينطبق على كل أو معظم الخطاب القرآنى، وقد تحدث القرآن أكثر من مرة عن اليد أو العين، أو الكلام بطريقة رمزية للغاية فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ {46 سبا}. وقال: ﴿وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذى بين يديه﴾ فهل يمكن القول إن للعذاب، أو القرآن، يداً لا تشبه أيدى الناس كما يقول الوهابيون؟ وقد أنطق القرآن السماء والأرض والحيوان، وجعل الشمس والقمر يسجدان. لأن القرآن يريد أن يضرب من الأمثلة ما يصل إلى القلوب وما يؤثر فى الأفئدة. لأنه يريد الهداية .. من الغفلة إذن أن نأخذ كلمات القرآن التى تتعلق بذات الله تعالى، أو الغيبيات المأخذ المادى الذى نألفه ونستخدمه فى حياتنا الدنيا.. فهذا قياس لا يستقيم، وقد فهم الصحابة ذلك ورضوه واطمأنوا إليه، ولكن هذه الأقوام حديثة العهد بالإسلام وقفت متحيرة ثم ظنت أنها وجدت المخرج فى أن تقول إن لله تعالى يداً ليست كيد البشر وعينا ليست كعين البشر، والاستواء معلوم والكيف مجهول، وأيدوا هذه الدعاوى ببعض الأحاديث التى لا يخالجنا شك فى أنها موضوعة.. وهذا كله خلط لا يجوز وهو يوقعهم على مشارف التجسيم وهو أسوأ صور الوثنية .. فى مقابل هؤلاء أراد المعتزلة "تنزيه" الله عن الكلام لما فى ذلك من شبهة تجسيم فقادهم ذلك إلى متاهات أوقعتهم فى تناقضات، وأبعدتهم عن السلامة، وكانوا فى غنى عن هذا كله لو قالوا ليس من شأننا أن نبحث فى هذا لأنه يتعلق بذات الله، وكل ما يتعلق بذات الله هو مما لا تدركه الأفهام والعقول فبحثنا فيه ضلال، وأننا نستدل على وجود الله وكماله وقدرته بما جاء فى القرآن ونعمل بما أمر به الرسول من التفكير فيما خلقه الله، وليس ذاته أو صفاته .. ولكن المعتزلة الذين كانوا محملين برواسب حضارية معقدة أرادوا غير ذلك، وأدى بهم نفى صفات الله الأزلية إلى القول بأن الله ليس له علم ولا قدرة ولا حياة، ولا سمع ولا بصر ولا صفة أزلية، وأن الله لم يكن له فى الأزل إسم ولا صفة .. وإن الله غير خالـق لإكساب الناس ولا لشىء من أعمال الحيوانات، وأن الناس هم الذين يقدرون على إكسابهم. ووضعوا الفاسق بالمنزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر. وأوجبوا على الله إثابة المحسن ومجازاة المسىء وإلا لم يكن عادلاً. وتساءلوا عن مكان الله تعالى وهل هو فى أى مكان أو فى كل مكان أو فى غير مكان. وقال "النظام" من شيوخهم – إن الله تعالى لا يقدر أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم ولا يقدر أن ينقص من نعم أهل الجنة ذرة لأن نعيمهم صلاح لهم والنقصان مما فيه الصلاح ظلم، ولا يقدر أن يزيد فى عذاب أهل النار ذرة ولا ينقص من عذابهم شيئاً ولا أن يخرج أحداً من أهل الجنة عنها، ولا يقدر أن يلقى فى النار من ليس من أهل النار.[31] وذهب أبو الهزيل العلاف إلى فناء مقدورات الله عز وجل حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادراً على شئ ولأجل هذا زعم أن نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار يفنيان ويبقى حينئذ أهل الجنة وأهل النار خامدين لا يقدرون على شئ، ولا يقدر الله عز وجل فى تلك الحال على إحياء ميت أو إماتة حى ولا على تحريك ساكن ولا عن تسكين متحرك ولا على إحداث شئ.[32] وذهب إمام الحرمين إلى أن الله تعالى يعرف الكليات دون الجزئيات، وأن من المستحيل عليه تعالى أن يعلم ما لا يعلمه.. وخاض آخرون فى مجالات فلسفية كالجوهر والعرض والجزء الذى لا يتجزأ، والطفرة، والحركة والسكون، وهى مجالات فلسفية ، ولكنهم دخلوها من مدخل الدين فأساءوا إلى الدين وأساءوا إلى الفلسفة .. وانتهت هذه التخرصات والانحرافات الفكرية إلى وقوع فتنة "خلق القرآن" التى استغلت سياسياً وأدت ليس فحسب إلى انشقاقات فكرية، ولكن إلى سياسات حكومية إرهابية تدعى الدفاع عن العقيدة. إن الأثر المدمر لظهور هذه الانحرافات المذهبية لم يقتصر على شق وحدة الأمة، وحدوث فتن وصراعات ما بين صفوفها على أسس مذهبية، ولكن هذا التطور بأسره نقل مسرح العمليات ومعسكر المعركة من الثورية التى أرادها الإسلام إلى اللاهوتيات التى لا تمس فى قليل أو كثير قضايا المجتمع، وواقع الناس، ومشاكلهم وأوضاعهم الاقتصادية والسياسية، وليس أدل على بعدها من أن المعتزلة التى جعلت شعارها العدل وبذلت كل سفسطتها فى إلزام الله به لم تحاول أن تلزم به المأمون الذى ذهب مذهبها، والذى ترجمت فى عهده كتب أرسطو وأفلاطون دون أن يستفاد منها فى مجال تنظيم الدولة .. والغريب أن من أصولهم الخمسة – الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر – فأين هذا الأصل وقد كان استبداد الخلفاء فاشيا واستغلال الجماهير شائعاً بل يا ليتهم فى تحرى العدل والتنزيه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عملوا على إصلاح الفقه الإسلامى، وإيجاد نمط جديد من "أصول الفقه" غير التى وضعها الشافعى وأبو حنيفة. ولما لم يتجه التطور العلمى للمعالجات السياسية للمجتمع، أو تبذل الجهود لإصلاح أوضاعه كما أراد القرآن، فإن يأس الجماهير من الشيوخ والفقهاء الرسميين الذين تجمد فقههم بتأثير المنطق الأرسطى الشكلى، وشكهم فيهم لعلاقتهم بالسلاطين والحكام، ثم اشمئزازهم من شنشنات المعتزلة أو الأشعرية وبقية "المتكلمين" بالإضافة إلى يأسهم من إصلاح السلاطين أو كبح جماح استبدادهم واستغلالهم.. كل هذا أدى بهم لأن يلوذوا "بالتصوف". والتصوف بهذا التصور ظاهرة طبيعية كان لابد أن تظهر كرد فعل للانحرافات التى حفل بها المجتمع الإسلامي، ولم يكن السبب الذى أدى إلى ظهوره تطبيق مبادئ إسلامية أو إحياء سيرة السلف الصالح فمبادئ الإسلام وسيرة الصحابة كانت تقوم على الدين والدنيا، وقد نهى الرسول عن الإيغال فى العبادة ووجه الذين يأخذون أنفسهم بمجاهدات دائبة للقصد. "إن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا"، وعندما امتدحوا من كان يصوم النهار ويقوم الليل سألهم الرسول عمن يُعدُ له حاجاته من مأوى وطعام وشراب فقالوا "كلنا" فقال "كلكم خير منه" وهذا ما يتفق مع طبيعة القرآن فى شموله للدين وفى اتسامه بالقصد والاعتدال فى كل شيء. لهذا لا يتفق فكر التصوف مع مبدأ الشمول والقصد الإسلاميين، ولكن ظهور التصوف كان ضربة لازب ولم يكن بالطبع بعيداً عن بعض التوجيهات الإسلامية وكان هو الملاذ الوحيد للجماهير إزاء التطور الذى فرض نفسه على المجتمع وقتئذ. وتصور لنا الأزمة الفكرية لأبى حامد الغزالى التى انتهت به إلى التصوف عمق وقوة هذه العوامل، وأنها إذا استطاعت أن تجذب فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة ومؤلف "المستصفى" فإنها بالطبع أقدر على جذب غيره من عامة الناس، ووصف الغزالى نفسه لهذه الأمة، والصراع المرير الذى دار فى فكره ما بين الاتجاه "الدنيوى" الذى كان يدفع به إلى التدريس فى المدرسة النظامية والاتصال بالوزير نظام الملك وبين وجدانه الذى كان ينأى به عن ذلك حتى "إعتقل لسانه" بحيث لم يستطع أن يلفظ بكلمة، وكان هذا تعبيراً "سيكولوجيا" له تفسيره "الفرويدى" الذى لا يتناقض بالضرورة مع فكر الإسلام. وقضى على هذا العالم النحرير الذى أحكم الفقه والمنطق والفلسلفة أن يبدأ من نقطة الصفر، فكل ما حصله وأحكمه ودرسه لا يساوى شيئاً أمام هذا العالم الجديد، عالم الذوق والسلوك و "تطهير القلب كله عما سوى الله بقطعه عن كل العلائق التى تربطه بالدنيا من مال وأهل وولد ووطن وعلم وولاية وجاه وغيرها مع انشغاله بذلك بحيث يصير قلبه فى حالة يستوى فيها وجود كل شىء وعدمه." وهذه الأزمة تعطينا فكرة عن حدّة الصراع ما بين الاتجاه الفقهى والاتجاه الصوفى. وانتصار التصوف فى النهاية يجعل المأساة تصل إلى قمتها، لأنه لم يكن حلاً وقتياً لأزمته الفكرية، ولكن كان نهاية المسيرة لهذا المفكر والاختيار الأخير له. ولكن هذا الحل الذى إنتهى إليه الغزالى وسعد به لم يكن هو الحل الطبيعى فى حقيقة الأمر. ذلك لأن ظهور التصوف كان – كما ذكرنا – رد فعل لعقلانية المعتزلة وجفاف الفقهاء واستبداد الحكام، فكان إلى حد ما دعوة لاعتزال الدنيا واجتناب غمراتها، وإقامة الاعتقاد على القلب، ولما كانت طبيعة الأشياء تحَّمل رد الفعل شيئاً من الفعل أى الانحرافات الدنيوية، والمنطقية، والعقلانية، التى ثار عليها التصوف، فقد أخذ هو طبيعة أخروية، وجدانية عاطفية، وهو ما سمح بالانحراف الذى انتهى إليه، وحوله إلى مؤسسة قطب الرحى فيها هو الشيخ الذى تربطه بالمريد علاقة تمحى شخصية المريد تماماً، وتجعله "كالميت فى يد المغسل" وتحظر عليه أى شك فى شيخه حتى لو شاهد منه ما يخالف ظاهر الشرع وبهذا تكون العلاقة ما بين المريد والشيخ أوثق من علاقة الجندى بالضابط، فالجندى وإن كان عليه أن يطيع الأوامر دون مناقشة، فإن له الحق ى "التظلم" وهو حق لا يتصور فى العلاقة ما بين المريد والشيخ فقد كان على المريد أن يستسلم قلبا وقالباً للشيخ، وإلا خاب وخسر .. ولتلطيف هذه العلاقة ولإمكان قبولها نسجت الأحاديث والأقاويل والروايات عن الكرامات وعن عالم الأقطاب والأوتاد.. وألصقت "الخرقة" بعلى بن أبى طالب بحيث يجد المريد نفسه وهو يعيش فى عالم أسطورى يكتسب قوته ووجوده مما ألصق بالعقيدة. كما نظمت "الحضرة" وحلقات الذكر وتطرق إليها عنصر فنى وسمح بهامش من الموسيقى والرقص. كما سمحت الموالد بدرجة من الاختلاط بين الرجال والنساء وشهود صور من الألعاب والفنون والسير في مواكب تغطيها الأعلام العديدة وتلهبها الأناشيد حماسة وعاطفة. وحتى لا نتهم بالتحامل على التصوف، إننا نعرض رؤية واحدة من أفضل الطرق الصوفية ورائدها رجل مخلص تقى هو الشيخ زكى إبراهيم رائد العشيرة المحمّدية نقلاً عن مجلة "المسلم" عدد جمادى الآخر 1390 من ص 10 إلى ص 12. مراتب أهل الغيب : وتكملة للفائدة نذكر أن الصوفية – بحسب مراتب الأذواق والكشوف والمقامات مؤيداً بمفاهيم الآيات والآثار – أقوال شتى فى مراتب السادة (أهل الباطن) المعروفون عندهم باسم (أهل الغيب) أو أهل الديوان) – وتتلخص هذه الصورة تقريباً فى الآتى : 1- الغوث الأعظم، والفرد الجامع، الذى هو على قدم النبى r ومجاله الروحى حول العرش. 2- ثم الإمامان، وهما وزيرا القطب عن يمينه وشماله، ومجالهما الروحى طرفى الفرش (الفرش بالفاء: ما دون العرش بالعين) ! 3- ثم الأوتاد، وهم الأقطاب الأربعة الكبار، ومجالهم الروحى الجهات الكونية الأربع. 4- ثم الأبدال السبعة، ومجالهم الروحى: السبع طبقات. 5- ثم النقباء الأثنى عشر ومجالهم الروحى: البروج السماوية الأثنى عشر. 6- ثم النجباء السبعون: وهم أهل الخلوة والميقات، ومجالهم الروحى: الأفلاك والمجرات. 7- ثم الأخيار: وهم الحواريون وأهل المعارج، وعددهم بين الثلاثين والثلاثمائة ومجالهم الروحى: أقطار الأفق الأعلى، وأصحاب هذه المقامت السبعة هم الأقطاب. 8- ثم المفردون: وهم الأولياء المختارون من صالحى الأمة، ولا عدد يحصرهم ومجالهم الروحى الأفق الأدنى، وأقطار المدن والقرى. 9- ثم الصالحون، وهم أتقياء الأمة، وهم درجات شتى، ومجالاتهم الروحية متعددة. ثم أن لكل صاحب مقام من هذه المقامات خلفاء وعرفاء، فإذا خلا المقام انتقل إليه الخليفة، ثم ارتفع العريف إلى رتبة الخليفة، واختير من المستوى الثانى من خير أهل القرآن، وهكذا ... وقد تختلف هذه الصور عند بعض السادة فى المتسميات والأعداد وترتيب المستويات ولكنه صحيح فى ذاته معلل بدليله (كما قدمنا) وهو راجع إلى اختلاف نسب المقامات وإفاضات الكشوف لكن ما ذكرناه هنا هو الأوثق عندنا والله أعلم. وعندنا أيضاً أن كل مستوى من هذه المستويات محفوف بأرواح كل ما سبق أن شغله من أهل الله السابقين وعلى هذا فإن شاغله من الأحياء يعتبر ممثلاً للأرواح التى سبقته إلى هذا المقام، فهى تحوطه، ومنها يستمد الكثير من السر والإفاضة. وكما أرجعنا أقدام الأقطاب الأربعة الكبار إلى نظام أهل الملأ الأعلى باعتباره مرجع النظام الكونى كله والتناسب الرابط بينه وبين العالم الأرضى حقيقة مسلمة.. فكذلك مقام الإمامين: أحدهما مستغرق فى مقام "الجمال" على قدم "رضوان الجنة" والثانى مستغرق فى "الجلال" على قدم "مالك النار" ومن هنا صح مقام "الكمال" للغوث الأعظم، جامعا فيه بين الجمال والجلال. ثم نجد مقام الإمامين عند أهل الكشف مثلاً، هو مقاما: آدم وإدريس ثم إلياس والخضر، ومن شاء الله أهل النبوات، ثم على أقدامهم من الربانيين مشهورين أو مستورين: ابن المسيب وابن جبير، والصاحبان الفقيهان: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، والشيخان المحدثان: البخارى ومسلم وهكذا ... أهل الديوان : ويجتمع "أهل الديوان" وهم كبار أصحاب الوظائف الغيبية، أرواحاً وهيولى، فى المعاهد الثلاثة المقدسة: الحرم المكى، والحرم النبوى، وبيت المقدس، ثم فى أماكن مقدسة أخرى يكشف عنها لأهل القلوب، على توقيت وترتيب دقيق، فليس فى الغيب فوضى، ولا تجمد وعدم ولا انفصال مطلق! وفى مقابل المجالات الروحية العليا لأهل الله مجالات أرضية، فمجال الغوث على العرش "الكعبة المكرمة" ومجال الإمام الجلالى مع أحد طرفى الفرش "بيت المقدس"، وكذلك شأن كل رجال الله، لكل منهم مجال سماوى وآخر أرضى. وفى عالم الجن المسلمين (!!) يمضى نظام المراتب الروحية لأهلها من صالحيهم على نظام مراتب الأنس تماماً، ففى كل مقام أهله من الجن والأنس على حد سواء. أما تعاونهم وتعاطفهم مع صالحى الأنس، فأمر غير مختلف عليه. أما بعد: فعندما يجلس أحدهم "أى أحدهم هنا وهناك" شبعان متكأ على أريكته، يتمطى ويتجشأ مرة، ويتثاءب مرة، ويستقطب ويشمأنط أخرى ثم بزعم لنفسه ولأمثاله أن الصوفيين بهذه الأقوال استحمقوا، أو اخطأوا أو فرقوا فليمسك جهله هذا على نفسه وحدها، فليس جهله هو وأمثاله بشىء ما دليلا على عدم وجود هذا الشىء أو عدم صحة إخبار أهله به، والتسليم بالواقع أو إنكاره لا يغير شيئاً من الحقيقة اليقينية عند أهلها، والذى لا يعرف حقيقة كنه حياته ولا نفسه ولا روحه ولا عقله ولا فكرة ولا نومه، أولى به أن يسلم لمن يعرف، فإن لم يسلم فمقتضى الأنصاف أن يتوقف. ونحن لا نجبر أحداً أبدا على الإيمان بهذا كله أو بعضه، ولكننا لا نسمح أبداً بتكذيبنا فيه بغير برهان على الإطلاق إلا أن يكون هرطقة و شقشقة أو هنبقة!! أو فيهقة باسم الدين المظلوم!! انتهى. وحتى لا نظلم التصوف فيجب أن نعترف أنه بجانب هذه السوءات فقد كانت له حسنات في نشر الإسلام فى آفاق جديدة، وفى تنظيم الجماهير وفى مقاومة التكالب على المادة والدنيوية المغرقة، وأنه أبرز شخصيات مثل ابن عربى وابن القارض اللذين تقبلا كل الأديان ورفعاً لواء "دين الحب" ..
أدين بدين الحب أنا توجهت
ركائبه فالحب دينى وإيماني
z |
||