تثــويــر القــرآن

الفصل الرابع [1]
 z  

تثـويـر القـرآن

1- لمـاذا
2-
كيـف

(يتبع..)

 

1- لمـاذا

بدأنا هنا الدفتر من دفاتر الإحياء بكلمة عن الثورة، وما هى المقومات التى تجعلها "ثورة" فعلاً وليست هبة، أو إنقلابا ألا وهى وجود نظرية متكاملة وإرادة تغيير شامل ومشاركة الجماهير فى تطبيقها، وأشرنا إلى ضرورة الثورة عندما تتراكم الأخطاء وتتعقد المشاكل وتزداد شقة التخلف والتأخر بحيث لا تصلح طرق العلاج التقليدية التدريجية لا ى علاج المشاكل، ولا فى استدراك التخلف ما بين واقع الأمة، وواقع العالم، وقلنا إن العزوف عن الثورة الذى لا يعود إلى ما يصطحب بها من جرائم ومجاوزة للشرعية هو ما يوجد فى الثورة الإسلامية لأنها ثورة الكلمة والإيمان وليست ثورة السيف والسلطان ودللنا على ذلك بأن أعظم فتح فى الإسلام – فتح المدينة تم بالقرآن وهذا الفتح للمدينة بالقرآن هو الذى أدى إلى فتح مكة بالجيش، ومع هذا فلم يحدث أن فتحت عاصمة مقدسة بجيش ثم يقل عدد ضحايا هذا الفتح عن عدد أصابع اليدين ولا تستباح لقتال إلا ساعة من نهار.. ثم يعود بعدها محرمة مقدسة ..

وأوضحنا أن الأديان فى حقيقتها هى الثورات الجماهيرية الحقيقية فى تاريخ البشرية، وإذا كانت المراجع الأوروبية لا تذكرها، فذلك لأن أوربا لم تكن أرض الأديان، ولم يظهر فيها أحد الأنبياء من أولى العزم، ضلاً عن أن الوثنية الأوربية هى فى أصل حضارتها تجعلها تعزف عن الأديان، ولكن الشرق كان أرض لنبوت ومهد الأديان ومن الأخطاء الفاحشة التى يقع فيها المفكر العربى والمسلم أن يجهل أو يتجاهل الحقائق الرئيسية فى تاريخه أو أن ينساق وراء التكييف الأوربى للتاريخ، وطرق نهضات الشعوب ..

فإذا كانت الأديان ثورات، فإن هذا يظهر فى أكمل صورة فى الإسلام الذى حول المجتمع الجاهلى بعصبيته وثأره وخمر وميسره وغاراته إلى مجتمع إيمانى يؤمن بالله والقيم النبيلة المنبثقة من ذاته، ويقتدى بالرسول وتسوده الأخوة والمساواة والحب والسلام ثم ينطلق كإعصار يحمل إلى النظم الطبقية الكسروية والقيصرية رسالة "الكتاب والميزان."

وقلنا أيضاً أ، أكبر عنصر فى هذه الثورة هو القرآن. ليس حسب لما ينفرد به من مزايا وخصائص، ولكن لأنه أيضاً يمثل النظرية الشاملة اللازمة للثورة الرشيدة ..

وشرحنا خلال ما سبق من الفصول كيف عدت العوادى على فهم القرآن، وكي أفرغت توجيهاته من الثورية، الانتهاضية، الإبداعية للقرآن فى خضم تفاصيل وشروح وأقاويل ونقول وإدعاءات، وكيف تسلح بأحاديث موضوعة، وأبيات شعر منحولة، ونقول من التوراة، وكيف أقحم على الفكر الإسلامى قضاياً جدلية لاهوتية تأباها طبيعة الإسلام التى تقوم على الفطرة البسيطة الخالصة، وكيف أن هذه المجادلات اللاهوتية أفسدت عقيدة الألوهية التى جلاها القرآن وأن جفاف الفقه وخضوعه للمنطق الصورى وابتعاده عن مشاكل الناس والحياة، وأخيراً استبداد الحكام.. هذا كله جعل الجماهير تهرب إلى التصوف وتجعله ملاذاً من كل الانحرافات السابقة، ولكن التوصوف بعد أن كان ملاذاً للجماهير تحول إلى مؤسسة تقوم على طاعة المريد. طاعة تمحى شخصيته تماماً، ودعم الأساس الفكرى له بافتراض وجود عالم أسطورى من الأبدال والأقطاب ذوى الكرامات الخارقة، وبهذا أنحرف التصوف كما أنحرف علماء الكلام، والفقهاء، والسلاطين من قبل.

وفكرة هذا الفصل تقوم على غنقاذ المجتمع المصرى، والعربى لم يعد ممكنا إلا بأسلوب ثورى بعد أن تعقدت وتشابكت عوامل التخبط والانقلابات العسكرية والنظريات السياسية التى لا قوام لها وإنما هى أقرب إلى الشعارات، وأعتقد أن أى مفكر يلقى نظرة على حاضر العالم العربى يوافق على ذلك، إذا كان أميناً محايداً.

وفى جريدة "العربى" الصادرة يوم 27 أغسطس 2000 تحدث الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فقال :

  • هويتنا ضائعة والشرعية ملتبسة ودستور 71 لم يعد يصلح.

  • أنا قلق وغير مطمئن على أولادى وأحفادى وعلى الوطن إلا إذا حدثت معجزة.

  • المستقبل خطر ما لم نحسم أزمة الهوية والشرعية والمرجعية.

  • أخر شرعية فى مصر كانت لثورة يوليو والتخلى عنها يفقد النظام شرعيته.

صدق الأستاذ هيكل فى توصيفه للواقع المزرى المخيف الذى يثير القلق العميق حول المستقبل المصرى ..

ولكن يبدو أنه لا يزال يعيش فى عالم "بصراحة" عندما كانت مهمته هى تبرير سياسة العهد بما أوتى من لباقة وذكاء ودهء.. فقال أن "ثورة يوليو" هى الشرعية الأخيرة ..

نقول له استيقظ يا استاذ.. لقد انتهت الرواية وسقطت الأقنعة، وبرح الخفاء وتبين الشعب أن ما حدث فى ظلام ليل 23 يوليو لم يكن ثورة، بل إنقلاباً، أو مؤامرة، ولم يكن لها شرعية، بل كان أبها حطيم الشرعية وإلغاء الدستور وكبت الحريات وحل الأحزاب واستلحاق النقابات والانفراد بالحكم وإبداع انتخابات 99،99% ‍‍!! وقهر الشعب، وانتهاك كرامته بفتح باب الاعتقالات والتعذيب والخسيس الذى لم ينج منه أعضاء أى حزب أو هيئة وإهدار موارد مصر على المغامرات والمقامرات السياسية التى أدت إلى هزائم، وغضرام العداوة بين الدول لعربية، وقد اساءت التطبيق فيما أرادت الإحسان فيه كإباحة التعليم أو تأميم الشركات وختمت كوارثها بهزيمة 67 المخزية التى أخرت مصر مائة سنة إلى الوراء، ولم نستطع حتى الآن أن نتحرر من أوزار وجرائم وموبقات الناصرية.

وهذه الوكسة الثقيلة، والمسيرة الضالة، والكابوس البغيض هو ما يريدنا الكاتب الكبير العودة إليه ..

كلام ليس له مكان إلا "صفيحة الزبالة" ...

zzz

إذا كان لابد من نقلة ثورية.. فأين نجد الشرعية والهوية، والأيدلوجية ..

ليس إلا في الإسلام ...

وهو أمر لا يعود إلى الإسلام نفسه فحسب، ولكن إلى مصر أوّلاً :

مصر دولة "إيمانية" قامت حضارتها منذ أعرق العصور على ايمان.. وبفضل الإيمان أقامت الأهرام والكرنك.. فى العصر القديم، وغرست بذرة السماحة والدماثة فى النفس المصرية، والبعد عن الغلو والشدة والعنف حتى أصبحت خلقاً قوميا مطبوعاً وأصيلاً ..

وفى الحقبة القيصرية، كانت الكنيسة هى التى حمت الشخصية المصرية من عدوان البيزنطيين ومثلت مقاومة مصر، وأنجبت قطبى المسيحية أريوس، وأثناسيوس.

وتحت راية الإسلام حازت انتصارات المنصورة وحطين، وعين جالوت فأوقفت مد الصليبية، ومد المغول الذى خرب بغداد وقضى على الخلافة العباسية، وكان يمكن لولا صد مصر له أن يدمر بقية الشرق.

وفى جميع هذه العهود كان الدين (سواء كان الديانة المصرية القديمة، أو المسيحية أو الإسلام) هو أصل التشريع، وجذر الضمير، ومحور التاريخ.

وعندما تلاقت مصر والإسلام – أو قل تعانقت مع الإسلام – فإن هذا كان تكليلاً لمسيرة طويلة بدأت منذ أن تزوج إسماعيل هاجر المصرية ومن سلالته ظهر رسول الإسلام ...

وتجلت عندما دخل عمرو بن العاص مصر، محرراً لها من الاحتلال البيزنطى، فوجد التأييد من أقباط مصر، ومن ناحيته، فإنه بمجرد انتصاره أعاد البطريرك بنيامين الذى كان مختبئاً من ملاحقة البيزنطيين إلى مركزه، وأعطى الكنيسة التى كانت محرمة فى العهد البيزنطى – الشرعية والحرية.

ويلحظ أن المسيحية عندما دخلت مصر أول مرة تورطت فى صراع مرير مع الديانة المصرية القديمة خاصة كهنة إيزيس التى ظل المصريون يؤمنون بها حتى القرن الخامس الميلادى عندما اضطروا إلى الفرار إلى الصعيد حتى تمكن أسقف أسوان تيودوس فى حـكم الإمبراطور يوستنيانوس (527-565م) من تنكيـس الصنم وتحويل المعبد إلى كنيسـة[33] فلم تكن المسيحية بالراسخة عندما جاء عمرو بن العاص إلى هذه البلاد سنة 640 أى بعد مائة سنة فحسب من سقوط آخر قلاع الوثنية.

ولكن شيئاً من هذا الصراع لم يحدث بين المسلمين وبين القبط، على العكس كان الود والتفاهم سائداً، وكانت سماحة الإسلام من البواعث التى جعلت الكثير منهم يؤمن بالإسلام، وكان هناك رباط آخر بين الإسلام، وبين الدين المصرى القديم هو إبراز دور الدار الآخرة وتأكيد وجودها وهناك شبه عجيب بين ما جاء فى بعض النصوص الإسلامية عن الجنة والنار وعن الحساب وعن الميزان الذى يزن بمثقال ذرة بما جاء فى الديانة المصرية عن الميزان الذى يزن بريشة طائر، وهذا التقارب الذى خاطب اللاشعور التاريخى فى البقية الباقية من سلالة المؤمنين بالدين القيم الذين دخلوا المسيحية سهل عليهم بعد ذلك دخولهم الإسلام، وتكوينهم كتلة المسلمين، إذا أن العرب الذين دخلوا البلاد مع عمر بن العاص، أو هاجروا إليها ما كانوا ليصلون إلى الملايين، وإنما وصلوا إليها بفضل إيمان الكثير من القبط بالإسلام بحيث أصبح سكان مصر ما قاله شوقي عنهم :

ألستم بنى القوم الذين تجبّروا

على الضربات السبع فى الأمد الخالي

رددتم إلى فرعون جدّاً وربما

رجعتـم لعـم فى القبـائل أو خـال

وعندما آمنت مصر بالإسلام، فإن الإسلام صبغ حياتها بصبغته، بل إنه صبغ الأقباط والمستوطنين من الجانب، لأن الإسلام دين قوى ومظاهره تغطى مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأدت توجيهاته إلى تماسك المجتمع والحيلولة دون أن يتهاوى مع ترادف الغزو الخارجى على مصر فى القسم الأخير من تاريخها وأوجد "الخلق الإسلامى" بدءاً من الرسول حتى السلف الصالح المثل فى التعامل، كما أن فرض الزكاة وتنديد القرآن بالبخل أدى إلى قيام قدر من "التضامن الاجتماعى والاقتصادى" وقدمت الأوقاف التمويل اللازم للمدارس والمستشفيات وأعمال البر التى جاوزت الإنسان فشملت الحيوان وحمت الشريعة اقتصاد البلاد من غزو المرابين وهيمنة الأجانب. فلم يعرف هذا أو ذاك إلا بعد الاحتلال البريطانى لمصر سنة 1882 وفى حمايته، وتعود الأعراف والعادات كلها أو معظمها إلى مؤثرات إسلامية، بدرجات متفاوتة.

فهذا الجذر الدينى الضارب فى أعماق المجتمع المصرى مما لا يجوز أن يُغفل أو يهمل، والحقيقة أن تجاهله من النخبة المتأوربة، أو العصبة الحاكمة كان فى أصل انصراف الجماهير عنهم، وعنها، وعدم وجود تجاوب وجدانى إزاءهم.

على أن دور – الإسلام السياسى – كما يحب البعض أن يقول فى تاريخ مصر الحديثة لا يدع شكاً فى أنه قد قام بالدور الحاسم، وأنه مثل شعب مصر فى تلك الفترة الحرجة التى بدأت بالحملة الفرنسية سنة 1898 حتى تولية محمد على شئون الحكم سنة 1805 فليس "الإسلام السياسى" ظاهرة محدثة، ولا هى من فعل الجماعات الإسلامية المعاصرة أو إحياء الجهاد، إنه كان التعبير المثل لشعب مصر فى فترة تعد من أهم فترات حياتها.

فما أن انتصر نابليون على المماليك الذين فروا بجلودهم، وتركوا القاهرة مدينة مفتوحة حتى ظهر لأول مرة قادة طبيعيون من صميم الشعب لا يعتمدون على سلاح أو جنس أو ارستقراطية أو ثروة، وإنما كان رأس مالهم الضخم أنهم الشيوخ وبالذات شيوخ الزهر، وهو المعهد الذى ظل يعلم الإسلام، واللغة قرابة ألف عام. ظهر الشيوخ كقادة الشعب بعد أن فر المماليك وكان عليهم أن يتعاملوا مع المنتصر الذى جاء بالمدافع والبنادق وأن يدرؤوا شره ما أمكن حتى تتهيأ للشعب وسائل وطرق المقاومة وهذا ما قاموا به خير قيام وقادوا الشعب فى الثورة على نابليون، ثم الثورة على كليبر حتى فشلت الحملة، وعادت إلى فرنسا ..

وأراد الأتراك أن يعيدوا مصر إلى ما كانت عليه كما بدأ المماليك الذين فروا من مدافع نابليون فى العودة، ولكن الشيوخ الذين يعبرون عن إرادة الشعب كان لهم رأى آخر. كانوا يريدون التحرر من الترك والمماليك معا. ووقع اختيارهم على أحد القواد النابهين ليقوم بهذه المهمة هو محمد على الذى كان قد تقرب إليهم فاتفقوا على أن يمكنوه من الحكم، على أن يحكم بالشرع والعدل وإن لم يفعل عزلوه. وعلى هذا الأساس أعلنوا الحرب على الوالى التركى "خورشيد باشا" الذى أوفده "الخليفة العثمانى" وحاصروه فى القلعة حتى اضطر إلى التسليم. ومن يد الشيخ الشرقاوى والسيد عمر مكرم تسلم محمد على خلعة الولاية سنة 1805.

تلك كانت "الماجنا كارتا"[34] المصرية التى يولى فيها الشعب وقادته الطبيعيون الحاكم بصورة مباشرة، ويحددون وسيلة الحكم وهى الشرع والعدل ويهددونه بالعزل إن لم يفعل ويرحلون آخر والى تركى يأتى من الأستانة ..

لم تتكرر هذه السابقة فى تاريخ مصر الحديث فلم يحدث مثل هذا التجاوب ما بين الشعب والشيوخ نتيجة لأن هؤلاء الشيوخ كانوا قاده طبيعيين تماماً له. ولم يحدث أن تسلم الحاكم خلعة الولاية من قادة الشعب بصورة مباشرة ولم يحدث أن يتعهد بالحكم طبقاً للشروط التى قدموها له.[35]

واأسفاه أن هذه التجربة الفذة لم تسر إلى النهاية المنشودة. إن محمد على الذى تقرب للشعب والشيوخ كان يطوى بين جنبيه نفساً طموحة إلى أبعد مدى، كما كان يتمتع بقدرات ومواهب قلما تتوفر إلا فى "بناة الإمبراطوريات" ولكنه للأسف الشديد لم يقم إمبراطوريته عمليا على الشعب، وأيدلوجيا على الإسلام فانقطعت العلاقة بينه وبين الشعب، هذا الانقطاع الذى ظل بحكم العلاقة ما بين الشعب وحكام أسرة محمد على حتى خلع فاروق ..

zzz

لم يكن من هذا الاستطراد الذى ضغطناه ضغطاً شديداً حتى لا يذهب التفصيل بالفكرة العامة التى نريد إبرازها. تلك الفكرة هي :

أولاً: أن مصر، ومعظم الدول العربية قد وصلت من الإفلاس والتخبط درجة لم يعد الإصلاح ممكنا إلا بأسلوب ثورى ..

ثانيا: أن أهم مقوّم للثورة لكى تكون ثورة حقاً وليس انقلاباً هو النظريّة التى يتجاوب معها الشعب، ويعمل بصفة مباشرة فى تطبيقها ..

ما يضعنا فى مأزق هو: أين نجد هذه النظريّة ؟ ..

إننا لم نكن بحاجة للبحث طويلاً أو بعيداً لأن هذه النظرية موجودة فى أعماق التاريخ المصرى، وقد كانت هى التى كونت الحضارة المصرية، ومكنت مصر من تحقيق إنجازاتها العظمى فى السلم والحرب، تلك هى الدين. الذى يعنى عملياً الإسلام إذ هو نهاية مسيرة مصر فى الدين وهو دين 95% من السكان.

والذى حال دون أن يكون الإسلام دعامة الحكم هو أن محمد على تنكر لما تعهد به لشيوخ الأزهر لأنه وجد أن هذا سيغل يده عن الحكم المطلق الذى يعتزمه، ولم يكتف بهذا، بل إنه فرق وحدة الشيوخ وتوصل إلى اصطناع بعضهم بحيث عجزوا عن التصدى له، ثم بدأ إرسال البعثات للخارج لتأتيه بعلم وفن وصناعة أوروباً، ولم يكن هذا سيئاً، ولا هو يتعارض مع توجهات الإسلام الذى يريد العزة للمؤمنين ولكن محمد على كان ضد الإسلام، كما كان ضد المصريين ولم يستعن بهم إلا مضطراً، وكانت خطته تلك هى خطة خلفائه الذين حكموا مصر، وكانوا – باستثناء إبراهيم باشا الذى مات ومحمد على حى - مجردين من الموهبة، بل يمكن القول أن أسرة محمد على كانت أسرة فاسدة متحللة، وكان أفرادها – باستثناء قلة نادرة – من الصغار الذين تستولى عليهم الشهوات ويفخرون بالمظاهر، وفى بيت فؤاد كانت إحدى المربيات – مس برودينت – تعمل لتحويل أبنائه إلى المسيحية، ولم تكن تحاول ذلك سراً فقد ذكرت لإحدى سيدات السراى "إنها سوف تلقنهم دينها لأن ضميرها لا يسمح لها بأن تفعل غير ذلك" !!

وكان يمكن للانقلاب العسكرى فى 23 يوليو أن يكون أقرب إلى الإسلام من أسرة محمد على، فلم يكن ضباطه بعيدين عن الإتجاه الإسلامى، ولكن الصراع على السلطة فرض على عبد الناصر ما فرضه من قبل على محمد على، وثمة تشابه غريب بين مسلك البكباشى محمد على والبكباشى جمال عبد الناصر نحو الاتجاه الإسلامى، ففى الحالتين كان الإسلام هو الذى رفعهما إلى السلطة: وفى الحالتين أعلنا حرباً شعواء على الإسلاميين الذين مكنوهما من السلطة، ووصلت هذه الحرب إلى أشدها عند عبد الناصر، وانحطت إلى درك الخسة والنذالة عند استخدام التعذيب بصفة منهجية ومقررة وهو أمر لم يقع فيه محمد علي ..

وبتأثير الصراع على السلطة بين عبد الناصر والإخوان المسلمين أصبح من الخطوط المقررة فى السياسة المصرية مقاومة التيار الإسلامى، وملاحقته وهذه فى الحقيقة هى مأساة 23 يوليو، والسبب الحقيقى فى عدم تجاوب الشعب مع نظامها الحاكم من عبد الناصر حتى الآن (نحن لا نتكلم عن المضللين والأدعياء أو المنتفعين أو المتورطين فى مآثم الناصرية).

إن هذا الخطأ التاريخى من محمد على حتى جمال عبد الناصر، والذى أدى إلى سقوطهما وانتكاس محاولتهما هو ما يجب إصلاحه الآن.

وإذا أضفنا إلى هذا أن الإسلام قد تغلغل فى وجدان المصريين كأفراد وعادات وعرف وأنه حتى الأقباط والمستوطنين تأثروا به، وأنه لا يمكن لأى نظام يحترم نفسه، ويحترم شعبه أن يتجاهل هذا الجذر المتغلغل فى حياة الشعب وتاريخه منذ أن ظهر على مسرح التاريخ حتى العصر الحديث ..

إذا انتهينا إلى هذا.. فإن النتيجة أن الإسلام هو المؤهل وحده لأن يكون قاعدة الثورية المصرية لأنه أشد المذاهب التصاقاً بمصر وتجاوبا مع حضارتها، ولأنه الوحيد الذى يقدم "نظرية" فى أسمى صورها فى القرآن الكريم، ولأن هذه النظرية بالذات ستكفل المشاركة الجماهيرية لتحقيق التغيير الشامل الذى هو هدف الثورة.

zzz

يبقى أمر آخر يتطلب إيفاء الموضوع حقه الإشارة إليه. هو هل هناك بديل آخر عن الإسلام ؟ هل يمكن أن نجعل نظرية الثورة اشتراكية أو ديمقراطية ؟ 

أما الاشتراكية فهى مستبعدة نظرياً وعملياً، لأن الاشتراكية لا محل لها فى دولة تؤمن بالإسلام، فالإسلام فيه أفضل ما فى الاشتراكية – وهى العدالة – ويتحرر من أسوأ ما فيها أى الديكتاتورية، وإنما تكون الاشتراكية فى الدول الأوربية التى نفضت المسيحية فيها يدها من نظم الحكم بينما أمضت الكنيسة الكاثوليكية تاريخها مناوئة للعلماء والأحرار مهادنة للحكام والملوك على حساب الجماهير الخ... مما جعل للاشتراكية مكاناً فى أوربا.

هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فقد تهاوت الثورة الاشتراكية التى قادها أنبياء الاشتراكية وأوثانها المعبودة. لينين، وتروتسكى وستالين، ولم تقم لها قائمة، فمن غير المعقول أن نهتدى بالشمس الغاربة، لأنها ستتركنا فى الظلام الدامس ..

أما الديمقراطية، فليست الديمقراطية نظرية، ولكنها ممارسة وأسلوب فى الحكم بالأغلبية، وهى تقوم على تداول السلطة ووجود الأحزاب الخ... ولكنها ليست أيدلوجية وليس لها تنظير.

وكان لمصر تجربتها الديمقراطية بفضل دستور 1923، وحققت مصر طوال الفترة من 1923 حتى 1952 معظم إنجازاتها، كما أنجبت معظم رجالاتها، وإليها يعود ازدهار الآداب والعلوم والفنون والصحافة، ولكن يجب أن لا ننسى أن هذه الديمقراطية سمحت للأجانب بالسيطرة على الاقتصاد فكل شركات المرافق مياه ونور ومواصلات وتليفونات وإذاعة الخ.. وكل الشركات الصناعية والتجارية والزراعة كانت فى أيدى الأجانب وكانت كلها تستخدم اللغات الأوربية، ولا تسمح للمصريين إلا بشغل أقل الوظائف شأنا، ولم يكن جهد طلعت حرب إلا محاولة فردية قد يمثلها أن شركته "شركة بيع المصنوعات" كانت المحل المصرى الكبير الوحيد فى شارع فؤاد، ولم تكن لتماثل شيكوريل أو هانو أو بقية المحال التى لم يكن المصريون يدخلونها "باستثناء الباشوات والبكوات" وكان المربع من الأوبرا حتى كوبرى قصر النيل فى القاهرة كما كانت منطقة محطة الرمل فى الإسكندرية ومحالها الكبرى كالجراند تريانون والبتى تريانون، وفندق سيسل الخ.. مناطق أوربية بمعنى الكلمة تجد فيها السلع والمنتجات، والرجال والنساء من كل أوربا، كما كان للأجانب فى مصر والإسكندرية أحياء راقية، ونوادى مقصورة عليهم، وكادت البنوك العقارية التى يملكها اليهود والأجانب أن ترتهن ثلث أراضى الفلاحين كما قضت تلاعبات البورصة – وكل سماسرتها أجانب – على ثروات ملاك الأرض.

وأدى التغلغل فى المجال الاجتماعى إلى نوع من التحلل، ففى كل قرية كانت توجد خمارة يملكها يونانى أطلق عليه المصريون أسم "ينى" وكانت المشروبات الكحولية تباع فى محلات البقالة، والحلوى وفى كل مدينة منطقة خاصة بالبغاء، وكانت الراقصات من ملهى فولى بورجيه فى باريس أو ملاهى فينا أو المجر تحضر رأساً إلى الإسكندرية بينما كانت فرق الكوميدى فرانسيز تحيى حفلاتها على الأوبرا الملكية بالقاهرة.

وقد كان هذا يحدث فى الفترة التى أعقبت ثورة 1919، وهى قمة الوطنية المصرية وظهور دعوة التمصير ولكن الحزبية، وهى جزء لا يتجزأ من آليات الديمقراطية أفسدت الوطنية المصرية ولوثتها وحولتها إلى مصالح ومكاسب حزبية.

ومما لا يخلو من مغزى أنه فى هذه الفترة بدأ الزحف الصهيونى على فلسطين، وكانت بمصر جالية يهودية كبيرة لها نوادى اجتماعية ورياضية مثل نادى المكابى، ويشغل حاخامها مركزا مصرياً رفيعاً، وشغل الوزارة أحد اليهود وكانت كبيرة وصيفات الملكة يهودية، وكان هناك جمعيات مثل "نقطة اللبن" تجمع الإعانات لليهود، وترسلها لتل أبيب وعندما تأسست الجامعة العبرية حضرت الحفل فى تل أبيب وعندما تأسست الجامعة العبرية حضرت الحفل فى تل أبيب شخصيات مصرية.

كانت المجموعة الوحيدة التى توصلت إلى خطر هذه الظاهرة هى مجموعة الإخوان المسلمين التى بدأت من سنة 1936 تشارك الفلسطينيين محنتهم وتنبه الرأى العام المصرى إلى خطورة الصهيونية فى الوقت الذى كان رئيس وزراء مصر يقول أنه رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين.

ولم يجد السيد أمين الحسينى أو ممثلو الشعب الفلسطينى ملاذاً إلا فى دار الإخوان المسلمين، وعندما بدأت المعركة أحرز متطوعو الإخوان انتصارات مدوية، وكان يمكن أن يتغير المصير ولا نجد أنفسنا فى مثل 1967 لو سمحت الحكومات الديمقراطية الحزبية للإخوان بالانطلاق.. ولكن المتطوعين كانوا يؤخذون من ميدان القتال إلى معسكر الاعتقال ..

ففى هذه المسألة – مسألة إسرائيل – كان الإيمان الدينى أهدى سبيلاً من الحسابات السياسية والحاسة القومية.

من هذا العرض نعرف أن الديمقراطية، وإن كانت لها حسناتها التى لا شك فيها، إلا أنها ليست هى كل شئ، كما أنها ليست صفواً خالصاً، وقد كان أكبر نقص فى التجربة الديمقراطية المصرية أنها لم تعط المقوم الإسلامى حقه. فلم يتجاوب الشعب معها، وأقتصر جمهور الأحزاب على النخب المثقفة و "العصبيات" فى القرى.

ولأن التجربة الديمقراطية المصرية كانت هشة فإنها لم تقاوم العسكر واستسلمت لمجموعة مغامرة من الضباط ولم تقم بأى مقاومة ..

فى كل هذه المرحلة كان الإسلام هو الحاضر الغائب فكلما نظرت إلى الجماهير وجدت الإسلام، وأينما نظرت إلى السياسة وجدت سقط المتاع الأوربى والمذاهب والنظريات الخادعة، وهذه المفارقة تعود إلى أن إحساس الجماهير ووجدان الشعب له جذوره الإيمانية العميقة، وأن الشعب رغم كل الغشاوات التى تراكمت على الإسلام يحس بالحنين إليه، وقد كانت ميزة الديمقراطية الكبرى هى حرية الفكر كما كانت نقيصتها الكبرى هى إغفال العدل والمعنويات فى أعلا بلورة لها وهى الأديان، وفى الإسلام ميزة الديمقراطية لأنه يقوم على حرية الفكر، كما يبرأ من نقيصتها لأنه يقيم العمل.. على العدل.

وقد آن الأوان لينتهى هذا الفصام المشئوم الذى كان أكبر أسباب تهاوى التجربة الديمقراطية فى مصر، وسقوط محاولتى محمد على وجمال عبد الناصر.

z

ولكــن ...

________

 

هذا كله إنما يصح بعد تثوير القرآن – نظرية الثورة – وتخليصه من الغشاوات ..

وبدون ذلك فقد يوجد حكم يدعى الإسلام وهو إلى الكهنوت أو الخوارج أقرب ..

وتضاف خيبة جديدة إلى الخيبات التى لحقت كل تجارب الحكم التى تدعى الإسلامية.

من أجـل هـذا ينبغي تثـوير القـرآن.

_________________________

 

z

[الفهرس] [1] [2] [3أ] [3ب] [3ج] [4أ] [4ب] 5

                                  الهوامش

                                   إقرأ