تثــويــر القــرآن

الفصل الرابع [2]
 z  

الخاتمة

z

تثـويـر القـرآن

1- لمـاذا
2-
كيـف

z

الخـاتمة

 

2- كيـف

قد يكون علينا قبل ان نتحدث عن كيفية تثوير القرآن أن نعلم  – على وجه التحديد – ماذا أراد الله والرسول بهذه الكلمة.

لقد جاءت إشارة إلى أحد اشتقاقات الكلمة فى القرآن الكريم عندما قال ﴿.. وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا وفسر صاحب معجم ألفاظ القرآن كلمة ﴿أَثَارُوا "أثار الأرض حرثها وشقها وقلبها للزراعة أو لغيرها كاستخراج المعادن أو استنباط الماء".

وفى الحديث جاء تعبير "ثوروا القرآن" و"أثيروا القرآن" قال مؤلف "مجمع بحار الأنوار" "من أراد العلم فليثور القرآن أى لينقر عنه ويفكر فى معانيه وتفسيره وقراءته. وأثيروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين" ويستثير فيها من الفوائد. أى يستخرج .  { ص 148 ج1} ..

ومن هذه التعريفات نعلم أن المطلوب بـتثوير القرآن، وإثارة القرآن، هو ما أراده القرآن عندما تحدث عن تدبر القرآن ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا والفهم السليم لألفاظه وكلماته بحيث يستخرج منها المعنى الذى يمثل روح القرآن ..

ولكى نحقق تثوير القرآن لابد من القيام بعمليتين صعبتين ..

الأولى: إزالة الغشاوات التى أهالها الأسلاف أكداساً على القرآن الكريم، وقد رأينا نماذج منها فى فصل سابق، وكيف أنها حرفت بعض المعانى، وحجبت معانى أخرى وميعت الصياغة المحكمة التى تحدث الأثر الذى أراده القرآن ..

الثانية: تقديم تصور لما يكون عليه الفهم السليم للقرآن الذى يحقق التثوير بالفعل.

ودون كل واحدة من هذين خرط القتاد ..

فأولى هاتين العمليتين والتى تبدو سهلة ستتطلب منا استبعاد التفاسير التى اعتمدتها الأجيال كأداة لفهم القرآن بينما كانت فى الحقيقة حجابا بينهم وبين الاقتراب المباشر من القرآن وبالتالى تذوقه، وتدبره والغوص فى أعماقه وتفهم ثوريته ...

وهذه التفاسير التى تحمل أسماءً مقدسة، إن لم تكن موثنة، مثل ابن جرير الطبرى، وابن كثير، والقرطبى، والزمخشرى، تعد قدس الأقداس، وهناك عشرات الألوف من الشباب السذج المتحمس الذى يفضل الموت الزوام على المساس بها، ووراءهم الأئمة الأعلام الذين يشغلون أرقى المناصب ولا يترددون فى الإفتاء بتكفير من يريد الخلاص من هذه التفاسير أو يرون فى هذا مؤامرة على الإسلام !

ومما يلفت النظر أن قادة الدعوات الإسلامية الجديدة لم يتصوروا الاستغناء عن هذه التفاسير، حتى وإن انتقدوا الإسرائيليات فيها، ولم تخطر لهم فكرة رفض التفاسير من ناحيتى المبدأ والتطبيق. من ناحية المبدأ لأن أى تفسير لابد وأن يكون إسقاطا بشرياً على معانى القرآن وبالتالى قول بالرأى.. أو افتيات عليه. ومن ناحية التطبيق لأن تفسير القرآن آية آية يعنى تقطيع أوصاله، والحيلولة دون وصول المعنى الكلى ونفاذ هداية القرآن الناتجة عن تلاحم آياته بعضها ببعض وما تثيره فى النفوس والقلوب. بل إن زعيمين من أكبر زعماء الدعوة الإسلامية المعاصرة الشهيد سيد قطب والعلامة المودودى وضعا تفاسير، إن تجردت من الخرافات والخزعبلات فإنها لم تتجرد – ولا يمكن أن تتجرد – من الإسقاط على القرآن وتفسير معانيه من زاوية ما. فضلاً عن اتباعهما التفسير آية فآية، وهو الذى يهدر فعالية الخطاب القرآنى. ومن ثم فإنهما فى هذا المنهج سارا على المنهج السلفى.. وهو ما يعطينا فكرة عن المنزلة المقدسة لتفاسير القرآن الكريم، والمعركة الحامية التى لابد أن تتصدى لها عندما نقول: "ارفعوا أيديكم عن القرآن" أو " أطلقوا سراح القرآن من قضبان التفسير" أو "دعونا ننقذ القرآن.. حتى ينقذنا القرآن.."

سيكون علينا أن نقول، وأن نعيد ما نقول، إن الأسلاف رغم نبوغهم وعكوفهم وتجردهم ليسوا معصومين، ولا كاملين، وأنهم كانوا أبناء عصرهم المغلق الذى تسود فيه الخرافة كما يسود الاستبداد وكانت وسائل المعرفة محدودة وصعبة قبل ظهور المطبعة وتيسير وسائل الانتقال ..

لابد أن نقول، ونعيد ما نقول، إننا لو فرضنا جدلاً صحة ما انتهى إليه هؤلاء الأسلاف فنحن مطالبون بأن نعمل عقولنا ونقدم إضافتنا ولا نقنع بما قدموا لأن من المؤكد أن هناك جديداً على ما قالوا، وإننا إذا لم نعمل عقولنا ونقدم إضافتنا فإن عُقولنا ستصدأ وملكات تفكيرنا ستتبلد، وعندئذ سنكون ضحية للخرافة، ولن يكتب لنا أن نتقدم أبداً.

لابد أن نقول، وأن نعيد ما نقول.. إن صيحتنا هذه ليست إلا ترديداً لأوامر القرآن الكريم الذى ندد مراراً وتكراراً بالذين إذا دعوا إلى ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا وهو ما يفعله المسلمون اليوم فنحن إذا دعوناهم إلى القرآن قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا من الشيوخ والأئمة... فأى مسلم يحترم القرآن ويطبقه.. يقبل هذا.

لابد أن نقول، وأن نعيد ما نقول، إن اطراح العقل والتفكير والتدبر والعكوف على الاتباع والتقليد هو نزول عن الإنسانية إلى مستوى الحيوان، وليس هذا حكم طبائع الأشياء فحسب ولكنه الحكم الصريح الصادع للقرآن الكريم ﴿أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ.

إن هذه الدعوة – مع أنها سلبية – فإنها "ثورية" ليس فحسب لأن الجانب الإيجابى لا يمكن أن يقوم إلا بعد أن تتحقق، ولكن كذلك لأنها أمام صداً العقول وموت الهمم تعد ثورية، وهل كانت ثورة الحضارة الأوربية فى أول مراحلها إلا ثورة على الكنيسة وتحريراً للعقل من الطاعة والتقليد والاتباع ...

ومع أن المعركة ستكون طويلة، وحامية، ومريرة، فإننا فى النهاية سننتصر، لأنه لا يصح إلا الصحيح، ولأن الأوضاع التى ترتبط بمصالح ذاتية تزول بزوال أصحابها. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وكما تهاوت سلطة الملوك أمام إرادة الشعب فإن سلطة الفقهاء ستتهاوى أمام قوة العقل.

zzz

وعندما يتم هذا سيتبدى لنا القرآن، كما تبدى للأولين، بكل جماله وجلاله، بكل روائه وبهائه، بكل إلهاماته وهداياته... كالشمس تقدم النور والدفء ...

وكما قلنا فى مستهل هذه النبذة، فإن ثورية القرآن ليست شيئا آخر غير حسن فهم القرآن والتوصل إلى أسراره وأعماقه.. لأن هذا هو ما يحقق الثورية، وقد رأينا أن التفاسير التقليدية تحول دون ذلك.

ونتضرع إلى الله أن يوفقنا فى استكشاف ذلك كما وفقنا فى استكشاف سر الإعجاز القرآنى الذى أعيا الأولين التوصل إليه عندما عالجوه من منطلق الإعجاز البيانى.. فى حين أن القرآن ليس كتاب أدب وبيان قدر ما هو كتاب فن وإيقاع، وأن أهم عناصره هو النظم الموسيقى يتلوه التصوير الفنى، وبهذا يضم القرآن فنين من أسمى الفنون وهما التصوير والموسيقى.. بعد هذا تأتى المعالجة السيكولوجية للإنسان التى تضرب على الأوتار الحساسة فيه.. وأن القرآن بفضل هذه العوامل التى تذهب مباشرة إلى أعماق النفس الإنسانية، وتهزها يوجه الإنسان لإعمال العقل.. وتطبيق القيم ..

نقول أننا هنا أيضاً – فى موضوعات القرآن – نرجو أن نوفق.

ومفتاح ذلك أن نحدد الموضوعات الرئيسية التى يدور عليها الخطاب القرآنى وهى كما نرى ..

أولا: الله تـعالى.

ثالثا: الرسول (ويتبعه بقية الرسل).

رابعا: الإنسان، والمجتمع الإنسانى.

خامسا: الكـون.

سادسا: العـقل.

سابعا: القيــم.

هذه هى الموضوعات الرئيسية التى يدور حولها الخطاب القرآنى والفهم السليم للقرآن، وهو البديل الأمثل عن التفسير، هو جمع كل ما جاء فى القرآن عن موضوع منها بحيث تتضح كل أبعاد الصورة التى يريدها القرآن لهذا الموضوع.

ولا يقتصر الإعجاز القرآنى على أنه قدم "توليفة" تضم كل القضايا الرئيسية، ولكن أنه عالج كل قضية من هذه القضايا معالجة مثلى جاءت فى إطار صياغة مثلى أيضاً، وهذا ما يمثل ثورية القرآن.

فلننظر مثلاً كيف عالج القرآن الكريم موضوع "الله تعالى" نجد أن القرآن قد استبعد التجسيم الذى أدى إلى الوثنية، والتجريد الذى يفقد الله تعالى الحياة ويجعله "فرضاً فلسفياً" وكيف أنه دلل على وجود الله تعالى بالخلق. فكيف ظهر هذا الكون بسمائه وشموسه وأقماره وبحاره وأنهاره، وكيف يسير بضبط وانتظام وإيقاع لا يخل، وكيف خُلق هذا الإنسان فى أبدع تقويم. إن القرآن الكريم يدلل بهذا كله على وجود الله ويقضى على كل الشكوك فى جملة واحدة ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ إذن لابد من خالق ولابد لهذا الخالق الذى وَهب الحياة أن يكون هو نفسه حياً، ورمزاً للحياة ولابد أن يكون حكيماً غاية الحكمة قادراً كل القدرة ...

أما عن ذاته فقد قال بصريح العبارة إن العقل الإنسانى لا يمكن أن يصل إليها أو حتى يقرب منها وهذا أمر لا يرفضه العقل لأن العقل البشرى لا يدعى أنه علم كل شئ فى الكون بأسره، وتوصل إلى أسرار كل شئ، وما يصل إليه بالنسبة لله هو صفاته، وقد اتفقت كل تصورات الفلاسفة الأوربيين الذين قدموا تصوراً لله تعالى مع ما قدمه القرآن. [36]

إن إعجاز القرآن فى هذه القضية لا يقتصر على أنه حل مشكلة الألوهية التى حيرت البشرية وضلت فيها الأفهام، ولكن أن القرآن قدم "المثل الأعلى الأعظم" عندما قرن بالله تعالى الأسماء الحسنى التى تجعله مصدر القيم وكان هذا المثل الأعلى الأعظم هو أقوى عامل للإلتزام بالخير والسلام وإتباع القيم والأخذ بمكارم الأخلاق كما قدم الإشباع الروحى والسكينة النفسية.

ومن المؤسف أن موضوع الألوهية، وما ينبغى لله تعالى قد عولج من المسلمين معالجة شكلية لم تلتزم بما جاء فى القرآن ولكنها انحرفت إلى متاهات وأقحم فيها عناصر غريبة بتأثير المنطق الأرسطى والفلسفة اليونانية الوثنية وأطلق على هذه المعالجة "علم الكلام !!" ولم يتغير هذا الأسلوب منذ أن وضعه المعتزلة، ولم يخلص منه الغزالى أو حتى الشيخ محمد عبده فى رسالته "رسالة التوحيد" ..

وأدت هذه الطريقة المجافية لطريقة القرآن لأن يفقد "الإيمان بالله" عناصر القوة والحيوية والفعالية، وشلت أعظم حافز ودافع وأقوى مؤثر وملهم.

وبعد الإيمان بالله يأتى الإيمان باليوم الآخر، والعناية بهذا الموضوع وتأكيد حقيقته من أبرز ما يتميز به الإيمان الإسلامى، وقد كان هو – وليس وجود الله تعالى فيصل التفرقة بين الإسلام والأديان الأخرى – أو حتى بين الأديان وبين جماهير عديدة  كان من الصعب عليها أن تؤمن بأن الإنسان بعد أن يموت ويصح رفاتاً وترابا يبعث من جديد ويحاسب بالعدل على ما قدم حساباً لا يفلت صغيرة ولا كبيرة نقول كان من الصعب على الناس أن يصدقوا هذا "وقد جاء رجل إلى النبى وفى يده عظم متآكل فقال له هل يحيى الله هذا العظم.. فقال الرسول r نعم فولى الرجل مدبرا.

وكان رد الإسلام أن الله خلق الإنسان من طين فلا يعجزه أن يبعثه من تراب.

ولم يحظ "اليوم الآخر" فى أى دين بالمنزلة التى حظى بها فى الإسلام، ربما باستثناء الديانة المصرية القديمة كما ذكرنا ذلك آنفا ..

ويعود الأثر العظيم لليوم الآخر إلى أنه يحكم تصرفات الإنسان فى الحياة الدنيا، ويقيم العدل أساساً وفيصلاً، ويستدرك ما أخطأته عدالة الدنيا من إثابة للمحسنين أو عقاب للمذنبين.. فى عدالة اليوم الآخر، وهذه هى الفكرة الأساسية فى اليوم الآخر "كمال العدالة" وهو تصور يتقبله بل يرحب به العدول قدر ما يرفضه ويضيق به الظلمة ..

ومن الطبيعى أن يختلف فرد يؤمن باليوم الآخر عن فرد لا يرى له وجوداً ويقول ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ فإن فكرة العدالة والخلود تظلل حياة الأول فى حين أن الثانى لا يعرف وجوداً سوى حياته على ظهر الأرض، وأن ليس بعدها إلا الفناء فهو يحرص على حياته ويعمل ليطيلها، ويبعد عن كل ما يمسها، كما يعمل لذلك بما يجعل هذه الحياة سعيدة ومن ثم يبعد عن أى تضحية، أو عناء أو خوض المعارك الخ... ولكنه مهما يحصل عليه من استمتاع فإن فكرة "الفناء" تنغص عليه حياته.. وتثير فيها الاكتئاب.. فما قيمه حياة تنتهى إلى العدم.

وتحدث القرآن عن نهاية هذه الحياة الدنيا، واندثار هذا الكوكب الأرض – الذى سيرسم بداية الحياة الآخرة حديثاً دراماتيكيا – ديناميكيا – مروعاً ولعل الأجيال الحديثة تتفهمه أكثر من الأجيال القديمة فنحن نعلم إن الأرض ليست إلا كوكبا صغيراً يسبح مع ملايين الكواكب فى الكون العميق، وإن لو أقترب بالأرض أكثر مما هو مقرر له أحد هذه الكواكب لتفجرت الكرة الأرضية وأخرجت أثقالها وفجرت بحارها ومحيطاتها ونسفت جبالها نسفاً فأصبحت كالعهن المبثوث بل قد تحدث هذه الكارثة المروعة لو اصطدمت شظية من ملايين الشظايا السابحة فى الكون بالأرض. على أن الإنسان لديه ما يمكن أن يدمر الأرض تدميراً كما أن سياسات الأنانية لوثت الأرض والسماء مما يمكن أن يجعل المحيطات تكتسح الأراضى، ولدى الدول الكبرى من أسلحة الدمار الشامل، ومن الغازات والميكروبات ما يجعل البشرية كلها قطيعاً من المرضى والمجانيين.

إن كل هذه المخاطر محتمله، وما دامت محتملة فيغلب أن يقع أحدها.. وهو يكفى لدمار الأرض ومحو الحياة الإنسانية فيها ويحدث ما وصفه القرآن وصفا دقيقاً مروعا من أكثر من ألف وربعمائة عام، ولا يخفف من رعب الإنسان إزاء ذلك إلا معرفته أن وراء هذه الكارثة الرهيبة حياة جديدة أكثر عدلاً من الحياة الإنسانية الأولى ..

وهذه المعانى كلها هى ما أستبطنها الصحابة الأول حتى وإن لم يحدث هذا بالأسلوب الذى عرضناه، وهى أيضا ما يستشعرها كل واحد يقرأ ما جاء فى القرآن الكريم عن اليوم الآخر ..

والإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر هما ما يمثلان "الغيبية" فى موضوعات القرآن الكريم السبعة، وقد هاجم الفكر الأوربى فكرة "الغيبية" وقرنها بالخرافة، وأعاد إليها سر تخلف المسلمين. وليس الأمر كذلك. فإن كمال العدالة لا يتأتى إلا بحكم الحياة الآخرة، وإلا فلن يثاب الملايين من الجنود المجهولة التى تعمل فى صمت وظلام دون أن يحظوا بشكر أو ثواب، وسيفلت من العقاب الألوف الذين يقترفون السيئات ويتمكنون بفضل الدهاء والذكاء من إخفاء جرائمهم أو إلباسها ثوب الشرعية.. بل قد يصل الأمر إلى ما كان مطبقا فى اسبرطة فالسارق والقاتل الذى يخدع السلطات فلا يقبض عليه يعد بطلا.. أما الذى يقع فى أيدى الشرطة فهو مجرم ! وهناك جوانب أخرى للغيبية لا يحيط بها الأوربيون، فوجود النار "الجحيم فى الآخرة" أبعد العقاب بالنار من التشريع الجنائى الإسلامى، بينما كان الحريق فى أوربا هو عقوبة الزندقة والهرطقة وأى خروج على الشرع المقرر، وعندما يصرح القرآن الكريم فى آيات عديدة بأن الله تعالى يفصل فى الخلاف ما بين الملل والنحل يوم القيامة فإن المعنى العملى لذلك إقرار وجود الاختلافات وبقائه، وأن الله تعالى – وليس السلطات – هو الذى يفصل فيه.

الموضوع الثالث الذى يُعنى به القرآن هو الرسول ويدخل فيه موضوع الرسالة وبقية الرسل، لأن رسولنا ليس إلا النبى الأخير فى سلسلة من الأنبياء الأخوة أرسلهم الله لإعطاء البشر فكرة صحيحة عن الألوهية. إن الناس قد تهتدى بفطرتها إلى وجود إله، ولكنها تعجز عن تصور ذات هذا الإله ومن ثم فقد تتمثله فى الشمس أو القوى الطبيعية أو الأباء الخ... وقد تنسب إليه ما تألفه من طباع، ومهمة الرسل هى تقديم التصور السليم بقدر ما يمكن للعقل البشرى استيعابه عن الله تعالى ..

ورسالة الأنبياء تستتبع بداهة الإيمان بوحى يحمل رسالة الله تعالى إلى الرسول ..

أما كيف يكون هذا الوحى وما هى طبيعته، وما هى طريقة كلامه الخ... فهذه جوانب قد يصعب على العقل استيعابها لأنها جزء من عالم الغيب الذى استأثر الله بعلمه، ما يعنينا هو أن الله تعالى يبلغ رسالته بما يشاء من الطرق.. وأن الرسول لا ينطق عن هوى ولا يتحدث من تلقاء نفسه وإنما هو يعبر عن رسالة من الله لا يملك أن يغير أو يبدل أو يزيد أو ينقص منها ..

بالإضافة إلى هذه المهمة التى من أجلها أرسل الله رسله، فإن الرسل يقدمون المثل لما يجب أن يكون عليه الناس. وما يتصفون به من كرم الخلق ومن الشجاعة والكفاح والتضحية دون أن يطلب أجراً، أو  يريد جاهاً أو منصباً فهو من هذه الناحية يختلف عن صورة البطل التقليدية الذى لا يعمل إلا للزعامة ويستحل ما تضفيه هذه الزعامة عليه من غنائم، وهم يقدمون "القدوة" التى يقتدى بها الناس، وهو أسلوب سائغ من أفضل أساليب التربية.

ولم يتحدث القرآن عن عدد الأنبياء والرسل ولكنه أشار إلى أنه ما من قرية إلا خلا فيها نذير، وقد تحدث بإفاضة عن نوح وإبراهيم وأبنائه اسحق ويعقوب وإسماعيل وبنى إسرائيل وغيرهم وفرض على المسلمين الإيمان بهم جميعاً وأن لا يفرقوا بين أحد منهم، وهذه درجه من المساواة قلما يصل إليها دين إذ المشاهد أن لا يذكر الدين إلا نبيه، وقد يشير إشارة عابرة إلى أنبياء آخرين، ولكنه لا يوجب على أتباعه الإيمان بهم، ومن باب أولى – المساواة ما بينهم وبينه وهذا أحد الأدلة الناطقة بموضوعية الإسلام.

واعتبر القرآن أن الأنبياء هم قاده البشرية وهداتها وعادة ما يتصدى لهم الجبابرة والطواغيت من الملوك والحكام الذين يهيمن عليهم حب السلطة والسيطرة أو المترفين الذين أفسدهم الترف.

الموضوع الرابع الذى يعالجه القرآن هو الإنسان. ومن الواضح أن القرآن إنما نزل لهداية الإنسان فلو كان الترتيب تبعاً للهدف لنال الإنسان الأولوية، وقد تحدث القرآن عن الإنسان الذى خلقه الله من طين وتراب أو صلصال ونفخ فيه من روحه فخلقه فى أبدع تكوين وزوده بالسمع والبصر والأيدى والأرجل والقلب والعقل، وغرس فيه الغرائز والملكات والطبائع ثم "علمه الأسماء كلها" وهى نقطة سنعالجها فى فقرة خاصة لأهمية مدلولها وأمر الملائكة بالسجود له، وجعله فى الأرض خليفة.

وتحدث القرآن عن الإنسان كما خلقه الله ونفسه التى ألهمها فجورها وتقواها، ولم يستبعد منه الذنب والخطأ، بل إعتبر ذلك جزءًا من طبيعته، ووضع له الطريقة التى لا تجعل الشهوات تستبد به كالإستغفار، والتوبة، وأداء الحسنات التى تجب السيئات.. وأداء المكفرات الخ...

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ.

وحل القرآن مشكلة الشر التى حيرت الأديان وجعلت بعض الأديان تؤمن بإلهين واحد للخير والنور وآخر للشر والظلام.. عندما أبرز دور الشيطان فى غواية الإنسان لتكون الحياة نوعاً من الاختيار والمبارزة ما بين الخير والشر، هداية الأنبياء وغواية الشياطين، وليظهر دور الإرادة الإنسانية وحرية الاختيار.

وتحدث القرآن عن الإنسان كذكر وأنثى وسوى بينهما وإن أبرز أن لكل دوره، وأقام الحياة الزوجية على المودة والسكينة والرحمة، وحاط الرجال والنساء بضمانات لحماية الكرامة الإنسانية وكفالة الحقوق فقرر حرية الفكر والاعتقاد، وحمى الملكية والخصوصية، واستبعد إيقاع أى عقوبة إلا بالحق، وكرد أو قصاص. وجعل العدل فيصلاً فى العلاقات وشدد على الوفاء بالعهود والقيام بالالتزامات وندد بكل صور التمييز القائمة على لون أو عنصر أو جاه، وحرم كل صور التجسس على الأفراد أو الحكم بالظن.

وبعد أن عالج القرآن الفرد الإنسانى عالج المجتمع ووضع أصولاً لما يجب أن يقوم عليه من موضوعية تصل إلى حد شهادة الفرد على نفسه، وعلى الاقربين ثم وضع خطوطاً عريضة تكفل السلامة للمجتمع مثل تحريم الربا وكل صور الاستغلال وإيجاب الزكاة والحث على الإنفاق، ومثل الأمر بالشورى والحكم بالعدل وأن تتعارف وتتألف الشعوب على مستوى العالم ..

وتحدث الإسلام عن الحرب والسلام واعتبر السلام القاعدة وأن الحرب لا تمارس إلا عند الضرورة ولكى لا تكون هناك فتنة، وحرم كل صور الوحشية فى الحروب كما أرسى مبدأ تحرير الأسرى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً.

والموضوع الخامس من موضوعات الخطاب القرآنى هو الكون الذى تحدث عنه القرآن بصورة مستفيضة يندر أن نجد مثلها فى أى دين آخر، وهناك مجموعة من أسماء السور القرآنية تحمل أسماء "البقرة – النمل – النحل – العنكبوت" بينما تحمل مجموعة أخرى أسماء "الشمس – القمر – النجم – الحديد – البروج – الرعد – التكوير – الانفطار – الطارق – الدخان" وتحدث القرآن وأفاض فى ذكر السماوات والأرض والشمس والقمر ودعا المؤمنين ليسيروا فى الأرض ليشاهدوا آثار الحضارات ووجه الأنظار إلى مواطن الجمال فى الشجر والنبات والأرض الميتة، وقد أحياها الماء والزهور اليانعة والأشجار المثمرة.

وحقيقة الحال أن أى قارئ ينعم النظر فى القرآن ويتشرب آياته لابد وأن يتكون فيه وعى كونى وتنشأ بينه وبين الطبيعة والكون علاقة وثيقة يسودها الإنساق والانتظام والإحساس بالجمال والغائية، وأن هذا الكون كله من جبال ونجوم وكواكب كلها تسبح لله، وتدور فى فلكها المرسوم وكلها من النملة والبعوض حتى الشموس والمجرات أمة واحدة.

هذه الألفة للكون والصلة الحميمة ما بين الكون المسخر للإنسان، والإنسان المؤتمن على الكون تعمق الانتماء وتملأ المشاعر وتبعد "الاغتراب" أو "العبثية" أو غيرها من المشاعر التى تتملك الإنسان الأوربى فى العصر الحديث.

والموضوع السادس من موضوعات القرآن هو العلم والعقل. وهذا أيضاً أحد عناصر التفرد فى الإسلام الذى جعل القرآن معجزة له، وفى القرآن الذى لابد وأن يتمحور – ما دام كتابا – حول الفهم والفكر. وهذان – أى الإسلام والقرآن – مرتبطان بما أراده الله تعالى للإنسان من تكريم لأنه ﴿عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وهذه الواقعة نرى الإشارة إليها فى التوراة فى صورة ساذجة بعيدة عما أراده القرآن فقد قصد بها فى التوراة أسماء الحيوانات أو النباتات ولكن رُمز بها فى القرآن إلى مفاتيح المعرفة وعندما أمر الملائكة بالسجود لآدم لهذا السبب، فأنه كرم العلم والمعرفة إلى أبعد مدى وفضلها على العبادة.

واعتبر القرآن أن التفكير فى مظاهر القدرة الإلهية وخلق هذا الكون العجيب سبيلاً ووسيلة للإيمان بالله أى أنه بنى الإيمان على المعرفة، حتى وإن عجز العقل عن أن يلم بذات الله، ولهذا فإن الدعوة إلى الفكر وإلى النظر، وإلى التدبير تتخلل آيات القرآن وكثيراً ما يرد الحديث بصفة "أفلا يعقلون" أو "أفلا يتدبرون" وهو استفهام فيه قدر من التبكيت ينم على أن المفروض فى الإنسان أن يستخدم عقله وفكره.. وقد يتحدث القرآن عن "ذوى الألباب" وقد كره القرآن للناس أن يتبعوا آباءهم لأنهم آباءهم دون تفكر فيما تركه هؤلاء الأباء بل رفض أن يخر المؤمنون إذا ذكروا بآيات ربهم صما وعميانا أو الذين لا يستخدمون عقولهم وقلوبهم وأبصارهم التى خلقها الله لهم، وإعتبر أن الغفلة تهبط بالإنسان إلى ما هو أقل من الأنعام فقال ﴿...أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ.

وقد تحدث القرآن عن العلم بما يوحى أنه الوسيلة للهداية والمعرفة وللتفرقة ما بين الخطأ والصواب، الحقيقة والخرافة، ولقب نفسه "العليم" فى قرابة 140 آية.

أخيراً جداً نصل إلى الموضوع الأخير من المواضيع السبعة للخطاب القرآنى وهو القِيَم. وهو فى الحقيقة أشبه بالثمرة لكل ما سبق من موضوعات. فإنما أراد القرآن أن يؤثر فى النفس الإنسانية بإيقاعه الموسيقى وتصويره الفنى وترغيبه وترهيبه ومعالجته النفسية كلها ثم توجيهه لإعمال العقل ليصل فى النهاية إلى تطبيق الإنسان للقيم التى جاء بها القرآن والتى تكفل له الهداية والسلام وتبعده عن الشقاء والشر وقد تحدث القرآن عن هذه القيم طويلاً وحث عليها، كما ندد بنقائضها ومن أبرز هذه القيم التقوى بالنسبة للفرد، والعدل فى المجتمع واستهداف الخير وتغليب الرحمة والسماحة وأن لا يصبح الإنسان عبداً لشهواته وبالذات شهوات المال، والسلطة والجنس التى تستبد بالناس.

وقد يقول قائل. إن الفلسفة تدعو إلى هذه القيم وتأمر بها، ولكن القيم عندما تأتى من الله، وفى كتابه فإنها تكتسب أهمية أعظم وتصبح مقدّسة كما تأخذ طبيعة "موضوعيّة" لأن الله تعالى يخاطب البشرية كلها ولا يفرق بين جنس وجنس، وحتى الذين آمنوا، فإنما تكون أفضليتهم لإتباعهم القيم، وليس لأى معنى آخر، وقد تبدو تلك ظاهرة طبيعية، ولكن الحقيقة أن القيم التى يضعها بعض الفلاسفة كثيراً ما ترتبط بجنس معين، ويمكن القول إن الشعوب الأوربية لا تؤمن بتطبيق قيم العدالة والمساواة على بقية شعوب العالم وأن أبرز، وأسوأ ما تتعرض له القيم التى يضعها المفكرون هى النسبية، وقلما نجد الموضوعية، والإطلاق إلا فى القيم التى تقدمها الأديان لأنها تقدمها للبشرية كافه، ولأنها فوق العواطف والمشاعر الذاتية التى تتحكم فى الجماعات والشعوب.

z

خـاتمـة

zz

 

عندما قلنا "تثـوير القـرآن" فهم البعض أن الثورة الناتجة عن ذلك ستشبه الثورات التى تضمنتها كتب التاريخ كالثورة الفرنسية والثورة البلشفية، أو حتى الانقلابات السياسية والعسكرية، وما تحفل به هذه الحركات من لوثات أبرزها تدمير الشرعية الدستورية وإحلال الشرعية الثورية المزعومة محلها.

وهذا خطأ محض، فتلك الثورات تورطت فى مآثمها لأنها لم تخلص من القصور البشرى فاستسلمت لما ظنته عادلاً. إن زنج البصرة أرادوا استعباد سادتهم كما أن أتباع سبارتاكوس كانوا يريدون استرقاق الرومان وفى العصر الحديث وضع لينين مبدأ "اغتصاب المغتصبين" وهو ما ينم عن الطابع الذاتى الذى ما كان يمكن أن تخلص منه هذه الثورات، والذى يجعل الثورة بين القائمين بها والذين تثور عليهم مجرد تبادل الأدوار.

إن تثـوير القـرآن شئ آخر. أنه التثوير الذى يلتزم التزاماً صارماً بضوابط الشرعية التى تصل إلى قمتها بالنسبة للإنسان وكرامة الإنسان وتمثلها الآية ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا هذا المبدأ الذى يكاد يكون النقيض للمبدأ الذى تقوم عليه الثورات والذى يجعل الهدف نجاح الثورة ولو قتلت الناس جميعاً ..

وقد يكون أمل البعض قد خاب عندما سمع لأول مرة "تثـوير القـرآن" ثم اكتشف أن العملية ليست إلا التفهم العميق السليم للقرآن ككل والتوصل إلى روحه وإلى مبادئه الكلية.. فهم كانوا يريدون الدماء والمحاكم الثورية والسجون والمعتقلات.. لأن ثقافاتهم ربطت ما بين الثورة وهذه الممارسات فإذا لم تقترن بها فليست ثورة.

لهؤلاء نقول هذا فهم أوربى خالص وأما فهمنا فهو قرآنى يستهدف تحقيق الإيمان بالإقناع والحوار فإذا تحقق الإيمان، فإن هذه الحالة تحكم ما سبقها وما بعدها، بمعنى أنها تَجُبْ ما سبقها لأنه حدث قبل الإيمان فلا يحاسب بمعايير الإيمان، ولا يجوز للماضى أن يحكم الحاضر والمستقبل ويمكن لفرد ما أن يكفر عن ماضيه بمختلف الوسائل، ولكن لا يجوز أن يحال بينه وبين الإيمان لأنه من طبقه الرأسماليين أو لواقعة نسب أو لشغل وظيفة، وفى الوقت نفسه فإن الإيمان سيحكم مستقبله بحيث يسير فى مسار مختلف تماماً عن ماضيه. وما كان هذا ليمكن عملياً لولا إن الإيمان يخلق الإنسان خلقاً جديداً. فالثورة الإسلامية تتحرر من لوثات الثورات الأوربية، وفى الوقت نفسه فإنها تصل إلى أعماق لا تصلها هذه الثورات وأى ثورة تفتح المعتقلات والسجون أو تلجأ إلى التعذيب أو تقمع الحريات وضمانات الحقوق فإنها لا تمت إلى الإسلام، وإنما إلى الفهم الأوربى للثورات فتضطر للعنف فالثورة الأوربية تعُنى بإصلاح الأوضاع، والثورة الإسلامية تعنى بإصلاح الفرد، فتلجأ إلى الإيمان.

ومن خصائص الثورية الإسلامية أن لا يأتى التشريع اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا، إلا بعد الإيمان لأنه مع التسليم بأهمية هذا التشريع، فإنه ما لم يقم على إيمان فإنه لابد وأن يلوذ بوسائل القسر وفى النهاية تتحول الثورة إلى ديكتاتورية ...

فإذا أريد تطبيق الشريعة مثلا، فإن هذا لا يجوز أن يحدث إلا بعد أن يؤمن الشعب بذلك وعندئذ تكون أحكام الشريعة إرادة شعبية فلا يحدث تعارض ما بين سيادة الشعب.. وسيادة الشريعة، وهذا هو ما حدث فى ثورة الإسلام الأولى. فإن الرسول لم يصل الحكم، ولم يبدأ التشريع إلا بعد أن آمن به الأنصار وطلبوا إليه ذلك وانتظروه على أبواب المدينة ثلاث ليال.. وعندما جاء سلموا إليه الأمر فحكمهم بمحض إرادتهم وطبقاً لما آمنوا به.

وعندما نقول أن ثورية الإسلام هى ثورة الإيمان، فكأننا نقول هى ثورة الحرية وثورة العقل لأنه لا إيمان إلا باختيار طوعى، ولا إيمان إلا بعد تفكير فثورة الإسلام هى ثورة الحرية.. وثورة العقل.. ولا ينفى هذا أن تكون قد انحرفت بعد الفترة النبوية والخلافة الراشدة. وقد شرحنا عوامل التحول لأن هذه العوامل لا تقوم على أصل من القرآن أو من الصحيح من السنة، وإنما هى رد فعل لتطورات حكمت المجتمع الإسلامى وقتـئذ على ما شرحنا عندما تعرضنا لعوامل التحوّل.

إن لب الثورية القرآنية هو فهم القرآن وقد أوضحنا أن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تحرير القرآن من إسار التفاسير، والنظر إليه فى ضوء الموضوعات الرئيسية فى الخطاب القرآنى، وإذا تم هذا فإنه هو التثوير الذى سيغير أوضاع المجتمع تغييراً جذرياً شاملاً بدون دماء وبدون محاكم ثورية وبدون معتقلات وإنما بفضل عمل يقوم على إيمان الجماهير بما جاء فى القرآن من القيم، ولما كانت الحرية والعدالة من أبرز هذه القيم، فإن هذا المجتمع سيسمح بتعددية لا يفصل بينها العنف أو الأثرة لأن من القيم الحاكمة فى هذا المجتمع التعاون فى مجال الاتفاق، وترك الفصل فى الخلاف إلى الله تعالى فى اليوم الآخر.

فـثـوريّــة القرآن، وإن توفّر لها المقومات الثلاث للثورة كما ذكرنا فى الفصـل الأول،  (النظرية - إرادة التغيير - مشاركة الجماهير) فإن الطابع العام لهذه الثورية هو السلام الذى يتفجر حرية وحيوية ومبادءة دون لواذ حرب أو عدوان، وبهذا تتميز ثورية القرآن عن المجتمع الخاص وعن المجتمع الخامل وعن المجتمع العدوانى لأنها ثورية الإيمان، ثورية الفكرة..

 

- انتهى -

 

[الفهرس] [1] [2] [3أ] [3ب] [3ج] [4أ] [4ب] 5

                                  الهوامش

                                 إقرأ