قضية الفقه الجديد _ الجزء الأول_الباب الأول

الباب الأول

 

الفصل الأول البراءة الأصلية ودائرة الحلال والحرام

الفصل الثاني التمييز بين الشريعة والعقيدة

الفصل الثالث النشأة التاريخية لنشوء وتطور فقه العبادات

الفصل الرابع الاجتهاد هذا المعلوم المجهول

 

 

 

 

 

ملخص الجزء الأول من

 

 كتاب نحو فقه جديد

 

الباب الأول

 

        يضم الباب الأول مقدمة وبابين رئيسين :

        وأشارت المقدمة إلى الفكرة من هذا الكتاب وأهمية إعادة النظر فى أصول الفقه التى وضعت منذ أكثر من ألف عام ..

        ويضم الجزء الأول بابين كل منهما من عدة فصول ...

        الباب الأول :

        يحمل الباب الأول عنوان "منطلقات ومفاهيم" وقد عالج أربعة منها هى (أ) البراءة الأصلية ودائرة الحلال والحرام. (ب) التمييز بين الشريعة والعقيدة والفقه. (ج) النشأة التاريخية لظهور وتضخم فقه العبادات. وأخيراً الاجتهاد. هذا المعلوم المجهول .

 

الفصل الأول

البراءة الأصلية ودائرة الحلال والحرام

 

فى الفصل الأول قلنا "البراءة الأصلية" من أجمل وأثمن التعبيرات فى الفكر الإسلامى، وأهميتها لا تقتصر على جانب "الحلال والحرام" إذ إنها تعبر عن فهم الإسلام للإنسان وللطبيعة البشرية، وطبقاً لها، فالإنسان أصلاً برئ، ولكن يمكن أن ينزلق إلى الخطأ إذاً تهيأت دواعى ذلك .

ودلل الفصل على ذلك بقصة آدم الذى عاش فى البراءة الأصلية حتى خدعه الشيطان فغوى ولكنه أدرك خطأه فتاب، وتاب الله عليه. كما يستشهد بما ذكره الرسول عن "الفطرة" وأن الإسلام هو دين الفطرة، وأن كل واحد يولد على الفطرة ثم يتولى أبواه تحويله إلى دينهما .

ونتيجة لعمق مبدأ "البراءة الأصلية" فى الإسلام، فقد انتفت من الإسلام فكرة "التابو" التى تدور حولها أديان عديدة، أو فكرة النجاسة التى ترتبط بأفكار دينية. "فالمؤمن لا ينجس أبدا"، والأمانة مغروسة فى جذور الإنسان، والأعضاء التناسلية بضعه من جسم الإنسان، والاتصال الجنسى بين الزوجين المتحابين قربى إلى الله يثاب الزوجان عليه لأنهما وضعا غريزتهما فى حلال، ولو وضعاها فى حرام لعوقبا عليها. فالاتصال الجنسى فى حد ذاته عمل طبيعى، والثواب أو العقاب عليه إنما يكون لإحسان أو لإساءة ممارسة هذا العمل .

ويتفق مع البراءة الأصلية عدم وجود "كنيسة" فى الإسلام، أو مؤسسة تكون هى الواسطة بين الإنسان والله، وتحتكر وحدها التفسير والتأويل، والتحريم والتحليل ! وتفتات على البراءة الأصلية .

وهذا التكيف لطبيعة الإنسان يعطيه حرية المبادأة ويغرس الثقة فى نفسه، ولا يجعل عليه رقابة أو وصاية كهنوتية، وهذه كلها عوامل تنهض بالفرد، وتنهض بالمجتمع، وتستتبع الحرية، وتفترض عدم القيود.

وتستتبع البراءة الأصلية أن يكون الأصل فى الأشياء الإباحة، وأن يكون الاستثناء من هذا بدليل ثابت لا يرقى إليه الشك. يعزز هذا أن القرآن حمل حمله شعواء على الذين يحرمون ويحللون ويضيقون ويحجرون على الناس .

وينبنى على هذا نتيجة هامة للغاية هى أن التحريم المنزل به القرآن صريحاً دون تأويل أو ما قررته سُنة مؤكدة لا شائبة لضعف فيها. أما ما ينتهى إليه الأئمة والفقهاء والمجتهدون من أحكام وتحريم قياساً على القرآن الكريم والسُنة، فإنه يأخذ شكلاً آخر ومنزلة أدنى من التحريم المنزل، لأنه وإن بنى على القرآن أو السُنة، فإن التوصل إلى ذلك مما لا يمكن القطع بصوابه وسلامته، ويغلب أن يتطرق إليه الخطأ أو القصور، ومن هنا يمكن أن نطلق عليها الفتاوى أو أحكام القضاء إذا أصدرتها محكمة شرعية .

وهذا الاختلاف يستتبع أن من الممكن الأخذ بالفتاوى أو الأحكام الفقهية أو عدم الأخذ بها، أو الأخذ بها فى بلد دون بلد آخر، وفى عهد دون عهد ثان. ويمكن أن يطبق فترة ثم ينسخ ويفقد حجيته شأنه فى هذا شأن القوانين الأخرى .

بل يمكن أن يقال ما هو أكثر من ذلك.. إن معادلة التحريم الفقهى على قدم المساواة مع التحريم المنزل يكون نوعاً من الشرك الذى أشار إليه القرآن الكريم ]اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله[ .

والحقيقة أن الفقهاء التقليديين وإن اعترفوا بمبدأ البراءة الأصلية إلا أنهم لم يقدروه حق قدره ولم يفطنوا إلى الدلالات البعيدة له، ولم يسيروا معه إلى النهاية، وهم لا يشيرون إليه فى أصول الفقه الرئيسية الأربعة المقررة: القرآن والحديث والإجماع والقياس.. ولكن عند ذكر الأصول التكميلية، وعادة ما يذكرونها فى آخرها، فيذكرون الاستحسان، والاستصحاب والمصالح المرسلة، وشرع ما قبلنا، وأخيراً البراءة الأصلية فى حين أن فكرة البراءة الأصلية أكثر شمولاً من نظرية "الحقوق الطبيعية" ومن الأصل القانونى "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".

 وكان يمكن للبراءة الأصلية أن تقوم بدور كبير فى الفقه الإسلامى لو أحلها الفقهاء محلها وهم يضعون أطر الحلال والحرام. ولكن مسلكهم كاد يعكس القضية، وأصبح على المسلم أن يتريث أولاً قبل أن يفعل أى شئ ليعلم هل هو حرام أو حلال. فماذا لم يكن لديه المراجع (وهو ما يغلب بالطبع) فإن عليه أن يستفتى. وظهر فى الصحف اليومية والأسبوعية أبواب خاصة للفتاوى، كما تخصص الصحف الإسلامية صفحات متعددة للفتاوى، وفى هذه الفتاوى سؤالاً وإجابة الكثير من المضحكات المبكيات .

وإنما وقف الفقهاء هذا الموقف لعاملين :

الأول: أن مبدأ البراءة الأصلية يقلص من دور المشَرع والفقيه، ويكاد يكون النقيض لتصور المقنن الذى يحمله الزهو بالحرفة، وضيق التخصص، وعدم الإلمام بالجوانب الأخرى من الموضوع لأن يتوغل فى تصوراته، ويتمسك بنصوصه، فى حين أن كبار المفكرين والفلاسفة وقبل هؤلاء الأنبياء يعلمون أن الشرائع أنزلت للناس وليس العكس، وأن المجتمع كائن معقد متعدد الأبعاد وأن رجل القانون الذى تصور أن عليه أن يضع معالجة قانونية لكل كبيرة وصغيرة يوجد بذلك من المشكلات أكثر مما يضع من الحلول.

لم يلم معظم الفقهاء المسلمين بهذه الجوانب، وتصوروا أن ارتباط القضية بالله تجعلها حاكمة على كل صغيرة وكبيرة، مما قد تمثله كلمة الشافعى "كل فعل لأبن آدم فيه حكم، يتعين معرفته والوصول إليه"، وهذا الحكم قد يبينه الله تبارك وتعالى فى قرأنه، وقد يبينه رسول الله r فى سننه، وقد يستنبطه العلماء المجتهدون من القرآن والسُنة، وهو إما أن يكون الوجوب أو الحرمة، أو الندب، أو الكراهية، أو الإباحة " .

قارن هذه الكلمة بكلمة الرسول العظيم: "ذرونى ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشىء فخذوا منه ما استطعتم" .

ويلخص الفصل ما يترتب على ما قدمه من مقدمات ..

       1)   إن اعتبار "البراءة الأصلية" أصلاً من أصول الفقه الإسلامى يمكن أن يغير الصورة السائدة تماماً، بحيث يعد كل شئ حلالاً ومباحاً ما لم يصدر بشأنه تحريم، خاصة إذا رزق طمأنينة القلب .

       2)   إن التحريم والتحليل أمرهما إلى الله تعالى بالنص الصريح فى القرآن الذى لا يحتاج إلى تأويل أو السُنة النبوية التى لا يمكن أن تعلق بها شائبة ضعف. أما تحريم الفقهاء والمجتهدين، فإنه يأتى فى مرحلة أدنى من مرحلة التحريم والتحليل المنزلين، ويمكن أن يعد تقنينا إسلاميا يخضع لما يخضع له القانون من تعديل أو نسخ أو إلغاء .

       3)   إن محاولات الفقهاء إدخال تصنيفات ما بين الحلال والحرام محل "العفو" الذى أكدته السُنة النبوية هو مما يدخل فى باب الصناعة الفقهية ورغبة المشرع الإحاطة بكل تصرفات الأفراد ووضعها تحت الأذن، وهو ما رفضه الرسول، وآثر أن يدع الناس فى (ما أحله الله فى كتابه وما حرم الله فى كتابه) إلى ضمائرهم، وإلى خالقهم، فضلاً عن مرحلة العفو، التى تنم حتى بلفظها عن العفو وتتضمن بالتبعية الحرية، وحاول الفقهاء محاصرتها بمختلف التأويلات .

       4)   إن "سد الذريعة" يفترق إن لم يضاد الوسيلة التي وضعها القرآن، وهى "المقاصة" التى تفضل سد الذريعة من كل ناحية .

 

الفصل الثاني

 التمييز بين العقيدة والشريعة والفقه

 

ويتناول الفصل الثانى قضية قد لا يبدو للوهلة الأولى أهميتها أو يظن أن الخلاف فيها أكاديمى، ولكن الحقيقة غير ذلك. تلك هى "التمييز بين العقيدة والشريعة والفقه" وقد أستعرض المؤلف أقوال الفقهاء الذين سمحوا لبعض الإشارات أن تضللهم عن التمييز السليم فلم يميزوا بين العقيدة والشريعة، أو قالوا إن الشريعة تضم كل شئ.. وقد توصل شيخ من أفضل شيوخ الأزهر وهو الشيخ شلتوت رحمه الله إلى التمييز بين العقيدة والشريعة، بل وأصدر كتابا يحمل هذا الاسم "الإسلام عقيدة وشريعة" وقرر أن العقيدة هى الأصل والشريعة فرع .

ولكن الشيخ شلتوت رحمه الله، وإن ميز ما بين العقيدة والشريعة، وجعل العقيدة هى الأصل والشريعة هى الفرع، فإنه لم يمض إلى النهاية بما يعنيه التمييز، وهذا ما قام به الفصل عندما قال "وطبيعة العقيدة، والملكة التى تقوم عليها، والوسائل المحققة لها تختلف عن طبيعة الشريعة والملكة التى تقوم عليها والوسائل المحققة لها، فالعقيدة إيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر.. والملكة التى تقوم عليها. هى الإيمان القلبى، والوسائل المؤدية إليها هى الصلوات والعبادات والقربات والدعاء والابتهال إلى الله، وقراءة القرآن والتماس العظة والعبرة والدليل على القدرة الإلهية من مشاهد هذا الكون وما يحفل به من آيات .

أما الشريعة فهى الأعمال والعلاقات التى تربط ما بين الأفراد بعضهم ببعض، وما بين "الدولة" والمجتمع والملكة التى تقوم عليها هى النظر العقلى وملاحظة المصالح والوسيلة المؤدية إليها هى العدل الذى يتبلور فى قرارات وأحكام ملزمة بقوة القانون .

وهذا التقسيم يقتضى أن يدخل كل ما يختص بوجود الله تعالى وذاته وعالم السمعيات، وما يتبعه من عبادة وشعائر، فى إطار العقيدة التى تمثل الإيمان وتقوم على القلب وتصل الفرد بالله تعالى، وهذا كله يمكن أن يدخل فى الفقه بالمعنى العام الواسع للكلمة، ولكنه لا يدخل فى "الشريعة"، وإن كان يدخل كل ما يمثل العلاقات سواء كانت العلاقات ما بين الأفراد بعضهم بعضاً، أو بينهم وبين الدولة أو ما يخص الاقتصاد والسياسة فى إطار الشريعة التى تقوم على العقل والمصلحة، أو بمعنى أدق "العدل" وتصل الفرد ببقية الأفراد الآخرى والهيئات الآخرين.. وما يتطلبه تقرير ذلك من إصدار القوانين وتطبيقها بحكم ما لدى الدولة من أجهزة .

فإذا رفض بعض المسلمين دفع الزكاة، كان للدولة أن تستخلصها منهم لأنها ليست من حقهم، بل هى حق الآخرين، وعندما تستحوذ عليها الدولة فإن هذا يمكنها من تحقيق ما سنت الزكاة له .

ولكن لا يمكن مد هذا القول على أية شعيرة أخرى، ولا على ما يمت إلى ذات الله تعالى وعالم السمعيات، فإذا لم يكن ثمة اقتناع وإيمان ورضا وسكينة و "هداية" فما من قوة يمكن أن تفرضها على فرد ما، وإذا أمكن فلا قيمة لإيمان يكون نتيجة قهر وجبر .

وأنتقد المؤلف التعريف المشهور لمقاصد الشريعة وأنها تضم أولا حفظ الدين. فإن حفظ الدين لا يدخل فى الشريعة ولكن فى العقيدة. لأن الشريعة لا تستطيع بالقوانين أو أجهزة الدولة أن تحفظ الدين، وإنما يحفظه إيمان الناس .

وبناء على الالتزام بالتقسيم ما بين العقيدة والشريعة، فإن المؤلف أنتقد بمرارة إخراج الفقهاء كل ما يخص العقيدة من إطار الفقه ووضعها فى علم الكلام. لأن الإيمان بالله هو واسطة العقد فى العقيدة ومنه تنبعث التقوى والخير وبذور الضمير، وإقصاء هذا كله إلى علم الكلام الذى لا يعنى به إلا فئة قليلة جرد عقيدة معظم الناس من عمق ومضمون "الإيمان بالله" ..

كما انتقد وضع الفقهاء الإمامة فى كتب الكلام أيضاً، وكان يجب أن يكون فى أولى أولويات الشريعة وأقترح الفصل :

أولاً: ضم علم التوحيد والكلام إلى الفقه، وإقامته على المنهج القرآنى وليس على منهج المنطق اليونانى، ووضعه تحت أسم "فقه العقيدة" جنباً إلى جنب مع العبادات والشعائر التى يطلق عليها فقه العبادات ومن هذين (فقه العقيدة/ فقه العبادات) يكون فقه العقيدة .

ثانياً: استبعاد موضوع الإمامة من كتب الكلام والتوحيد وضمه إلى الشريعة .

ثالثاً: استبعاد كل ما يتعلق بالعبادات من الشريعة، وضمه إلى العقيدة كما ذكرنا فى أولاً بحيث تقتصر الشريعة على المجالات الدنيوية وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية ويطلق عليها فقه الشريعة .

رابعاً: اعتبار العمل مكونا من مكونات الإسلام لا يقل عن العقيدة والشريعة، لأنه إلى حد ما تطبيق لها، ومصداق للإيمان ومعيار للثواب والعقاب، فضلاً عن أنه يضم كل العمل الطيب وإن لم تكن له صلة دينية بالضرورة، ويطلق عليه "فقه العمل" .

وهذه المجالات الثلاثة متكاملة وإن كل واحد منها متميز عن الآخر وتكون فى مجموعها فقه الإسلام .

 

الفصل الثالث

النشأة التاريخية لظهور وتضخم فقه العبادات

 

عنى هذا الفصل بالبحث عن أسباب تضخم فقه العبادات فتحدث فى مقدمه مسهبة عن ظهور الأديان وأن العبادات هى أبرز ما يميز الأديان عن المعتقدات والنظم الأخرى وتحدث عن العبادة أيام الرسول وما اتسمت به من بساطة ونقاء وبعد عن التعقيد الأمر الذى تغير بعد أن قبض الرسول وحول معاوية بن أبى سفيان الخلافة إلى ملك عضوض إذ أوجد نوعاً من الحرب ما بين الفقهاء وهم حماة المبادئ والأصول الإسلامية التى أرساها الرسول ومارسها الخلفاء الراشدون وبين الحكام الذين حافوا على هذه الأصول وحكموا بالغلبة، وبالسيف ومارسوا موبقات مثل قتل الحسين بن على فى مذبحة كربلاء وضرب الكعبة بالمنجنيق وغزو المدينة بصورة همجية أبعد ما تكون عن الإسلام.

إن هذه الأفعال ما كان يمكن أن تمر بسهولة أمام أعين الفقهاء فشاركوا فى القومات ضدها، ولكنهم هزموا فقد كان لدى الدولة الجيش المسلح والموارد المالية بينما لم يكن لدى الثائرين إلا أعداد محدودة من المتطوعين، فهزمت الكثرة الشجاعة، ولم يعد عملياً أمام الفقهاء من مجال يصولون فيه ويجولون إلا الشعائر العبادية التى لا يرفض الحكام أن يعالجوها، بل هم يرحبون بذلك لأنها تنقل الفقهاء والجمهور أيضاً، من مجال المعارضة السياسية إلى مجال الصلوات والنوافل والدعاء والصيام الخ.. وكان العزاء الحقيقي للفقهاء أن العبادات هى خصيصة الأديان وأنها تطهر النفوس وتصلح الأفراد .

وهكذا تضخم الفقه العبادى واستأثرت الصلاة بالجزء الأعظم، وضرب المؤلف المثل بأن معالجة الصلاة ضمت ستة أجزاء من أجزاء مسند الإمام أحمد بن حنبل الأربعة والعشرين، وأن هذا الإسهاب ليس مقصوراً على المسند .

وقال المؤلف "إن أسوأ ما ترتب على التضخم التاريخي لفقه العبادات هو أنه شوه شخصية المسلم تشويها وصل من العمق والتغلغل أن أصبح قرينة لها ودلالة عليها.. فالمسلم هو الذي يؤدى الشعائر ويقوم بالنوافل والمندوبات سواء كان جاهلاً أو عالماً.. صادقاً أو كاذباً.. أميناً أو خائنا.. مجداً أو كسولاً. ما دام أرسل لحيته وأعفى شاربه وجعل همه المساجد يقصدها لكل صلاة. يطيل ويتأنى ويصلى النوافل ثم يخرج مسبحاً محوقلاً فى حين أن هذا المسلك يناقض ما أراده الرسول r للمسلم ليس فحسب كما يبين ذلك حديث المفلس بل كما دلت على ذلك أحاديث عديدة تنفى صفة الإيمان عن المنافق أو الكاذب أو الخائن .

 

الفصل الرابع الاجتهاد هذا المعلوم المجهول

 

لاحظ الفصل أن باب الاجتهاد لم يُغلق بأمر سلطاني ولكنه أنغلق لحالة البلبلة والاختلاف ما بين الفقهاء بعضهم بعضاً فى المسألة الواحدة فى البلد الواحد، وكان المسلك الأمثل تنهيج الاجتهاد، ولكن التنهيج لم يكن مألوفا وقتئذ.. وكان الحل إغلاق باب الاجتهاد كله والاقتصار على العدد المحدود من المذاهب التى أثبتت كفايتها .

وذكر المؤلف أن الصورة القديمة للاجتهاد التى كان يمكن للمجتهد أن يفتى فى كل المسائل لم يعد لها مكان بعد توسع المعارف توسعاً لا يمكن لأى واحد أن يلم بها، والطريقة الوحيدة لتحقيق قدر من الاجتهاد هى المجامع التى تضم الفقهاء من مختلف الدول الإسلامية وبجانبهم الخبراء الفنيون الذين يعرضون الوجه الفنى والعملى للموضوع حتى لا يجهله الفقهاء فيصدرون أحكاماً سقيمة .

وقارن الكتاب بين كلمة معاذ بن جبل "أجتهد رأيى ولا ألو" والقيود التى كيل بها الفقهاء الاجتهاد بحيث أصبح كاشفاً عن الحكم وليس منشئاً للحكم .

وانتقد تعبير لا اجتهاد مع النص، وأوضح أن أكبر مجال للاجتهاد بالمعنى العام هو النص حتى لو كان يبدو جليا وضرب المثل بالآية ]إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت[ فقد وجد من يقول عن أهل البيت أنهم الرسول وعلى بن أبى طالب وفاطمة والحسن والحسين "ووجد من يضيف إلى هؤلاء زوجات الرسول، ووجد من يقول أهل مكة وأن البيت المقصود هو البيت الحرام" وهناك آيات عديدة بهذا المعنى .

كما أبدى الفصل العجب لأنه لا يرى إشارات كافية للاجتهاد بالشورى مع أن هناك نصوصاً عنها وأنها كانت وسيلة أبى بكر الذى "عندما لم يكن يجد حلاً فى كتاب الله وسُنة رسوله فإنه "كان يجمع خيار الصحابة ويستشيرهم ويقضى بما ينتهون إليه وكذلك كان يفعل عمر" .

وأشار الفصل إلى أنه رغم كثرة الحديث عن فتح باب الاجتهاد فإن كل محاولات التجديد فى الفقه الإسلامى لم تستهدف الاجتهاد حقاً. ولكن جمع وتصنيف الأحكام فى المذاهب المختلفة ومن ثم ينفسح المجال لتفضيل بعضها على بعض أو الأخذ بهذا الحكم دون ذلك خاصة وأن سعة التباين والتفاوت ما بين سُنة وشيعة ظاهرية وإباضية تسمح بذلك .

وعرض الفصل نتائج ما انتهت إليه فى :

  1)   إن باب الاجتهاد لم يغلق قديما، ولكنه "أنغلق" لما أشاعه الاجتهاد من بلبلة، ولانعدام "التنهيج" والتنظيم مما أدى إلى غلبة المذاهب المتبعة واندثار الاجتهاد تدريجياً، والدعوة لفتح باب الاجتهاد يجب أن تقترن بتنظيم منهجى يختلف تماماً عن الصورة التقليدية القديمة له .

  2)   أراد الفقهاء للاجتهاد أن يكون نوعاً من القياس وأن يربطوه بـ "العلة" بحيث يكون مُظهراً للحكم لا منشئاً له، ومن ثم فإنه لا يكون اجتهاداً كما يوحى به كلمة معاذ "أجتهد رأيى ولا ألو" .

  3)   طبقاً لهذا المنهج، قال الفقهاء: "لا اجتهاد مع النص"، ولكن التقصى الفعلى لطرق التوصل إلى الأحكام أو تفسير القرآن يوضح أن معركة الاجتهاد الحقيقية إنما كانت مع النص وحوله، فكائناً ما كانت درجة وضوح النص، فلابد فى النهاية من إعمال الفكر .

وما شاب هذا الاجتهاد هو عوامل طارئة مثل تأثير الإسرائيليات التى غلبت على التفسير، والعجز عن رتق الخرق فى الحديث بالنسبة لتأخر تدوينه، والخضوع لبعض قواعد النحو واللغة والمنطق اليونانى، وأخيراً روح العصر التى لابد أن يكون لها تأثير ظاهر أو كامن على الفقهاء، وهى كلها عوامل عارضة يفترض ألا تبقى وألا تواصل تأثيرها على الاجتهاد فى هذا العصر .

  4)   مع انتفاء العوامل السابقة التي أوقفت الاجتهاد قديماً، وانفتاح الأسباب والوسائل في العصر الحديث. فإن همة الفقهاء المعاصرين لم تتسامى إلى اجتهاد، وقصارى ما حاولوه هو تنهيج التراث الفقهي واختيار الأفضل. كأنما انغلق إلى الأبد الاجتهاد والإبداع. وتجمد الفقه الإسلامي في العصر الذي تتدفق فيه المعلومات والمعارف ويجتاز العالم ثورة معرفية ..

  5)   إن الصورة المثلي لتنهيج اليوم هي تكوين مجامع تجمع الفقهاء جنباً إلى جنب الخبراء والفنيين لما أشرنا إليه من مبررات ولأن هذا يحقق الاجتهاد بالشورى .

وختمت هذه الفقرة بملاحظة في منتهى الأهمية تلك هي "ومع هذا فإنه حتى هذه الصورة لن تؤتى أكلها إلا بعد إعادة النظر في أصول الفقه بحيث لا يكون الاجتهاد مظهراً للحكم، ولكن منشئا له" .