قضية الفقه الجديد _ ملخص الجزء الأول _الباب الثاني

 

الباب الثاني

الفصل الخامس  فهم الخطاب القرآني أيام الرسول

الفصل السادس فهم الخطاب القرآني بعد المرحلة النبوية حتى الفترة المعاصرة

الفصل السـابع فهم الخطاب القرآني كما يجب أن يكون

خاتمة

 

 


الباب الثاني

فهم الخطاب القرآني


 

والباب الثاني من الكتاب هو عن فهم الخطاب القرآني وهو يتضمن ثلاثة فصول من الخامس إلى السابع فعالج الفصل الخامس "فهم الخطاب القرآني في أيام الرسول" والسادس وهو عن "فهم الخطاب القرآني بعد المرحلة النبوية حتى الفترة المعاصرة وأخيراً" الفصل السابع "فهم الخطاب القرآني كما يجب أن يكون" ..

 


الفصل الخامس

فهم الخطاب القرآني أيام الرسول

 


أبرز الفصل كيف أن تلاوة الرسول للقرآن كانت وحدها كافية لزلزلة إيمان المشركين أو حملهم على الإسلام وأورد الشواهد العديدة كقول جبير بن مطعم "سمعت رسول الله r يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه. فلما سمعته قرأ ]أم خلقوا من غير شأ أم هم الخالقون[ خلت أن فؤادي قد انصدع" .

والنتيجة التي يصل إليها الفصل هي أن القرآن يملك قوة عجيبة سماها العرب سحراً للهداية، ولخلق الإنسان خلقا إيمانيا جديداً.

وهذا الفصل هو أكثر فصول الكتاب اختصاراً لأن الهدف منه كان إثبات أن تلاوة القرآن وحدها كانت كافية لتحويل المشركين إلى مؤمنين.

 


الفصل السادس

فهم الخطاب القرآني بعد

المرحـلة النبويـة حتى الفتـرة المعاصرة


 

تعرض الفصل لظهور التفاسير نتيجة للتطور الكاسح للدولة الإسلامية الذي حدث خلال عشرين عاماً ودفع بالدعوة الإسلامية إلى الهند والصين شرقاً وأسبانيا وأفريقيا غربا حتى وقف عقبة بن نافع بجواده على شاطئ الأطلسي معلنا: "لو يعلم أن وراء مائه أرضاً لخاضها" وطوى الإسلام الإمبراطورية الفارسية في العراق ولاحقها في فارس وإيران حتى حدود الهند وقضى على إمبراطورية الرومان في سوريا ومصر.

الظاهرة الرئيسية التي حكمت هذا المجتمع وهيمنت عليه أن هذه الجموع لم تتعرف على الإسلام تعرفاً عميقاً، ولعل بعضها لم يسلم عن إيمان، بل لعل بعضها أراد الكيد للإسلام. وأنها لا تتقن العربية وتعجز عن فهم جوانب عديدة من جوانب الصياغة القرآنية. وأنهم حملوا بين جوانحهم رواسب حضارات عريقة قديمة قضى الإسلام على وجودها السياسي ولكن ظلت في شعوبها الخصائص العميقة لهذه الحضارات والمناخ التاريخي والسياسي لها مما يمكن أن يعد "ذاكرة جمعية" للشعوب لها شفرتها الخاصة كما أن للفرد شفرة وراثته الخاصة.

ولم يكن لدى هؤلاء حفاظ وسمت الصحابة أو إيمانهم كما لم يكن المجتمع هو المجتمع المحدود الذي كانه، لقد كان الاستطلاع والرغبة في المعرفة وتطلب الإجابة هو الشغل الشاغل.

لم يكن في القرآن التفاصيل التي تسعفهم ولم يكن من الممكن وضع فقه أو قانون على أساس استلهام روح الإسلام وما أرساه القرآن من مبادئ وقيم. كان هذا يتطلب تنهيجاً وتنظيماً لم يكن العرب يعرفونه .

الحاجة تفتق الحيلة وقد تفتحت أمامهم أبواب عديدة يمكن أن تشبع فضولهم وتحقق طلعتهم.

فهناك التوراة والتراث الإسرائيلي العريق والضخم الذي تراكم بمرور ألفى سنة تقريباً وشجّع بعض الأسلاف الإقبال عليه أن القرآن منح بنى إسرائيل مساحة كبيرة، وتحدث عنهم بدءاً من إبراهيم حتى موسى ويوسف مرات عديدة وأوجب على المسلمين الإيمان برسلهم إبراهيم وأسحق والأسباط مع بقية الأنبياء "لا نفرق بين أحد منهم" وأنه يرى أن الديانات ذات أصل واحد وأن إبراهيم رأس الديانات الثلاث كان حنيفاً مسلماً ولهذا يعترف بها. وقد كان الوجود اليهودي في المدينة عندما قدمها الرسول r طاغياً وقد أسلم القليل منهم كما دخل في الإسلام بعضهم مع بقايا سبى بنى قريظة وخيبر وعندما أجلا عمر الباقين رحلوا إلى الشام التي كانت أحد مراكز التكتلات الإسلامية أيام الفتوح.

ووقف آخرون أمام "أسباب النزول" وكان في القرآن آيات معدودة يمكن التعرف صراحة على أسبابها أو شخوص من أنزلت فيهم، فعندما يقول القرآن الكريم "ثاني أثنين" إذ هما في الغار" فمن الواضح أنه يشير إلى أبى بكر لأن الواقعة التاريخية هي أنه لم يهاجر مع الرسول r إلا أبو بكر.

 وعندما يقول القرآن ]قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها[ فمن الواضح أنها نزلت في سيدة بعينها يمكن إثباتها لأنها أوجدت حكماً شرعياً، وعندما يقول القرآن ]تبت يدا أبى لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد[ فإن القرآن قد سمى من أنزلت فيه وأشار إلى زوجته وكذلك عندما يقول ]عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى .. ..[ فهذه تمثل واقعة معينة لها صاحبها الكفيف.

ولكن الحالات التي من هذا النوع محدودة في القرآن والأغلب والأعم أن لا يحدد القرآن أسماء أو تواريخ أو أسباباً وأن يذكر الواقعة للاتعاظ واستلهام العبرة أو استخلاص النتيجة. وهو بالطبع يلجأ إلى هذا الأسلوب لأنه لا يريد أن يسرد "معلومة" ولكن أن يحدث تأثيراً، ولأن ذكر التاريخ أو العدد الخ.. يمكن أن يكون على حساب التأثير المطلوب للمعلومة التي لا جدوى عمليا من ورائها. ولكن هذا دق على المفسرين أو لم يوقف فضولهم وتطلعهم ووجدوا الحل في الإسرائيليات أو بعض الأحاديث المنحولة.

ونكاد نقطع بأن معظم ما جاء عن "أسباب النزول" منحول أو موضوع أو مروى بالمعنى الذي ينال من مصداقيته ولكن المفسرين تلفقوا هذه الأحاديث لأنها حلت لهم مشكلتهم حتى وإن قالوا "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".

وعندما توقفوا أمام اختلاف مستويات الأحكام في بعض الحالات تصوروا أن الحل هو النسخ وارتكزوا على الآية 106 من سورة البقرة ]ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها[ وكذلك الآية 101 من سورة النحل ]وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون[ ولو راجعوا ما بين دفتي المصحف لعلموا أن القرآن لا يستخدم كلمة آية بمعنى نص ولكن بمعنى معجزة أو قرينة أو دلالة وأنه إذا كان ثمة نسخ فهو ما تنفيه الآية  ]وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمّنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم[ {52 الحج}.

وأن اختلاف مستويات الأحكام في بعض الآيات مطلوب ومقصود وأنه كما قال القرآن نفسه {101 النحل} "بدلنا" أي بدائل وقد تصوروا أن القرآن الكريم قد نزل لهم ولعصرهم فأرادوا أن يقيموه على مثل حد السيف. والقرآن الكريم نزل للناس كافة وللعصور كلها ولهذا ففيه فسحة وسعة وتفاوت وبدائل. وكلها رحمة من الله ومعرفة بتفاوت العصور والأجيال.

وعّز على اللغويين أن يبدع القرآن لغته الخاصة وصياغته المميزة وظنوا وبعض الظن إثم أن عليه أن يتبع قواعدهم ! فأخذوا يفتاتون عليه مع أنهم يعترفون أنه أصل اللغة وأن ما يأت به لابد وأن يكون الأمثل حتى وإن لم تستوعبه إفهامهم الضيقة المتزمتة.

أما المذهبيون فقد حاولوا تطويع بعض الآيات لتتفق مع مذاهبهم سواء كانوا معتزلة أو مرجئة أو شيعة الخ...

وشغلت عملية التفسير علماء الأمة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها وعلى امتداد القرون. فقد أعتبـر التفسير أشرف الأعمال والقربات وأهمها للناس وللمجتمع حتى أصبحت التفاسير غابة كثيفة حجبت القرآن تماماً وأحلت محله هذا الغثاء الذي يقوم على الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة والاجتهادات.

وبدأت محاولات البحث عن إعجاز القرآن، وتدور معظم هذه المحاولات حول "الأعجاز البياني" لأن القرآن لديهم كتاب "أدب" فعنى بعضهم بإبراز الأعجاز اللغوي والأسلوبي ورأوا الإعجاز كل الإعجاز هو أن تضم آية مثل ]وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودىّ وقيل بعداً للقوم الظالمين[ واحداً وعشرين ضربا من البديع مع أنها سبع عشرة كلمة وأن في آية ]ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة [. أربعة عشر نوعاً من البلاغة هي الإيجاز والترشيح والأرداف والتمثيل والمقارنة والتمثيل والمقارنة والاستدراك والإدباج والإيضاح والتهذيب والتعليل والتبكيت والمساواة وحسن النسق وحسن البيان !

ولا جدال أن الأمر كذلك بالنسبة للغويين ولكن القرآن لم ينزل ليحمل اللغويين على الإيمان به بحكم إعجازه اللغوي، ولا يعنى القارئ العادي هذا التفنن في القول ولا يؤثر فيه، ولا يلمس وجدانه. أو يشعرهم "نبض القرآن"

وقد اعترف كاتب إسلامي محنك هو الأستاذ محمود محمد شاكر "أن الذين بحثوا عن جانب البيان لم يصلوا إلى شئ، لا الباقلانى ولا عبد القادر الجرجانى ولا من لف لفهما من الأئمة والباحثين كل هؤلاء قاربوا ولم يمسوا حاولوا ولم يحققوا. وإنما تشاغلوا بأمور أخرى لا تتصل بالبيان".

وتحدث الفصل عن بعض أراء مصطفى صادق الرافعي. التي جاءت في الجزء الثاني من كتاب "آداب اللغة العربية" المخصص لأعجاز القرآن. وكذلك كتابات الدكتور محمد عبد الله دراز صاحب "النبأ العظيم" وكلام الأستاذ محمد فريد وجدي في الجزء السابع من دائرة المعارف، وتعقيب الدكتور محمد رجب بيومي عليه.

وتحدث الفصل في فقرة مسهبة شيئاً ما عن المفسرين المحدثين، بدءاً من الشيخ محمد عبده الذي يعد رائد النهضة في مجال المعرفة الإسلامية بقدر ما كان أستاذه الأفغاني هو الرائد في مجال القضية السياسية وقال:

تتركز الأهمية الخاصة للشيخ محمد عبده في أمرين:

الأول: أنه وإن سار على طريقة المفسرين في تفسيرهم القرآن سورة سورة فإن طريقة تفسيره اختلفت اختلافاً كبيراً. فاستبعدت كل الإسرائيليات ولم يعد التركيز على "المأثور" و "المنقول" ولكن المعاني وما تدل عليه الكلمات والسياق. مع الإفادة في ذلك بثقافة العصر الحديث التي ألم بها الشيخ فتفسير محمد عبده كان الخطوة الأولى على طريق المحدثين وربما كانت أفضلها في تفسير القرآن.

الثاني: أن أثر الشيخ وتفسيره عم العالم الإسلامي بفضل زياراته للشمال الأفريقي والدول الأوربية فضلاً عن مصر ولبنان. وقد أعتبر كتاب "الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير" أن مدرسة الشيخ محمد عبده في التفسير ضمت الشيخ عبد القادر المغربي والشيخ محمد مصطفى المراعى والشيخ جمال الدين القاسم (صاحب محاسن التأويل) والشيخ عبد الحميد بن باديس علامة الجزائر ومؤسس جمعية العلماء والذي ظل 25 عاماً يلقى دروسه عن التفسير والشيخ الطاهر بن عاشور علامة تونس وصاحب (التحرير والتنوير) في 12 مجلد. والشيخ محمود شلتوت وبقية التابعين كالشيخ المدنى والشيخ محمد عبد الله دراز وغيرهم" .

وكان من توفيق الله أن قيض للشيخ محمد عبده وهو في قمة النضج والعطاء مريداً مخلصاً نابغاً هو السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار والذي نذر حياته لنشر علم الشيخ. فبدأ تفسيره في المنار حتى توفى الشيخ محمد عبده. واستقل الشيخ رشيد بالتفسير ثلاثين عاماً متصلة. وكان التفسير هو غّرة مواد تحرير المنار.

وقد توفى الشيخ رشيد رضا وتوقف عند تفسيره في سورة يوسف عند قوله ]رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السماوات والأرض، أنت ولى في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالآخرين[ ـ{101 يوسف} .

فهذه الصحبة الجميلة المخلصة التي يعز مثالها وهذه الاستمرارية في العمل في مجلة رزقت من الشهرة والتقدير في العالم الإسلامي ما لم ترزقه مجلة أخرى كانت من أكبر أسباب شهرة وبروز تفسير الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا.

ورغم كل هذا فإن الإبداع في تفسير المنار ومدرسته كان في الناحية السلبية أكثر مما كان في الناحية الإيجابية بمعنى أنه كشف الزيوف والأساطير التي حفلت بها التفاسير التقليدية ولكنه لم يتمكن من إبداع منهج أو يصل إلى عمق يمثل إضافة حقيقية وقد جاءت المحاولات الجديد على أيدي كتاب ليسوا بالضرورة من العلماء المشهورين أو الفقهاء البارزين..

فحاول فقيه مغمور درس في مدرسة الدعوة والإرشاد التي أسسها الشيخ رشيد رضا وظلت قائمة لفترة ما "تفسير القرآن بالقرآن" ومع أنه لا يمكن أن يعد رائداً أو مكتشفاً لهذا المنهج إذ أشار إليه كثير من المفسرين ولكن طريقته والمدى الذي ذهب إليه هو ما يمثل الجديد في الأمر. إذ أنه لما كان متأثراً بأفكار العصر ومؤمناً بسلامتها فقد حاول أن يطوع عبارات قرآنية لتتفق مع ما ذهب إليه حتى لو كان التعسف واضحاً، فلما لم يكن يؤمن بالمعجزات ولا بالرق ولا بالزواج بأربع ولا بالجن كما لا يؤمن برجم الزاني وقطع يد السارق فقد حاول أن يفسر كل ما جاء في القرآن عن هذه وغيرها بما يتفق معه.

وبالطبع فإن التوفيق قد خانه فيما ذهب إليه لأنه ليس مما ينافى علوم العصر أو حقائقه وجود معجزات وخوارق وعوالم أخرى. أما ما يتعلق بالأحكام فكان يستطيع معالجتها من مداخل مختلفة.

وتناول الفصل ظهور "الإعجاز العلمي في القرآن" على يدي الدكتور توفيق صدقي الطبيب في مصلحة السجون الذي كتب سلسلة من المقالات في مجلة المنار عام 1905 عن هذا الموضوع حتى الدكتور مصطفى محمود صاحب التفسير العصري للقرآن.. وعرض بعض وجهات نظرهما .

وأشار إشارة سريعة إلا أن الأجل لم يتسع للإمام الشهيد حسن البنا ليقدم إضافة كاملة في التفسير التي وقفت عند تفسير الفاتحة والآيات الأولى من سورة البقرة ونشرها في مجلة "الشهاب".

وأشار بعد ذلك إلى كتاب الدكتور محمد شحرور "الكتاب والقرآن" وما جاء فيه من اجتهادات تعرض لها الأولون أو المعاصرون، ولكنه في الوقت نفسه لم يستسغ اجتهادات أخرى نشأت نتيجة لاعتماده على الجذور اللغوية للكلمات وأصلها في قواميس اللغة، وهذا مما لا يمكن أن يُحكم في القرآن، فالقرآن له لغته الخاصة، كما لم يتفق مع الدكتور شحرور في تعريفه للمال والبنون، وكلمة النساء كجمع نسئ إي المتأخر والمستجد ويصبح تفسير الآية نساؤكم حرث لكم الخ.. أن الأشياء المستجدة وهى من الأشياء المادية التي يحب الناس جمعها وكسبها قد أباحها الله.. وكلمة "حرث لكم" للدلالة على الذكور والإناث.

وكذلك تفسيره ]ولا يضربن بأرجلهّن ليعلم ما يخفين من زينتهنَّ[ فإن الضرب هو السير لأن ضرب في اللسان العربي لها أصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه وأول معنى محمول عليه هو الضرب في الأرض بغرض العمل والتجارة والسفر كقوله تعالى ]يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينّوا[ ـ{النساء 49} .

و"القلب" عند الدكتور شحرور هو المخ ولا يثنيه أن يضعه القرآن في الصدور. أما الشهر في سورة القدر فليس المقصود به شهر رمضان ولكنه "إشهار" القرآن.

كما أن المقصود بقوله تعالى ]فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه قسم لو تعلمون عظيم[ هو أسرار مواقع النجوم في الكتاب كله وهى الفواصل بين الآيات وليس مواقع النجوم في السماء حسب المفهوم الشائع .

نقول: إن كلام الدكتور شحرور في هذا كله مما لا يستقيم..

وعرجت الفقرة على مدرسة المستشرقين وما بعد الحداثة، فأشارت إلى هذه الموجة التي عصفت بأصول الفكر التقليدي الأوربي وفككته، دون أن تعيده إلى ما كان، وأنه إذا كان لها أي دلالة فالنسبة للأوربي، أما الفكر العربي فلا ينطبق عليه.

وعرج على محاولات محمد أركون لفهم القرآن. وأوضح كيف أنه سقط من غير أن يدرى في هاوية تجمع بينه وبين المشركين عندما جعل مفتاح فكرته على القرآن أنه "ذو بنية أسطورية متعالية" ولم يتنبه لاستغراقه في الفكر الأوربي إلى أنه يضع نفسه في خندق واحد مع المشركين الذين قالوا عن القرآن "أساطير الأولين" وعندما تنبه إلى ذلك حاول بجدع الأنف أن يخلص نفسه محملاً المسئولية لإساءة الترجمة ومفرّقاً ما بين myth  أي الأسطورة وما بين mythology  وهى الخرافة

وقال المؤلف: "لقد كان يمكن لأركون أن يقول إنه لابد لكل الشعوب من إيمان وهذا الإيمان قد يكون زائفاً فيأخذ شكل الأسطورة قبل أن يهدى الله الناس بالصورة السليمة عن طريق الوحي والأنبياء والكتب السماوية التي تستخدم التصوير الفني والمجاز أو تبدأ من مستوى القوم الذين نزلت لهم، ولكن مضمونها يختلف تماماً عن الأسطورة، لأنه يبرز الحقيقة العظمى "الله"

 إن أركون كان يستطيع أن يقول هذا لو تحرر من المناخ الأوربي وطريقة أوربا في دراسة الأديان التي تستبعد تماماً فكرة الله وتأخذ بما وجدته لدى القبائل البدائية في أفريقيا والأمزون والهند الخ.. أو في كتب السحر والتنجيم.. وهذا عندها هو "الأنتربولوجى" العلمي.

ورغم كل ما يمكن أن يؤخذ على أركون فإنه الوحيد الذي استطاع أن يصد بحكم مكانته الرفيعة وإيمانه الإسلامي غائلة كثير من المستشرقين وأن يعرض وجهة نظر إسلامية يتقبلها الفكر الغربي، وأنه توصل إلى نتائج سليمة في نقده لبعض مسالك الفقهاء التقليديين.

على كل حال فإننا نعتقد أن أركون كبقية الذين تأثروا بالثقافة الأوربية وانبهروا بها حيناً من الدهر يعيد بين الفينة والفينة النظر في أفكاره وينتهي إلى إشراقات تختلف عما ذهب إليه عندما كان مأخوذا بكليته بالثقافة الأوربية وأنه بعد رحلته الطويلة مع "فوكو" وأمثاله من أنصار التفكيك والحفر أنتهي إلى أن "التأويل" هو مفتاح المعالجة القرآنية "فالقرآن كتاب ينص على التأويل ويقبل التأويل ولا يكتنه إلا بالتأويل فهو نص تأويلي، أو لنقل نص التأويل بامتياز".

وتعرض الفصل لما ذهب إليه الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه "مفهوم النص" ورفض بقوة أن يطلق على القرآن تعبير "منتج ثقافي" الذي جاء فى كلامه.

"إن النص فى حقيقته وجوهره منتج ثقافي والمقصود بذلك أنه تشكل فى الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاماً وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتفقاً عليها فإن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر من ثم إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص. إن الإيمان بالمصدر الإلهي للنص ومن ثم لإمكانية أي وجود سابق لوجوده العيني فى الواقع والثقافة أمر لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها. ولنقل بعبارة أخرى إن الله سبحانه وتعالى حين أوحى للرسول r بالقرآن أختار النظام اللغوي الخاص بالمستقبل الأول. وليس اختيار اللغة اختياراً لوعاء فارغ. وإن كان هذا ما يؤكده الخطاب الديني المعاصر. ذلك أن اللغة أهم أدوات الجماعة فى إدراك العالم وتنظيمه. وعلى ذلك لا يمكن أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة والواقع أيضاً ما دام أنه نص داخل إطار النظام اللغوي للثقافة. إن ألوهية مصدر النص لا تنفى واقعية محتواه ولا تنفى من ثمّ انتماءه إلى ثقافة البشر" .

ومن تحليل هذه الحقائق يمكن أن نصل إلى فهم علمي لظاهرة النص. إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون فى هذه الحالة قضية بديهية لا تحتاج لإثبات ومع ذلك فإن هذه القضية تحتاج فى ثقافتنا إلى تأكيد متواصل نأمل أن تقوم به هذه الدراسة" أ هـ.

وكذلك نقده للمنهج التقليدي الذي يتبناه الخطاب الديني المعاصر حيث تعطى الأولوية عنـد مناقشة النصوص الدينية للحديث عن "الله" عز وجل قائل النص ثم يلي ذلك الحديث عن النبي r (المستقبل الأول) للنص ثم يلي ذلك الحديث عن الواقع تحت عناوين "أسباب النزول" و "المكي والمدني" و "الناسخ والمنسوخ" إن مثل هذا المنهج إن اكتملت له أدوات البحث المنهجي من الدقة والاستقصاء بمثابة ديالكتيك هابط فى حين أن منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد. وعلى حين يبدأ المنهج الأول من المطلق والمثالي فى حركة هابطة إلى الحسي والمتعين فإن المنهج الثاني يبدأ من الحسي والعيني صعوداً. يبدأ من الحقائق والبديهات ليصل إلى المجهول ويكشف عما هو خفي".

وكذلك ما جاء فى كتابه "نقد الخطاب الديني" "النص منذ لحظه نزوله الأولى أي مع قراءة النبي له لحظة الوحي تحول من كونه نصاً إلهياً وصار فهماً إنسانياً" لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل، إن فهم النص للنبي يمثل أولى مراحل حركة النص فى تفاعله بالعقل البشرى، ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتية للنص ص 27 وفى ص 105 يقول "وفى قضية ميراث البنات بل فى قضية المرأة بصفة عامة نجد الإسلام قد أعطاها نصف نصيب الذكر بعد أن كانت مستبعدة استبعاداً تاماً وفى واقع اجتماعي اقتصادي تكاد تكون المرأة فيه كائنا لا أهلية له وراء التبعية الكاملة بل الملكية التامة للرجل أباً ثم زوجاً. اتجاه الوحي واضح تماماً وليس من المقبول أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي وإلا انهارت دعوى الصلاحية لكل زمان ومكان.

ويقول "الواقع هو الأصل ولا سبيل لإهداره ومن الواقع يكون النص ومن لغته وثقافته صيغت مناهجه..

فالواقع أولاً.. والواقع ثانياً.. والواقع أخيراً وإهدار الواقع لحساب نص جامد ثابت المعنى والدلالة يحول كليهما إلى أسطورة" أ هـ.

لقد رفض كتاب "نحو فقه جديد" كل هذه الأقوال ورأى أنها دعاوى لا تقوم على أساس وأن من أكبر الخطأ والتجاوز أن يقال عن القرآن الكريم أنه منتج ثقافي وقال:

ولا يمكن لأحد أن يلوم أو ينتقد الكتاب المسلمين، إذا جعلوا من حقيقة أنّ القرآن من عند الله. نقطة البداية الحاكمة للموضوع وأخذوا يهبطون منها إلى الرسول r عن طريق الوحي وهى الطريقة التي وصفها الدكتور نصر أبو زيد بأنها "ديالكتيك هابط" وليس من ذنب المسلمين إذا أخذوا به لأن القرآن "نزل" و "أنزل" من السماء وهما صيغتان للنزول تكررتا فى القرآن. وليس أمام الكاتب المسلم إلا أن يعترف بهذه الحقيقة أو أن يعطى فكرة الله "أجازه" عندما يكتب أو يخلعها قبل أن يجلس على مكتبه .

وكذلك يرد على دكتور حامد نصر أبو زيد: 

فكيف يمكن أن يتحول النص منذ لحظة نزوله الأولى أي قراءة النبي له لحظة الوحي من كونه نصاً إلهياً إلى فهم إنساني لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل..

إن القرآن لم يتحول أبداً ولكن الذي تحول ويتغير هو فهم الناس له، وهو تفسيره، هو تأويله.

وتفسيره وتأويله شئ. والنص نفسه شئ آخر، ويمكن دون حرج أن ننقد التفاسير ما شئنا وأن نحكم عليها بقوانين الظواهر الاجتماعية ولكن هذا لا يمس أبداً النص نفسه الذي يحتفظ بكل قدسيته، لأنه لم يحدث له ما يمس هذه القدسية ويظل دائماً ملهماً خلاقاً.

إن أزمة الدكتور نصر وإضرابه والدكتور طه حسين من قبل يعود إلى استغراقهم فى فكر المستشرقين الذين يستبعدون بحكم علمانيتهم ومناهجهم أي ذكر لله فى كتاباتهم وبالتالي يعاملون القرآن كأي كتاب وأي "منتج ثقافي" وقد تخالطهم (الدكتور طه حسين ونصر أبو زيد وأمثالهم) رغبة ما بين الزهو والجرأة فى اختراق المقدسات وابتداع المناهج رغم أنهم فى هذا إنما يمثلون أسوء صور التقليد. والقارئ لكتاب "فى الشعر الجاهلي" يلمس أن الفقرات المشبوهة التي جلبت على مؤلفه العار لم يكن لها ضرورة على الإطلاق إلا التفاخر بالشجاعة وتجاوز الحدود والجرأة على القرآن.

لقد أعاد التاريخ نفسه مع هؤلاء السادة بحيث نهجوا النهج الذي نهجه أسلافهم المعتزلة الذين فتنوا بالفلسفة اليونانية فابتغوا سبيلاً للبرهنة على وحدانية الله وقداسته غير السبيل الذي رسمه القرآن فتوزعتهم الطرق أمشاجاً وضللتهم الدعاوى التى تعود إلى فلسفة وثنية أصلا وفرعاً قلباً وقالباً.. وليس هناك فرق بين كلمات الدكتور نصر أبو زيد "إذا كان الكلام الإلهي فعلاً فإنه ظاهرة تاريخية لأن كل الأفعال الإلهية أفعال "فى العالم" المخلوق المحدث أي التاريخي والقرآن الكريم كذلك ظاهرة تاريخية من حيث أنه واحد من تجليات الكلام الإلهى وإن يكن أشمل هذه التجليات لأنه أخرها". وبين المعتزلة الذين ذهبوا إلى "بشرية" القرآن وأن القرآن من حيث هو كلمات وحروف وأصوات ومداد مكتوب فى صحف هو محدث مخلوق. بل هو بهذه الصفات فعل للإنسان المتكلم به والقارئ له والكاتب لآياته.

والقضية فى حقيقتها بالنسبة للمعتزلة المفتونين بمنهج الفلسفة اليونانية وللمحدثين المفتونين بمنهج الفلسفة الأوربية هي محاولة للجمع بين عقيدتهم كمسلمين يؤمنون بالله وهذه الفلسفات التى تستبعد الله وهى محاولة شيطانية تعسة محكوم عليها بالفشل. وما دام القرآن كلام الله كما يؤمن كل مسلم فإن أي محاولة لتقصى كيفية حدوث ذلك أو طبيعته تخرج عن إطار العلم المادي والفلسفة الدنيوية وتصبح جزءاً لا يتجزأ من عالم الغيب الذي استأثر به الله تعالى ولا داعي للافتيات عليه. وقد عالج القرآن نفسه هذه النقطة عندما تعرض لشكوك المرجفين فى قوله تعالى ]ماذا أراد الله بهذا مثلاً[ ]وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا[ .

والغريب المؤسف فى أمر الدكتور نصر أبو زيد أنه جمع بين أسوأ ما يقدمه المستشرقون، وأسوأ ما يقدمه الأسلاف !! أسوأ ما يقدمه المستشرقون لأنهم يعالجون القرآن بعد استبعاد الله ! باعتباره منتجاً ثقافياً، وأسوأ ما يقدمه الأسلاف لأنه تقبل ما وضعوه من أفانين علوم القرآن وأقر النسخ، وأسباب النزول لأنهما فيما رأى تدعم وجهة نظره عن نسبية الأحكام القرآنية. فى حين أن الكلام على أسباب النزول والنسخ من سقط المتاع، وما لا يقف أمام أي نقد أو تمحيص.

ومع هذا النقد القارص للدكتور نصر أبو زيد فإن الكتاب تضمن هامشاً يؤكد أن هذا النقد لا يعنى الموافقة على تكفير أو محاكمة أو مصادرة "لأننا نستبعد تماماً دعوى التكفير حتى بالنسبة لمن يقر على نفسه بالكفر لعدم الاختصاص لأن الله تعالى هو الذي يفصل فى هذه الأمور يوم القيامة".


 

الفصل السابع

فهم الخطاب القرآني كما يجب أن يكون


 

 

هذا الفصل هو الفصل الإبداعي فى الكتاب وقد تضمن ما لم تتضمنه الكتب الأخرى التى صدرت عن القرآن وما أكثرها..

وقد بدأ بفقرة عن أن القرآن هو معجزة الإسلام وهو يتساءل "لماذا أراد الله تعالى أن تكون معجزة الإسلام كتابا، ولماذا لم تأخذ شكل المعجزات التى حدثت للأنبياء السابقين، ويرد..

لقد أراد الله تعالى لمعجزة الإسلام أن تكون كتاباً لأنه لم يقم لهداية مجموعة محدودة من الناس مثل بنى إسرائيل أو تلك الأقوام التى تحدث عنها القرآن قوم هود وعاد وثمود وصالح وأصحاب الأيكة. لقد أراده الله للعالمين. أي لهؤلاء جميعاً وغيرهم من بقية البشر ولمن يأتي بعدهم أيضاً من أجيال ولا يتأتى هذا لو كانت المعجزة "حدثا" مثل إحياء ميت أو انفلاق بحر إذ سيقتصر تأثيرها على المشاهدين لها دون غيرهم ودون الأجيال التى تأتى بعدهم.

وأراد الله تعالى أن تكون معجزة الإسلام "كتابا" لأنه أراد أن يضع نهاية لعهد المعجزات الحسية وأن يبدأ عهدا يكون على البشرية أن تعتمد فيه على فكرها وعقلها وليس على حواسها والصورة الوحيدة لذلك هي أن تكون المعجزة كتابا يثير ملكات الفهم ويؤدى إلى إعمال العقل.

وما أن أراد الله تعالى هذا حتى أصبحت اللغة العربية على وجه التعيين هي المرشحة لأن تكون لغة هذا الكتاب دون بقية لغات العالم ذلك أن اللغة كانت بالنسبة للعرب هي الشئ الوحيد الذي يعتزون به فلم يكن لهم فنون معمارية تشابه ما كان لدى قدماء المصريين من هياكل ومعابد أو ما نحته المثالون فى اليونان من تماثيل ولم يكن لديهم التنظيم الإداري والقانون الذي عرفه الرومان. كان الشئ الوحيد الذي يفخرون به ويتبارون فيه اللغة وبالذات الشعر وفى هذا السبيل أخذوا القصائد الكبرى وعلقوها على الكعبة.

فإذا كان القرآن كتابا أي كلاماً يتلى فإن مجال إعجازه كان لابد وأن يكون العرب حيث يكون الكلام هو فخرهم وكان لابد أن يتوافر له قدر من الأعجاز الفني اللغوي يزيد عن كل ما بلغوه وإن لم يكن هذا الأعجاز اللغوي من القرآن هو كل نصيب عرب هذه المنطقة منه. لأن إعجـاز المعاني النبيلة والسامية، فى القرآن لا يقل عن إعجاز الصياغة والأسلوب وإنما هو أمر كان لابد منه لأن القرآن إنما أنزل للبشرية عامة، وإن نزل على العرب أولا.

وعلى كل حال.. فلعل فى اللغة العربية أسراراً أخرى لم نعلمها حتى اليوم.

ويسير الفصل فيكشف عن أن معنى المعجزة بالنسبة للقرآن يختلف فى مدلولها ومضمونها عما هما فى المعجزات الأخرى التى كانت تأخذ شكل الخوارق الطبيعية كالنار التى لا تحرق إبراهيم والبحر الذي ينشق لموسى والميت الذي يحيى على يد عيسى.

فالقرآن كتاب ولا يمكنه بحكم هذه الصفة أن يخرق قوانين الطبيعة فضلاً عن أنه جاء ليختم وينهى عهد المعجزات الخارقة للطبيعة.

ومن هنا جاءت المفارقة: المطلوب أن يحقق القرآن الإيمان دون أن يغير قوانين الطبيعة الذي كان هو مضمون المعجزة التقليدي والذي يكفل الإيمان.

وقد حقق القرآن هذه المعادلة بأن تحول من الطبيعة الكونية إلى الطبيعة الإنسانية بمعنى أن يحدث المعجزة فى النفس البشرية نفسها بحيث تتحول إلى الإيمان.

وكان هذا يفترض أن تتأتى للقرآن قوة تأثير قاهرة تتغلب بوسائلها الخاصة على قوى الحفاظ بحيث تخلق النفس خلقاً جديدا..

ويتحدث الفصل عن "المهمة المستحيلة التى قام بها القرآن" فيقول:

كان على القرآن الكريم أن يتعامل مع النفس الإنسانية بطريقة تعيد تشكيلها.. وليست هذه بالمهمة الهينة.

فلنصور لأنفسنا سيدا رومانيا من بقايا الإمبراطورية الرومانية، وراءه أمجاد روما التى بهرت الأرض بسلطانها وقانونها وفكرتها عن الحياة والمجتمع وأن أفضل نظم السياسة هي ما يوفر للجماهير "خبزا وألعابا" وأن الرومان هم سادة البشر وأن الرق جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي الخ..

أو لنتصور حاكما فارسيا يؤمن بما آمنت به النظم الفارسية من تأليه لملوكها وتقسيم لمجتمعها إلى طبقات محدودة وأن أي وهن يصيب هذه الطبقات لابد وأن يؤدى إلى تحلل المملكة الشاهنشانية.

أو حتى نتصور شيخ قبيلة عربي يفخر بأنه أب عشرة وعم عشرة وخال عشرة وأن ألف سيف تغضب له لا تسأل لم غضب وهو يرى الفخر كل الفخر فى سبق جواده واحتساء خمره.

عندما يأتي رسول إلى هؤلاء ويجعل أول كلمة فى دعوته "لا" ويؤكد أنهم إنما يعبدون أوثانا ويخلقون إفكا وأن نظمهم تلك حطب جهنم وأنهم جميعا عباد الله سواسية لا فضل للسيد على المسود إلا بالتقوى والعمل الصالح وأن الله تعالى سيبعثهم بعد الموت ويحاسبهم على ما قدمت أيديهم.

هل يمكن للسيد الروماني والحاكم الفارسي وشيخ القبيلة العربي أن يؤمن أو يتجاوب مع دعوة هذا الرسول r ؟؟

ولكي تزداد العملية صعوبة. فقد كان مطلوباً من القرآن أن يقوم بهذه الثورة فى النفس البشرية لا بالنسبة لمعاصريه من العرب أو الروم والفرس ولكن أيضاً بالنسبة لكل الأجيال الآتية ولكل الشعوب على وجه الأرض على اختلاف ما سيأتي به التطور من نظم. وأن تستمر قوة الدفع الذاتي لهذه المعجزة مع توالى العصور بحيث لا تنفد أو يقال انتهى زمانها وخمد أوارها وانطفأت شعلتها.

إنها المهمة المستحيلة بكل المعايير فقد يمكن مع الصعوبة البالغة تحقيق الثورة فى النفس بالنسبة لجيل أو حتى للأجيال المتوالية فى شعب. ولكن أن يحدث هذا بالنسبة للأجيال المتوالية فى الشعوب المتعددة فهذا هو المستحيل .

ولكن القرآن حققه. فما دام القرآن هو معجزة الإسلام فلابد أن يكون هناك نوع من التجاوب والتوائم ما بين القرآن والإسلام ولابد أن تكون معجزة الإسلام بمثل حجم الإسلام وأن تنهض برسالته. وما دام القرآن من الله تعالى فلن يعجز الله تعالى أن يوفر له هذه القوة الخاصة .

ومن هذه الحقيقة وحدها والتي لا تتأتى لغير القرآن المنزل من الله يحتفظ القرآن بقوة الخلق والإبداع والتأثير ويعجز كل ما سواه عن أن يصل إلى ما وصل إليه.

وتقصى الفصل مفردات وعناصر الأعجاز التى مكنت القرآن من تحقيق رسالته فارتأى أن القرآن أولاً كتاب فن وإن أبرز عناصر إبداعه وهو التصوير الفني والنظم الموسيقى والمعالجة السيكولوجية يدخل فى إطار الفن وأبرز بوجه خاص النظم الموسيقى وأن الجملة القرآنية ذات وقع موسيقى عميق نتيجة التلحين الذي يطلق عليه التجويد، وربط ما بين هذا النظم الموسيقى والأثر المباشر الذي تحدثه التلاوة على المستمع، وهو ما لا يتأتى إلا بطراز رفيع من الموسيقى، وارتأى الكتاب أن التجويد فرع من الموسيقى يفترض أن تتعلمه بنات الكونسرفتوار وطلبة معاهد الموسيقى فيما يتعلمون لأنه المدخل للموسيقى الشرقية، واثبت الفصل النوتة الموسيقية التى وضعها وليم لين فى كتابه "المصريون المحدثون" لتلحين الفاتحة.

ويعد ما جاء به الفصل عن النظم الموسيقى للقرآن فى 11 صفحة كبيرة إضافة منشئة.

ولا يقل عن هذا ما كشف عنه من ضرورة "التصوير الفني" فى القرآن وأورد ما كتبه سيد قطب فى كتابه "التصوير الفني فى القرآن" ولكنه عقب عليه أن سيد قطب رغم تفصيله لكثير من وجوه إعجاز التصوير الفني فإنه "لم يؤصل قضية التصوير الفني بمعنى لماذا يؤثر القرآن استخدام التصوير الفني" وهذا ما رد عليه الفصل..

فى نظرنا أن هذا يعود إلى أمرين:

 الأول.. أن التصوير الفني هو الذي يؤثر فى النفس ويلمس الوجدان. والقرآن ككتاب هداية يعلم أن هذه هي ما تؤدى إلى الهداية وإلى التغيير النفسي. أما المعلومة والمعرفة المجردة فإنها على أهميتها تأتى بعد الوجدان والإرادة .

فهذه الأخيرة هي التى تسخر ملكة المعرفة وليس العكس فالناس قد تعلم الخير والشر ولكنها لا تستطيع أن تتحكم فى أهوائها وهى تقرأ ما يسجل على علب السجائر من أن التدخين ضار جداً بالصحة ثم لا ترتدع وتمضى فى تدخينها. ومن هنا كان من الضروري أن يكثف القرآن المعنى، ويبرزه بصورة مركزة ويستعين بالألوان فضلاً عما أشرنا إليه فى الفقرة السابقة إذ يجتمع مع التصوير الفني القرآني النظم الموسيقى أيضا بحيث تبدو الجملة القرآنية لوحة مصورة ملونة ناطقة باللحن المحبب وبذلك يكون تأثيرها على النفس شاملاً وتحقق تماماً الغرض المطلوب.

والأمر الثاني.. الذي دفع القرآن لإيثار التصوير الفني خاصة فى مشاهد القيامة أو تقريب ذات الله تعالى وصفاته أو عن العالم الآخر من جنة ونار أن الحديث عن هذه الجوانب لا يمكن أن يكون كفاحاً أو صراحة وأن العقل يعجز واللغة تقصر عن استيعاب كنهها وماهيتها أو حقيقتها ومن أجل هذا أشار إليها القرآن بكلمة واحدة هي "الغيب" وجعل الإيمان بهذا الغيب شرطاً فى كمال الإيمان.

فما دام الأمر غيبا، فلا يمكن الحديث عنه كفاحا أو عيانا أو سرداً أو مباشرة فلا مناص من الرمز والمجاز لأنه يحل "الصدق الفني" محل الصدق الفعلي الذي تعجز الألفاظ عن تحديده لو لم يكن غيباً، فما بالك وهو غيب.

وبهذه الطريقة يمكن أن نفهم آيات الصفات المستعصية التى مزقت الأمة لأنه لم يكن لديها فكرة عن الصدق الفني.

فالقرآن يريد أن يعطينا فكرة عن عظمة الله تعالى فقال إنه سبحانه على العرش استوى.. وإن السماوات مطويّات بيمينه والأرض جميعاً قبضته  يوم القيامة.. وأنه يسمع النجوى ويعلم ما تسر النفوس.. وأنه كلم موسى تكليماً. كل هذا لأنه لابد للمؤمنين أن يأخذوا فكرة عن عظمة الله، ولا يمكن لهم أن يأخذوا الفكرة إلا عبر المألوف لديهم فلا يمكن أن نعرفهم على شئ بدلالة لا يعرفونها أو ليس لديهم فكرة عنها، ومن هنا قالوا: أسد فى الشجاعة.. وبحر فى السخاء.. دون أن يكون أسداً أو بحراً. وكان من الضروري ذكر اليد والعرش الخ.. دون أن يكون لهذه الكلمات حقيقة مادية ولكن دلالة فنية تأثيرية.

ونرى أن من الخطأ الفاحش ما ذهب إليه بعض السلف من أن لله تعالى يداً ليست كالأيدي، وأن الاستواء معلوم والكيف مجهول الخ.. ونعتقد أن جلود الصحابة كانت تقشعر لو قيل لهم إن لله تعالى يداً ليست كالأيدي !! فالحقيقة أن استخدام اليد والرجل. والعرش الخ.. هو من المجاز ومن التصوير الفني. وقد استخدم القرآن اليد استخداماً مجازياً "بين يدي رحمته" "بين يدي عذاب شديد" ]وقال الذين كفروا لا تؤمنوا بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه[. ]لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه[. فهل يمكن القول أن للقرآن يدين ليست كأيدي البشر: وأشار القرآن إلى حديث جهنم للمذنبين.. وإباء السموات والأرض والجبال قبول الأمانة.. وسجود الشجر وتسبيح الطير.. ولا يمكن أن تحمل هذه كلها إلا محملاً مجازياً يراد به تحقيق التأثير المطلوب. أما ما وراء ذلك فلا يمكن الحديث عنه لأنه يخرج عن إطار المعرفة العلمية المادية.

فقضية التصوير الفني لم تكن فحسب أسلوبا من أساليب التأثير على النفس ولكنها أيضا كانت الوسيلة الوحيدة لإعطاء الإنسان فكرة عن ذات الله تعالى وعالم الغيب الذي لا يمكن الحديث عنه بأسلوب علمي رياضي محدد.

ولما كانت قضية القرآن هي هداية النفس إلى الله تعالى فلا عجب إذا كان التصوير الفني هو سدى القرآن ولحمته وأسلوب القرآن فى التقريب والتأثير.

وشرح الفصل العنصر الثالث من عناصر الأعجاز القرآني وهو المعالجة النفسية والوجدانية فرأى أن الغرائز والعواطف والنوازع والشهوات هي أقوى ما يؤثر على الإنسان وأول ما يستأثر باهتمامه. فالإنسان كل إنسان بدائياً أو متحضراً عالماً أو جاهلاً أفريقياً أو أوربياً يخضع لغريزة البقاء فيحرص على البقاء والحياة، ولكي يحياً لابد وأن يأكل ويشرب ويأوي إلى مسكن ويحمى جسده من البرد والحر ويدخل بعد أن كفل الأكل والشرب والبقاء له كفرد فى التكاثر والعلاقة الجنسية التى تكفل البقاء للنوع، فشهوة الأكل لا تقل عن الشهوة للجنس سوى أن الشهوة للأكل تتجدد على سبيل المثال كل يوم بينما لا تتجدد الشهوة للجنس إلا كل أسبوع أو شهر لأن طبيعتها الخاصة هي التى تحدد أوانها.

ولكن ما أن يحين هذا الأوان حتى تصبح هذه وتلك قوة طاغية. وما أن يبلغ الفرد الحلم حتى يصبح الجنس همّاً شاغلاً وعبثاً ثقيلاً لا يستطيع أن يتخفف منه إلا بإتباع الطرق التى غرسها الله فى الإنسان لإشباع هذه الغريزة. وعندما يتم هذا يحس بالرضا والاطمئنان إن لم يكن المتعة والسعادة .

ويتفاعل العقل والذوق والعاطفة والعلم الخ.. فى إعطاء هذين المطلبين قوالب جميلة وتوشيتها وتزيينها بحيث يصبح الجمال والمظهر فيها أكثر ظهوراً من الحقيقة المادية الغريزية وراءهما.

تلك هي زهرة الحياة الدنيا من أبناء وأزواج وعشيرة ]وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها[ .

إن الإسلام يعرف تماماً الطبيعة البشرية كما هي وكما جبلها الله تعالى. وأنها كمادة النفط يشتق منها الإسفلت الثقيل الكثيف. كما يشتق منها البنزين الطيّار الخفيف. وهو يبدأ من إسفلت الواقع ويتصاعد مع هذا الواقع وبه حتى يصل إلى البنزين الطيّار. وهو يعلم أن هذا الإسفلت لابد منه وإن كان للوطأ. ويجب أن يحمد باعتباره موطأ للأقدام لولاه لما وجدت الأقدام ما ترتكز عليه ولما انطلقت الطائرة من مدرجها. ومن هنا عنى القرآن بالغرائز وأثاب على الغريزة الجنسية عندما توضع موضعها وعندها دهش الصحابة لذلك وقالوا: يا رسول الله.. أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر. قال: أرأيتم لو وضعها فى حرام ألا يكون عليه وزر. قالوا: بلى. قال فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال !!

وفى القرن التاسع عشر فحسب كشف ماركس لأوربا عن أهمية العامل المادي فى تاريخ الإنسان وتأثيره الطاغي على الفرد والمجتمع، وبعده بمدة كشف فرويد عن قوة الغريزة الجنسية وأنها فى أصل تصرفات الأفراد رجالاً ونساءً. ومن المحتمل أن كلاً من ماركس وفرويد بالغ فى أهمية العامل الذي أكتشفه ولكن من المسلم به أن إعطاء هذين العاملين حقهما من الأهمية ساعد على اكتشاف النفس الإنسانية ومعالجتها وملأ الفراغات الكثيرة التى كانت تتبدى أمام الباحثين. بحيث لم يعد ممكنا معالجة النفس الإنسانية اليوم إلا بعد أن يوضع فى الاعتبار ما جاء به ماركس وفرويد.

وقد سبقهما الإسلام عندما اعترف بأهمية الوازع المادي والغريزة الجنسية وعندما وضع السياسات لتنظيمهما لا لتجاهلهما أو كبتهما.

وفى مواجهة غريزة الحياة والحرص على البقاء وهذا الوجود الذي حققه الإنسان بجهده اليدوي وعقله النظري وذوقه الفني يقف الموت يترصد للإنسان ولا يفيد فيه التشبث بالحياة أو مطاولة الأحداث فلابد منه وإن طال المدى والموت وحده هو نهاية الحياة الدنيا التى لا يمكن لها إرجاعاً.

وفى الطبيعة البشرية ميل لدفع فكرة الموت بعيداً. خاصة عندما يكون الإنسان فى مقتبل العمر وأمامه الحياة. كما أن محوطات الحياة وواجباتها وما يشغل به كل فرد نفسه من منصب أو هواية أو تجارة أو زوجة يحبها أو أولاد يرعاهم كل هذا يملأ وقته ولا يجعل له فراغاً للتفكير فى غيرها.

يأتي القرآن ويذكرنا بالموت وأن كل متاع الحياة الدنيا الذي نسعد به يصبح هشيماً كأن لم يغن بالأمس. ثم لا يقف عند هذا ولكن وهذا هو المهم يؤكد أن بعد هذا الموت حياة وأن الأجساد التى تحللت وأصبحت تراباً ستبعث من جديد. وستقف موقف الحساب أمام ميزان يحصى كل الحسنات والسيئات كبيرها وصغيرها جليلها ووضيعهاً وتبعا لنتيجة هذا الحساب يساق الإنسان إما إلى جنة وإما إلى نار .

وهناك فرق جوهرى وحاسم بين فرد يؤمن بأن الموت هو نهاية الحياة والوجود وأنه ليس ثمة بعث أو نشور، حساب أو عقاب وأن الإنسان لا يعيش سوى مرة واحدة وبين فرد آخر يؤمن بالبعث والنشور والحساب والعقاب. إن الفرد الأول يجعل همّه أن يعيش حياته "بالطول والعرض" وأن يستمتع بقدر ما يستطيع وأن يعبَّ من الشهوات عبّاً حتى يكون قد شبع منها عندما يأتيه الموت فلا يأسى على شيء. أما الفرد الآخر فيعلم أن الحياة الدنيا ليست مجرد استمتاع وشهوات وأنه ليس حراً في أن يتبع ما تهوى الأنفس على اختلافه، وأن أي تصرف يجاوز دائرة القصد والاعتدال يحاسب عليه وأن الله تعالى مطلع على الأفئدة، عالم بالسرائر .

* * *

على أن كل هذا الحديث عن عناصر الأعجاز القرآني إنما يراد بها في النهاية "الهداية" وهذه الهداية لا تتم إلا بأمرين هما..

إعمال العقل والإيمان بالقيم السامية وفى حقيقة الحال فإن محصلة التأثير المتأتي من التصوير الفني، والنظم الموسيقى، والمعالجة السيكولوجية كلها تصب في النهاية في التوجيه لإعمال العقل وللإيمان بالقيم السامية، وبهذا تكون الهداية هداية مبصرة بينة، وفى الوقت نفسه متحلية بالقيم، وهذا هو ما يتميز به الدين عن بقية المذاهب التي قد تكون عقلانية دون قيم.. أو قيميه دون عقل .


 

وختم الباب بخاتمة جاء فيها

خاتمة

 


 

ثمة خيط يربط أشتات هذا الباب ويصل مقدماته بنتائجه ومن الخير أن نعرضه للقارئ حتى يلم به مركزاً في صفحات محدودة.

1- الواقعة الأولى أن القرآن ما إن تلي من فم محمد ( في مكة أو من فم مصعب بن عمير في المدينة أو حتى قرأ من رق غليظ كما حدث بالنسبة لعمر بن الخطاب حتى آمن المشركون أو أصابتهم تلك الهّزة التي زلزلت عقائدهم القديمة وهيأتهم للإيمان الجديد.

وهذه الواقعة تكررت عملياً وثبتت مصداقيتها تاريخياً في حالات متعددة بحيث يمكن أن نستخلص منها هذا المبدأ الهام "إن القرآن نفسه ووحده يملك القوة على أن يحدث التغيير النفسي الذي يهيئ الإنسان لأن يخلق خلقاً إيمانياً جديداً".

ومن الناحية النظرية والموضوعية فقد كان لابد لهذا أن يحدث فما دام القرآن هو معجزة الإسلام فيفترض أن تملك هذه المعجزة فعاليتها وأن تستمر هذه الفعالية ما استمر القرآن وإلا فقدت المعجزة صفتها ووظيفتها ولم تعد معجزة. كما يتفق هذا مع مبدأ إسلامي أصولي هو انتفاء المؤسسة الدينية وعدم وجود شفعاء بين الإنسان والله.. وهكذا يتلاقى المفروض بالواقع ..

فإذا تساءلنا عن سر هذه القوة..؟ فلا حل ولا إجابة إلا أن القرآن كلام الله ولابد أن يتضمن شعاعاً من نور الله وقبساً من حكمته وقدراً من قوة الخلق.

فالقرآن ليس مداداً في قرطاس ولا هو كتاب كبقية الكتب إنه يحمل نفثة من روح الله عبر الوحي المقدس. وعندما كان الإمام على يصك المصحف بيده ويقول "أيها المصحف حدثهم.." فإنه تنسّم شيئاً من هذا.. إن المصحف لن يحدثهم ولن ينطق.. ولكن فيه الحكمة وفصل الخطاب (3).

وهذا السر هو ما نجهل كنهه وطبيعته ولكن نلمس وجوده وأثره وهو من القرآن كالروح من الجسد لا نلمسها أو نعرفها ولكنها مع ذلك وراء كل حياة إنسانية.

أما ما يمكن أن نعرفه فهو "مفردات" الإعجاز القرآني وهى ما أشرنا إليه ما بين نظم موسيقى وتصوير فني ومعالجة نفسية للطبيعة البشرية وتوجيه نحو إعمال العقل والالتزام بالقيم السامية التي وضعها من عدل وخير ومحبة وتقوى الخ...

2- هناك دلالة هامة تستمد من هذه الواقعة الثابتة تاريخياً والمفترضة نظرياً، هذه الدلالة هي أنه ما دام القرآن يملك وحده قوة التأثير المطلوبة فإن كل التفاسير التي وضعت في عهود لاحقة هي مما لا داعي له بل يمكن أن تفتات على نقاء وخلوص رؤية القرآن نفسه أو المضمون القرآني. وفى الحقيقة فإننا لا نقرأ في هذه التفاسير تفسيراً للقرآن وإنما نقرأ فهم هؤلاء المفسرين للنص القرآني ورؤيتهم الخاصة وما يلابس هذا الفهم أو الرؤية ويكتنفه ويختلط به من تأثر بالأوضاع والحالة النفسية للمفسرين ودرجة ذكائهم وفهمهم والظروف السياسية ونسبة وانتشار أو ذيوع الثقافة الخ..

وهذه كلها عوّامل بعيدة عن القرآن نفسه وهى بالضرورة أدنى من القرآن وما فائدة أن نفهم الأعلى بالأدنى، المحكم المنزل بالمتأثر بالقصور البشرى والوضع الاجتماعي.

ليس هناك مبالغة في القول: إن من أكبر أسباب انحطاط المسلمين أنهم نبذوا القرآن وراء ظهورهم ووضعوا نصب أعينهم هذه التفاسير التي لوثت صفاء القرآن وميّعت نظمه وجاءت نقيض ما أراده من قيم ومبادئ.

 وأي شأ أدل على هذا من أن القرآن في آيات عديدة تصدع الحجر وتنطق البقر يؤكد الحرية في الفكر والعقيدة ويقدس العدل في العمل والسياسة في حين أن هذه التفاسير تذهب عكس ذلك تماماً أو على الأقل تتجاهل ذلك(6).

3- إذا كان هذا هو شأن التفاسير فيمكن القول من باب أولى إن كل ما وضعه المستشرقون من بحوث وكل ما سودوا به الصحف عن القرآن هو مالا يعتد به في قليل أو كثير. وهو مرفوض تماماً لأنه يقوم على منهج خطئ. فالمستشرقون جميعاً سواء من يدعى المسيحية أو اليهودية هم في حقيقة الحال أبناء الثقافة الأوربية الوثنية التي رفضت "الإله" وأحلت الإنسان محله وليس إيمانهم المسيحي أو اليهودي إلا مكاءَ وتصديه بتعبير القرآن وعلى كل حال فإنه إيمان لا يفيد في دراسة تستبعد أول ما تستبعد أن القرآن من الله ونجد المستشرق المتعاطف المتجاوب هو الذي يذهب إلى أن الرسول لشدة إيمانه بهذا المعتقد أنتهي به الأمر أن آمن أنه من الله ! .

فأي قيمة لدراسة عن القرآن تبدأ بإنكار أنه من الله ؟!! إن القرآن تعالى عن هذا يكون أكبر أكذوبة وتصبح آياته كلها سلسلة من الزيوف والأكاذيب.

وهذا هو ما يحاول أن يبيعه لنا المستشرقون تحت قناع البحث العلمي وما مثل المستشرقين إلا كجماعة تبحث عن طريقها وسط غابة في ليلة مظلمة. تعمد إلى المصباح الوحيد الذي يضئ مفارق الطرق فتحطمه مخافة أن يؤثر على حرية البحث!! فهي تفضل أن تكون كحاطب ليل يخبط في الظلمات على أن تستنير بما يهديها سواء السبيل.

ومن هنا فإننا لن نخسر شيئاً إذا وضعنا مجلدات المستشرقين عن القرآن جنباً إلى جنب التفسيرات القديمة في الركام المتعالي لسقط المتاع التاريخي.

4- للقرآن خصوصية قوية تجعله يستعصى على التطويع والاحتكار والاحتواء. كما لا يمكن لأي منهج بمفرده أن يفسر القرآن فالمنهج اللغوي لا يفيد إلا قليلاً لأن القرآن الكريم له لغته الخاصة واستخداماته الاصطلاحية ومعانيه التي لا تفهم إلا من خلال السياق أو بالاستخدام المتكرر لها. وقد قال الله تعالى عن القرآن أنه "أنزل بلسان عربي أمين" لأن الصفة التي حكمت عربيته أنه "مبين" وهذه الإبانة هي ما تأتى به الصياغة القرآنية. وليس المدلول اللفظي. وقد دفع المنهج اللغوي باحثاً نابهاً كالدكتور شحرور إلى كثير من المآزق التي أشرنا إليها. وقد يكشف المنهج العلمي أو حتى العددي عن أسرار عديدة وثمينة يتضمنها القرآن. ولكن هذا ليس إلا جانباً. وبالمثل يعجز المنهج النفسي السيكولوجي أو الفني أو الموسيقى عن الإحاطة بكل أقطار القرآن.

وهذه الخصوصية تجعل الموقف الأمثل أن نتعلم من القرآن لا أن نفتات عليه ولا أن نحاول أن نفككه كما يفك الساعاتي ساعة.. والميكانيكي آلة.. أو أن نتعالى بعلمنا. فقد قال القرآن  ]قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم[ ـ{160 الحجرات}. ]وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً[ ـ{85 الإسراء} .

وكل باحث وكل مفكر يقف أمام القرآن كما يقف الصياد أمام المحيط الهادي الذي يمتد لأكثر من كل اليابسة في الكرة الأرضية ولعمق يصل إلى ستة آلاف متر من المياه بعضها فوق بعض، فماذا عسى هذا الصياد أن يبلغ ولو طالته موجة لأغرقته وابتلعته في ثوان.

5- ومن الخصوصية القرآنية أن تحمل اللفظة القرآنية أكثر من معنى وأن يوجد أكثر من مستوى للأحكام وليس هذا اختلافاً ولكنها المرونة اللازمة لنظام يطبق على العصور والأجيال والشعوب والأقوام، وهذه التعددية لا يضرب بعضها بعضاً وإنما تكمل بعضها بعضاً، وكل من يمسك بشيء منها فهو على هدى.

وقد يستخدم القرآن لفظة ليست هي أمثل الكلمات من ناحية استدلالها اللغوي على المعنى ولكنها أمثل الكلمات اتساقاً مع النظم الذي يعطيها معناها الخاص ويفترض أن تفسر طبقاً لهذا المعنى وليس لمعناها اللغوي.

وقد تصور بعض الباحثين أن مراجعة القرآن طبقاً لتاريخ نزوله ووضعه في المصحف على هذا الأساس يقدم فهماً أدق للإسلام وهذا أثر من آثار معالجتهم للكتب العادية أو مبادئهم البحثية، أما القرآن فلم يكن يقدم أو يؤخر لو وضع في المصحف طبقا لنزوله..! لأن المعّول ليس هو المعلومة أو التاريخ. ولكن التأثير، والتأثير يحدث أعظم ما يحدث طبقاً لما وضعه الرسول أولاً وتبعاً لإلحاقه آيات نزلت في مكة في سورة مدنية والعكس بالعكس فالأمر ليس كما ذهب إليه المستشرقون.

وقد يشتط الخيال بفرد فيقول أما كان الله عزّ وجل يستطيع أن يقدم إلينا قرأنا أكثر إعجازاً مما قدمه ؟

فنقول بلى. وما كان الله ليعجزه من شئ في السموات ولا في الأرض ولكننا نحن الذين لم نكن لنصل إلى أكثر مما جاء به القرآن بالفعل. وما جعله "بداية المجتهد.. ونهاية المقتصد" وفيما بين هذين يمكن أن تمرح العقول والأفئدة أما ما هو أعلى فقد يعجز عن استيعابه الفهم الإنساني ولا يكون ثمة حكمة من إنزاله.

6- أخيراً فإن القرآن استهدف أن يخلق الإنسان خلقاً إيمانياً جديداً وكانت وسيلته إلى ذلك التأثير على الطبيعة البشرية بالنظم الموسيقى والتصوير الفني والمعالجة النفسية بحيث يهيئ النفس الإنسانية وكأنه الحداد الذي يحمى الحديد حتى يطوعه ولكن القرآن لا يقرع النفس كما يقرع الحداد الحديد المحمى بالمطرقة ولكنه يسوق النفس الإنسانية سوقاً جميلاً للإيمان بالأصلين العظيمين للإسلام كما يعرضهما القرآن: إعمال العقل في كل ما يتعلق بالدنيا والإيمان بالقيم والمبادئ النبيلة السامية بحيث تدخل النفس المطمئنة راضية مرضية جنة الإيمان.

إن تقدم البشرية يتطلب جهوداً وعلماً وعملاً في كل الميادين ولكن التقدم يقف في النهاية على أساس النفس المطمئنة والفرد المؤمن. فإذا تهيأ هذا فإن كل صعوبات "التنمية" والتقدم تهون.. فالإنسان أولاً. والإنسان لا يعالج قسراً كما تفعل النظم الشمولية ولكنه يعالج معالجة إيمانية قدمها القرآن في أبدع تقديم..

 

                          صدر الجزء الأول من نـحو فقه جـديد

في ديسمبر 1995 وضم 208 صفحة..