قضية الفقه الجديد _ ملخص الجزء الثاني_الباب الأول 2

 

الباب الأول

الفصل الثالث من التشدد إلى الترخص

الفصل الرابع من مفارقات المحدثين

 

 

 

 

 


 

الفصل الثالث

 من التشدد إلى الترخص ..


المتابع لمسيرة السُنة يجد أنها بدأت من نقطة تشدد وحرص ثم انتهت بها التطورات والاجتهادات إلى درجة كبيرة من التساهل والترخص هي المسئولة عن الوضع الحالي للسُنة وعما سببته من أزمة للمفكرين .

وقد بدأ الأئمة بوضع معايير دقيقة وشاملة لضمان العدالة والضبط فى رواية الحديث، يصور ذلك ما أورده الإمام الشافعي فى الرسالة ".. ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً منها أن يكون من حدث بها ثقة فى دينه، معروفاً بالصدق فى حديثه عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه. كما سمع، ولا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف منه إحالته للحديث، حافظاً إذا حدَّث به من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدَّث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ فى الحديث وافق حديثهم بريئاً من أن يكون مدلسا يحُدَّث عن من لقى ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبى r بما يحُدَّث الثقات خلافه عن النبى r ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهى بالحديث موصولاً إلى النبى r أو إلى من أنتهى به إليه دونه لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت عن من حدث عنه فلا يستغنى فى كل واحد منهم عما وصفت" .

وكان أبو حنيفه أكثر تشدداً من الشافعى لأنه أشترط فى قبول خبر الواحد بالإضافة إلى شروط الشافعى شروطاً منها :

               1. إلا يخالف السُنة المشهورة سواء كانت فعلية أم قوليه عملاًُ بأقوى الدليلين .

               2. إلا يخالف المتوارث بين الصحابة والتابعين فى أى بلد نزلوه بدون اختصاص بمصر دون مصر .

               3. إلا يخالف عموميات الكتاب أو ظواهره فإن الكتاب قطعى الثبوت وظواهره وعمومياته قطعية الدلالة والقطعى يقدم على الظنى، أما إذا لم يخالف الخبر عاماً أو ظاهراً فى الكتاب بل كان بياناً لمجمل فإنه يأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان .

               4. أن يكون راوى الخبر فقيها إذا خالف الحديث قياساً جلياً لأنه إذا كان غير فقيه يجوز أن يكون قد رواه على المعنى فأخطأ .

               5. أن لا يكون فيما تعم به البلوى ومنه الحدود والكفارات التى تدرأ بالشبهات لأن العادة قاضية أن يسمعه الكثير دون الواحد أو الاثنين فلابد والحالة هذه من أن يشتهر أو تتلقاه الأمة بالقبول .

               6. ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه وألا يترك أحد المختلفين فى الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه .

               7. وألا يعمل الراوى بخلاف خبره كحديث أبى هريرة فى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً فإنه مخالف لفتوى أبى هريرة فترك أبو حنيفة العمل به لتلك العلة .

               8. ألا يكون الراوي منفرداً بزيادة فى المتن أو السند عن الثقات فإن زاد شيئاً من ذلك كان العمل على ما رواه الثقات احتياطاً فى دين الله ولا تقبل زيادته (1)

ولكن هذا التشدد لم يمض إلى النهاية أو لم يترك وحيداً فإن المناخ العام للمجتمع الإسلامي بدءاً من القرن الرابع حتى العصر الحديث. اتسم بغلبة الجهالة واستبداد الحكام وانغلاق منافذ الفكر بعد سد باب الاجتهاد، وكذلك المعالجة التفصيلية للمبادئ العامة التي وضعها بعد الشافعي وأبى حنيفة المحدثون. نقول إن هذه العوامل كانت تسير بالسُنة نحو التساهل والترخص وكانا يدفعانها للتنازل عن معاييرها الأولى .

وقد يصور ذلك تقسيمات المحدثين لدرجات الأحاديث حسب الرواة والضبط الخ... إلى حديث صحيح وحسن ضعيف .

قال النووى فى مقدمته لصحيح مسلم "فصل: قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله شروط مسلم رحمه الله فى صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالماً من الشذوذ والعلة قال وهذا حد الصحيح فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث" ولكن الأمر لا يقف عند هذا، إنه يستطرد "وما اختلفوا فى صحته من الأحاديث فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط وبينهم خلاف فى اشتراطه، كما إذا كان بعض الرواة مستوراً أو كان الحديث مرسلاً وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها وهذا هو الأغلب .

وقسم الحاكم فى كتابه المدخل إلى كتاب الإكليل الصحيح إلى عشرة أقسام خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها فالأول من المتفق عليه اختيار البخارى ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح وهو لا يذكر إلا ما رواه صاحبى مشهور عن رسول الله r له روايان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه تابعى مشهور بالرواية عن الصحابة، وله أيضاً راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك. قال الحاكم والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث. القسم الثانى مثل الأول إلا أن راويه من الصحابة ليس له إلا راو واحد. القسم الثالث مثل الأول إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راو واحد. القسم الرابع الأحاديث الأفراد الغرائب التى رواها الثقات العدول. القسم الخامس أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ولم تتوافر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إلا عنهم كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده واياس بن معاوية عن أبيه عن جده .

وقال أبو على الغسانى الجيانى "الناقلون سبع طبقات ثلاث مقبولة وثلاث متروكة والسابعة مختلف فيها. فالأولى أئمة الحديث وحفاظه، وهم الحجة على من خالفهم ويقبل انفرادهم، الثانية دونهم فى الحفظ والضبط لحقهم فى روايتهم وهم وغلط والغالب على حديثهم الصحة ويصحح ما وهموا فيه من رواية الأولى وهم لاحقون بهم والثالثة جنحت إلى مذاهب من الأهواء غير غالية ولا داعية وصح حديثها وثبت صدقها وقل وهمها. فهذه الطبقات احتمل أهل الحديث الرواية عنهم. وعلى هذه الطبقات يدور نقل الحديث، وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة الأولى من وسم بالكذب ووضع الحديث والثانية من غلب عليه الغلط والوهم والثالثة طائفة غلت فى البدعة وحرفت الروايات وزادت فيها ليحتجوا بها. والسابعة قوم مجهولون انفردوا براويات لم يتابعوا عليها فقبلهم قوم ووقفهم آخرون" .

وواضح من هذا الكلام أن نزعة التساهل غلبت نزعة التشدد بحيث مَيَّعت الحديث الصحيح، باستثناء ما جاء فى الصحيحين وهذا أيضاً كان عرضة للخلاف ما بين مسلم والبخارى .

والحديث الحسن هو الذى يختل فيه شرط الصحيح اختلالاً يسيراً فهو وإن كان دون الصحيح فهو كالصحيح فى جواز الاحتجاج به. وإذا تعددت طرق الحديث الحسن، فإنه يرتقى إلى درجة الصحيح، ولكنه يسمى فى هذه الحالة الصحيح لغيره ..

وقال النووى فى مقدمته على صحيح مسلم "والحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذى يقبله أكثر العلماء وتستعمله عامة الفقهاء" .

فنحن نرى هنا أن الحديث الحسن أُلحق بالصحيح "ولا يغير هذه الحقيقة أن يكون "صحيحاً لغيره" وبهذا أصبح كما قال النووى "عليه مدار أكثر الحديث الخ.."

من الحسن إلى الضعيف :

وهكذا أمكن بمختلف التعّلات والمبررات الاحتجاج بالحديث الحسن والحاقة بدرجة الصحيح، فإذا جاز هذا كله فيفترض ألا يجوز بالنسبة للحديث الضعيف .

ولكن الأمر ليس كذلك ..

فمع أن الضعيف هو "كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن" كما قال النووى وابن الصلاح أو هو ما نقص عن درجة الحسن كما قال ابن دقيق العيد.. إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة فقد أوصل أنواع الضعف ابن حبان إلى تسعة وأربعين نوعاً وبلغ العراقى فى شرح الألفية إلى أثنين وأربعين وبلغ بها غيرهما إلى ثلاثة وستين وأوصلها بعضهم إلى تسعة وعشرين ومائة. ولهذا فيمكن أن لا نستغرب كلام ابن تيميه فى منهاج السُنة "أما نحن فقولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأى" ليس المراد به الضعف المتروك، ولكن المراد به الحسن "كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإبراهيم الهجرى وأمثالهما ممن يحسن الترمذى حديثه أو يصححه وكان الحديث فى اصطلاح مَن قبل الترمذى إما صحيح وإما ضعيف.." .

وقال الفقهاء إن الحديث الضعيف نوعان :

ضعيف متروك وضعيف ليس بمتروك. وهذا الأخير هو الذى عناه ابن تيميه وهو الذى قال عنه بعض العلماء "الحديث الضعيف أحب إلى من القياس" ..

وقسم بعض العلماء الحديث الضعيف إلى أربعة أقسام :

                              1.           الضعيف المنجبر الضعف بمتابعة أو مشاهدة وهو ما يقال فى أحد رواته "لين الحديث" أو "فيه لين" وهو إلى الحسن أقرب .

                              2.           الضعيف المتوسط الضعف وهو ما يقال فى راويه ضعيف الحديث أو مردود الحديث أو منكر الحديث .

                              3.           الضعيف الشديد الضعف وهو ما فيه متهم أو متروك .

              4.      الموضوع (2)

ودافع بعض المحدثين عن أحاديث ضعيفة وأثبتوا الطرق التى ترفعها إلى درجة الحسن أو حتى الصحيح قال المحدث الشعرانى تلميذ الحافظ السيوطى فى الميزان "وقد احتج جمهور المحدثين بالحديث الضعيف إذا كثرت طرقه وألحقوه بالصحيح تارة، والحسن تارة أخرى" (3)

"وهذا النوع من الضعيف يوجد كثيراً فى كتاب السُنن الكبرى "للبيهقى" التى ألفها بقصد الاحتجاج لأقوال الأئمة وأقوال أصحابهم، فإنه إذا لم يجد حديثاً صحيحاً أو حسنا يستدل به لقول ذلك الإمام أو قول أحد مقلديه يروى الحديث الضعيف من كذا وكذا طريقاً. ويكتفى بذلك ويقول "وهذه الطرق يقوى بعضها بعضاً" .

ويقول الإمام النووى فى بعض الأحاديث "وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة، فمجموعها يقوى بعضها بعضاً، ويصير الحديث حسناً ويحتج به .

وفى عون البارى نقلاً عن النووى أنه قال "الحديث الضعيف عند تعدد الطرق يرتقى عن الضعف إلى الحُسن ويصير مقبولاً معمولاً به" .

ونقل أبو عبد الله بن منده عن أبى داود صاحب السُنن أنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأى الرجال (4)

ومن الثابت أن الإمام أحمد بن حنبل كان يفضل الحديث الضعيف على الرأى .

"قال الشاطبى فكلام أحمد ومن وافقه دال على أن العمل بالحديث الضعيف يقدم على القياس المعمول به عند جمهور المسلمين بل هو إجماع السلف رضى الله عنهم .

وقال السيوطى "ويعمل به أيضاً فى الأحكام إذا كان فيه احتياط وذكر ابن حزم أن جميع الحنفية على مذهب أبى حنيفة. أن ضعيف الحديث أولى عنده من الرأى والقياس" .

هذا وقد نقل تقديم الحديث الضعيف إذا لم يوجد غيره فى الباب على القياس عن أبى حنيفه والشافعى ومالك إذ وافقوا أحمد بن حنبل على ذلك .

ولخص أحد الكتاب المعاصرين الموقف من الحديث الضعيف فقال: "تتعدد أحكام العمل بالضعيف لتعدد الأنواع".

 فالاتجاه الأول القبول والعمل به ومع هذا الاتجاه الإمام أحمد وأبو داود .

ثانيهما: عدم العمل به دون تفريق بين مجال وآخر، وهذا مذهب البخارى ومسلم وابن حزم وأبى شامة وغيرهم ويقول به الشيخ شاكر والشيخ الألبانى .

ثالثهما: العمل به بشروط منها شروط المجالات فأشترط القائلون بهذا أن يكون مجال عمله فضائل الأعمال مع تحقيق الشروط الأخرى .

فيقول ابن عبد البر: "أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى ما يحتج به"

ويقول الحاكم: "سمعت أبا ذكريا العنبرى يقول: "الخبر إذا ورد لم يحرم حلالا، ولم يحل حراماً، ولم يوجب حكماً، وكان فى ترغيب أو ترهيب، أغمض عنه وتُسوهل فى رواته". ولفظ ابن مهدى فيما أخرجه البيهقى فى المدخل: "إذا روينا عن النبى r فى الحلال والحرام والأحكام، شددنا فى الأسانيد، وانتقدنا فى الرجال، وإذا روينا فى الفضائل والثواب والعقاب، سهلنا فى الأسانيد وتسامحنا فى الرجال"، ولفظ أحمد فى رواية الميمونى عنه: "الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجئ شئ فيه حكم. وقال فى رواية عباس الدورى عنه: "ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث" يعنى المغازى ونحوها وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا وقبض أصابع يده الأربع" .

والمراد بفضائل الأعمال التى نص عليها فى أقوال الأئمة هنا الأعمال الفاضلة الثابتة قبل الأحاديث الصحيحة، بمعنى أنه إذا ورد حديث ضعيف دال على ثواب مخصوص من الأعمال الثابتة قبل، فإن أصل العمل ثابت استحباباً من دليل آخر، ولم يثبت بالضعيف إلا الثواب المرتب على هذا العمل، وحينئذ لم يثبت حُكم شرعى بالحديث الضعيف (5)

وكما لاحظ الكاتب فإن مجال الفضائل لا تقل أهمية عن الأحكام لأن الفضائل تتصل بالأحكام وتتصل بالعقائد فى ترابط لا يقبل الانفصال وتأسيساً على هذا الترابط الذى يدركه كل من يقرأ نصوص القرآن الكريم والسُنة الصحيحة فإن هذا المجال لا ينبغى أن يستعمل معه إلا ما صح أو حسن عن النبى r .

والاستثناء البارز من هذا المسلك هو موقف ابن حزم الذى رفض إعمال الحديث الضعيف وقال "ما نقله أهل الشرق والغرب، أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ به إلى النبى  r إلا أن فى الطريق رجلاً مجروحاً بكذب أو غفلة أو مجهول الحال فهذا ما يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشىء منه" .

من الضعيف إلى الموضوع :

فإذا كان موقف المحدثين من الحديث الضعيف يمثل انزلاقة كبيرة من التشدد إلى الترخص فإن موقفهم من الحديث الموضوع يمثل النهاية التى وصل إليها هذا الترخص .

ذلك أن المحدثين اعتبروا الحديث الموضوع نوعاً من أنواع الحديث الضعيف وان كان أسوأها. بينما كان المفروض أن يستبعد الموضوع من دائرة الضعف والقوة. وكان يجب أن ينددوا بالوضاعين تنديداً شديداً وأن يوقعوا عليهم وعيد الرسول "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من نار" .

بل أغرب من هذا ما ذكره أبو العباس أحمد القرطبى فى كتابه "المفهم فى شرح صحيح مسلم" "أجاز بعض فقهاء أهل الرأى نسبة الحكم الذى دل عليه القياس الجلى إلى رسول الله سُنة قوليه.. فيقولون فى ذلك قال رسول الله. كذا ..

ولهذا ترى كتبهم محشوة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعه لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين ولأنهم لا يقيمون لها إسنادا" انتهى ..

ولا جدال فى أن هذا كله خطأ كبير، إن لم يكن خيانة عظمى، فما كان الله ولا الرسول ليريدان من الناس إيماناً أكثر مما طلباه بالأمر الثابت الصريح. وكل تزيد عليه يؤدى إلى إساءة كبيرة لأن الأمر إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، ولأنه لا يماثل التفريط إلا الإفراط.

وقد كسب الحكام والطغاة من تخاذل المحدثين إزاء الأحاديث الموضوعة قدر ما خسرت جماهير المسلمين. لأن هذا الكم الهائل من الأحاديث الصادعة بالعقوبات الصاعقة على أقل ذنب، والواعدة بالنعيم المقيم بقدر عدد الصلوات والدعوات الخ.. قد أصاب النفسية المسلمة فى الصميم. فاستبعد صوراً عديدة للفنون والآداب والتجليات الإنسانية والنفسية، وقضى على نوازع الثورة والمبادءة والتطلعات وكل ما يتعلق بالحياة الدنيا لدى الجماهير ودفعهم للرضا بالفاقة والحرمان وأن لا يكون لهم من أمور الدنيا شئ.. اكتفاء بالنعيم فى الآخرة،

وتفهم الحكام الذين شجعوا هؤلاء القصاص والوضاع أن استعباد الجماهير لله بالطريقة التى ابتدعها الوضاع وتقبلها المحدثون يمكن أن يكون مقدمة لاستعباد الحكام لهم بعد أن فقدت الجماهير ملكة التفكير وسيطرت عليها نزعة الإتباع والتقليد ووهنت فيها الحيوية والحمية ويقظتها بتعبير معاوية العبادة فلم يستطيعوا معارضة، وغلبت عليهم الذلة والمسكنة .

وتحدث الفصل عن أحاديث الآحاد واستشهد بما كتبه الشيخ محمود شلتوت فى كتاب "الإسلام عقيدة وشريعة" الذى جاء فى أخره .

"وهكذا نجد نصوص العلماء من متكلمين وأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، ونجد المحققين من العلماء يصفون ذلك بأنه ضروري لا يصح أن ينازع أحد فى شئ منه، ويحملون قول من قال (6) (أن خبر الواحد يفيد العلم) على أن مراده العلم بمعنى الظن كما ورد، أو العلم بوجوب العمل.

على أن الكلام إنما هو فى أفادته العلم على وجه تثبت به العقيدة، وليس معنى هذا أنه لا يحدث علما لإنسان ما، فإن من الناس من يحدث العلم نفسه بما هو أقل من خبر الواحد الذى نتحدث عنه، ولكن لا يكون ذلك حجة على أحد، ولا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها فإن الله تعالى لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن. ومن هنا يتأكد أن ما قررناه من أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح الاعتماد عليها فى شأن المغيبات قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التى لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء" انتهى كلام الشيخ شلتوت ..

رغم هذا، فقد كاد الإجماع ينعقد على العمل بحديث الآحاد. قال الشيخ على الخفيف عند إشارته إلى الرواية بالمعنى "على هذه الشبهة أو على مثلها قام رأى فريق من أهل الفرق والأهواء كالرافضة والفلاسفة وبعض المعتزلة فذهبوا إلى عدم وجوب العمل بخبر الآحاد .

وقد يروى رأيهم هذا بعض المنحرفين من أهل هذا العصر، وهو رأى يقضى على السُنة جمعاء، إذ ليس بعد السُنة العملية المتواترة التي جاءت ببيان ما فرضه الله من الصلاة والزكاة والصيام والحج إلا أخبار الآحاد، وقل أن نجد سُنة قوليه قد اتفق على تواترها، ومن ذلك نرى أنه قول ينتهى إلى عدم وجوب العمل بالسُنة وإغفالها كلها، وما كان لمثل هذا أن يكون له وجود بعد الذي تواتر نقله من اعتماد رسول الله r على أخبار الآحاد فى تبليغ دعوته وتشريع أحكامه، وبعد الذى قام عليه إجماع المسلمين بعد وفاة رسول الله r من ركونهم فى معاملاتهم وقضائهم وفتاويهم وعباداتهم إلى أخبار الآحاد، وبخاصة إذا لوحظ أن ما أثاره أصحاب هذا الرأى من شبهة فى سبيل وجوب العمل بأخبار الآحاد ليس بالأمر ذى البال الذى يقوم على نظر صحيح ومنطق سليم، وليس يستعصى على النظر العادى دحضه وقصوره فى الوصول إلى النتيجة التى رتبوها عليه (7)

وكأن هذا لم يكن كافياً. إذ ارتأى العلماء عدم قصر الحديث على ما نُسب إلى النبى عليه الصلاة والسلام. ولكن أيضاً ما نُسب إلى الصحابى والتابعى .

واعتبروا أن ما نُسب إلى الرسول مرفوع وما نسب إلى الصحابى موقوف وما نُسب إلى التابعى مقطوع .

وقال النووى. إن الأثر يطلق على المروى مطلقاً، سواء كان عن رسول الله r أو عن صحابى .

كما ذهبوا إلى أن السُنة عند المحدثين هى بمعنى الحديث والخبر والأثر على رأى الجمهور، كما تطلق على سُنة الخلفاء الراشدين كما تطلق على أعم من ذلك عند التقييد .

وشذ الإمام المجتهد الشوكانى عن هذا التيار فذهب إلى عدم الالتزام بقول الصحابى قال :

"والحق أنه ليس بحجة، فإن الله تعالى لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبياً واحداً محمد r وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمور بأتباع كتابه، وسُنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم فى ذلك، فكلهم مكلفون التكاليف الشرعية، وإتباع الكتاب والسُنة، فمن قال إنه تقوم الحجة فى دين الله عز وجل بغير كتاب الله تعالى وسُنة رسوله r وما يرجع إليهما فقد قال فى دين الله بما لا يثبت، وأثبت فى هذه الشريعة الإسلامية شرعاً لم يأمر الله به وهذا أمر عظيم وتقوَّل بالغ" .

ويسترسل الشوكانى فى هذه المعانى، ويكررها، ويختم كلامه بقوله: "أعرف هذا واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك، وإلى سائر هذه الأمة رسولاً إلا محمداً r ولم يأمر بأتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفاً واحداً، ولا جعل لك شيئاً من الحجة عليك فى قول غيره كائناً ما كان .

ورفض الشيخ أبو زهرة وجهة نظر الشوكانى وقال :

ولا شك أن هذه مغالاة فى رد أقوال الصحابة، ومن الواجب علينا أن نقول إن الأئمة الأعلام عندما اتبعوا أقوال الصحابة لم يجعلوا رسالة لغير محمد، ولم يعتبروا حُجة فى غير الكتاب والسُنة، فهم مع اقتباسهم من أقوال الصحابة متمسكون أشد الاستمساك بأن النبى واحد والسُنة واحدة والكتاب واحد، ولكنهم وجدوا أن هؤلاء الصحابة هم الذين استحفظوا على كتاب الله سبحانه وتعالى، ونقلوا أقوال محمد إلى من بعدهم فكانوا أعرف الناس بشرعه، وأقربهم إلى هديه، وأقوالهم قبسة نبوه، وليست بدعاً.. ابتدعوه، ولا اختراعاً اخترعوه، ولكنها تلمس الشرع الإسلامي من ينابيعه، وهم أعرف الناس بمصادرها ومواردها، فمن أتبعهم من الذين قال الله تعالى فيهم ]والذين اتبعوهم بإحسان[ .

ورد الشيخ أبو زهرة يمثل أصدق تمثيل مدى عمق الفهم السلفى، وكلامه لا ينهض حجة، وإنما يسير مع السابقين، لأن كلام الشوكانى لا يحرم الصحابة حقاً يمكن أن يكون لهم فهو أقرب إلى التحرز الواجب فى حين أن كلام الشيخ أبى زهرة يعطى الصحابة حقاً قد لا يكون لهم بالضرورة وحتى إذا كان لبعضهم فقد لا يكون للبعض الآخر وهو بعد يخالف المبدأ الرئيسي للإسلام فى قصر الشريعة على الشارع وحده، وأن دور الرسول نفسه، إنما هو فيما فوضه فيه الشارع وليس له أن يأتى من عنده بشىء .

ومضى الترخص بعيداً، بحيث أضيف إلى قول الصحابى قول التابعين أيضاً، وإن أعتبر "مقطوعاً" وقال العلامة محمد السماحى "فذهب الجمهور أن الخبر والحديث متساويان" تعريفاً فيضمان ما أضيف إلى النبى r وما أضيف للصحابة والتابعين .

وتناول الفصل كتب السُنة

 ووجد أنه ما من واحد منها خلا من الاحتجاج ببعض الضعفاء، بما فى ذلك البخارى ومسلم. فهما معا يرويان عن إسماعيل بن أبى أويس وهو من أتهم بالكذب، وقد احتجا بحديثه إلا أنهما لم يكثرا عنه .

قال الإمام يحيى بن معين فيه "مخلط يكذب ليس بشيء" .

وقال النضر بن سلمة المروزى "ابن أبى أويس كذاب"

وقال ابن حزم فى "المحلى" قال أبو الفتح الأزدى حدثني سيف بن محمد أن ابن أبى أويس كان يضع الحديث .

وقال سلمة بن شبيب سمعت إسماعيل بن أبى أويس يقول :

"ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا فى شئ فيما بينهم"

قال الحافظ ابن حجر فى "تهذيب التهذيب" بعد أن ذكر الأقوال المتقدمة: "ولعل هذا كان من إسماعيل فى شبيبته ثم انصلح. وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذى شارك فيه الثقات وقد أوضحت ذلك فى مقدمه شرحى على البخارى والله أعلم" أ هـ .

وقيل أن البخارى لم يحرر حديثه وقت سماعه له، وإنما حرره بعد عودته إلى بخارى. ومن المسلم به أن ذاكرة البخارى قوية. وهذا أمر معروف، ولكنه لا يحول دون تطرق سهو أو خطأ، وجاء فى مقدمه "فتح البارى" أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملى قال انتسخت كتاب البخارى من أصله الذى كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفريرى فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً ومنها أحاديث لم يترجم لها. فأضفنا بعض ذلك إلى بعض" .

وقيل إنه خرج لأربعمائة وبضعه وثلاثين رجلاً منهم ثمانون متصفون بالضعف .

أما صحيح مسلم فحسبك أنه تضمن حديث خلق التربة يوم السبت وحديث قول أبى سفيان لما أسلم. أريد أن أزوجك أم حبيبة الخ ...

وحديث صلاة الرسول صلاة الكسوف بثلاث ركعات وهذه الأحاديث كلها لا أصل لها ..

أما مالك فقالوا عنه كل من روى عنه مالك ثقة إلا عبد الكريم بن أبى المخارق أبا أمية .

واعتذر الحافظ بن عبد البر عن رواية مالك عن عبد الكريم بن أبى المخارق بقوله "وإنما روى مالك عن عبد الكريم بن أبى المخارق وهو مجمع على ضعفه وتركه لأنه لم يعرفه، إذا لم يكن من أهل بلده وكان حسن السمت والصلاة فغره ذلك منه. ولم يدخل فى كتابه منه حكماً افرده" .

وأما الحاكم بن عبد الله صاحب المستدرك فلعله أكثر الناس إلى من يستدرك عليه! قال الإمام العينى فى البناية فى شرح الهداية عنه "وقد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، وقال الإمام دحيه فى كتابه "العلم المشهور فى فضائل الأيام والشهور" يجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبى عبد الله فأنه كثير الغلط فظاهر السقط. وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاءوا بعده وقلده فى ذلك .

وقال الحافظ سراج الدين البلقينى "وما صححه الحاكم ولم يوجد لغيره تصحيحه ينبغى أن يتوقف فيه فإنه فيه الضعيف والموضوعات" .

قال الذهبى عن الحاكم: صدوق ولكنه يصحح فى مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك فما أدرى هل خفيت عليه؟ فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهو خيانة عظيمة. وحمل ذلك أبن حجر على حصول تغير وغفلة له فى آخر عمره أثناء تأليف المستدرك أ.هـ. ونص الذهبى على أن ربع الكتاب عبارة عن أحاديث ضعيفة وبينها نحو مائة حديث موضوع أ.هـ. قال الكوثرى. وهذا أعدم الانتفاع بالكتاب لمن هو غير أهل للتمييز من الروايات والأسانيد .

وقيل إن الحاكم صنف المستدرك فى أواخر عمره وقد حصلت له غفلة وأنه إنما سود الكتاب لينقحه فأعجلته المنية، وقيل شئ مثل هذا أى وفاة المؤلف قبل تبييض كتابه ومراجعته المراجعة الأخيرة على البخارى، وعلى مسند أحمد وما ألحق فيه من زيادات ابنه عبد الله ورواية القطيعى .

أما السُنن الأربعة: أى سُنن الإمام داود والترمذى، والنسائى وابن ماجة فإن فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر .

 


الفصل الرابع

من مفارقات المحدثين

 


يبدأ الفصل بملاحظة أن أى دارس نزيه للسُنة لابد وأن يتملكه الذهول لما يرى من تضارب، وتعدد، وتنافر واختلاف. وينتهى إلى أن هذا الفرع من المعرفة ذاتى الطبيعة، بمعنى أن كل فروضه وقواعده تقوم على أسس ذاتية سواء فى وضعها أو فى تطبيقها، وأنه ليس هناك معايير يصدق عليها صفة "الموضوعية". وأن هذا هو السبب فى وجود مفارقات تثير الدهشة والعجب .

وقد كان أول ما لفت المؤلف ظاهـرة عجيبة تمثل المفارقة أكبر تمثيل تلك هى أن معظم الأحاديث التى يعطونها صفة التواتر تدور على أمور غير سائغة، وغير هامة، بينما أن كثيراً من الأحاديث التى يمثل كل منها مبدءاً هاماً، قلما تخلو من علة ما طبقاً لمعايير المحدثين !!

المتواتر فى حد ذاته مفارقة. فقد اختلفت فيه الأقوال، فقيل إنه يعز وجوده وزعم بن حبان والحارث أنه معدوم بالكلية قال ابن الصلاح إلا أن يدعى ذلك فى حديث من كذب على الخ.. فقد رواه عن النبى r أكثر من ستين نفساً من الصحابة منهم العشرة، وليس فى الدنيا حديث أجمع على روايته العشرة غيره عقب عليه الحافظ العراقى بحديث رفع اليدين فى الصلاة. فقد رواه نحو خمسين منهم، ومنهم العشرة أيضاً قال السخاوى فى فتح المغيث: وكذا الوضوء من مس الذكر قيل إن رواته زادت على ستين وكذا الوضوء مما مست النار .

على أن الحديث الذى يضربون به المثل للمتواتر. وهو حديث "من كذب على الخ.. وقع فيه خلاف هام قلما أشار إليه المحدثون ولحظه صاحب أضواء على السُنة المحمدية" الشيخ أبو ريه إلا وهو عدم وجود كلمة "متعمداً" فى رواية الزبير له وأنه أى الزبير قال "والله ما قال متعمداً" وأنتم تقولونه، وفى الرواية التى جاء بها ابن قتيبة فى كتاب "تأويل مختلف الحديث" أنه (أى الزبير) قال "أراهم يزيدون فيها متعمداً والله ما سمعته قال متعمداً" وأهمية هذه الكلمة "متعمداً" أنها تنفى الكذب عن الخطأ والنسيان وتقصره على إرادة العمد، وقد ينتفى هذا العمد إذا كان الهدف منه مصلحة للإسلام، كما يزعمون وكما ذهب إلى ذلك الوضاع "الصالحون" والقصاصون وأصحاب الرقائق .

وقد أورد المحدثون أنفسهم خمس عشرة رواية لهذا الحديث تتفاوت فيها الألفاظ تفاوتاً كبيراً، وإن كان المعنى العام واحداً باستثناء عدم وجود كلمة "متعمداً" التى تغير المعنى .

وهناك معارك حامية حول قضية جزئية صغيرة لا تقدم ولا تؤخر، ولكن تعصب الفقهاء لمذاهبهم جعلهم يعطونها أولوية كبرى. فينصر بعضهم وجهة نظره ببعض أحاديث تبلغ حد التواتر، بينما يرفضها الفريق الآخر بأحاديث تبلغ أيضاً حد التواتر. ويبدو أن هذا مما لا يثير الدهشة أو العجب فإن مؤلف "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" الذى جعل عدد الأحاديث المتواترة (310) حديثاً على أساس التواتر المعنوى.

بمعنى ورود أحاديث عديدة بمعنى واحد بحيث يبلغ مجموع روايتها درجة التواتر. نقول إن المؤلف لم يجد حرجاً فى أن يورد أحاديث متواترة توجب أمراً ما، وبعدها مباشرة أحاديث متواترة ترفض الأمر وتذهب خلافه. كما هو الحال فى القراءة بالبسملة ففى الجهر بها أورد 18 حديثاً وأستشهد بما جاء فى عمدة القارئ "والأحاديث الواردة فى الجهر كثيرة ومتعددة عن جماعة من الصحابة يرتقى عددهم إلى أحد وعشرين صحابياً رووا ذلك عن النبي r منهم من صرح بذلك ومنهم من فهم من عبارته والحجة قائمة بالجهر وبالصيحة ثم عًدَّدهم، وهم أبو هريرة وأم سلمة وأبن عباس وأنس وعلى وسمرة وعمار وأبن عمر والنعمان بن بشير والحكم بن عمير ومعاوية ويزيد وجابر وأبو سعيد وطلحة وأبن أبى أوفى وأبو بكر الصديق ومجالد بن ثور وبشر بن معاوية والحسن بن عرفطة وأبو موسى الأشعرى، وذكر أيضاً ألفاظهم ومن خرجها وتكلم على أسانيدها وأطال فى المسألة بما يشفى فأنظره" .

وقال فى السيرة الحلبية ما نصه: وقد جهر بها النبي r كما رواه جمع من الصحابة. قال ابن عبد البر بلغت عدتهم أحد وعشرين صحابياً. أهـ.

وقال الصبان فى رسالته الكبرى: البسملة صح عن أحد وعشرين صحابياً أنه عليه الصلاة والسلام كان يجهر بالبسملة أ هـ.

وفى مقابل هذا أورد أحاديث عن ترك قراءة البسملة ونقل عن عياض أنها متواترة بحجة أن ذلك تواتر عن الرسول وعن الخلفاء الراشدين وقال المؤلف إن أحاديث الترك وإن كانت صحيحة فكلها غير صريح بل ظاهر فقط، وممن رواه صريحاً أو كالصريح أنس بن مالك فى الصحيحين وعبد الله بن مغفل عند الترمذى والنسائى وابن ماجة وعائشة عند مسلم فى صحيحه .

وروى المؤلف(8)أن أحاديث الجهر وأن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة، وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه وهو حديث ضعيف بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً. وقال أيضاً إنما كثر الكذب فى أحاديث الجهر على النبي r وأصحابه لأن الشيعة ترى الجهر وهم أكذب الطوائف فوضعوا فى ذلك أحاديث، وغالب أحاديث الجهر تجد رواتها ممن هو منسوب إلى التشيع .

وقال ابن القيم فى الهدى بعد ما ذكر أنه عليه السلام كان يجهر بالبسملة تارة ويخفيها أكثر مما يجهر بها وأن القائلين بالجهر تشبثوا بألفاظ مجملة وأحاديث واهية ... ما نصه :

"فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح وهذا موضوع يستدعى مجلداً ضخماً" .

ورأى المؤلف أن حديث أبى هريرة عن الجهر صحيح ورواته كلهم ثقات .

ومن أعاجيب التملص وتأليف المختلف وهو أسلوب متبع لدى المحدثين أن يقول مؤلف الكتاب إن من المحتمل أن يكون الرسول قد قرأ البسملة سراً مسمعاً بها نفسه فسمعها منه أبو هريرة لقربه منه .

وفى التشهد فى الصلاة الذى روى عن 24 صحابياً نقل المؤلف أن الشهادات الواردة عنه بلغت ثلاثة عشرة. وقال الترمذى عن حديث ابن مسعود بعد تخريجه هو أصح حديث فى التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وقال البزار اصح حديث فى التشهد عندى حديث ابن مسعود وروى عنه من نيف وعشرين طريقاً ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم فى التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أكثر رجالا .

وأختار الشافعى تشهد عمر لأنه علمه للناس على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله ولأنه أورده بصيغة الأمر فدل على ميزته .

ومن القضايا الفقهية التى ظفرت باهتمام كثير من الفقهاء، وتعارضت فيها الأقوال قضية المسح على الخفين فأورد مؤلف "نظم المتناثر" من الحديث المتواتر" المسح عن 66 صحابياً منهم ستة من العشرة المبشرين بالجنة، وقال وباب الزيادة مفتوح ..

وفى فتح البارى صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين منهم العشرة، وفى ابن أبى شيبه وغيره عن الحسن البصرى حدثنى سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين أ هـ .

ومثله للزرقانى فى شرح الموطأ وفى فيض القدير وقد بلغت أحاديث المسح على الخفين التواتر حتى قال الكمال بن الهمام قال أبو حنيفه ما قلت به حتى جاءنى فيه ضوء النهار وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين لأن الآثار التى جاءت فيه فى حيز التواتر" أنتهى .

وفى شرح العقائد النسفيه للسعد قال الكرخى أنى أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين لأن الآثار التى جاءت فيه فى حيز التواتر أ.هـ .

هذا، علماً بأن مؤلف نظم المتناثر من الحديث المتواتر "اعتبر غسل الرجلين فى الوضوء من المتواتر المروى عن 34 صحابياً وكذلك عن حديث "ويل للإعقاب من النار" من المتواتر رواه 53 صحابياً" وفى الحديثين ما قد يعارض الآية المشهورة، إلا إذا قرأت بخفض أرجلكم عطفاً على الرؤوس، وأن يكون المعنى كما ذهب إلى ذلك القرطبى مسح الرجلين إذا كان عليهما خفان وأن هذا هو ما يفهم من عمل الرسول لم يصح عنه أنه مسح على رجليه إلا وعليهما خفان والمتواتر عنه غسلهما فبين النبى r الحال الذى يمسح فيه" .

وأورد مؤلف "النظم المستأثر" حديث سد الأبواب فى المسجد إلا باب علُى وسد الخوخ عن ثمانية من الصحابة. بينما روى سد الخوخ إلا خوخة أبى بكر عن أربعة .

وناقش موقف ابن الجوزى الذى أورد فى الموضوعات حديث سد باب على مختصرة على بعض طرقه وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته وليس ذلك بقادح، وأعله أيضاً بمخالفته للأحاديث الصحيحة فى باب أبى بكر وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به حديث أبى بكر فى الصحيح .

قال الحافظ ابن حجر وقد أخطأ فى ذلك خطئاً شنيعاً لرده الأحاديث الصحيحة بتوهم المعارضة مع إمكان الجمع .

وفى اللآلئ المصنوعة للسيوطى قال شيخ الإسلام فى القول المسدد فى الذب عن مسند الإمام أحمد، قول ابن الجوزى فى هذا الحديث إنه باطل، وإنه موضوع دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذى فى الصحيحين، وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ولا ينبغى الأقدام على حكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذر الجمع فى الحال أنه لا يمكن بعد ذلك لأن فوق كل ذى علم عليم وطريق الورع فى مثل هذا أن لا يحكم بالبطلان بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهر له وهذا الحديث من هذا الباب هو حديث مشهور له طرق متعددة كل طريقة منها على انفرادها لا تقتصر عن رتبه الحسن ومجموعها مما يقطع بصحته على طريقة كثير من أهل الحديث إ. هـ .

كما اعتبر المؤلف حديث "من كنت مولاه فعلى مولاه" متواتراً وكذلك "أما ترضى أن تكون منى (أى على) بمنزلة هارون من موسى" .

أما حديث "تقتل عماراً الفئة الباغية". الذى أورده 31 صحابياً، والذى صرح السيوطى بتواتره وقال الحافظ بن حجر فى تخريج أحاديث الرافعى قال ابن عبد البر تواترت الأخبار بذلك، وهو من أصح الحديث وقال ابن دحيه لا يطعن فى صحته ولو كان غير صحيح لرده معاوية، ولكن ابن الجوزى نقل عن الخلال فى العلل أنه حكى عن أحمد قال فروى هذا الحديث من ثمانية وعشرين طريقاً ليس فيها طريق صحيح وحكى أيضاً عن أحمد وابن معين وأبى خيثمة أنها لم تصح .

وهذا كله يهون أمام أحاديث "الابدال" الذى أثبته البعض ونفاه آخرون

وأورد مؤلف النظم المتناثر خروج المهدى من (20) صحابياً وقال:

"وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوى، أنها متواترة، والسخاوى ذكر ذلك فى فتح المغيث ونقله عن أبى الحسين الابرى، وقد تقدم نصه. أول هذه الرسالة، وفى تأليف لأبى العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسينى العراقى فى المهدى، أن أحاديثه متواترة، أو كادت، قال: وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد إ. هـ ."

وفى شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه :

ورد خبر المهدي فى أحاديث ذكر السخاوى، أنها وصلت إلى حد التواتر. إ. هـ .

وفى شرح المواهب نقلاً عن أبى الحسين الابرى، فى مناقب الشافعى، قال: تواترت الأخبار أن المهدى من هذه الأمة، وأن عيسى يصلى خلفه، ذكر ذلك رداً لحديث ابن ماجة عن أنس ولا مهدى إلا عيسى إ. هـ .

وفى مغاني الوفا بمعاني الاكتفا، قال الشيخ أبو الحسين الابرى، قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى r بمجيء المهدي وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملا الأرض عدلا إ. هـ .

وفى شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفارينى الحنبلى ما نصه :

"وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوى وشاع ذلك بين علماء السُنة حتى عد من معتقداتهم" .

وللقاضى العلامة محمد بن على الشوكانى اليمنى رحمه الله رسالة سماها التوضيح فى تواتر ما جاء فى المنتظر والدجال والمسيح، قال فيها: "والأحاديث الواردة فى المهدى التى أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهى متواترة بلا شك، ولا شبهة بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة فى الأصول وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدى فهى كثيرة أيضاً لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد فى مثل ذلك" أ. هـ .

أما ما ذكره ابن خلدون فى مقدمته عن نقد أحاديث المهدى وأنها لم تسلم من علة فقد رد عليه المحدثون بأنه "ليس من أهل هذا الميدان والحق الرجوع فى كل فن لأربابه" .

ولا يدق على ذكاء أحد أن تركيز الأحاديث المتواترة على موضوعات غيبيه تسمح بالحديث على عواهنه وتستبعد استخدام العقل، وفى الوقت نفسه فليس لها أى جدوى فى حياة المسلمين ولا هى تنهض بهم أو تمكنهم فى الأرض الخ.. وإنما هى أسرع الموضوعات إلى التأثير على النفوس بما تتضمنه من إثارة وتهويل ومغيبات الخ.. نقول. إن هذا يجعلنا نشك فى صحة هذه الأحاديث وأنها إنما أريد بها التأثير على النفوس ولما كان واضعوها يعلمون خدعتهم فقد حاولوا درء كشفها بتكرار الروايات ونسبتها إلى جماهير الصحابة حتى لا يتطرق إليها الشكوك. ولكن هيهات. فتكرار الباطل أو تأكيده لا يجعله حقاً .

وما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليضع فى أولوياته هذه الموضوعات، وإنما يجعل أولوياته فيما ينفع المسلمين فى حياتهم الدنيا والآخرة من عدل أو حرية أو علم أو خلق كريم ومعاملة سوية إلى آخر ما ينهض بالمسلمين وما جاء له الإسلام .

وهذا ما يقال ولو لدواعى أخرى على كثرة الأحاديث.. المدعى تواترها فى الخلافات الجزئية التى يعطيها الفقهاء أهمية كبيرة كالمسح على الخفين، والبسملة. وإرسال الأيدى فى الصلاة أو على معجزات الرسول التى رد القرآن على العرب الذين أرادوها بأن فى القرآن الكفاية .

واستعراض كلام المحدثين عن كثير من الأحاديث وما يدور فيها من كروفر إنكار وإثبات يجعل البعض يظنون أنه ما من حديث صحيح إلا ويمكن بطريقة ما الطعن فيه وما من حديث ضعيف أو موضوع إلا ويمكن بطريقة ما تحسينه وتصعيده إلى الصحيح. وأن "التخريج". أى تصنيف الحديث والاعتراف به أصبح صناعة يمكن لدهاقنة المحدثين إحكامها، وأن يصولوا ويجولوا، كما يصول ويجول المحامون الذين احكموا القانون وعرفوا مداخله ومخارجه وثغراته واستخدموها لتبرئه موكليهم رغم أن تبرئتهم تعنى إدانة آخرين ..

وتعرض الفصل لمقارنة أخرى هى أن هناك أحاديث مشهورة ذات معان ممتازة وقد تلقتها الأمة بالقبول، ولكن دهاقنة المحدثين يطعنون فيها وأورد الفصل أمثله لذلك حديث معاذ المشهور عندما أرسله الرسول إلى اليمن قاضيا وقال له بم نحكم قال بالقرآن وعندما سأله فإن لم تجد قال فبسُنة رسوله قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيى ولا ألو، ومثل الحديث الذى هو عمدة القوم فى الكشف عن الوجه والكفين وهو حديث أسماء وقول الرسول يا أسماء أن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه، وحديث "ادرؤوا الحدود بالشبهات" والحديث الذي يعتمد عليه فى تحريم ربا القروض "كل قرض جر نفعا فهو ربا" وحديث "الصلاة عماد الدين" وحديث "القاتل لا يرث الخ.." .

يقول إن المحدثين طعنوا فى كل هذه الأحاديث بمختلف التعليلات .

 

وختم الفصل بالدروس المستفادة من هذا العرض ..

 

                              1.           إن تعذر التوصل ولو إلى حديث متواتر تواتراً لفظياً حيث أن حديث "من كذب علىَّ" اختلف فيه لوجود لفظة "متعمداً" فى روايات وإسقاطها فى روايات أخرى يدل على أن عامة الحديث قد رويت بالمعنى .

                              2.           أن تركيز التواتر على موضوعات المهدى، والدجال ونزول عيسى ومعجزات الرسول يدل على أن الوضع كان وراءها. فإما أنها وضعت دون أصل، أو أنها وضعت على أصل واه. وكان الغرض من ورائها تعميق الإيمان بها كجزء من العقيدة .

                              3.           أن وجود تواتر فى هذه الموضوعات، مع وجود علل فى روايات بعض الأحاديث التي تعالج أصولا هامة يصور جريرة التعويل على السند، وليس المتن كما أن هناك أحاديث ترسى مبادئ هامة مثل حديث "إنما الأعمال بالنيات" وحديث "لا ضرر ولا ضرار" هي أحاديث آحاد ولا يقلل من أهميتها أن تكون أحاديث آحاد كما لا يرفع من أحاديث المهدي والدجال وحنين الجذع الخ.. أن تكون أحاديث متواترة.. وإصابة الأحاديث التي أوردناها بعلل فى السند لم يمنع أن تتلقاها الأمة بالقبول .

                              4.           ذهب بعض المحدثين أنه إذا اتفق الشيخان (البخاري ومسلم) على حديث صار له حكم المتواتر، صرح بذلك الحافظ بن الصلاح والحافظ العراقي وابن دقيق العيد وابن حجر والعيني والسيوطى والعسقلانى وغيرهم. وفى نظرنا أن هذا تعسف وغلو تأباه طبيعة تصنيف الحديث .

بهذا الفصل ينتهي الباب الأول من كتاب "السُنة فى الفقه التقليدي"