ملخص الجزء الثاني من كتاب
نحو فقه جديد
السُنة
ودورها فى الفقه الجديد
m
لما
كانت السنة هي مادة الفقه، فهي تستحق أهمية خاصة، وعمليا فإننا ما أن بدأنا
نكتب عن السُنة حتى استفاض القول وأخذ بعضه بأعناق بعض ولم يعد فصلاً من
باب، ولكن بصفة فصول فى بابين كبيرين ..
وقد
عالجنا موضوع السنة فى كتابنا "الأصلان العظيمان. الكتاب والسُنة" ولما
كانت أي معالجة لموضوع السنة لابد أن تعرض لما جاء فى كتاب "الأصلان
العظيمان" وكان من غير الطبيعي أن نعيد نشر ما كتب بالكامل، فقد اكتفينا
ببعض الاستشهادات التي لا مفر منها وأحلنا القارئ الذي يريد الاستزادة
وإحكام الموضوع إلى الكتاب وإن كانت دراسة عشرة أعوام بعد صدوره جعلت
الأحكام فى هذا الكتاب تأخذ اتجاها جديداً .
والكتاب فى
بابين رئيسيين الأول السنة فى الفقه التقليدى والثانى عن السنة فى الفقه
الجديد .
الباب الأول
السُنة فى الفقه السلفي
الفصل الأول
التطورات تجعل السنة حديثا وتدفعها إلى الصدارة
يشرح الفصل أن السنة هى العمل، والسيرة، والطريقة وأنها تعنى عملاً وفعلاً
وأنها بهذا المعنى بعيدة عن كلمة حديث بُعد الفعل عن القول، وبهذا المعنى
فهمها الصحابة والخلفاء الراشدون الذين كانوا يتقصون عمل الرسول. كما فهمها
الأمام مالك عندما جعل "عمل" أهل المدينة دليلاً من أدلة الفقه .
ولو أخذ بهذا لفصل ما بين السنة والحديث، ولما جاز القول عن السنة بأنها
فعلية لأنها بطبيعتها فعلية، وتكون إضافة هذه الصفة فضولاً كما أن الزعم أن
السنة قوليه تخالف طبيعة الكلمة فلا تكون السنة قوليه أبداً لأنها بطبيعتها
عملية وفعلية .
ويتقصى الفصل أسباب هذا التطور فيعزوها إلى أسباب ذاتية مفتعلة وإلى أسباب
موضوعية أصيلة .
فمن الأسباب المفتعلة ما لجأ إليه معاوية بن أبى سفيان عندما بث القصاص فى
المساجد، وجعل على رأسهم كعب الأحبار، ففتح هذا الباب باب القصاص وما
يجيئون به من أحاديث و "رقاق" فضلاً عن "الوضاعين الصالحين" الذين وضعوا
الأحاديث "حسبة ترغيبا وترهيبا للناس" فجعلوا فضائل لكل سورة واستلهموا من
الخيال والأساطير عقوبات ومثوبات
كما أن مقاومة الحكام لأى معارضة من الفقهاء جعل الفقهاء يركزون جهدهم فى
مجال العبادات، وبالتالى أن يتقصوا الأحاديث عن تفاصيل وفروع العبادات
والشعائر .
ويذكر الفصل أن واقعة الوضع لا تعود إلى ما بعد الفتنة الكبرى (سنة 40 هـ
تقريبا) ولكنها تعود إلى أيام الرسول نفسه من المنافقين واليهود وأعداء
الإسلام الذين كان دأبهم أن يؤمنوا بهذا الحديث وجه النهار ويكفروا به آخره
وأن يقولوا عن القرآن إنه أساطير الأولين، ولو شئنا لقلنا مثل هذا الخ..
وهو الأصل الذى نجد ثماره فيما يروى عن القرآن من ادعاءات وآيات منسوخة، أو
سور منسية، أو اختلافات وضعها المنافقون واليهود فى الأيام الأولى للإسلام
ونسبوها إلى الصحابة وجازت على أسرى الإسناد من المحدثين ومفسرى القرآن
فحشوا بها كتبهم ونقلت منهم حتى اليوم .
أما الأسباب الموضوعية والأصلية فإنها تدور حول تقصى الأحاديث التى تصلح
مستنداً للأحكام فى
القضايا العديدة التى نشأت نتيجة لتوسع الدولة الإسلامية .
وأورد الفصل أدلة تدل على أن مسيرة الأحاديث بدأت من أيام الرسول، والخلافة
الراشدة وذكر ما قاله أبو بكر، وعمر وعلى بن أبى طالب فى مجابهة فشو
الأحاديث واستشراء الذين يدعون روايتها .
ويعجب الإنسان عندما يختبر المجموعات الكبرى للأحاديث فى المسانيد فيجد أن
ما يوجب تحريماً أو تحليلاً لم يأت فى القرآن لا يمثل إلا أحاديث معدودة،
وأن الأغلبية الساحقة من الأحاديث تنقسم إلى قسمين الأول أحاديث تتعلق
بتفاصيل دقيقة عن العبادات، وبوجه خاص الصلاة، والحث على أدعية معينة، فى
أوقات معينة، من اليوم أو الشهر الخ.. والثاني ما يمكن أن نسميه "الرقاق"
أى الأحاديث التى تبدأ من عذاب القبر ثم الفتن والملاحم بما فيها خروج
المهدى الخ.. حتى البعث والنشور والحساب والعقاب والجنة والنار. هذان
القسمان هما الأغلبية الساحقة من الأحاديث .
إن ثلاثة آلاف حديث من هذا النوع تذكر أدعية معينة، وتوجب نوافل محددة قبل،
وبعد الصلوات وتلزم المسلم سمتاً خاصاً فى حركاته وسكناته منذ أن يبدأ
اليوم فيقول "أصبحنا وأصبح الملك لله" ثم ينزل من فراشه ويضع قدمه اليمنى
فى خفه حتى يعود آخر الليل ليضجع على جنبه الأيمن ويقول "باسمك اللهم أحيا
وأموت.." ويخضع ما بين ذلك من اليقظة فى الصباح حتى النوم فى المساء. لما
جاءت به مئات الأحاديث من حركات وسكنات وأدعية وصلوات أسهمت فى تكوين
النفسية المسلمة وطبعت المسلم بطابعها ..
وأى شئ أبعث على الأمل والرجاء من أن يعرف الإنسان أسم الله الأعظم الذى
إذا دعا به أجاب الله دعاءه سواء كان مجرد "الستر" والأمن أو كان اكتساب
الأموال وتحقيق الأمانى..
وأى شئ أكثر رهبة وإثارة الرعب من ذلك الشجاع الأقرع الذى يضرب الميت ضربة
يسمعها كل من حوله إلا بنى آدم أو يضيق به القبر حتى تختلف أضلاعه..
وأى شئ أرضى للنفس من أن تعلم أن ركعات يركعها الإنسان وأدعية يتلوها يمكن
أن تطهره كيوم ولدته أمه، أو أن تغفر له كل ما اقترف من الذنوب.. أو أن
تكفل له الجنة، وتجنبه النار ..
إن ألوف الأحاديث التى وردت فى ذلك وامتلأت بها كتب السنة وأكدها وحققها
المحدثون وحكموا بصحتها ووصلوا ببعضها إلى المتواتر أعطت المجتمع الإسلامى
بعضاً من أظهر خصائصه. كوهن المعارضة السياسية وغياب المرأة من المجتمع أو
حرمانها من العلم والمعرفة، والحيلولة دون ظهور الفنون والآداب وبقية
تجليات النفس الإنسانية
وأوجدت
النفسية النمطية للمسلم والطابع السائد للإسلام الذى تغلب عليه الطقوسية
والعبادية والتقليد والاستسلام والسلبية والبعد عن الفعالية والمبادءات
الحية والنشطة .
الفصل الثاني
السنة بين المتحفظين عليها والمسلمين بها ..
وناقش الفصل الثانى "الذين تحفظوا على السنة" فذكر الخوارج الذين تحفظوا
على أحاديث "الخلافة فى قريش" وتطبيق الرجم على الزانى المحصن، كما أنهم
يكفرون عليا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضا بالتحكيم وبهذا ردوا
أحاديث جمهور الصحابة .
والفئة الثانية التى تحفظت على السنة هى "الشيعة" التى رفضت أحاديث
الأمويين وعائشة وأبى هريرة وكانت عامة أحاديثها فردية عن الإمام جعفر
الصادق .
وعرض الفصل لانتقادات بعض الكتابات الشيعية لما جاء فى البخارى ومسلم .
والفئة الثالثة المتحفظة هى المعتزلة.. وأورد الفصل كلام واصل بن عطاء
–
شيخ المعتزلة الأول –
"الحق يعرف من وجوه أربعة –
كتاب ناطق –
وخبر مجمع عليه –
وحجه عقل –
وإجماع الأمة" ويفهم من هذا أن يكون الحديث "مجمعاً عليه" أى ما أطلق عليه
فيما بعد المتواتر. أما أحاديث الآحاد فهى مطروحة فى نظره .
وأدى تقاتل المسلمين بعضهم بعضا فى الجمل وصفين بواصل بن عطاء لأن يتوقف فى
أمر الذين اشتركوا فى واقعة الجمل وأمسك عن الحكم عليهم على وجه التعيين
وقال: "قد علمنا أنهم ليسوا بمحقين جميعاً، وجائز أن تكون إحدى الطائفتين
محقه والأخرى مبطلة ولم يتبين لنا من المحق منهم ومن المبطل. فوكلنا أمر
القوم إلى عالمه وتولينا القوم على أصل ما كانوا عليه قبل القتال فإذا
اجتمعت الطائفتان قلنا "قد علمنا أن إحداكما عاصية لا ندرى أيكما هى" .
وما دامت إحدى الطائفتين عاصية، فإنها فاسقة لا محالة. وقد تكون الفاسقة
عليا وأتباعه أو عائشة وطلحة والزبير وسائر أصحاب الجمل ثم أكد شكه فى
الفرقتين .
وقال "لو شهد على وطلحة أو على والزبير أو رجل من أصحاب على ورجل من أصحاب
الجمل على باقة بقل لم أحكم بشهادته لعلمى بأن أحدهما فاسق لا بعينه" .
وعزز واصل هذا الحكم الذى أداه إليه اجتهاده العقلى، بدليل شرعى فقاس شهادة
المتحاربين فى واقعة الجمل على المتلاعنين، أى أن شهادة المتلاعنين غير
مقبولة لأن أحدهما فاسق فكذلك شهادة المتحاربين .
على أن الحكم بتخطئة إحدى الطائفتين خاص بأصحاب الجمل فقط، أما أصحاب صفين
فقد تبرأ منهم لأن الخطأ ثابت فى شانهم وبالتالى فهم فاسقون وحكم الفاسق
عنده فى منزلة بين منزلتى الكفر والإيمان .
وتحدث الفصل عن موقف إبن خلدون الذى لمس ما جره أسلوب النقل بدون تحقيق من
أخذ بالخرافات فى التاريخ، والتفسير "لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد
النقل، ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال فى
الاجتماع الإنسانى، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما
لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق" .
وتعقب ابن خلدون الأحاديث التى جاءت عن المهدى فى بضع صفحات حديثاً حديثاً
وأثبت وهن رواتها، وأنه لم يخلص منها من
النقد إلا القليل أو الأقل منه، ولا جدال فى أن كلام ابن خلدون يعد من أفضل
ما قيل فى هذا المجال وما كان يمكن أن يذهب فى النقد إلى أبعد مما ذهب بحكم
المقتضيات والضرورات. فأبن خلدون بعد كل شئ فقيه وقد ولى القضاء .
وانتقل الفصل إلى تحفظات الكتاب المعاصرين فأشار إلى انتقادات الدكتور
توفيق صدقى الذى نشر مقالاً فى العددين 7 و 12 من السنة التاسعة من مجلة
المنار تحت عنوان "الإسلام هو القرآن وحده يستبعد منه حجية السُنة"، ولعله
نجح فى تفنيد الشبهات التى بُنيت على آيات من القرآن لا تستبعد فى الحقيقة
السُنة. ولكنه فشل فى تفنيد الشبهات التى تنشأ نتيجة لنهى الرسول عن كتابة
حديثه، أو عن تعرض السُنة للوضع والتحريف .
وأشار الفصل إلى ما جاء فى كتاب الأستاذ أحمد أمين "فجر الإسلام" من نقد
للتركيز على السند ضاربا المثل بحديث "من اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة
لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل" وحديث "الكمأة من ألمن وماؤها
شفاء للعين والعجوة من الجنة وهى شفاء من السم" دون أن يحاول أى واحد أن
يجرب ذلك عمليا .
كما أنه تحدث عن أبى هريرة بما جاء فى بعض كتب الحديث عن عائشة وعمر أو
غيرهما ولم يأت أحمد أمين بها من نفسه، وإنما نقلها من مراجع معتمدة .
ولم يكن حراس السُنة وحماتها ليتركوا ذلك دون رد. وتوالت الردود عليه
وسنشير إلى بعضها فيما سيلى من حديث .
ولكن ما أورده أحمد أمين من ملاحظات لا يعد شيئاً مذكوراً أمام ما جاء فى
كتاب "أضواء على السُنة المحمدية" الذى أصدره الشيخ محمود أبو رية سنة 1958
وتضمن نقداً مريراً لأساليب الرواية وهجوما قاسيا على أبى هريرة واستبعاد
الكثير من الأحاديث عن الملاحم ذات الطابع الإسرائيلى أو المسيحى .
ولم يكد كتاب أبى رية يظهر حتى تعرض لنقد شديد وصب علماء الحديث جام غضبهم
عليه وصدر عدد من الكتب فى نقده مثل كتاب.. "دفاع عن الحديث النبوى"
للأساتذة محب الدين الخطيب، وسليمان الندوى، ومصطفى السباعى ومثل كتاب أبو
شهبه "دفاع عن السُنة ورد شبهات المستشرقين والكتاب المعاصرين" وكتاب
"ظلمات أبى رية أمام أضواء السُنة المحمدية" للشيخ عبد الرازق حمزة، وكتاب
"الأنوار الكاشفة لما فى كتاب أضواء السُنة من الزلل والتضليل والمجازفة"
للشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمى اليمانى .
كما خصص الشيخ السباعي جزءاً كبيراً من كتابه "السُنة" للرد على ما جاء به
الشيخ أبو رية، ولهذا، أعنى كثرة ما كتب رداً عليه، لم نر ضرورة لمناقشة ما
جاء به وما دار حوله حتى لا يكون تكراراً لموضوع "قتل بحثاً"، ولأنه سيرد
عند الحديث على كتاب الشيخ السباعي عن السُنة .
وعرف
الفصل القراء بأشد نقده السنة، وإن لم يرزق شهرة وهو الدكتور إسماعيل منصور
وكتابه "تبصير الأمة بحقيقة السُنة"
وقد كان مؤلف هذا الكتاب من خطباء الجمعية الشرعية ويذكر هو أن من المواضيع
التى كان يخطب فيها بوجه خاص موضوع عذاب القبر الذى استغرق منه قرابة شهرين
حقق فيها حديث البراء بن عازب وهو العمدة فى هذا الموضوع ثم أراد الله له
– فيما بعد
– أن يصدر كتاباً من جزئيين كبيرين يضمان (1000) صفحة فى تفنيده !
هو كتاب "شفاء الصدر بنفى عذاب القبر" .
والفكرة الرئيسية التى يعرضها هى أن عملية وضع الحديث بدأت فى مرحلة مبكرة
واستمرت حتى ما بعد (250) هجرية ويدلل على ذلك بتواريخ وفاة أئمة الحديث:
البخارى سنة 256، مسلم سنة 261، ابن ماجة سنة 273، الترمذى 279، النسائى
سنة 303 هـ وأنها ظلت بعد هذه التواريخ لمدة خمسين عاماً قبل أن تستقر
عملية التدوين. ويستطرد :
"ولا
يمكن لباحث أن ينكر هذه الحقيقة الواضحة التى ظهرت أثناء هذه الحقبة
الطويلة من تاريخ المسلمين التى تمثل اضطراباً هائلاً بكل المقاييس، وهى أن
الأصل فى رواية الحديث –
حينذاك –
كان الكذب والخيانة، وأن الاستثناء من ذلك كان الصدق والأمانة. وآية ذلك ما
شهد به البخارى (رحمه الله) اختيارا بقوله فى مقدمة صحيحة، التى قال فيها
إنه جمع أحاديث صحيحه (وهى أربعة آلاف حديث بغير المكرر، أو سبعة آلاف حديث
بالمكرر، أو ألفان وستمائة حديث بالمطول بدون تقطيع على وجه التقريب) من
ستمائة ألف حديث رويت له، وكانت بين يديه ؟ .
وهى مقولة لها معناها فى تأكيد تلك الحقيقة الواضحة وهى تفشى الكذب
والافتراء فى رواية الحديث بحيث لم يكن يصح
– فى نظر البخارى (رحمه الله)
– إلا حديث واحد (فحسب) من بين كل مائتين وخمسين حديثاً على وجه
التقريب ! وتلك نسبة خطيرة كانت تحتم على كل منصف عدم كتابة الحديث على
الإطلاق أو عدم الاعتداد على الأقل
– بكتابة من كتب، فيما بعد لو كان هناك منهاج علمى صحيح عند كتاب
ورواة الحديث فى هذه الأثناء، ولكنها النظرات الخاصة،.. والاتجاهات الفردية
فى طريقة التدوين التى بدلت
– تماماً
– أحوال المسلمين عبر تاريخهم الطويل وغيرت
– عندهم
– من المنهاج النبوى الأمثل الذى ورثوه.. وأحلت محله منهاج التابعين
وتابعى التابعين الأعجل الذى استحدثوه. وتلك هى أصل المحنة
الكبرى عند المسلمين .
وهو يؤكد أكثر من مرة ضرورة الاكتفاء بالقرآن وحده (قولاً واحداً) وأن وجود
السنة بالصورة التى وضعت بها افتيات على القرآن
– ويرد على الذين يقولون "لو أكتفى المسلمون بالقرآن وحده دون
السُنة لما أمكنهم أن يصلوا إلى هدى النبى فى أداء الصلوات المكتوبات إذ من
أين سيأتون بعدد ركعاتها وبما يتلى فيها وكل ذلك لم يذكره القرآن ؟؟
وقد رد على هذا الاعتراض الذى يعد الدليل الأعظم فى يد أنصار السُنة بأن
تعلم الصلاة جاء نتيجة لسُنة فعلية وليست قوليه وأنها ظلت تمارس طوال حياة
الرسول وتابعتها الأجيال بعده .
وفرق الدكتور إسماعيل منصور ما بين منهاج الصحابة الذى يمثله عمر فى
الإقلال من الرواية وتطلب شاهدين على كل قول، ومنهاج التابعين الذين
تساهلوا فى قاعدة السند وغلب عليهم الحماس للرواة بدلاً من الدقة والتقصى،
وكان المفروض مع بدء الفتن وتفشى الافتراء أن يشتد التثبت، حتى لو تطلب
أربعة شهود على كل قول أسوة بمنهج القرآن الكريم فى إثبات صحة إدعاء القذف
– ولم يكتفوا بتساهلهم فى الرواية وقبولها من خلق كثير ببعض ضوابط
شكلية لا تكفى لتقرير صحة السند الموثق، بل توسعوا فى قبول أحاديث الآحاد
واعتبروها
– بذاتها
– تشريعاً قائماً بذاته، بل زادوا فى ذلك حتى قبلوا المراسيل وغلب
عليهم طابع يتسم بتزكية الرواة وتبرير المرويات ومن أمثلة ذلك ما قام به
ابن عبد البر من محاولة وصل مراسيل الإمام مالك فى الموطأ .
ثم جاء المحدثون فى أواخر عهد التابعين. فتوسعوا بعد توسع التابعين فى
روايات "الثقة" والاستزادة من إثبات أحاديث الآحاد والأخذ بمبدأ الاعتضاد
حتى توجد للرواية الأحادية طرق أخرى فجعلوها أثبت وأقوى .
ومع أنهم وضعوا ضوابط الجرح والتعديل إلا أن هذا إنما ينطبق على الطبقة
الأخيرة من الرواة الذين عاصروهم أو تلقوا عنهم .
أما شأن الرواة السابقين عليهم فقد ظل بعيداً عن متناول أيديهم (على ما هو
عليه) دون مقدرة من المحدثين على إصلاحه، لأنهم أقاموا نقدهم للرواة
السابقين بناء على رأى التابعين رضى الله عنهم فيهم. ولم يمكنهم أن يتحققوا
هم من ذلك بأنفسهم فقامت رواية المتون
– أصلا
– بناء على وجود الثقة وحسن الظن بالرواة.
وهذا الاتجاه يمكن وصفه بأنه: إثبات الحكم على الرجال
بأقوال الرجال، أو بمعنى آخر: إقرار أحكام الدين وفق آراء الرجال
وفى رأى المؤلف أن الضوابط التى وضعها المحدثون لا يمكن أن تجعلنا نثق ثقة
تامة فى رواية الحديث لأنها لا يمكنها أن تحقق ذلك لأن بناء الأحكام على
الثقة فى رواتها أصلاً (كما هو منهج المحدثين) لا يرقى إلى درجة إقرارها
وثبوتها كدين يدين المسلمون به لرب العالمين
– فماذا لو أن هذه الضوابط اجتمعت فى واحد من الرواة مقول بأنه ثقة،
وهو قد اختلط فى أواخر أيامه ولم يقع أحد على ذلك ؟
أو أنه مع كونه ثقة حدث بالحديث فى بلدة أخرى غير بلدته التى فيها كتبه فلم
تأت روايته منضبطة، ولم يهتد لذلك أحد من النقاد ؟ أو تكون سلسلة الرواة
معلومة له إلا بعضها فقام بإكمالها هو من عند نفسه بحسن النية ؟ أو يكون
الراوى قد سمع من شيخه، ولم يتبين عياً فى لسانه، أو نطفه فاختلطت بعض
الكلمات عليه والتبست بغير معناها المراد ؟ أو يمضى الراوى فى نسبة متنه
إلى سند وهو يريد غيره ؟ أو يروى بالمعنى
– وهذا كثير جداً فيغير ويبدل ؟ ومعلوم أن الألفاظ المتقاربة فى
المخارج كثيراً ما تعطى معان متباينة، وغير ذلك من الاحتمالات الممكنة وهى
كثيرة وكثيرة، فكيف تؤخذ أقوال الرواة
– وهم أفاضل
– على أنها من أحكام الدين .
ثم أنه لو أنضبط ذلك كله، فكيف يؤمن على الحديث بعد مائة وخمسين عاماً على
الأقل
– بعد رسول الله r من الفتن والصراعات والكذب والافتراءات والشحناء
والبغضاء والقتل والحروب بين المسلمين ؟؟ .
إن ثلاثة من الرجال لو اجتمعوا فى مكان معين وتكلم أحدهم بكلام ثم خرجوا
فروى اثنان منهم رواية الثالث لاختلفوا فيها فى اليوم نفسه، فكيف إذا مرت
مائتان أو ما يقرب من ذلك من السنين ؟ فى جو الصخب والاختلاف والنزاع
والخصومة ! إن علماء الحديث بالغوا كثيراً فى إضافة صفة الثبوت للروايات
الكثيرة الهائلة التي تفيض بها كتب الحديث حتى ما يسمى منها بالصحاح .
وينتقد الدكتور إسماعيل منصور تركيز المحدثين الأهمية على السند دون المتن،
وأن هذا جعل الحديث يوزن بميزان رواية وليس بميزان تعقل معانيه لدرجة أن
غالب علماء الأمة إذا ذكر عندهم قول القائل روى البخاري أو روى مسلم انشرحت
صدورهم وأسلموا لما يقال قبل أن يقال .
وليس أدل على صدق قولنا هذا من تلك القاعدة الثابتة لديهم والتي يعرفها كل
مدقق فى علوم الحديث، وهى كون علماء الحديث يقسمون أنواع الحديث
–
أساساً –
بناء على درجة الثقة فى الإسناد وحدها دون المتون
–
حيث أنهم يقسمون الحديث إلى صحيح، وحسن، وضعيف (القسم الأساسي للحديث) بناء
على ذلك. ويجعلون الصحيح هو: ما تحقق فى سند رجاله الضبط والعدالة. (بعد
اتصال السند) وإن اختلفوا بعد ذلك فى معاني ألفاظ المتون فيعلها البعض
ويقبلها الآخرون، فكل ذلك جائز عندهم ما دام الإسناد صحيحاً ؟ لكونهم
يتفقون أولاً فى تحديد الصحيح ووصفه بالصحة ولا بأس من اختلافهم بعد ذلك فى
المتن لأن العبرة –
عندهم –
أصلاً بالثقة فى الرجال لا بالقوة فى الأقوال !
وهذا مخالف لجميع مناهج العلوم فى شتى فروع العلم على الإطلاق. ولا
شك أنه أمر مثير للعجب ! ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .
وذهب المؤلف إلى بطلان أحاديث عديدة رويت موثقة السند عن أبى هريرة مثل
"لأن اقنع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن اعتق ولد الزنا" و "ولد الزنا
شر الثلاثة" و "الميت يعذب ببكاء الحى" و "من لم يوتر فليس منا" .. و "يقطع
الصلاة المرآة والحمار والكلب" و "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ" و
"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ودماً خير له من أن يمتلئ شعراً" و "الطيرة من
الدار والمرأة والفرس" و "توضئوا مما مست النار" (وهو الحديث الذى كان أبو
هريرة يقول قبله أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله قال توضوءوا مما مست
النار) .
وكذلك روى ابن عباس لرواية ابن مسعود فى رؤية الجن (كما جاء فى رواية مسلم
عن ابن عباس) وما رواه أبو داود عن ابن مسعود "الوائدة والموؤدة فى النار"
وهو حديث صحيح عند المحدثين ومروى عن طريقين .
كما انتقد رواية الحديث المشهور "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا
ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" وهو فى
البخارى وأكد أنه مكذوب على الرسول لأنه يخالف الآيات العديدة فى القرآن عن
حرية الاعتقاد، ونقل ما أورده ابن حجر عما ما أثير من شبهات حول هذا الحديث
كترك
قتال مؤدى الجزية الخ.. وفنده .
وما رواه البخارى عن الليلة التى أسرى فيها برسول الله قبل أن يوحى إليه
لمخالفته لما هو معروف بلا خلاف عن أن الإسراء كان بعد البعثة لا قبلها
وعما رواه جابر (فى مسلم) من أن أول آية هى:
]
يا أيها المدثر
[
وما رواه مسلم عن أن المسلمين، كانوا لا ينظرون إلى أبى سفيان ولا يقاعدونه
فطلب من النبى أن يعطيه ثلاثاً لرفعة شأنه بين العرب: أن يزوجه ابنته أم
حبيبة وأن يجعل ابنه معاوية كاتبا بين يديه وأن يؤمره حتى يقاتل الكفار وفى
كل واحدة كان الرسول يجيبه بنعم لمخالفة هذا كله لثوابت التاريخ .
وما رواه مسلم أيضاً عن أبى أيوب الأنصارى عن النبى أنه قال: "من صام رمضان
ثم اتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر".. لأن الرسول لم يكن يفعل ذلك، ولا
صحابته. كما حقق ذلك الإمام مالك بعد أن استقصى سؤال أهل المدينة وقال "ما
وجدت احداً يصوم هذه الأيام الستة" .
وانتقد عدداً من الأحاديث لمخالفتها مقتضيات العقل السوى مثل حديث ملك
الموت وموسى وأن موسى لطمه الخ.. وهو فى البخارى ومسلم
وما جاء فى حديث الإسراء من أن الرسول ربط البراق بحلقة لأن الحديث "يوحى
بأن الأنبياء كانوا يستخدمون هذا البراق وكأنه يخشون أن يهرب !!" (ص 501).
وحديث سليمان بن داود فى البخارى عن أبى هريرة "لأطوفن الليلة على مائة
امرأة الخ.. فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل إذ كيف تتسع ليلة
واحدة لمضاجعة مائة امرأة !! (أو تسع وتسعين) الخ.. (ص 503) ؟ وحديث شق
الصدر الوارد فى البخارى (ص 508)، وما جاء عن خاتم النبوة بين كتفى النبى
وهو فى البخارى ومسلم. (ص 520) .
كما استبعد المؤلف الحديث عن رؤية الله تعالى يوم القيامة الوارد فى
البخارى وحديث أبى هريرة فى البخارى أيضاً "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم
وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان الخ.." وحديث أبى هريرة فى البخارى "أن
الملائكة تصلى على أحدكم ما دام فى مصلاه الذى صلى فيه ما لم يحدث تقول:
اللهم أغفر له اللهم أرحمه" .
وينتقل الفصل إلى المّسلمين للسنة فيعرض كتابين أحدهما يمثل المنهج القديم
فى الدفاع عن السنة والآخر يمثل المنهج الحديث، والأول هو (الروض الباسم
فى الذب عن سنة أبى القاسم) للإمام المجتهد إبراهيم بن الوزير اليمنى
الزيدى صاحب "إيثار الحق على الخلق" والثانى هو كتاب (السنة ومكانتها فى
التشريع الإسلامى) للأستاذ الشيخ مصطفى السباعى عميد كلية الشريعة
بدمشق .
وقد كتب بن الوزير كتابه هذا رداً على من أرسل إليه اعتراضات على السنة كان
منها قبول المراسيل، وقبول المحدثين للمجهول من الصحابة، وقولهم أن الجميع
عدول بتعديل الله وقد رد ابن الوزير هذه الاتهامات ودافع دفاعاً بليغا عن
التعريف التقليدى للصحابة، وأنهم جميعا عدول، بل ذهب إلى أن كل مسلم ممن
عاصر النبى عدل ما لم يعلم جرحه، بما فى ذلك الأعرابى الذى بال فى المسجد.
وحديث "جفاة الأعراب" على أنه فى النهاية قال: "وليس يضير أهل الإسلام
جهالة بعض الأعراب فلنا عن حديثهم غنية بما رواه عيون الأصحاب مثل الخلفاء
الراشدين المهديين رضى الله عنهم وسائر إخوانهم العشرة الخ" وقد سرد
أسماءهم واحداً فواحد فبلغوا قرابة (140) صحابياً وصحابية (ص 70 ج1) .
وفى نظرنا أنه صحح بهذا ما ذهب إليه أولاً، ورد كل ما أثير من شبهات على
صحة أحاديث البخارى وأن قال "إن الكلام عما جاء ببعض أحاديث الصحيحين محدود
ويغلب أن يكون عن التعليقات والشواهد وقد تعرض لها النووى وابن الصلاح
وغيرهما من المحدثين" .
وعرض ابن الوزير لبعض الرواة مثل الوليد بن عقبه ومروان بن الحكم وبسر بن
ارطأه وتقبل أحاديثهم بناءً على بعض المبررات أو التعلات
وأورد الأحاديث المروية عن معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبه فى
الأحكام (30 حديثاً لمعاوية و 10 لعمرو بن العاص و23 حديثاً للمغيرة). وليس
فيما تضمنته هذه الأحاديث ما يعد شاذاً أو يأتى بنكير، بل لم يرد فيها أى
مساس بعلى بن أبى طالب وشيعته هم الذين شنوا الحرب عليه .
ودافع ابن الوزير عن حديث موسى وملك الموت دفاعاً طويلاً استغرق بضع صفحات
تأويلاً وبحثاً عن محامل ومخارج، كما دافع عن رواية أصحاب الصحاح لمن أطلق
عليهم "فساق التأويل وكفار التأويل" من قدرية أو مرجئة أو غيرهم بأن مذهب الزبدية
هو قبول مراسيل من يقبل من كفار التأويل وفساقه
وأما أئمة الحديث فقد يوجد فيما بينهم تفاوت فى القبول على أن الصحيحين
فيهما ما هو مستند إلى المبتدعة القدرية والمرجئة. وكلام ابن الوزير فى هذا
قاطع فى القبول مدعم بمبررات من عدة وجوه، تمثل فى نظرنا المدى البعيد الذى
دفع إليه "حكم الصنعة" فى التحايل والتعامل مع احتمالات لا وزن لها فى
الحقيقة أو قبول "الظن" واعتباره "حسن عقلا" (ص 94 ج2) وإقامة ذلك على أن
أهل العصر تقبلوا ما أخبرهم به رسل رسول الله من غير أن يعلموا جواز ذلك
بنص شرعى متواتر قطعى، ومن غير أن يستقبح ذلك منهم أحد ولا يختلفوا
ويتناظروا فى ذلك فثبت بهذا أن العمل بالظن حسن عقلاً وأن العمل به لم يزل
بين المسلمين ظاهراً قديماً وحديثاً ولا يخص من ذلك إلا ما خصه الدليل
الشرعي (ص 94 ج2)، وكذلك أن معنى القرآن الكريم منقسم إلى معلوم ومظنون
وإننا متعبدون بهما معاً، وكل منهما مما جاءنا من عند الله تعالى .
وكتاب الروض الباسم –
رغم ملاحظاتنا عليه –
من أفضل الكتب التى الفت دفاعاً عن السُنة بالطريقة القديمة التى كانت
شائعة بين الفقهاء والمحدثين وقتئذ وكان فيما يبدو لابد وأن يأخذ بهذا
المنهج لأنه كتب رداً على اعتراضات تقوم عليه وتأخذ به .
والكتاب الثانى هو كتاب السنة للشيخ السباعى
–
خاصة الطبعة الثانية –
هو من خير –
أن لم يكن خير –
ما أصدره المعاصرون دفاعاً عن السُنة. وللرجل تاريخه ومكانته، وإحكامه وهو
يلتهب غيرة على السُنة بحيث أنه فى مقدمه الكتاب أنتقد الذين انخدعوا
بكتابات المستشرقين وأولهم أحمد أمين صاحب "فجر الإسلام" وثانيهم الدكتور
على حسن عبد القادر الذى كان أستاذه فى كلية الشريعة بالقاهرة .
وثالثهم أبو ريه.. الذى صب عليه جام غضبه، وعنى بتفنيد ما جاء بكتابه ولم
ينتظر حتى يناقش أقواله فى مكانها من الكتاب. بل تحدث عنها تفصيلاً فى
مقدمته وختم كتابه "لا يا عدو الله. سنطاردك بالحق حتى يرغم الحق أنفك" وهو
ما يصور حدة العداوة ..
وأتبع ذلك بتفنيد كل ما ادعاه الشيخ أبو ريه نقطة فنقطة مثل
¨
أن السنة الصحيحة ولو كانت صحيحة بحسب مقياسه فحسب
–
ليست دينا عاماً ُيلزم المسلمون باتباعه، وأن الدين العام هو ما جاء فى
القرآن، لأنه متواتر، وفى السُنة العملية، لأنها من حيث العمل بها أصبحت
متواترة .
وما عدا ذلك –
وهى السُنة القولية –
فليس يلزم العمل بها، بل لكل إنسان أن يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء، ذلك لأن
تركها ليس بكفر، وما كان كذلك فكل مسلم فى سعة من العمل به أو هجره .
¨
أن الذين عنوا بالتشريع من أئمة الإسلام وفقهائه، لم يكونوا أهلاً لتمحيص
السُنة وبيان صحيحها من موضوعها، وأن الأدباء وعلماء الكلام من المعتزلة،
هم أهل لذلك، وحسبنا أن نحكى عنه رأيه هذا، للتدليل على حقيقة غيرته على
السُنة وورعه فى دين الله عز وجل !! .
¨
أن الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام وأئمة الحديث ثلاثة عشر قرناً كاملة
قد خدعوا بأبى هريرة رضى الله عنه، ولم يفطنوا إلى "تفاهة أمره" و "حقارة
منبته" و "جرأته فى الكذب إرضاءا للأمويين". إنهم لم يفطنوا لما فطن إليه
"أبو رية" فيا لسوء حظ المسلمين الذين حرموا من رأى "أبى رية" الصائب
وبصيرته النافذة خلال هذه القرون كلها .
ويا لسوء حظ الإسلام، إذ رزق خلال هذه العصور بأئمة وعلماء بلهاء
ومغفلين يعتمدون فى كتبهم وفقههم واجتهادهم على رجل "حقير، أكول، كذاب، كل
همه جمع المال وأكل الطعام".. كما يصفه أبو رية .
¨
أن السُنة بما دخلها من الوضع، وبما أدرجه رواة السُنة الموثوقون من كلامهم
فى فن الحديث، وما لحق الحديث من "شذوذ" و "اضطراب" و "رواية المعنى" وغير
ذلك جعل السُنة كلها فى موضع الشك والريبة فيها وفى مدوناتها الصحيحة، بحيث
لم تعد محلاً للثقة والاعتماد .
¨
أنه شكك فى كل الأحاديث والآثار الصحيحة التى تحدثت عن أشياء موجودة فى
الكتب التى بين أيدينا لليهود والنصارى، وأن ذلك دليل على أثر اليهودية أو
المسيحية فى الدس على الحديث .
¨
أنه –
بعد كل ما انتقده على السلف فى تقصيرهم فى تمحيص الحديث، وضع لنا قاعدة
لتلافى ذلك التقصير أو تلك "الغفلة" وهى عرض الحديث على "العقل الصريح" فما
وافقه قبله وإلا فلا .
وحكاية عرض الحديث على "العقل" حكاية قديمة نادى بها بعض المعتزلة وطبقها
فعلاً، فرفض كل حديث لا يرتضيه "عقله" .
ونادى المستشرقون حديثاً، وتابعهم فيها الأستاذ أحمد أمين رحمه
الله وضرب لذلك أمثله من الأحاديث الصحيحة وهى فى رأيه "غير مقبولة للعقل"
وناقشناه فى هذه الدعوى وفى الأمثلة التى ذكرها وأفردنا لمناقشته فصلاً
خاصا فى هذا الكتاب .
وهذه الدعوة تبدو مقبولة لدى كثير من "المثقفين" الذين يهتم بهم
كثيراً "أبو رية" ولكنها –
عند التدقيق –
لا تعنى شيئاً ولا تنتج شيئاً فى علوم الشريعة بل لا
تنتج إلا الفوضى فى قبول الأحاديث ورفضها .
واستبعد الشيخ السباعى دعوى العقل مع تقديره أن ليس فى
الإسلام ما يرفضه العقل ويحكم باستحالته، ولكن فيه
–
كما فى كل دين سماوى –
أمور قد "يستغربها" العقل ولا يستطيع أن يتصورها، كأمور النبوات والحشر
والنشر والجنة والنار. وشأن المسلم إذا سمع خبراً ما، أن يرفض ما يرفضه
العقل، ويتأنى فيما "يستغربه" حتى يتيقن من صدقه أو كذبه .
وطريقة التيقن (أو العلم) فى الإسلام أحد ثلاثة أمور :
1.
إما الخبر الصادق الذى يتيقن السامع من صدق مخبر، كأخبار الله فى كتبه
وأخبار الأنبياء .
2.
وإما التجربة والمشاهدة بعد التأكد من سلامة التجربة فيما يقع تحت التجربة
والاختبار .
3.
وإما حكم العقل فيما ليس فيه خبر صحيح ولا تجربة مشاهدة .
ونصوص الشريعة، ما كان منها من أصول العقيدة فلابد من العلم وهو "التيقن
الجازم المطابق للواقع عن دليل" كالإيمان بالله وصفاته، والنبوات
والأنبياء، والملائكة، والجنة والنار .
وما كان منها من فروع الشريعة (الأحكام العملية) فيكفى فيها الظن لأن
اشتراط العلم فيها غير متحقق فى كثير منها، وهذا مسلم به لدى الدارسين
للشريعة وعلومها .
والأحاديث التى صححها علماؤنا رحمهم الله ليس فيها ما يرفضه العقل أو يحيله
لأنها إما أن تتعلق بأمور العقيدة، وهذه يجب أن تتفق مع القرآن وقد قلنا
بأننا نقطع أن ليس فى القرآن شئ يحكم العقل بفساده أو بطلانه أو استحالته،
وإما أن تتعلق بالأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات وآداب وغيرها وليس فى
حديث من هذه الأحاديث التى صححها علماؤنا ما يرفضه العقل أو يحكم
باستحالته، وإما أن تكون أخباراً عن الأمم الماضية أو أخباراً عن عالم
الغيب مما لا يقع تحت النظر كشئون السموات والحشر والجنة والنار، وهذه ليس
فيها ما يحكم العقل ببطلانه، وقد يكون فيها ما لا يدركه العقل فيستغربه .
"فإذا جاءت عن طريق ثابت يفيد القطع فيجب اعتقادها وإن جاءت عن طريق يفيد
غلبة الظن فليس من شأن المسلم أن يبادر إلى تكذيبها" {من ص 30 إلى ص 36
باختصار} .
وضرب الدكتور السباعى مثالين رأى الشيخ أبو ريه مخالفتهما للعقل وهما :
أخرج مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله
r
أن فى "الجنة لشجرة يسير الراكب فى ظلها مائة سنة" .
والحديث الآخر ما رواه البخارى ومسلم .
"تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة:
مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله تعالى للجنة أنت رحمتى
أرحم بك من أشاء من عبادى، وقال للنار: إنما أنت أعذب بك من أشاء من عبادى،
ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فتقول:
قط. فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض" .
ودافع الدكتور السباعي دفاعاً طويلاً عن الحديثين .
ونحن نقول إن دفاع الدكتور السباعي عن هذين الحديثين مما لا يُستساغ .
إن علامات الوضع تكاد تنطق فى الحديث الأول وإن دلالات الوضع فى الثانى مما
لا تحتاج إلى إيضاح.. وهناك فرق كبير بين ما جاء فى القرآن الكريم عن يد
الله وعن كلام السموات والأرض الخ.. فالقرآن فى أسلوبه الفنى الرفيع يستخدم
المجاز لأنه الوسيلة لتحقيق الإعجاز. ولأنه لا يمكن تصوير القدرة الإلهية
إلا عبره. ومن هنا فلا يجوز قياس حديث أبى هريرة على القرآن لأن الحديث سرد
بعيد عن المجاز ومن ثم يحتمل التجسيم ويوحى به
–
تعالى الله عنه .
وإشارة الدكتور السباعى عن تفرقة بين "الاستغراب" والاستحالة أمر حقيقى،
ولكن التفرقة ليست حاسمة، والاستمرار فى قبول أقاويل تثير الاستغراب يمكن
أن تصل فى النهاية إلى قبول الاستحالة خاصة إذا تعلق الأمر بشئون الغيب أو
بالقدرة الإلهية. وبالنسبة للقدرة الإلهية فلا معنى للحديث عن العقل
ومقاييسه بالكلية، ولكن الله تعالى، فضلاً منه ونعمه، لكى يحقق التواؤم
الذى أراده للمجتمع البشرى وضع نواميس ومبادئ وأصول يقوم عليها هذا
المجتمع. وأقرها وأجرى عليها العمل فقال:
]لا
يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[
وقال:
]ذلك
بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[
وقال:
]ولن
يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها[
وحرم على نفسه الظلم وجعله محرماً بين الناس ودعا إلى التفكير والتدبير الخ
...
وهذا هو ما يجب أن يؤمن به المسلم وما يعطيه حصانة من تقبل الخرافات
والخزعبلات والأحاديث الموضوعة بدعوى عدم استحالتها مع العقل، أو مع القدرة
الإلهية .
وأى انصراف عن هذا يكون مخالفة لما وضعه الله، واطراح لما فرض علينا
الالتزام به، يعاقب عليه المسلم، لا أن يثاب، لأنه وأن اندفع لفرط الإيمان
والتسليم والتصديق فإنه يعرض نفسه للخضوع لمختلف المؤثرات الذاتية البعيدة
عن الحق، وعن الأصول التى وضعها الله .
والحديثان يتناولان أموراً من الغيب ولا يقدمان طائلاً أو أمراً مفيداً
وواضح تماماً أنهما قريبان من مواعظ القصاص بقدر ما هما بعيدان عن حديث
الرسول، وليس هناك أى مبرر للدفاع عنهما أو تقبلهما إلا أنهما جاءا فى
الصحيحين كأن البخارى ومسلم معصومان وكأن الصحيحين منزلان، ولا يقول بهذا
ألا أسرى الإسناد ومن تحكمت فى عقولهم ربقة التقليد والاتباع .
وفى قضية عدالة الصحابة لاذ الشيخ السباعى بالرأى المقرر وأورد ما قاله
الحافظ الذهبى "فأما الصحابة رضى الله عنهم فبساطهم مطوى وأن جرى ما جرى إذ
على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين لله تعالى" وأورد كلمة ابن
كثير "والصحابة كلهم عدول عند أهل السُنة والجماعة ثم قال وقول المعتزلة
الصحابة عدول إلا من قاتل عليا قول باطل مردود.. ثم قال "وأما طوائف
الروافض وجهلهم وقلة عقلهم ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابياً
وسموهم، فهو من الهذيان بلا دليل" .
وأما عن معايير الضبط والجرح والتعديل، فقد أورد الشيخ السباعى ما حرره
المحدثون فى ذلك وما وضعوه من ضمانات عديدة. ولكن القضية أن هذه الضمانات
لم تتبع على ما سنذكره فى فصل "من التشدد إلى الترخص" وحتى لو أتبعت فإنها
لم تكن موضوعية تماماً .
وأيد الشيخ السباعى الأخذ بحديث الآحاد واستشهد بما كتبه الشافعى، ورد
مزاعم المستشرقين .
وعند الحديث عن كثرة الأحاديث.. ستمائة ألف وسبعمائة ألف الخ..
قال إنها تضم الحديث مروياً من عدة طرق. "وقد كان إبراهيم بن سعيد الجوهري
يقول كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم" وأقوال الصحابة
والتابعين فلا يستغرب أن يصل إلى مئات الألوف .
جميل.. ولكن لماذا استبعد المحدثون هذا الكم الهائل، ولم يبق من مئات
الألوف
إلا عشرات الألوف، إلا إذا كانت البقية العظمى فيها من العلل سواء
كان وضعاً أو غيره
–
ما يجعل المحدثين يرفضونها. خلال المائتى سنة الأولى من الهجرة .
وقد أعاد الأستاذ أحمد أمين كثرة الحديث إلى أن الناس كانت تعطى الحديث
أهمية وأن أحكام الحلال والحرام إذا كانت مؤسسة على مجرد الاجتهاد لم يكن
لها قيمة ما أسس على الحديث .
ولم ينقد الشيخ السباعى من ذلك إلا شبهة أن يوجد اجتهاد دون حديث لأن من
قواعد الأئمة أن الاجتهاد فى مقابلة النص لا يجوز. فكأنه أثبت كلام الأستاذ
أحمد أمين بدليل جديد .
|