يؤمن
المؤلف أن الله تعالى أوكل إلى الرسول مهمة البلاغ، وبيان هذا البلاغ،
وأثبت هذا وأوجبته آيات عديدة صريحة .
ولكنه يتساءل لماذا وجب أن يكون هناك بيان بجانب البلاغ .
الرد الفقهى التقليدى هو أن فى القرآن مجملاً يحتاج إلى بيان.. ووجود
المجمل أمر واضح لكل من يتصفح القرآن ولكن بعض الفقهاء، على وجه التعيين
داود الظاهرى، أنكر وجوده فى القرآن على أساس "إنه إذا لم يرد منه الإفهام
فهو عبث غير جائز على الله، وأن أريد به الإفهام فإن لم يقترن به ما يوجب
الإفهام كان ذلك تكليفاً بالمحال وأن أقترن ببيانه ما يوجب الإفهام كان ذلك
تطويلاً بلا فائدة، فالتنصيص عليه أسهل وأدخل فى الفصاحة من ذكره باللفظ
المجمل ثم بيان المجمل" .
وهذا كلام منطقى رائق لا يمكن المشادة فيه إذا كانت القضية قضية منطق صورى،
ولم يجد الإمام الرازى ما يرد عليه سوى "إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما
يريد" ! .
والرد الحقيقى أن القرآن الكريم لا يحكمه المنطق الصورى والشكلى والرياضى.
فلهذا المنطق حدوده وقصوره، والقرآن أعظم من ذلك، وهناك أبعاد واعتبارات
سنلم ببعضها أوجبت وجود المجمل .
فمن ذلك مثلاً أن أسلوب القرآن قد يؤثر الإجمال على البيان. المجاز على
الحقيقة. وقد يتبع نسقاً فى التقديم والتأخير ونحت صياغة الكلمة بما يحقق
التواؤم والنظم الموسيقى، لأن القرآن يريد للبلاغ أن يصل إلى القلب. وأن
يلمس الأوتار الوجدانية فإذا كان ذلك يتطلب الأجمال، أو المجاز الخ.. فإن
القرآن يأخذ به. وقد يرى القرآن أن النص عدداً، والتحديد كيفاً يميع
الصياغة، ويذهب بفنَّية التصوير ويهبط بدرجة النفاذ إلى القلب، فلا يلجأ
إليه وهذا مبرر وجيه للجوء إلى المجمل .
ولكنه مع هذا لا يكفى ..
ذلك أن القرآن ما كان ليعجز عن أن يجمع بين البلاغة والتفصيل وقد حدد لنا
بأسلوب سائغ يتسق مع مستواه الفنى تحديداً دقيقاً شروط كتابة الدين فى أطول
آية من آيات القرآن، ولم يكن ليعجز عن أن يحدد لنا عدد الصلوات وكيفيه ونسب
الزكاة وطريقة دفعها وشعائر الحج وطقوسه ومتى تؤدى الخ ..
وكيف يعجز وهو من لدن الله القدير على كل شيء ..
لابد إذن من حكمة توخاها القرآن من عدم ذكر التفاصيل. والحكمة التى تبدو
لنا هى أن القرآن لم يرد أن يربط الكليات الملزمة، والباقية أبداً من صلاة
وزكاة أو صيام أو حج أو شورى الخ.. بصورة محددة يمكن أن تكون قيداً على هذه
الثوابت، أو عنتاً، أو تحدث عجزاً عن التلائم مع الأوضاع المتغيرة الخ ..