قضية الفقه الجديد _ ملخص الجزء الثالث_ألباب الأول 1

 

الباب الأول منطلقات ومفاهيم

الفصل الأول "المستويات الثلاثة لمرجعية الفقه"

 الفصل الثاني الفقه الإسلامي بين المصلحة والمقاصد  والارتفاقات ..

 

 


 

 ملخص الجزء الثالث من كتاب

نحو فقه جديد

 


 

يضم الجزء الثالث بابين كبيرين الأول "منطلقات ومفاهيم" والثانى "أصول الشريعة"، وكل منهما يضم أربعة فصول ..

 

 


 

الباب الأول

منطلقات ومفاهيم

 

الفصل الأول

"المستويات الثلاثة لمرجعية الفقه"

 


 

الفكرة الرئيسية فيه هى أن هناك ثلاثة مستويات للفقه الإسلامى.. الأول هو القرآن، والثانى هو الرسول، والثالث هو الفقهاء

وكل مستوى من هذه المستويات متميز، ومع أن المستوى الأول والثانى متقاربان فإن المستوى الثالث، مستوى الفقهاء، يختلف اختلافاً كبيراً يصل فى بعض الحالات إلى التناقض مع المستويين الأول والثانى. ويوجه الفصل النظر إلى أن الفقه المطبق حالياً فى العالم الإسلامى هو فقه المستوى الثالث فقه الفقهاء .

ولكى يدلل المؤلف على صحة مقولته تلك فإنه أجرى مقارنه بين مواقف المستويات الثـلاثة من خمس قضايا هامة هى :

 (أ) الإيمان بالله. (ب) حرية الاعتقاد. (ج) العدل سياسياً واقتصادياً. (د) المرأة. (هـ) الرقيق.

وتحدث الفصل فى المستوى الأول القرآن عن موقفه تجاه هذه القضاياً فرأى أنه بالنسبة للإيمان بالله فإن القرآن الكريم قدم الصورة المثلى للإيمان بالله لأنه جعل المدخل إليه هو "الخلق" فإنما ينشأ الإيمان بالله عندما يتدبر الإنسان هذا الكون المحيط به، ما فيه من غرائب وعجائب لا تحصى من نجوم وكواكب، وإنسان وحيوان، وبحار وأنهار، وسهول وجبال وليل ونهار وشعوب تختلف ألوانها وألسنتها،

وكل هذا يتسم بدرجة عالية من الجمال والإحكام ويسير فى إطار لا يتعداه ]وكل فى فلك يسبحون[ فهل وجد هذا الكون عبثا؟ هل أوجدته المصادفة الشرود، هل وُهبت العقل والدقة والضبط وأنا لها هذا وهى كصدفة لا عقل لها ؟ هل أوجده التطور وهل لهذا التطور عقلاً وغائية يسلك بها فى مراحله ليصل بها إلى هذه النتيجة؟.. أو أن هؤلاء الناس بتعبير القرآن المعجز ]خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون[ هذا المنطق الذى يتلاقى فيه القلب والعقل هو الذى يؤدى فى النهاية إلى الإيمان بالله .

فإذا انتهى القلب والعقل معاً إلى الإيمان بالخالق فإن القرآن يضع سلباً وإيجاباً ما ينبغى لهذا الخالق العظيم، وما لا ينبغى له، فهو لابد، وبالضرورة أن يكون الأصل فى القوة والحكمة التى تمكن بها من إبداع وخلق هذا الكون العظيم وضبطه هذا الضبط الدقيق. فالقوة والحكمة صفتان لازمتان له، وكما أنه، وقد خلق كل هذه المخلوقات لابد أنه يعلم بكل دقيقة من دقائقها، ويرى ويسمع كل ما تلفظ به أو تحدثه من أصوات، وما يختلج فى أعماقها لأنها وإن كانت خافيه فلن تخفى على خالقها وجابلها،

ولا يتصور فى مثل هذه الإله موت أو فناء أو نقص، أما شكل هذا الإله، وذاته وطبيعته والطريقة التى يعمل بها فهذا أمر يعجز العقل البشرى عن إدراكه، لأن العقل البشرى له حدود فى الإدراك محصورة فى عالمه، كما أن طبيعة جسمه محكومة بطبيعة الأرض التى يعيش عليها، وما فيها من ماء وهواء يكفل له الحياة وتختلف عن طبيعة الأسماك أو الطيور

والإنسان عقلاً وجسماً جزء صغير من الكون العظيم الممتد ملايين السنوات الضوئية، وليس هو إلا مجلي لقدرة الله.. وليس عجز العقل البشرى عن إدراك كنه الله تعالى وطبيعته وذاته بالأمر المستغرب، بل هو الأمر الطبيعي، فلا يدرك مستوى الألوهية إلا ما يوازيه، وهو ما لا يتيسر للإنسان، ولا لأي مخلوق آخر، وما ينفرد به الله تعالى، وعقل الإنسان هو أول من يدرك هذا، لأن أى تصور آخر يخالف طبائع الأشياء ولهذا اكتفى القرآن بإشارات محددة، ولكنها جازمة

]ليس كمثله شئ[ ـ]لا تدركه الأبصار[ ـ]قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد[ كما يبرز القرآن أن الله تعالى له "الأسماء الحسنى"، والقرآن كثيراً ما يعنى بتعبير الأسماء "مفاتيح" أو مصادر، كما فى ]وعلم آدم الأسماء كلها[ فالأسماء الحسنى هى أصول القيم كالرحمة، والعدل، والقوة والعلم، والإرادة والحرية، ويرتبط الإيمان بالله فى نفوس المؤمنين بالإيمان بهذه القيم التى تسمو بالنفس وقد يلحظ أن بعض هذه القيم تمثل القوة المطلقة والجبروت وهو أمر مطلوب لأن من النفوس الإنسانية ما لا يخشع أو يخضع أو يتأثر إلا بها .

وبالنسبة لحرية الاعتقاد فقد قرر القرآن حرية الاعتقاد بصورة يمكن أن نضعها تحت خمسة عناوين هى :

أ.              إن الإيمان والكفر قضية لا تهم إلا صاحبها، بمعنى أنها ليست من قضايا النظام العام وبالتالى فلا تدخل ولا إكراه عليها من أى جهة .

‌ب.            إن الرسل ليسوا إلا مبشرين ومبلغين وليس لهم سلطة لإكراه أو جبر.

‌ج.            إن الهداية إنما هى من الله وطبقاً لمشيئته وأن الأنبياء أنفسهم لا يملكون وحدهم هداية الناس .

‌د.             إن الاختلاف والتعدد بين البشر مما أراده الله، ومما يفصل فيه يوم القيامة، وإن الإسلام يؤمن بالرسالات السابقة .

هـ.             إنه لا يوجد حد دنيوى على الردة (19)

.

وبالنسبة للعدل فقد لا يكون فى القرآن ما يماثل الحملة الشعواء التى شنها على الطغاة والظالمين، والأمر بالعدل، وكذلك إشارته المتكررة إلى المترفين الذين يفسقون فى البلاد ويكون ذلك إيذاناً بنهايتها .

والملوك الذين ]إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة[ وبالنسبة للعدل فى الاقتصاد فقد أمر بالزكاة وقرنها بالصلاة وحث على الاتفاق وحرم الربا والاكتناز وندد بالبخل والشح ..

إن تكرار وتعميق التنديد بالطغاة والمترفين والتعاطف مع المستضعفين والمحرومين، ودفعهم للثورة على ظالميهم معلم رئيسى من معالم السياسة القرآنية، وليس هو إشارة عابرة، أو ذكر طارئ، لأن وجود الطغيان سياسياً أو مادياً يتنافى مع فكرة العدل والتوحيد الإسلامية إذ يشرك مع الله أرباباً يحكمون بإرادتهم، ومن هنا تتلاقى الثورة على الطغيان السياسى الاقتصادى مع الدعوة إلى توحيد الله والقضاء على كل الأرباب دونه"

]قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بإنا مسلمون[.ـ {آل عمران 64} .

وهناك روافد أخرى تصب فى التيار نفسه، ولا تقل عنه قوه كالدعوة إلى المساواة، واستبعاد فوارق النسب والجاه وإعلاء قيمة العمل ]إن أكرمكم عند الله أتقاكم[... فهذه كلها تتلاقى مع خطة العدل الرئيسية فى الأديان عامة، والإسلام خاصة .

وبالنسبة للمرأة، فإن دور القرآن كان دوراً ثورياً فقد كان عليه أن يقضى على فكرة الجاهلية عن المرأة التي كانت تحرم المرأة من الحرية، والحقوق وتجعلها أشبه بالمتاع الذي يورث فضلاً عن عادة الوأد المقيتة، ثم كان عليه بعد هذا أن يفسح لها مجالاً فى المجتمع الإسلامي الذي جاء به القرآن، وأي شيء أكثر دلالة وبلاغة فى نقد الرؤية الجاهلية للمرأة من ]وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ألا ساء ما يحكمون[. ـ{59 النحل}. ]وإذا المؤودة سئلت بأى ذنب قتلت[. ـ{90 التكوير} .

وأى شئ أكثر صراحة فى المساواة ما بينها وبين الرجل من: ]والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم[.ـ {71 التوبة}. أو ]ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة[.ـ {228 البقرة} .

أو ]يا أيها الناس آنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم. إن الله عليم خبير[. ـ{13 الحجرات} .

أو ]فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض، فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله. والله عنده حسن الثواب[. ـ{195 آل عمران} .

فأنظر إلى دلالة ]بعضهم أولياء بعض[ـ فى الآية {71 من سورة التوبة} وأنظر فى تعبير ]عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" نجد القرآن يجعل بين المؤمنين والمؤمنات علاقة ولاية تضم الصداقة والأخوة والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر[ـ كما أن تعبير ]بعضكم من بعض[ فى الآية ـ{195 من سورة آل عمران} تعطى معنى العلاقة الوثيقة وتحول دون أى تفرقة .

وحرم القرآن الكريم صور الإيذاء التي كان العرب يمارسونها ضد المرأة من أكل أموالها، وميراثها وعضلها وجعلها كالمعلقة، وجعل الزواج ]مودة ورحمة[ بين الزوجين ووضع آيات عديدة تكفل حق المرأة عند الطلاق تجاهلها الفقه عند وضع قواعد عن الطلاق ..

وبالنسبة لقضية الرقيق فإن القرآن وضع، منذ 1400 عام مبدأً رئيسياً جعل الباب الوحيد للرق هو أسرى الحرب مع جيوش غير مؤمنة، باعتباره (أى الرق) أفضل من البديل الوحيد الآخر، ألا وهو القتل فى المعركة .

وبالنسبة للتعامل مع ما يأتي من هذا الباب الوحيد أى (الأسرى)، فإنه وضع مبدأ يمكن أن يعد من مفاخر التشريع، ومن مفاخر الصياغة اللغوية التى تصور الحكم البات الشامل فى أربع كلمات هي ]فإما منا بعد، وإما فداء[ أى أن الأسرى يجب التصرف فيهم بإطلاق سراحهم من باب المن والفضل والإحسان الخ.. أو بقبول فدية لقاء إطلاق سراحهم .

ولما كان القرآن يعلم أن من العسير تطبيق هذا المبدأ فوراً، أو فى مجتمعات تعتمد على عمل الرقيق، وأنه لابد من تطور ضخم مثل الثورة الصناعية التى أوجدت الآلات الحديثة والطاقة المحركة (أولاً من البخار) حتى يمكن تحرير الأرقاء لأن دورهم فى الإنتاج قد نسخ بظهور الآلة، بحيث أصبحوا عبئاً على الإنتاج.

نقول لما كان القرآن يعرف هذا فإنه عمل لتفريغ الرق من سوءاته كإساءة المعاملة، كما أوجب تحرير الأرقاء ككفارة عن كثير من الذنوب مثل القتل، والإفطار والحنث والظهار الخ.. وغير ذلك وفرض على السادة الاستجابة للذين يريدون "المكاتبة" من مواليهم أى الذين يتعاقدون معهم على أداء مبلغ من المال نظير عتقهم وتحريرهم .

وينتقل الفصل إلى مستوى الرسول فيجده مماثلاً لموقف القرآن ففى الإيمان بالله وجه الرسول المسلمين للنظر فى خلق الله وليس فى ذات الله وبالنسبة لحرية الاعتقاد فإن النبي بمجرد دخوله المدينة أعتبر اليهود "أمه مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم" ولم يبطش بالمنافقين الذين أسروا الكفر وأظهروا الإيمان وقاموا بالكيد للإسلام، بل أنه صلى على كبيرهم "بن أبى" عندما مات رغم أن القرآن كشف خبيئتهم وقال ]إن الذين أمنوا ثم كفروا، ثم أمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً[، وقد أرتد فى حياته بعض المسلمين أفراداً وجماعات، وبعضهم كان ارتداده مرات لا مره واحدة فما قتل أو استتاب أحداً منهم .

ويتفق المسلك النبوي بالنسبة للعدل قولاً وعملاً مع مسلك القرآن الكريم فى قضية العدل: فلم يقتن الرسول مالاً، ولم يتأثل متاعاً، وكانت الأيـام تمر قبل أن يوقد نار فى بيت من بيوته وعاش حياته كلها كفافاً، ولم يستطع النوم عندما كان تحت وسادته بضعة دراهم! ومات ودرعه مرهونة عند يهودى ..

وطبق العدل الصارم على المسلمين جميعاً، وعلى نفسه وغضب عندما قال له أعرابى "أعدل" لأن الرسول إنما أرسل للعدل، وهذه الكلمة توحى كأنما لم يطبق رسالته ومن ثم غضبه وقال "ومن يعدل.. إذا لم أعدل"

ولم ير رسول الله أن لزوجاته ولبناته أو أسرته فضلاً على غيرهم، وأن المعول هو العمل "يا فاطمة أعملى فإنى لا أغنى لك من الله شيئاً"، "لو أن فاطمة سرقت لقطع محمد يدها" .

وقيد الرسول حكمه بالشورى، وكان أكثر الناس استشارة كما يتضح من استشارته لأصحابه فى قضية شديدة الخصوصية هى "الإفك" وقال لأبى بكر وعمر لو اتفقتما فى أمر ما خالفتكما، وكره أن يعظمه المسلمون كما يعظم الملوك فيمثلوا وقوفا وقال لامرأة هابته "هوني عليكى فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد" .

ووجه الرسول المسلمين للثورة على الطغاة، واعتبر أن سيد الشهداء حمزة، ورجل أمر ونهى طاغية فقتله وحذر من الاستسلام للطغاة وقال "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه"، وقال "كلا والله لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعنكم كما لعنهم" (بنى إسرائيل) .

كذلك طبق الرسول بقدر ما سمحت به الأوضاع توجيه القرآن بالنسبة للمرأة، ومن ذا يستطيع أن يقول كما قال "الجنة تحت أقدام الأمهات

  ورد الذي جاءه ليشارك فى الغزو عندما سأله "هل لك من أم" فقال نعم قال "فألزمها فإن الجنة عند قدميها" .

وفضل الرسول البر بالأمهات على البر بالآباء وقال لمن سأله عن أحق الناس بحسن الصحبة قال أمك فلما قال ثم من قال أمك فلما قال للمرة الثالثة ثم من قال أمك.. فلما قال أخيراً ثم من قال أبوك ..

وروى البراز أن رجلاً كان بالطوائف حاملاً أمه يطوف بها فسأل النبى هل أديت حقها: قال لا، ولا بزفرة واحدة، أى من زفرات الطلق والوضع الخ..

ومد واجب البر بالأم إلى الخالة "فعندما جاء رجل إلى النبى فقال إنى أذنبت فهل لى من توبة قال هل لك من أم قال لا قال فهل لك من خالة قال نعم قال فبرها .

وأوصى أسماء بنت أبى بكر أن تصل أمها المشركة وقتئذ عندما قدمت عليها .

وكان يقدر المرأة كزوجة، ويفهم ماذا تنتظر الزوجة من زوجها، بحيث لا يخجل من التصريح بحبها، كما كان يفعل على الملأ عندما يسأل عن أحب الناس إليه فيقول "عائشة" وكيف يشاركها الهموم والمسرات والمداعبات، فيسابقها وتسابقه، ويتيح لها حقها من اللهو، فيقف لها لكى تشاهد لعب الحبشة، ولا يتحرك حتى "أكون أنا التى أنصرف فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" (عائشة فى البخارى والإمام أحمد) وكيف كان يتسامح مع بعض تصرفات زوجاته لأنه يعلم عمق غيرة المرأة على زوجها وما تحملها عليه.. بل إنه كان يبتغى مرضاة زوجاته إلى درجة عاتبه عليها القرآن ]يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك[ .

وكيف ظل إلى النهاية حافظاً لعهد خديجة مقراً بفضلها مرحباً بكل ما تأتيه من صديقاتها القدامى.. "إنها كانت تأتينا أيام خديجة.." .

وكان الرسول صلباً وقاطعاً فى أن لا تتزوج المرأة إلا بإذنها بكراً أو ثيباً، وحفظت لنا المراجع حالات رد فيها الرسول زيجات أرغمت فيها المرأة على الزواج بمن لا تهواه .

وثمة مثال يوضح مدى تقدير الرسول للمرأة كمواطن هو أن تجير المرأة مشركاً، فيقر ذلك. وقد حدث هذا فى حالتين أولاهما عندما أجارت أم هانى بنت أبى طالب أثنين من المشركين من أحمائها أراد أخوها على قتلهما والثانية عندما أجارت زينب بنت الرسول زوجها أبا العاص الذى كان لا يزال مشركا (20)

 وأعلنت ذلك بأعلى صوتها فى المسجد .

أما بالنسبة للرقيق فيكفى القول إن الرسول طبق توجيه القرآن بالنسبة لأسرى غزوة بدر وهوازن، وأنه اعتق كل مواليه وأورد الفصل أربع حالات تصور لنا مسلك الرسول تجاه بعض فئات الرقيق هى :

‌أ.   جارية أبناء مقرن، وكانوا ثمانية وليس لهم سواها، وصفعها أحدهم على وجهها فغضب الرسول وقال "اعتقوها" فقالوا يا رسول الله ليس لنا خادم سواها فأمر بالإبقاء عليها حتى يتيسر لهم غيرها وعليهم عتقها .

‌ب.  وهناك حالة الصحابى أبو مسعود الذى كان يضرب عبده فقال له الرسول أعلم أبا مسعود أن الله أقوى عليك مما أنت على هذا الغلام.. فقال هو حر لوجه الله .

ج. وكان لعبد الله بن رواحه جارية تتعاهد غنمه وأنه أمرها أن تتعاهد شاة، فتعاهدتها حتى سمنت الشاة، واشتغلت الراعية ببعض الغنم، فجاء الذئب فاختلس الشاة، وعلم عبد الله بن رواحه بذلك فلطم الراعية ثم ندم على ذلك وأخبر النبى r، فاشتد بالنبى الغضب حتى أحمر وجهه وهاب أصحابه أن يكلموه وقال عليه الصلاة والسلام وما عسى الصبية أن تفعل بالذئب ووجه الحديث لعبد الله بن رواحه ضربت وجه مؤمنة فقال إنها سوداء لا علم لها فأرسل إليها النبى r فسألها أين الله فقالت فى السماء قال فمن أنا قالت رسول الله قال إنها مؤمنة فاعتقها .

د.  جاء رجل إلى النبى r فقال يا رسول الله إن لى مملوكين يكذبوننى ويخونونى ويعصونى فأضربهم فكيف أنا منهم فقال له رسول الله r بحسبك ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم إن كان دون ذنوبهم كان فضلاً لك عليهم، وإن كان بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك. وإن كان فوق ذنوبهم أقتص لهم منك الفضل الذى بقى قبلك فجعل الرجل يبكى بين يدى رسول الله ويهتف فقال رسول الله r ما له ألم يقرأ كتاب الله ]ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين[ فقال الرجل يا رسول الله ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء أى عبيده وأنى أشهدك أنهم أحرار كلهم(21)

        وينتقل الفصل إلى المستوى الثالث وهو الفقهاء ويبرز الفرق الشاسع ما بين هذا المستوى والمستويين السابقين ويعيد ذلك إلى عوامل عديدة مثل صعوبات العمل قبل ظهور المطبعة وتيسير وسائل الاتصال ومثل سياسة الحكم التى كانت تضيق بحرية الفقهاء فى المعارضة وتشجعهم على حصر جهودهم فى مجال العبادات والشعائر ومثل التأثر بالمنطق الأرسطى الذى أعطى الفقه الإسلامى طابعاً شكلياً ثبوتياً بعيداً عن الحياة ومثل روح العصر الذى أطبق على الجميع، ولم يتحرر منه إلا ابن خلدون بالدرجة الأولى وابن رشد وأبو العلاء المعرى.. أما الفقهاء الآخرون البارزون مثل ابن تيميه وابن حزم والشوكانى فإن كل واحد منهما لم يتحرر تماماً من روح عصره فى بعض القضايا .

وينتقد الفصل طريقة الفقهاء فى عرض الإيمان بالله فيشير إلى مفاهيم علم الكلام السقيمة المتأثرة بالفلسفة اليونانية وظهور قضية الصفات والعدل والخلافات ما بين المذاهب الأربعة نفسها. أما بالنسبة لحرية الاعتقاد فإن الفقهاء قد صاغوا تعبير "من جحد معلوماً من الضرورة " وجعلوه مرتداً ويمكن دون مبالغة أن توجد مائة تهمة فى إطار "من جحد معلوماً من الدين بالضرورة " وظهرت دعوى إيقاع العقوبات على من يخل بشىء من العبادات وأولها الصلاة ..

أما بالنسبة للرقيق فقد كان مناقضاً لمسلك القرآن والرسول. فاعتبروا أن الرق "باق إلى يوم القيامة" لا يجوز نسخه أو القول بانتهائه ورأى أحدهم أن استرقاق المسلمين للأسرى أفضل من المن والفداء لأن فى استرقاقهم مصلحة راجحة لهم إن لم تكن مؤكدة.

ووجه هذه المصلحة أنهم بهذا الرق يتحولون من مجتمعهم الآسن الكافر إلى المجتمع الإسلامى النقى الطاهر مما يمكنهم من رؤية محاسن الإسلام وأثره فى النفوس، وقد يحملهم ذلك إلى اعتناق الإسلام عن رضى واختيار دون جبر أو إكراه ".. فيقول تحت عنوان (هل الاسترقاق خير من المن والمفاداة) ما نصه: "بينا الحكمة فى مشروعية الرق والاسترقاق، فهل يمكن أن يقال إن استرقاق الأسرى الكفار هو خير لهم من المن عليهم والمفاداة بهم؟ والجواب نعم، الرق خير من إطلاق سراحهم وردهم إلى بلدهم بالمن أو بالفداء، لأن فى استرقاقهم تمكينا لهم من العيش فى المجتمع، وفى هذا العيش فرصة طيبة تؤدى غالباً إلى اعتناق الإسلام، وفى هذا نعمة عظمى لا يعادلها إطلاق سراح الأسير إلى بلده .

وذهب آخر إلى أن "الرق مقرر لا يملك أحد رفعه" ورأى ابن تيميه أن "كل ما أباح قتل المقاتلة أباح سبى الذرية وهذا حكم عام فى العرب والعجم" .

ولاحظ الفصل ضحالة الوعى بالعدل لدى الفقهاء على نقيض ما يوحى به القرآن أو عمل به الرسول وأعاد ذلك إلى سيادة الغصب والاستيلاء على السلطة وأن الثورة على الحكام ليست ممكنة، ومن ثم فلا مناص من التسليم والطاعة خاصة وأن شبح "مفارقة الجماعة" الذى يؤدى إلى الفتن وسفك الدماء دون أن يحقق نجاحاً كان مسيطراً من أيام صفين وما تلاها ولاحظ الفصل أن السيئ فى الأمر هو تحويل الضرورة إلى فضيلة والأخذ بأحاديث لا تشك فى أنها موضوعة توجب طاعة الأمير "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك" وهو مسلك يخالف مخالفة تامة مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وأن سيد الشهداء حمزة ورجل عارض حاكماً ظالما فقتله .

وشك الفصل فى أن نظم الحكم كانت تجمع الزكاة وتوزعها فى مصارفها رغم أن الزكاة تماثل فى الأهمية الصلاة .

وبالنسبة للمرأة أعتبر الفقهاء أن صوتها عورة ومصافحتها "تنقض للوضوء" وحرموا عليها الصلاة جماعة، وتمسكوا بالحجاب مع تفضيل النقاب، وأن لا تخرج المرأة من دارها "وقرن فى بيوتكن" ونسخوا بحجة سد الذريعة كل الحقوق التى منحها الرسول للمرأة كما تشددوا فى مسائل الطهارة فحرموا "المانيكير" لأنه يحول دون وصول الماء إلى الأظافر، وشددوا فى الغسل وضرورة أن يصل الماء إلى منابت الشعر، وكل تجويف فى الجسم ولم تأخذهم رأفة فيما يقدم إليهم من أسئلة تنم عن حيرة ومعاناة النساء والفتاوى التى تعرضها الصحف اليوم لا تختلف عما كانت عليه من مئات السنين دون أقل تقدير لما يجد من تطورات، أو لاستلهام روح الشريعة وأصولها ومقاصدها. بل يصل التشدد درجة يترك فيها الحديث فى الغسل الذى أباح به الرسول للمرأة أن تحثى حثيات على رأسها دون أن تفك ضفيرتها، ويذكر فيها حديث "إن تحت كل شعرة جنابة" وضرورة وصول الماء إلى كل منابت الشعر، وجازف أخيراً أحد علماء مصر فأفتى بصحة الوضوء مع المانيكير عندما وجد أن الفتوى ببطلانه أدت بالنساء إلى ترك الوضوء والصلاة (22)

ولم نعد نسمع عن مشاركة للمرأة فى الحروب كما كان الأمر أيام الرسول ولا عن حضور المرأة فى المجتمع، أو عن امرأة تستوقف الخليفة لتعظه وتنصحه كما فعلت خوله مع عمر بن الخطاب أو ترد عليه فى المسجد علانية كما فعلت تلك المرأة المجهولة مع عمر أيضاً ولم نسمع عن عالمات مثل عائشة الخ..

وأصبح الزواج والطلاق لعبة الفقهاء المفضلة، فقد أجاز الفقهاء للأب أو الولى تزويج بنته دون إستئمارها أو حتى ضد رغبتها الصريحة بحجة أنه أدرى بمصلحتها أما الطلاق فقد أغفلت كل الآيات التى نص عليها القرآن صراحة لحماية حق المرأة وفى كتابنا "المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء" أوردنا صفحتين كاملتين للصيغ التى يمكن أن يقولها الرجل عند تطليقه لزوجته وأحكامها مثل "إذا قال لزوجته أنت طالق إلى شهر، أو أنت طالق فى يوم كذا أو إذا قال رجل امرأة فلان طالق فقال زوجها ثلاثاً. أو إذا قال إن كان حملك ذكراً فأنت طالقة طلقة، وإن كان أنثى فطلقتين فولدت ذكراً أو أنثى أو إذا قال زوجتى طالق وله زوجات الخ..

وأورد الفقيه الحنبلى بن رجب المتوفى سنة 795 هـ الذى يعد من أئمة المذهب، وأكثر فقهاً من الفقهاء المتأخرين فى كتابه "القواعد" صيغاً أخرى من صيغ الطلاق مثل "لو طلق واحدة من نسائه مبهمة، وإذا طلق واحدة من نسائه معينة ثم انسيها أو جهلها ابتداء، أو من قال إن كان هذا الطائر غرابا ففلانة طالق، وإن لم يكن ففلانة طالق فطار ولم يعرف ما كان، ولو رأى رجلاً طائراً فقال أحدهما إن كان غرابا فامرأتى طالق وقال الآخر إن لم يكن غراباً فامرأتى طالق، وإذا قال أنت طالق قبل موتى بشهر أو إذا قال لامرأته إن ولدت ذكراً فأنت طالق، وإن ولدت أنثى فأنت طالق وإذا قال إن كنت حاملاً فأنت طالق، وإذا قال أنت طالق ليلة القدر إذا قال لزوجاته الأربع أيتكن لم أطأها فصواحباتها طوالق الخ(23).

 

 


 

الفصل الثانى

 

الفقه الإسلامي بين المصلحة والمقاصد والارتفاقات

 


 

يبدأ الفصل بتعريف المصلحة، ويورد إشارات القرآن الكريم والحديث النبوى عنها بما يوحى بأن المصلحة هي مقصد الشارع ولكن الفقهاء وأن اعترفوا بذلك إلا أنهم أكدوا أن ما نص عليه الشارع هو المصلحة وعندما جوبهوا بمصالح لم ينص عليها الشارع أبدعوا فكرة المصالح المرسلة التى لم تكن محل إجماع من الأصوليين وأجمل الشيخ أبو زهرة موقف الفقهاء منها فى أربعة مواقف ..

أولها: ردها ما لم تستند إلى أصل ثابت، فإن استندت إلى أصل ثابت فهى القياس .

ثانيها: أنها تقبل ما دامت ملائمة لمقاصد الشارع، ولم تعارض أصلاً ثابتا. وأطلق المصالح الجائزة القبول من كل القيود ما عدا هذين القيدين .

ثالثها: قبول المصالح المرسلة إذا كانت قريبة من معانى الأصول الثابتة وإن لم تستند إلى أصل قائم بذاته .

رابعها: قول الغزالى: إن المصلحة المرسلة تقبل إن كانت ضرورية قطعية" .

وإزاء هذا الموقف المراوغ ظهر الفقيه الحنبلى نجم الدين الطوفى الذى نادى بأن المصلحة هى قصد الشارع، وأنه إذا تضمن أحد النصوص ما يخالف ذلك وجب تأويله لا من باب الافتيات عليه، ولكن بطريقة التأويل كما توؤل السُنة القرآن .

وسرد الكتاب المعارضة القديمة والحديثة لهذه الفكرة رغم أن الطوفى حصر نطاق دعوته فى المعاملات واستبعد العبادات منها باعتبارها وقفا على الشارع .

وأورد الكتاب إشارات الفقيه العز بن عبد السلام إلى المصلحة من كتابه "الفوائد فى اختصار المقاصد" .

وأمتدح الفصل كلامه عن المستويات الثلاثة التي تأخذها المصالح والمفاسد وهى الضروري والحاجى والتكميلي، وبعباراته "أحدهما ضرورى، والثانى حاجى، والثالث تكميلى فالضرورى الأخروى فى الطاعات: هو فعل الواجبات، وترك المحرمات والحاجى: هو السنن المؤكدات والشعائر الظاهرات والتكميلى ما عدا الشعائر من المندوبات .

والتكميلى منها: كأكل الطيبات، وشرب اللذيذات، والمساكن العاليات، والغرف الرفيعات، والقاعات الواسعات، والحاجى منها: ما توسط بين الضرورات والتكميلات" .

نقول إن التوصل إلى هذه المستويات وإقرارها هو من أهم نقط الإبداع فى الفقه الإسلامى والربط بينه وبين الحياة بأوضاعها. فهنا يطرح الفقه المماحكات الكلامية والنظرية وينزل إلى الواقع. والحياة وما تقتضيه من أوضاع، ويتعامل مع النفوس وما يتملكها من قوى ومشاعر وإرادات ورغبات .

وينتقل الفصل إلى الشاطبى الذى أبرز قضية "المقاصد" التى اعتبرت كليات الشريعة وتناقلها الفقهاء. الواحد تلو الآخر دون أن يكلف أى واحد منهم نفسه دراسة موضوعها .

فى حين أن نظرة عميقة واحدة تستعرضها دون حاجة لدراسة مستفيضة توضح لنا أنها صنفت تصنيفاً ساذجاً لم يلحظ فيه إلا التطابق مع بعض النصوص التى تضمن حثا أو زجراً تحريماً أو تحليلاً، فالمقصد الأول وهو "حماية الدين" لا يدخل فى أهداف الشريعة، على وجه التحديد، طبقاً لما ذهبنا إليه من تقسيم ما بين العقيدة والشريعة وأن لكل منهما دائرته الخاصة وطبيعته المميزة وطريقة التعامل معه(24)

 وقد قلنا أكثر من مرة أن حماية الدين أو الدعوة له ليست مما يدخل فى الشريعة ولكن فى العقيدة وبالتالى فإن طرق حماية العقيدة يجب أن تنبعث من الإيمان والاقتناع. بسلامة العقيدة، كما أن أداء الفروض الدينية من صلاة وصيام أو حج لا يمكن أن يحقق عن طريق الشريعة، وإنما يتحقق بوازع من إيمان الفرد، أما عقوبة "المبتدع" وقتل المرتد فهذه كلها لا تعتمد على أصل من القرآن والسُنة الثابتة وإنما هى من إبداع الفقهاء كما أنها لا تدخل فى حماية الدين فى شئ، بل هى تسئ إلى الدين إساءة بالغة بل وتفسد جوهر الإيمان الطوعى .

أما المقصد الثانى "حفظ النفس" فقد جاءت المعالجات له ساذجة كإباحة أنواع من الأطعمة وتحريم أنواع أخرى وتقرير القصاص وقلما يوردون تقديس القرآن والحديث للحياة الإنسانية واعتبار القتل إثما يعادل الشرك وتحريم كل أنواع المثلة والتعذيب الخ..

وتظهر ركاكة التقسيم فى "حفظ العقل" فإن المتقدمين لا يذكرون له إلا تحريم الخمر، كأن تحريم الخمر وحده هو الذى يحفظ العقل

بينما تنبه بعض الكتاب المحدثين إلى أهمية العلم والمعرفة، دون أن يوجبوا ذلك إيجاباً أو يقروا ما ينتهى إليه المقصد، فتعلم القراءة والكتابة لا يقل إيجاباً عن تحريم الخمر سلباً، ولما كان لتحريم الخمر عقوبة فكان يجب أن يكون للأمية عقوبة لا تقل عنه، أو من باب أولى لكان يجب اعتبار القضاء على الأمية من المقاصد التى يعمل لها الشرع

وتماثل ركاكة معالجة "حفظ العقل" ركاكة أخرى فى "حفظ النسل" إذ يذكرون إباحة النكاح وتحريم الزنا كما يذكرون فى "حفظ المال" ما وضعه الشرع من قواعد فى إباحة البيع وتحريم الربا دون محاولة تحديد مدى "الملكية" فى الإسلام وهل هى مطلقة، كما فى القانون الرومانى وكما تذهب إلى ذلك الرأسمالية أو أنها مقيدة، ومنزلة الإنفاق الذى حث عليه القرآن، ودلالته .

ويكاد يكون المقصد رأسمالياً فردياً إذ استهدف حفظ المال، وحفظ المال أحد مقاصد عديدة أخرى توخاها الشرع كأن يكون المال فى خدمة المجتمع، وأن يعد وسيلة لا غاية، بل إن الآيات القرآنية بصدد المال هى عن الإنفاق وليس الحفظ والتنديد بالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها الخ.. وشتان ما بين التوجيه القرآنى الذى يكشف عن الوظيفة الاجتماعية للمال والفكرة الفقهية عن حفظ المال لصاحبه .

وأشار الفصل إلى مساهمة شاه ولى الله الدهلوى التى أوردها فى كتابه "حجة الله البالغة" الذى وصفه بأنه من الفقهاء كابن خلدون فى علماء الاجتماع، تلك المساهمة التى أطلق عليها "الارتفاقات". وهو يعنى بها أن أوضاع الناس، وظروف معاشهم ومستويات حياتهم.. "ترتفق" على النص بحيث يوجد نوع من التفاعل ما بين الأوضاع، والنصوص وهذا الارتفاق ينبع من حقيقة كلية هى أن الله تعالى يعلم طبيعة الناس وما توسوس به نفوسهم، كما أنه هو الذى أرسل الرسل لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولهذا فإن التلاقى أو الارتفاق ما بين الأوضاع والنصوص ليس غريباً أو معارضاً. إنه فى الحقيقة نوع من التكامل يعود أصلاً إلى ما أراده الله تعالى من هداية للناس، وفى الوقت نفسه التيسير عليهم وعدم تكليفهم بما لا يطيقون، من أجل هذا فإن الرسول أخذ ببعض الأوضاع التى كانت فى الجاهلية لعدم مخالفتها، أو حتى لأنها تتفق مع الأصول التى جاء بها ورفض أوضاعاً أخرى لمخالفتها لهذه الأصول .

وقد ظن بعض الكتاب المحدثين أنهم توصلوا إلى اكتشاف مثير هو أن الإسلام أخذ ببعض النظم والأوضاع التى كانت موجودة لدى العرب قبله، وكلمة الدهلوى تظهر أن ليس فى هذا اكتشاف أو إثارة، لأنه أمر معروف ولا حساسية فيه، وقد ظل الفقهاء القدامى يقولون "شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يختلف عنا" ويعتبرون ذلك أحد أدلة ومصادر الأحكام .

وميز الدهلوى ما بين المصالح والشرائع وقسمها إلى قسمين الأول: علم المصالح والمفاسد والثانى علم الشرائع والحدود ويضم الأول تهذيب النفس، وتدبير المنزل، وآداب المعاش، وسياسة المدينة وانتظام أمر الناس، على أسس من اجتهاد الناس، ودرجة تأثرهم بأوضاعهم، ويمكن أن يطلق على هذا القسم الارتفاقات .

والثانى: هو علم الشرائع والحدود والفرائض، وهذه سن الشارع لها إمارات مضبوطة وأدار الحكم عليها وكلف الناس بها وضبط أنواع البر بتعيين الأركان والشروط التى يُعاد فيها إلى الشارع على أنه "ليس فى دين الله جزاف" فلا يتعلق الرضا، والسخط بأفعال إلا بسبب ومن أجل هذا جاءت مباحث "العلة" .

وأوضح الدهلوى أنه "يجب عند سياسة الأمة أن يجعل لكل شئ، من الطاعات حدان أعلى وأدنى فالأعلى هو ما يكون مفضياً إلى المقصود منه على الوجه الأتم، والأدنى هو ما يكون مفضيا إلى جملة من المقصود وليس بعدها شئ يعتد به .

وختم الفصل بتلخيص جاء فيه :

"كانت قضية المصلحة من أبرز القضايا فى الفقه وكانت المناط فى الأحكام حتى لو وجد اختلاف ما بينها وبين النص، لأن مثل هذا الاختلاف إذا وجد وهو احتمال ضئيل يكون خلافاً جزئياً يحكمه الأصل العام وهو أن الإسلام إنما أنزل لمصلحة الناس وللخلاص من الأصر والأغلال التى كانت عليهم فى شرائع سابقة، ولا يتفق مع هذا وجود عنت أو إحراج أو تكليف بما لا يطاق أو حتى يشق أداؤه. وتقدير ذلك متروك للنظر المستقيم الأمين دون تفريط أو إفراط .

وقد أعتبر الطوفى أن المصلحة هى أقوى ما تبُنى عليه الأحكام، وإذا وجد تعارض ما بينها وبين النص أعمل حكم المصلحة لا بالافتيات على النص، ولكن بتأويله .

وأعتبر العز بن عبد السلام أن الشريعة كلها إنما أريد بها جلب مصلحة ودرء مفسدة، وبالتالى فإنه لم يتصور احتمال قيام تعارض ما بين النص والمصلحة وهو الاحتمال الذى أورده الطوفى وأثار عليه ثائرة الفقهاء

وأبدع الشاطبى فكرة المقاصد، وهى أقل أصالة واستقلالية من فكرة المصلحة، ولهذا جاء تكييف هذه المقاصد ساذجاً كما لو كان تلفيقاً لتحقيق أوامر الشرع وليست معالجة موضوعية لما يفترض أن يكون وراءه هذه الأوامر من حكم واعتبارات .

وقدم شاه ولى الله الدهلوى إضافة عندما أبدع تعبير الارتفاقات التى يصور بها التعامل ما بين الأوضاع: أوضاع الناس، وأوضاع زمانهم، وما بين الشرع الذى يضع هذه الأوضاع فى تقديره مما جعله يعالج أصول الفقه من منظور اجتماع يعيد إلى الذهن منظور ابن خلدون فى معالجة قضية العمران والاجتماع .

وفى النهاية تظل كلمة المصلحة تحوك فى صدر الفقيه الأمين لاحتمال التباسها بالمنفعة التى تحُول الدين من رسالة مبدئية سامية إلى رسالة نفعية عملية، لا فرق بينها وبين ما دعا إليه "بنثام" ويحدث هذا رغم كل تحفظات "الطوفى" ولعل هذا هو الذى دفع الفقيه المغربى المجدد علال الفاسى لأن يجعل "مكارم الأخلاق" مقياس كل مصلحة عامة وكل مقصد من مقاصد الشريعة وبهذا يستبعد تلك الشبهة، وهذه النقطة هى سبب تسمية كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" .

ومع أن هذا ينقذنا إلى حد كبير من احتمالات اللبس ومخاطر الشُبَه، فإنه فى نظرنا لا يحل المشكلة وإنما تحل المشكلة حلاً يحقق الأصولية التى لا يمكن أن يعلق بها شائبة، والسلامة الموضوعية فى الوقت نفسه، عندما تصبح الشريعة تطبيقاً لمنظومة القيم الحاكمة فى القرآن الكريم أى القيم التى يمكن استمداد أحكام منها. وهذا هو ما سنعرض له بتفصيل فى القسم الثانى من هذا الجزء هو الخاص بأدلة أحكام الشريعة أو أصول الشريعة .

 

التالي

إتصل بنا

فهرس

إقرأ

دعوة الإحياء

 

    طباعة