الباب الثاني
أصول الشريعة
يوجه الباب الانتباه إلى أنه يقصد "أصول الشريعة" على وجه التعيين،
وبالمفهوم الذي ساقه فى الجزء الأول، وليس أصول الفقه .
الفصل الخامس
الأصل الأول العقل أولا ..
يبرر الفصل جعل
العقل المصدر الأول
بمبررين
الأول
أن العقل هو أداة فهم القرآن الكريم الذي يعد الأصل الأول للإسلام ..
ذلك أننا لكي نعُمل القرآن، لابد أولا أن نعمل عقولنا فى فهمه واستيعابه،
خاصة وإن أسلوب القرآن يمكن أن يوحى بأكثر من معنى، ويتطلب إعمالاً
وتمييزاً ومقارنة للآيات التى جاءت فى مختلف آياته، حتى نستوعب أحكامه..
وهذا
كما قلنا –ما يطلبه القرآن نفسه
)أفلا
يتدبرون القرآن، أم على قلوبهم أقفالها(
ـ{24
محمد}.
)والذين
إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً(ـ
{73 الفرقان} .
وهذا نفسه هو ما قام به المفسرون، فكل آية فى القرآن فسروها فى صفحات، وكل
حكم عللوه وضبطوه، وأحاديثهم عن الناسخ والمنسوخ فى القرآن تمثل أقصى جرأة
يمكن للفكر أن يصل إليها فى تعامله مع النصوص المقدسة، وهى جرأه لا نبيح
لأنفسنا –
ونحن دعاة العقل والفكر والحرية
–
أن نمارسها أو نقدم عليها –
كما قام اللغويون بدور كبير لإيضاح إجمال القرآن وبلاغته وإعجازه ورمزيته،
ولعلهم أيضاً فى بعض الحالات جاوزوا الحدود إلى درجة الافتيات عليه،
فهؤلاء، وأولئك لا يختلفون فى حقيقة الحال من ناحية المبدأ، والمدى عما
ذهبنا إليه، بل لعلهم جاوزوا المدى الذى نسمح لأنفسنا به. إن القوم لم
يترددوا فى إعمال عقولهم وأفكارهم لتفهم القرآن. وليس لهذا من معنى إلا سبق
العقل، وأنه الأداة التي لا يمكن الاستغناء عنها لفهم القرآن .
ومن قبل قال بهذا الشيعة من زيديه وجعفرية وقال به قبلهم الغزالي في "المستصفي"
وأعترف به –
إلي حد ما –
أهل السُنة والجماعة في شكل الاجتهاد أو القياس .
والمبرر الثاني
أن الحديث هو عن الشريعة وليس الفقه الذي يمكن أن يضم العقيدة، والشريعة
كما نوهنا في الجزء الأول، وأعدنا التنويه هنا. هي الدنيويات والعلاقات ما
بين الناس بعضهم بعض والمجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبهذا
التكييف فإن الشريعة لا تضم العقيدة .
وأنتقد الفصل انتقاداً مراً التقليد وقال :
لم يحدث أبداً أن اتفقت أمه على أن تعطي عقلها أجازة لألف عام.. تعيش
خلالها عالة على الأسلاف والأجداد.. فلنحمد الله أننا لا نزال نسير على
أقدامنا.. وكان يمكن أن نسعى على أربع ..
وقد عبر عنها الجاحظ منذ أكثر من ألف عام عندما قال عن المسلمين "أمة قد
أصبحت تحمل عقليه العوام ونفسية العبيد
وطبيعة القطيع
(29).
أمام مأساة بمثل هذا الحجم لا يعد من المبالغة في شيء أن نقول "العقل
أولاً" ..
ويبدأ الفصل بفقرة عن "خطأ جذري فى المعالجة "تدور حول أن الإيمان الديني
الذي يقوم على العقيدة مصدره بالدرجة الأولى الوحي ويخاطب القلب (ولا ينفى
هذا اتفاقه مع العقل) أما الشريعة وهى عالم العلاقات والدنيويات فإن الأصل
فيها لابد وأن يكون العقل. ولكن الفقه الإسلامي عكس الآية. فجعل أساس
الإيمان هو العقل عبر "علم الكلام" الذي يقوم على فلسفة يونانية. فجعل
الأصل فى الشريعة الوحي والنقل. ومن هذا الخطأ الجذري تفرعت أخطاء عديدة
أخرى .
وهذه الملاحظة توضح أن المؤلف لا يتعصب للعقل اعتباطا، وأنه يرى وجوب
التسليم للوحي فيما يتعلق بالعقيدة، ولكنه يضع العقل حيث يجب أن يوضع فى
الشريعة .
ويقرر
الفصل أن الفقهاء لم يتقبلوا أولوية العقل حتى فى الشريعة،
وأنهم أكدوا تبعية العقل للنقل فقال الشاطبي :
إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون
متبوعا ويتأخر العقل فيكون تابعاً فلا يسرح العقل فى مجال النظر إلا بقدر
ما يسرحه النقل والدليل على ذلك أمور الأول أنه لو جاز للعقل تخطى مأخذ
النقل لم يكن للحد الذي حدده النقل فائدة. لأن الفرض أنه حد له حدا فإذا
جاز تعديه صار الحد غير مفيد. وذلك فى الشريعة باطل. فما أدى إليه مثله.
الثاني ما تبين فى علم الكلام والأصول من أن العقل لا يحسن ولا يقبح. ولو
فرضناه متعديا لما حده الشرع. لكان محسنا ومقبحا. هذا خلف والثالث أنه لو
كان كذلك لجاز أبطال الشريعة بالعقل. وهذا محال باطل. وبيان ذلك. أن معنى
الشريعة أنها تحد للمكلفين حدوداً فى أفعالهم. وأقوالهم. واعتقاداتهم. وهو
جملة ما تضمنته. فإن جاز للعقل تعدى حد واحد. جاز له تعدى جميع الحدود. لأن
ما ثبت للشيء ثبت لمثله. وتعدى حد واحد هو معنى إبطاله. أي ليس هذا الحد
بصحيح. وإن جاز إبطال واحد. جاز إبطال السائر، وهذا لا يقول به أحد لظهور
محاله(30)
وجاء الدكتور عبد الحميد مدكور فى القرن الخامس عشر ليؤكد ما أورده الشاطبى
فى القرن الثامن قال "... الإجماع
–
وهو أقوى الأدلة بعد القرآن الكريم والسُنة مستند إلى النص الشرعي ولذلك
قال الجويني "ليس الإجماع فى نفسه دليلاً، بل العرف قاض باستناده إلى خبر"،
وقال ابن تيميه.
"فلا يوجد قط –
مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض
الناس.. فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسُنة.. ولا يوجد
مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص" ويترتب على هذا مسألة هامة يتميز
بها الإجماع الإسلامي عما سواه من صور الإجماع فى النظم السياسية
والدستورية الأخرى التي تجعل الأمة أو أغلبيتها مصدراً للسلطات، فالإجماع
–
فى الإسلام –
منبثق عن النص مستند إليه وليس من حقه أن يخالف نصا، أو يغير حكما، أو يرد
أمراً أو يحل حراما .
أما القياس –
عند القائلين به –
وهم الجمهور الأعظم من مجتهدي الأمة
–
فهو قائم على النص راجع إليه، وقد كان الآخذون به من الأصوليين حريصين على
توضيح هذا المعنى وتأكيده، موجهين النظر إلى أن العمل بالقياس
–
فى التوصل إلى الأحكام الشريعة فى النوازل التي لم ينزل فيها
–
بذاتها –
نص شرعي –
يعد أمراً شرعياً، وأنه –
من حيث الأخذ به أصلاً، ومن حيث الشروط اللازمة له، والمعتبرة فيه تطبيقاً
مستند إلى الدليل الشرعي لا يتخطاه ولا يتجاوزه
(31)
كما أورد الفصل كلمة للشهيد سيد قطب تؤكد أسبقية النقل على العقل
وقال المؤلف رداً على هذه الدعاوى :
إن هذا الكلام كله يمكن أن يكون له مكان لو أن الأمر هو العقيدة، التي يكون
للوحي فيها الدور الأكبر، ولكنه لا يصلح أبدا بالنسبة للشريعة التي يكون
للعقل فيها الدور الأكبر وهذا الاختلاف أمر مفهوم لاختلاف طبيعة العقيدة عن
طبيعة الشريعة الذي أشرنا إليه في مستهل النبذة .
وقد جاء الخطأ من عدم التفرقة والتمييز، فانسحب الكلام عليهما معاً. ولما
كنا فى هذا الباب نتحدث عن أصول "الشريعة" فإن كلام الفقهاء والأصوليين لا
يمكن الأخذ به، ولو كان الفصل عن "أصول العقيدة" لأخذنا به، ببعض التحفظات
.
وُيلحظ فى كلام الفقهاء القدماء والمحدثين عن العقل
ادعاءان رئيسيان
يدور عليهما حديثهم:
الأول
أن الله تعالى أعلم بالمصلحة من الإنسان. فقد يتوخى الإنسان المصلحة فلا
يصل إلا إلى المفسدة، وقد يتخبط وينتصر عليه فى النهاية الهوى، ولهذا
فالأصوب أن يلتمس الإنسان المصلحة من النص لا من العقل .
أما أن الله تعالى أعلم بالمصلحة، فهذا مالا يجادل فيه أحد، فأين معرفة
الإنسان من علم الله تعالى؟ ولكن القضية أن الله تعالى لا يريد للمؤمنين أن
يكونوا صما وعميانا، وقد وهبهم العقل الثمين لكي يستخدموه لا لكي يهملوه،
وشبه الذين لا يتدبرون بالأنعام
)بل
هم أضل أولئك هم الغافلون(
فلا مبرر لدعوى الفقهاء لأن تفكير المؤمن وإعماله لعقله لا يمس فى قليل أو
كثير معرفة الله تعالى التي هي بالتأكيد أعظم بمراحل ومراحل من أي عقل
إنساني، وإنما نطالب بإعمال العقل لأن الله تعالى أمر بهذا، ولأن هذا
الإعمال هو فى مجال لا يعجز عنه، بل إن الله تعالى جعله أداة للفصل فيه .
ولو فرضنا أن فى النص المصلحة الأفضل من إعمال العقل فإن إدراك النص وفهمه
يتطلب إعمال العقل ومن هنا فلا مفر، ولا مهرب من إعمال العقل وإلا وقعنا
ضحايا الخرافة. وقد أوردنا فى مستهل الفصل ضرورة الاجتهاد مع النص، وأن كل
نص يتطلب اجتهاداً لتفهمه وأن تفاوت الفقهاء فى تحديد المصلحة تبعاً لتفاوت
المعايير والضوابط الفقهية –
أو إلهام الفقهاء الخ... يجعل التعرف على المصلحة من العقل أجدى ..
والادعاء الثاني
الذي يتكرر فى كلام الفقهاء، ويتناقله الخلف عن السلف (كما جاء فى كلام
الشهيد سيد قطب) أن العقول نسبية وأن هناك "عقلي وعقلك" وهذه الدعوى تبسيط
مخل للموضوع فان تكون العقول نسبيه، ومختلفة، فإن هذا مما يثرى الموضوع
لأنه يكشف عن كافة جوانبه وليس هذا الموضوع هو "طبقك المفضل" الذي يخضع
للذوق الشخصي، ولكنه قضايا عامة يعالجها الكُتَّاب والعلماء والمفكرون
والفقهاء، كل يدلى بدلوه وكل يكشف عن جانب منها، وفى النهاية يتبلور الحل
الأمثل أو الحل الأقل سوءاً وتعرف جوانب القوه، والضعف وتنكشف المحاذير
والمزالق .
من هنا نفهم أن هذين الادعاءين ليس لهما كيان أو حقيقة تبرر وجودهما، ومع
هذا فإنهما متمكنان من الناس، وكانا من أكبر العوامل فى تثبيط الناس عن
إعمال عقولهم
.
وأورد الفصل شواهد لإيثار النقل على العقل منها مسألة تعليل
الأحكام.
فمع أن معظم الفقهاء يرون تعليل الأحكام إلا أن هناك مجموعة أخرى لا ترى
ذلك. وترى أن الأحكام لا تعلل ويدخل فيها ابن حزم. وكذلك المعتزلة. وهى
نقطة تثير العجب لأنهم يدعون أنصار العقل ولكنهم سمحوا لمماحكاتهم
اللاهوتية أن تضللهم فقالوا لا يجوز أن تعلل أفعال الله تعالى لأن من فعل
فعلاً لغرض، كان حصوله بالنسبة إليه أولى. سواء كان الفرق يعود إليه أم إلى
الغير وإذا كان كذلك يكون ناقصاً فى نفسه مستكملاً فى غيره ويتعالى الله
سبحانه وتعالى عن ذلك .
وهذه العبارة تصلح مثالاً للسفسطة اللفظية والصورية وكيف تستبعد الحكمة
الفطرية والعملية لافتراضات تتلبس بلبوس المنطق، وكيف أن هذا يطمس البدائه
التي تجمع عليها العقول .
واستشهد الفصل بكلام الشيخ محمد متولي الشعراوي فى حديث له قال :
"الحكمة فى كل أمر تكليفي لمن آمن به علته الأمر، فالمسلم يفعل كذا
لأن الله تعالى قال له "أفعل كذا، ولا يفعل كذا لأن الله قال له "لا
تفعل" وهل حكمة الأمر عند المأمور به أم عند الأمر؟ هل يعلم الطفل
الحكمة فى جرعة الدواء المرة حين تشفيه من مرضه. إنما الطبيب الذي وصفها له
هو الذي يعلم الحكمة فيها ومنها .
والمسلم يصوم لأن الله تعالى قال "صم" وحذار من تعليق الحكم على علته والذي
يصوم لأن صومه يشفيه من علته نقول له صومك ليس عباده، وليس ناشيءاً عن
إيمان إنما ذلك صوم بعلة الصوم وليس بالصوم نفسه إذن فالأصل فى المؤمن أن
يقبل الأمر من الله دون علة الأمر ولا يعلق عمله على هذه العلة حتى تكون
عبادته خالصة وصومه خالصاً لوجه الله تعالى .
وكدليل ثان على تبعية العقل للنقل تحدث عن "الموقف من القياس
والأدلة التكميلية واستشهد بما جاء فى إعلام الموقعين من أن الإمام أحمد
كان يأخذ بالمرسل والحديث الضعيف ويرجحه على القياس .
ويقول ابن القيم ..
"وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما
من أحد إلا وقدم الحديث الضعيف على القياس"
.
كما استشهد بالمعارضة الشديدة التى أبداها الإمام الشافعي للاستحسان وكيف
ذهب إلى إبطاله على الأسس الآتية كما لخصها الشيخ أبو زهرة .
الأول:
أن الشريعة نص وحمل على نص بالقياس. وما الاستحسان؟ أهو منهما أم غيرهما؟
فإن كان منهما فلا حاجة إلى ذكره، وإن كان خارجاً عنهما فمعنى ذلك أن الله
تعالى ترك أمرا من أمور الناس من غير حكم وذلك يناقض قوله تعالى:
)أيحسب
الإنسان أن يترك سدى(
فالاستحسان الذي لا يكون قياساً ولا إعمالاً لنص يناقض تلك الآية الكريمة .
الثاني:
أن الآيات الكثيرة تأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله، وتنهى عن اتباع
الهوى، وتأمرنا عند التنازع أن نرجع إلى كتاب الله تعالى، فالله سبحانه
وتعالى يقول:
)فإن
تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر(
والاستحسان ليس كتاباً ولا سُنة ولا رداً للكتاب والسُنة، إنما أمر غير ذلك
فهو يزيد عليهما، فلا يقبل إلا بدليل منهما على قبوله، ولا دليل عليه .
والثالث:
أن النبي
r
ما كان يفتى باستحسانه وهو الذي ما كان ينطق عن الهوى، فقد سئل عن الرجل
يقول لامرأته: أنت على كظهر أمي، فلم يفت باستحسانه، بل أنتظر حتى نزلت آية
الظهار وكفارته، وسئل عمن يجد مع امرأته رجلاً ويتهمها فانتظر حتى نزلت آية
اللعان، وكذلك سئل عمن نفى نسب ولده لأنه على غير لونهما، فانتظر حتى كان
حكم اللعان أيضاً .
ولو كان لأحد أن يفتى بذوقه أو باستحسانه لكان سيد المرسلين محمد
r
وامتناعه عنه يوجب علينا أن نمتنع عن الاستحسان من غير اعتماده على نص،
ولنا فى رسول الله أسوة حسنة .
الرابع:
أن النبي
r
قد استنكر على الصحابة الذين غابوا عنه وأفتوا باستحسانهم، فقد أنكر على
بعض الصحابة أنهم أحرقوا مشركا لاذ بشجرة، واستنكر أن أسامة قتل رجلاً قال
لا إله إلا الله قالها تحت حر السيف، ولو كان الاستحسان جائزا ما استنكر
عملهم .
الدليل الخامس:
أن الاستحسان لا ضابط له، ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل كالقياس، فلو
جاز لكل حاكم أو مفت أو مجتهد أن يستحسن من غير ضابط لكان الأمر فرطا،
ولاختلفت الأحكام فى النازلة الواحدة على حسب استحسان كل مفت، فيكون فى
الشيء الواحد ضروب من الفتوى من غير ترجيح واحدة على الأخرى، إذ لا ميزان
ولا ضابط يمكن له الترجيح به ما دام الأساس هو الاستحسان .
الدليل السادس:
أنه لو كان الاستحسان جائزا من المجتهد، وهو لا يعتمد على نص ولا حمل على
النص بل يعتمد على العقل وحده، لكان يجوز الاستحسان ممن ليس عنده علم
الكتاب والسُنة لأن العقل متوافر عند غير العلماء بالكتاب والسُنة، بل ربما
كان منهم من له عقل يفوق عقول هؤلاء، وله إبانة خير من إبانتهم" أنتهي كلام
الشافعي .
وخصص المؤلف فقرة بعنوان
"كيف حاق النحس بالمعتزلة وفرضت السرية على الشيعة ضروراتها السيئة"
انتقد فيه الموقف العام للمعتزلة الذي جعلها تعنى بالاهوت وتعمل عقلها فى
مجاله وتلزم الله تعالى العدل الذي تراه، ثم لا تحرك ساكناً بالنسبة للحياة
التي يعيش فيها المسلمون فدخلت ميدانا يحرم عليها الدخول فيه وهجرت ميدانا
يتوجب عليها الدخول فيه .
أما الشيعة فإن اضطهادهم وملاحقتهم من أيام معاوية جعلهم يلوذون بالعمل
السري ويطلبون البيعة "للرضا من آل محمد" دون أن يحددوا حتى لا تناله أيدي
الأعداء، ومن مقتضيات العمل السري أن يتطرق إليه الانحراف وأن يخضع للعوامل
الذاتية، وهذا هو ما حدث للشيعة وقد تخلصت الشيعة من السرية بقيام دولة
الصفوين، ولكن هذه لاذت بأشد تراث السرية تطرفا حتى تدعم البناء النظري لها
فى مواجهة عدوتها الدولة العثمانية السُنية .
وخصص الفصل –
وهو أكبر فصول الكتاب –
فقرة طويلة
لانعكاسات تغييب العقل على الفكر الإسلامي
من أبرزها استخذاء الفقهاء أمام السند وقبولهم أحاديث ظاهرة البطلان
والثورة على كل من يطالب بالاجتهاد كما حدث بالنسبة للشيخ محمد عبده سنة
1904، كما أوردت الفقرة شواهد أخرى لفقهاء معاصرين .
ومن شواهد تغييب العقل الإيمان بالخرافة واستشهد الفصل بكلمة نشرها فى
الأهرام فبراير 1997 أحد رؤساء محكمة أمن الدولة العليا. تحت عنوان "يا
أولاد الأبالسة" وجاء فيها :
"وقد يتزوج الشيطان من نساء الأنس وهى حقيقة لا مراء فيها ولا جدال، ويؤكد
قول الحق سبحانه وتعالى
)وشاركهم
فى الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا(
ـ{الإسراء 64} .
وكثيراً ما ينكح الشيطان المرأة من الإنسان ويكون ذلك إذا أتاها زوجها وهى
حائض، فقد قال ابن عباس إن الشيطان يسبقه إليها فتحمل منه، ولهذا نهى الحق
سبحانه الرجل عن مباشرة امرأته وهى فى هذه الحالة.
فقد قال تعالى
)فاعتزلوا
النساء فى المحيض(
ـ{البقرة 222}
–
وكذلك ينكحها الشيطان إذا أتاها زوجها قبل أن يستعيذ بالله، فقد قال الرسول
الكريم:
"إذا جامع الرجل زوجته ولم يسم، انطوى الشيطان إلى إحليله فجامع معه"
والمولود فى كل هذه الحالات فى حقيقته ابن الشيطان وليس ابن هذا الزوج
المخدوع الذي تسمى باسمه فى شهادة الميلاد زورا وبهتانا، وكثيراً ما نسمع
بعض العامة وهو يقولون "دول ولاد أبالسة" أو "ولاد شياطين"، وهى عبارة لها
أساسها العلمي الصحيح" !!! .
وأنتقل الفصل إلى نقطة أخرى
هي قصور المعالجات فهذه الحالة ليست خافية على كثير من المفكرين الذين
أرادوا إصلاحها وأورد الفصل كمثال كتابين أولهما "الأزمة الفكرية المعاصرة
تشخيص ومقترحات علاج" للدكتور طه جابر العلواني وهو أستاذ متمكن فى الفقه
الإسلامي وفى الوقت نفسه من دعاة التجديد والكتاب الثاني هو كتاب أزمة
العقل المسلم للأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان الذي كان مديراً
للجامعة الإسلامية فى ماليزيا ومن مؤسسي المعهد العالي للفكر الإسلامي فى
الولايات المتحدة .
وختم الفصل بفقرة طويلة تحت عنوان "من باب الأنصاف والاعتراف"
أشار فيه إلى أن العقل لم يعدم
–
على كل حال –
دعاة رفعوا رايته فظهر من قال "كل ما يحكم به العقل يحكم به الشرع
والعقل رسول فى الباطن والشرع عقل فى الظاهر" .
وأوردت الفقرة كلمات عديدة للشيخ محمد عبده الذي يعد رائد أنصار الترشيد
واستلهام العقل كما أشار إلى المعتزلة وأنصفهم فى قضية التحسين والتقبيح
العقليين وأورد ما ذهب إليه الزيدية فى تقديم قضية العقل المبتوتة على
القرآن الكريم. وما جاء فى كتاب "الفصول اللؤلؤية للأصول الزيدية وما أورده
الشيخ محمد أبو زهرة فى هذا الشأن .
وختمت الفقرة بمقال طويل لأحد العلماء السعوديين يفسح مجالاً كبيراً للعقل
جاء فيه :
"فإذا سأل سائل فقال: هل لنا أن نؤول النصوص الدينية أو نخضعها بدليل الحس
أو بدليل العقل، حتى تكون دلالتها مطابقة للواقع والحقيقة ؟
إن كان جوابنا بالإيجاب حتما، وبأن هذا العمل من القواعد المقررة فى علوم
الشريعة الإسلامية يقول علماء أصول الفقه فى أبواب تخصيص العام :
"لا خلاف فى جواز تخصيص العموم" ويرون فى أبواب تأويل الظاهر "أنه يجوز
التأويل متى كان دليله أرجح من دليل العمل بالظاهر ويجب التأويل متى كان
دليلاً قاطعاً لا يجوز العدول عنه ويذكرون من أدلة تخصيص العموم "دليل الحس
ودليل العقل" ..
الفصل السادس
الأصل الثاني منظومة
القيـم الحاكمة فى القـرآن الكريــم
والفصل يعنى بالقيم الحاكمة القيم التى يمكن أن يستنبط منها أحكام فالتقوى
مثلاً قيمة عظيمة فى القرآن ولكنها ليست حاكمة، بمعنى أنه لا يمكن استخلاص
أحكام منها لأنها تقوم على الشعور القلبى العميق للفرد على نقيض قيمه أخرى
فى القرآن الكريم هى العدل التى يمكن أن تكون أساساً لكل صور التعاقد
والتعامل ..
وأورد الفصل أن القرآن وإن تضمن أحكاماً، إلا أنها محدودة العدد (ما بين
200 و 600) لأن القرآن بالدرجة الأولى كتاب هداية، وما تضمنه القرآن من
أحكام معظمها موجز لا يعالج التفاصيل. ونتيجة لقلة الأحكام، ولضرورة
تفصيلها عمد الفقهاء إلى السُنة وتعرضوا فى هذا السبيل للأخذ بأحاديث ضعيفة
أو موضوعة .
وواسطة العقد فى القيم الحاكمة هي الحق بالنسبة للعقيدة والعدل بالنسبة
للشريعة، وهما وجهان لحقيقة واحدة، فالحق هو القيمة العظمى التي
تؤمئ لله تعالى،
ولها طبيعة نظرية، موضوعية، مجردة أو قل إنها تمثل الموضوعية والتجريد .
ولا نجد للحق فى الإسلام مثيلاً فى الديانات أو النظم الأخرى، وهو يأخذ فى
الكتابات الأوربية شكلاً قانونياً، بمعنى تعيين حقوق الأطراف المختلفة لأنه
يمت إلى الإنسان وليس إلى الله .
وعندما أراد المشرعون الأوربيون الارتفاع به أبدعوا تعبير "الحقوق
الطبيعية" والطبيعة هي أسمى ما يتصوره مجتمع لا يؤمن بالله ولكنها بعد كل
شيء تخضع لتأويل الإنسان وفهمه ومن ثم فإن الحقوق الطبيعية كانت تفتقد
الموضوعية الحقيقية والمطلقة .
ولكن الحق فى القرآن
يؤمئ
نحو الله، لأن الله تعالى نسب إليه تنزيل الكتب الإلهية، وإقامة السموات
والأرض .
وطريق الإنسان للتعرف على الحق هو الإيمان بالله، لأن الله كما ذكرنا، هو
أصل الحق والموضوعية والإطلاق والتجريد، وأي حق غير الله يمكن أن يكون
مزيفا أو ملتبسا بشبهات .
والإيمان بالله إنما يأتي بالتفكير والتدبر والنظر
فيما أبدعه الله وخلقه فى أحسن تقويم من شموس ساطعة، وبحور هادرة وجبال
شاهقة وأشجار باسقة وزهور يانعة وثمار طيبة وأمطار تحيى الأرض بعد موتها،
وأنهار تمد الناس بالمياه العذبة.. إن التفكير فى خلق الله هو طريق الإيمان
بالله، كما وضعه القرآن الكريم .
وهذا الإيمان يتطلب أمرين متلازمين :
الأول :
التفكير والنظر والتدبر وإعمال العقل والذهن .
والثاني:
الحرية التى تسمح بهذا التفكير بحيث لا يكون هناك حائل يحول دونه، وحرية
الاعتقاد كقيمة تكون أصلاً للأحكام الخاصة بالفكر والكتابة والتأليف
والنشر، وتحريم مصادرة الفكر وجعل القاعدة هي
)من
شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر(ـ
)أفأنت
تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين(.
والرد على المخالفين بالحجة والبرهان .
أما بالنسبة للشريعة فإن العدل، وهو كما ذكرنا الوجه التطبيقى للحق هو أساس
القيم فى الشريعة .
ومعنى هذا أن نستلهم
العدل
فى كل ما تتضمنه الشريعة، وهى كما قلنا تضم الجوانب الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية للمجتمع ..
ومعنى استلهام العدل أن يتفق كل وضع أو قانون أو ممارسة الخ... مع أصول
العدل. فإذا خالف هذه الأصول فقد مصداقيته .
وعندما نطبق هذا على العلاقات ما بين الحاكمين والمحكومين. فإن أي قانون أو
دستور أو وضع يحيف على المحكومين لا يتفق مع العدل وبالتالي لا يعد
إسلاميا، ويمكن الطعن فيه على الأساس .
وكل عقد عمل يحيف على حقوق العمال لا يتفق مع مبادئ العدل ولا يعد إسلاميا
.
وعندما نطبق هذا المبدأ على العلاقة ما بين الرجال والنساء فإن كل إيمان
الطلاق وأحكامه التي تتضمنها كتب الفقه تعد لاغيه ولا قيمه لها، لأنها
تخالف مخالفة صارخة أصول العقد، فالزواج عقد بإيجاب وقبول وعلانية وشهود.
فإذا أريد فسخ هذا العقد فلا يجوز هذا إلا بالشروط التى أنعقد بها. بمعنى
أن كل ما ينطق به الرجال من إيمان طلاق لا يعتد بها. وإنما يعتد بالطلاق فى
حالة واحدة هي أن يتم الطلاق علانية بشهود وباتفاق من الطرفين، وتسوية لما
بينهما من حقوق وواجبات .
وطبقاً لهذا أيضاً يمكن لكل عامل يضطر للتوقيع على عقد عمل يخالف العدل
الطعن فى هذا العقد ولا يدفع هذا بأنه وقع عليه والعقد شريعة المتعاقدين،
لأن هذا العقد فى حقيقته عقد إذعان لم يبرم بين الطرفين بالرضا لانعدام
الندية والمساواة بين طرفي العقد
(32)
ويمكن بالمثل الطعن فى أى قانون تصدره الدولة يخالف جادة العدالة على أساس
عدم دستوريته .
ومع أن
العدل
اعتباري إلى حد كبير، فإن قرائن الأحوال تضع الضوء الذي يبين العدل، ولا
يجاوزه إفراطا أو تفريطاً ..
وجدير بالإشارة أن العدل كفيصل فى الأحكام أمر لا يدق على الشرائع والنظم
القضائية، فمن بين القوانين التي كان المواطن البريطاني يُخير للحكم بها
قانون العدالة
equity
أو كما قد يطلق عليه "قانون العدل والأنصاف" والنقص هنا
–
أن تكييف العدل يخضع للتقدير البشرى، ولكنه فى حالة الإسلام يعتمد على أصل
ألهى مقرر ومنزل فى القرآن الكريم ومدعم بقرائن وشواهد من أعمال وأقوال
الرسول وسياسات الخلفاء الراشدين تحول دون الافتيات عليه أو الانتقاص منه .
وتأتى
"السماحة والتيسير
بعد العدل والآيات التي تحض عليها وتأمر بها وتنفى الحرج وتقرر أن الله
تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها عديدة ومترادفة وكذلك هناك حشد كبير من
الأحاديث بالمعاني نفسها .
ويبرز القرآن هذه القيمة بوجه خاص فى العلاقات ما بين النساء والرجال بدءاً
من الزواج وانتهاء بالطلاق كما يبرز هذه القيمة فى دعوته للصفح والعفو .
ومن
القيم الحاكمة الرحمة
التي يبدأ بها المسلمون كل سور القرآن فى تعبير "بسم الله الرحمن الرحيم"
{باستثناء سورة التوبة} وتستخدم هذه القيمة لإيجاد سند تشريعي لتخفيف
الأحكام التي توفرت دواعي الرحمة فيها
وأعتبر الفصل أن
التوبة
تدخل فى القيم الحاكمة لأنها يمكن أن تجب العقوبات .
ولاحظ الفصل أن معظم نظريات العقوبة لا تعنى بالتوبة، ولكن القرآن الكريم
يحسب حسابها بصورة لافتة بحيث تصبح من القيم المؤثرة فيما يتعلق بالأحكام،
وقد ذكر القرآن التوبة وآثارها ست عشرة ومائة فى سور مكية ومدنية وإذا
أضفنا إليها الاستغفار وهو مقدمة التوبة والطريق إليها تضاعف العدد، كما أن
"التواب" من أسماء الله تعالى وقد جعل القرآن التوبة تُجب الجريمة وتمحو
السيئة فإذا اقترنت بالعمل الصالح فإنها تبدل السيئات حسنات.
وأي شيء أروع من الآيات فى سورة الفرقان
)والذين
لا يدعون مع الله إلاها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا
يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه
مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات
وكان الله غفوراً رحيماً(.
فأنظر إلى هذه الموبقات من شرك بالله وقتل وزنا تجعل صاحبها يخلد فى العذاب
مهاناً، فإذا تاب وآمن وعمل صالحاً، فإن كل هذه الموبقات تصبح حسنات
وقال الله تعالى
)قل
للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما سلف(
وقال الرسول
"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
ولهذا فيفترض أن يُفرد فى كتاب الأحكام الإسلامية باب تحت عنوان
"التوبة" يوضح طريقة التوبة، وأثرها على الأحكام، بل يمكن تنظيم عملية
التوبة والحث عليها وتيسير إجراءاتها لأنها طريق للإصلاح يقوم على اعتراف
المخطئ بخطئه ورغبته فى الإقلاع عنه والتطهر منه، وهذا ما يريده المجتمع،
وقد أقامت جنوب أفريقيا بمبادءه من الرئيس مانديلا محكمة للتوبة يمثل
أمامها أنصار العهد العنصري القديم الذين أساءوا إلى السود ليعبروا عن
ندمهم ويقدموا اعتذارهم ويعلنوا توبتهم دون حاجة إلى إصدار أحكام وتوقيع
عقوبة
(33)
وختم الفصل بملاحظة هامة :
إن
الاعتراض
الذي يساق على جعل القيم مصدراً للأحكام هو أن القيم مثالية
–
مبدئية الطبيعة فى حين أن القوانين لابد وأن تلحظ الاعتبارات القائمة ودرجة
التقدم والفهم الخ.. مما يجعل من الصعب استلهام هذه القيم عند وضع الأحكام.
أو أن وضعها يفترض درجة من السمو والإيمان قد لا يصل إليها أو يحتملها
المجتمع،
وهو اعتراض وجيه وقد عزل عمر بن الخطاب أحد ولاته لأنه كره "أن يحمل الناس
على فضل عقله" فأوضح أنه لابد من وجود درجة من الفهم والتجاوب ما بين
الحاكم و(قانونه) والشعب وعامة الناس، ولكن الاعتراض لا ينفى استلهام
القيم، لأنها وأن كانت بطبيعتها مبدئية مثالية، إلا أن إنزالها من سماء هذه
المثالية المبدئية سيتطلب درجة من تفاعلها مع المفهوم الساري، ولن يكون لها
التجريد المطلق، وما الرحمة، أو السماحة إلا صور من الارتفاق على تجريد
ومبدئية قيمة العدل
ولأن الناحية المبدئية نفسها لا تتطلب بالضرورة جمودا، فإذا كان المبدأ
حماية الصحة فإن هذا يستتبع أن تختلف ملابس الشتاء عن ملابس الصيف، وأن
يتبع فى طعام الأطفال مالا يتبع فى طعام الشيوخ الخ.. فالقيم الإسلامية
تمارس فى الإطار الذي يتلاءم مع المجتمع، بحيث تنهض به، دون تعسف فيها أو
استغلال لها .
ومن ناحية أخرى فلابد أن يحتفظ القانون بمسحة أخلاقية. حتى يكتسب تقدير
الناس، وإذا اهتزت هذه الدرجة، اهتزت ثقة الناس فى القانون، وهو ما يقارب
انعدامه، لأن من العسير جداً –
فى هذه الحالة –
إبقاء القانون بالقوة الجبرية وحدها، ولن يستطيع القانون أن يوفر جندي لكل
مواطن، ولا أن يتوصل إلى درجة لمراقبة هؤلاء الجنود أنفسهم. إن عالم
القانون لابد وأن يتشح بمسحة أخلاقية تكسب له احترام وتقدير الناس .
إن استلهام الأحكام من القيم القرآنية هو وحده الذي يمكن أن يعالج ندرة
الأحكام المنصوص عليها بالفعل فى القرآن، ويضمن عدم انحراف هذه الأحكام عن
هدى القرآن {ما دامت مستلهمة من قيَّمه}. وتضفى عليها شعاعاً من قداسة
القرآن يكفل لها الاحترام .
وأخيراً فإنه (أى استلهام الأحكام من منظومة القيم القرآنية) يعلى الوجه
الحضاري للإسلام على بقية الطقوسيات التي تأخذها القضايا أو السياسة أو
العامة، ويوجد فى أعماق المسلم بوصلة تهديه السبيل وميزانا يزن به الأعمال
ويتعرف على ما قد يصيبها من شطط أو انحراف وهو ما يمكن أن نقول عنه الضمير
المسلم .
وهو بعد كل شيء إعادة المرجعية للقرآن المعترف به من الجميع كأصل أول
للتشريع وتصحيح للانحراف الذي أصاب الفقه عندما جعل السُنة
–
عملياً –
هي المصدر الأول له، ومادة الأحكام فيه .
وإذا أخذ بما ذهبنا إليه من أن تكون منظومة القيم الحاكمة هي أصل الأحكام
بما فى ذلك الحرية والعدل والتوبة واليسر الخ.. فإن مضمون قانون العقوبات
الإسلامي، وصورة المحكمة الجنائية الإسلامية سيتغيران شكلاً ومضموناً.
وسيقدمان إضافة مبدعة فى عالمهما. وسيمكن
–
بالتوبة –
استنقاذ ألوف المتهمين من السجون والعقوبات ليكونوا مواطنين شرفاء. سواء
جاء عرض التوبة من المحكمة إيثارا لفكرتها النبيلة أو من المتهم تطهيراً
لنفسه من ادران الجريمة ورغبة فى حياة جديدة أمينة وجادة .
الفصل السابع
الأصل الثالث السُنة ..
عُنى الفصل أولاً بتبديد شبهه أن المؤلف من الذين ينكرون السُنة، وهذا غير
صحيح، وليس أدل على ذلك من كتابه "الأصلان العظيمان.. الكتاب والسُنة". إن
تكييف السُنة وتنقيتها شيء وإنكارها شيء آخر بالمرة .
وقد ذكر الفصل عناصر التجديد التي جاء بها الجزء الثاني من كتاب "نحو فقه
جديد" وهو الخاص بالسُنة مما لا نجد حاجة لإيرادها لأنها مذكورة فى تلخيص
الجزء بهذا الكتاب .
الإضافة التي قدمها الفصل هي الخاصة بمراجعة حركة تنقية الأحاديث وجاء فيها
..
ومراجعة حركة
"غربلة"
الأحاديث نجد أنها مرت
بمرحلتين رئيسيتين
المرحلة الأولى
عند وضع الموطأ لمالك والمسند للإمام أحمد ..
فقد قيل إن مالك روى مائة ألف حديث جمع منها فى الموطأ عشرة آلاف حديث لم
يزل يعرضها على الكتاب والسُنة ويختبرها بالآثار حتى رجعت إلى خمسمائة
(34)
على ما جاء فى كتاب الشيخ محمد أبو زهو {الحديث والمحدثون ص 248} .
ورُوى أن أحمد عرف (إن لم يكن قد حفظ) سبعمائة ألف حديث، ومن هذا العدد
الضخم حرر المسند فى ثلاثين ألف حديث تقريباً، وهكذا، ففى هذه المرحلة نجد
أن :
|
|
مجموع ما ألم به |
عدد الأحاديث المثبتة |
النسبة |
|
مالك بن أنس |
000ر10 |
500 |
5 % |
|
أحمد
بن
حنبل |
000ر700 |
000ر30 |
2ر4% |
يتضح من هذه الإحصائيات أن عدد ما أعترف به أحمد بن حنبل ومالك بن
أنس مما وجداه من أحاديث لا يزيد عن 5% أي أنهما اثبتا فى المسند والموطأ
خمسة أحاديث من كل مائة حديث ألما به .
وجاءت المرحلة الثانية
لتنقية الأحاديث عندما تصدى الإمامان البخاري ومسلم لما وجداه أمامهما من
أحاديث مروية عن ثقات الصحابة .
وفيما يلي جدول بأسماء هؤلاء الصحابة وعدد ما روى عنهم من أحاديث وعدد ما
جاء فى الصحيحين من هذه الأحاديث والنسبة المئوية لما اعترف به الإمامان
البخاري ومسلم أثبتاه فى صحيحيهما وعدد ما انفرد به البخاري أو مسلم منها .
ويتضح من هذا البيان أن البخاري ومسلم أعاداً عملية التنقية وأن نسبة ما
أدخلاه فى صحيحيهما مما وجداه مرويا عن كبار الصحابة تتفاوت ما بين 4ر2%
و13% أي بمتوسط 5% تقريباً من الـ 5% التي أعترف بها مالك بن أنس وأحمد بن
حنبل .
(35)
|
م |
الاسـم |
عدد الأحاديث المروية |
اتفق الشيخان على |
النسبة |
ما أنفرد به البخارى |
ما أنفرد به مسلم |
|
1 |
أبـو هـــريرة |
5374 |
325 |
6% |
93 |
189 |
|
2 |
أبو سعيد الخـدري |
1170 |
46 |
3.9% |
16 |
52 |
|
3 |
جـابر بن عبد الله |
1540 |
60 |
3.9% |
26 |
126 |
|
4 |
أنـس بــن مالك |
1286 |
180 |
13.9% |
83 |
71 |
|
5 |
عائشــــة |
2210 |
174 |
7.8% |
54 |
18 |
|
6 |
عبد الله بـن عباس |
661 |
95 |
5.7% |
120 |
49 |
|
7 |
عبد الله بن عمر بن الخطاب |
1600 |
170 |
10.6% |
81 |
31 |
|
8 |
عبد الله بن عمرو بن العاص |
700 |
17 |
2.4% |
8 |
20 |
|
9 |
عبد الله بـن مسعود |
848 |
64 |
7.5% |
21 |
35 |
وهذه الإحصائيات تثبت :
أ.
الكثرة "المهولة" التي وجدها الإمامان مالك وأحمد بن حنبل أمامهما وكيف
غربلاها بحيث لم يثبتا إلا 5 % ثم جاء الإمامان البخاري ومسلم فأعاداً
الغربلة بالنسبة المئوية نفسها تقريباً 7 % .
ب.
أن هؤلاء الأئمة لم يتسامحوا فى إدراج أحاديث لا يؤمنون بصحتها أو سلامتها
أو أنها تحتمل درجة القبول، حتى لو بلغت الأحاديث المرفوضة 95% مما وجدوه
أمامهم. ولم يقل لهم أحد "حرام عليكم" أو هذه جرأة على حديث رسول الله. إذ
من المفروض أن يكون المحدثون حذرين من أن يوردوا على لسان رسول الله ما قد
يتطرق إليه الشك فيقوّلونه ما لم يقل ..
ونحن الآن نمر بمرحلة التنقية الثالثة،
وقد استدرك البخاري ومسلم على أحمد بن حنبل ومالك بن أنس لأنه توفرت لهما
ما لم يتوفر للأولين من فرص البحث والتدقيق. ولا يمارى أحد أن المحدثين
المعاصرين لديهم الآن ما لم يتوفر لغيرهم بفضل المطبعة، والفهرسة، فضلاً عن
خدمات الكمبيوتر التي جعلت العثور على حديث ما رهناً بضغطة على زر وكان
يتطلب قبلاً الرحلات الشاقة، والشهور الطويلة والبحث المضني .
فما نقوم به اليوم ليس بدعاً، إنه فى حقيقة الحال مواصلة ما قام به مالك بن
أنس وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم واستدراك ما فاتهم، وفوق كل ذي علم عليم
.
فضلاً عن أننا مهما بالغنا فى الاستبعاد، فلن نصل إلى ما وصلوا إليه، لأنهم
أراحونا من عشرات الألوف، ولكن دق عليهم عشرات المئات.. وهو ما نقوم بالنظر
فيه، وليست المسألة بعد مسألة كم. فلو لم يبق لنا من السُنة سوى ألف أو
ألفىَّ حديث يتمثل فى كل حديث منها إشراقه النبوة، وجوامع الكلم، والإضافة
المبدعة فى السلوك والعمل، والإعلاء لقيم الإخلاص والصدق والوفاء والحلم
والكرم، التي ترصع كثيراً من الأحاديث كما يرصع الماس المتلألأ عقداً نظيما،
نقول لكفانا.
إننا لا نحفل بالعدد الكبير من النجوم فى السماء وإنما بتلك النجوم الساطعة
الهادبة التي يتألق نورها على صفحة السماء الزرقاء تشيع فينا المتعة وتحرك
فينا حاسة الجمال وتهدينا سواء السبيل .
إننا فى الوقت الذي نغض الطرف عن مرويات الله أعلم بها، فإننا نبعث إلى
الحياة، وفى جنبات المجتمع
"خُلق" الرسول وهو المضمون الحقيقي لكلمة سُنة،
ونتأسى بالرسول داعية إلى الله، وزوجاً ورجلاً يمشى فى الأسواق ويتعامل مع
الناس.. وقائداً للجماهير ومنشيءاً لدولة، وملهماً لأمة .
وإذا كان الإسلام قد كُتب بحروف القرآن فإن السُنة هي النقط على هذه
الحروف، وبدونها لا تتبين تماماً معاني هذه الحروف، وفى الوقت نفسه فإن هذه
النقط لا تكون لها أي علاقة بعالم المعاني دون الحروف وتصبح مجرد نقط،
فحاجتها إلى الحروف أشد من حاجة الحروف إليها، أي أن السُنة محتاجة إلى
القرآن أكثر من حاجة القرآن إليها وهذا هو الوضع الأصولي السليم وليس ما
قاله البعض "السُنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضياً على السُنة" أو
"القرآن أحوج إلى السُنة من السُنة إلى القرآن" .
الفصل الثامن
الأصل الرابع العرف .
يبدأ الفصل بعنوان فرعى
"لماذا لا يكون الإجماع"
فأي شيء أفضل من الإجماع وهو يعنى الاتفاق؟ وله بعد جاذبية تكسب له
المفكرين خاصة الذين يُعنون بالجماهير، والمجتمع والناس. لأنه وإن كان
الإجماع إجماع "المجتهدين" وأنه يبُنى فى معظم الأقوال على مستند فيظل بعد
هذا يمثل العنصر البشرى فى التشريع، ويمكن أن يكون أسمى صور الديمقراطية
وتجسيداً لسيادة الشعب خاصة إذا وضعنا فى تقديرنا أن بعض المذاهب تغُلبه
على بقية الأصول الأخرى .
ولكننا عندما بدأنا نراجع تكييف الفقه التقليدي له، وندرس الاحتمالات
العملية للتطبيق أثرنا أن ننفض منه اليدين وان ننتهي إلى العرف .
ذلك أن الإجماع، وأن تمسكت به كل كتب ومراجع أصول الفقه المقررة كأصل ثالث
يأتي بعد القرآن والسُنة فإنه لم يكن
–
فى الحقيقة –
محل إجماع!! وما من مفارقة مثل هذه.. وقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل "ما
يدعى فيه الرجل الإجماع هو الكذب. من ادعى فهو كذاب. لعل الناس قد اختلفوا
ما يدريه –
ولم ينته إليه. فليقل لا نعلم. الناس اختلفوا.." .
وقال ابن حزم فى كتابه "مراتب الإجماع" .
"وقد ُأدخل فى الإجماع ما ليس فيه. وقوم عدوا قول الأكثر إجماعاً. وقوم
عدوا ما لا يعرفون فيه خلافاً إجماعاً وإن لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه.
وقوم عدوا قول الصاحب المشهور المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفاً
إجماعاً ...
وقوم عدوا قول الصاحب الذي لا يعرفون له مخالفاً من الصحابة رضي الله عنهم
وإن لم يشتهر ولا انتشر إجماعاً .
وكل هذه آراء فاسدة ولنقضها مكان آخر. ويكفى من فسادها أننا نجدهم يتركون
فى كثير من مسائلهم ما ذكروا أنه إجماع. وإنما نحوا إلى تسمية ما ذكرناه
إجماعاً عناداً منهم وشغباً عند اضطرار الحجة والبراهين لهم إلى ترك
اختياراتهم الفاسدة .
وقوم قالوا الإجماع هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم فقط .
وقوم قالوا إجماع كل عصر صحيح إذا لم يتقدم قبله فى تلك المسألة خلاف. وهذا
هو الصحيح لإجماع الأمة عند التفصيل عليه واحتجاجهم به وترك ما أوصلوه له .
وقوم أخرجوا من الإجماع ما هو إجماع صحيح فقالوا لو اجتمع أهل العصر كلهم
على قول ما ثم بدا لأحد منهم فيه فله ذلك." أ. هـ
وأثار الشافعي الشكوك حول الإجماع فتساءل فى كتاب جماع العلم "من هم أهل
العلم الذين إذا اجمعوا قامت بإجماعهم حجة؟" فقال مناظره: "هم من نصبه أهل
بلد من البلدان فيها رضوا قوله وقبلوا حكمه" ثم يقول رداً على ذلك مجاوباً
"ليس من بلد إلا وفيه من أهله الذين هم بمثل صفته من يدفعونه عن الفقه،
وينسبونه إلى الجهل، أو إلى أنه لا يحل له أن يفتى، ولا يحل لأحد أن يقبل
قوله، وعلمت تفرق أهل كل بلد فيما بينهم، ثم علمت تفرق كل بلد مع غيرهم..."
وبعد أن يذكر رضي الله عنه أقوال العلماء بعضهم فى بعض، مما من شأنه أن
يجعل أقوال كل واحد موضع تجريح من عالم فى بلده يقول: "فأين اجتمع هؤلاء
على تفقه واحد" ثم يثير عجاجه أخرى، وهى دخول علماء الكلام فى صفوف
المجتهدين فيقول" "أيعدون من العلماء الذين يتألف منهم أم لا يعدون" .
ويعلق الشيخ محمد أبو زهرة على ذلك أن الإمام الشافعي يثير الكلام حول
إمكان الإجماع معترضاً على إمكانه ..
أولا :
بالتفرق بين البلدان، وعدم التقاء الفقهاء .
ثانيا:
مما يرى من وقوع الاختلاف بين فقهاء كل بلد من الحواضر الإسلامية .
ثالثاً:
بعدم الاتفاق على تعيين من ينعقد بهم الإجماع .
رابعاً:بعدم
الاتفاق على تعريف صفة العلماء الذين يعدون ذوى رأى فى الفقه وبإثارة هذا
كله فى مناظراته توهم الكثيرون أنه لا يقول بإمكان الإجماع، حتى لقد سأله
سائل قائلاً، "هل من إجماع؟" فيجيبه: نعم بحمد الله كثير فى جملة الفرائض
التي لا يسع أحد جهلها، فذلك الإجماع الذي لو قلت أجمع الناس لم تجد حولك
أحداً يعرف شيئاً يقول ليس هذا بإجماع، فهذه الطريق يصدق فيها من أدعى
الإجماع .
وقال العلامة ابن الوزير فى كتابه إيثار الحق على الخلق "أعلم أن الاجماعات
نوعان: أحدهما تعلم صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه فهذا إجماع
صحيح، ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من الدين وثانيهما ما نزل
عن هذه المرتبة، ولا يكون إلا ظنا لأنه ليس بعد التواتر إلا الظن وليس
بينهما فى النقل مرتبة قطعية بالإجماع" .
وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف :
ومما يؤيد أن الإجماع لا يمكن انعقاده أنه لو انعقد كان لابد مستنداً إلى
دليل، لأن المجتهد الشرعي لابد أن يستند فى اجتهاده إلى دليل. والدليل الذي
يستند إليه المجمعون إن كان دليلاً قطعياً فمن المستحيل عادة أن يخفى، لأن
المسلمين لا يخفى عليهم دليل شرعي قطعي حتى يحتاجوا معه إلى الرجوع إلى
المجتهدين وإجماعه. وإن كان دليلاً ظنياً فمن المستحيل عادة: أن يصدر عن
الدليل الظنى إجماع، لأن الدليل الظنى لابد أن يكون مثاراً للاختلاف
(36)
وقد استدلوا على الإجماع بالآية :
)يا
أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم، فإن
تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر(
بفكرة إن طاعة "أولى الأمر" هي طاعة المجتهدين، وهي نفسها الآية التي اعتمد
عليها النظام المعتزلي فى إنكار الإجماع لأن الآية تقول
)فإن
تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول
( ـ
ولم يقل إلى الإجماع .
ولهذا استبعدنا الإجماع رغم مزاياه الظاهرة وآثرنا العرف. وهو
–
كالإجماع –
كلمة محببة .
وقدم الفصل تعريفات عديدة للعرف تصب كلها فى أنه العادة المكررة المقبولة .
وبالنسبة لحجيته، استدل الفصل بما جاء فى كتاب سلم الوصول :
"فقهاء الشريعة الإسلامية قديماً وحديثاً على اختلاف مذاهبهم أخذوا بالعرف
واعتبروه دليلاً يبنى عليه كثير من الأحكام الفقهية. وفى "التنقيح" للقرافي:
أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك. وفى
"الاشتباه" لابن نجيم: أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه فى الفقه فى
مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلاً. وقال ابن العربي فى كتابه "أحكام القرآن"
عند تفسير قول الله تعالى: "لينفق ذو سعة من سعته" العادة دليل أصولي بنى
الله عليه الأحكام، وربط به الحلال والحرام. وقال ابن عابدين فى منظومته فى
رسم المفتى .
والعرف فى الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار
ومن أستقرأ أقوال الفقهاء القدامى والمتأخرين، وتتبع الفروع الفقهية يجد
كثيراً من الشواهد والعبارات الدالة على أن فقهاء الشريعة الإسلامية راعوا
فى كثير من الأحكام الفقهية عرف الناس وعاداتهم. فمن أقوال الفقهاء الواردة
فى كتب الفقه: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، المشروط عرفاً كالمشروط
شرعاً، العادة محكمة، الثابت بالعرف كالثابت بالنص، التعين بالعرف كالتعين
بالنص، والتعويل فى هذا الباب على العرف والعادة، ويقولون فى بعض الأحكام:
إن المدرك فيها العرف وأن مستند الفتوى العرف والعادة. فهذه العبارات
وأمثالها لا تدع مجالاً للشك فى أن العرف يرجع إليه الفقيه والقاضي والمفتى
فى معرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على الوقائع والجزئيات حيث لا يوجد نص
من الشارع(37)
وقال العلماء فى المذهب الحنفي والمالكي أن الثابت بالعرف الصحيح غير
الفاسد ثابت بدليل شرعي ويقول شارح كتاب الأشباه والنظائر "الثابت بالعرف
ثابت بدليل شرعي" .
ويقول السرخسي فى المبسوط "الثابت بالعرف كالثابت بالنص" .
وأستدل الفقهاء على حجية العرف بأدلة من القرآن الكريم كالآية
) خذ
العفو وأمر بالعرف وأعرض على الجاهلين(
ـ{199
الأعراف} .
يقول العلامة الزرقاء فى كتاب المدخل الفقهى :
"ولا يخفى أن العرف فى هذه الآية
–
الكريمة –
واقع معناه اللغوي، وهو الأمر المستحسن المألوف، لا على معناه الاصطلاحي
الفقهي، ولكن توجيه هذا الاستدلال هو: أن العرف وإن لم يكن مراداً به فى
الآية المعنى الاصطلاحي، قد يستأنس به فى تأييد اعتبار العرف بمعناه
الاصطلاحي، لأن عرف الناس فى أعمالهم ومعاملاتهم، هو مما استحسنوه وألفته
عقولهم والغالب أن عرف القوم، دليل على حاجتهم إلى الأمر المتعارف فاعتباره
يكون من الأمور المستحسنة .
وأما السُنة فقد استدلوا بالحديث
"ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"
وأن مخالفة العرف الذي يعده الناس حسناً، يكون فيه حرج وضيق وقد نفى الله
الحرج والضيق عن الناس
"وما جعل عليكم فى الدين من حرج"
.
وتحت العنوان الفرعي فى "العرف تصب الروافد" أشار الفصل إلى الأصول
الفرعية للفقه كالمصلحة، والاستحسان والاستصحاب والبراءة الأصلية الخ ..
ومعظم هذه الأصول أشبه بروافد تضخ وتصب فى بحيرة العرف. إذ أن تعميل هذه
الأصول يسلك طريقه نحو العرف ويصبح هو عرفاً يتأثر به ويؤثر فيه .
ولعل أقرب هذه الأصول إلى العرف وأمسها صلة هو الاستحسان وقد عرفه الكرخي
بأنه "هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم فى المسألة بمثل ما حكم به فى نظائرها
لوجه أقوى يقتضى العدول عن الأول" وهذا التعريف هو التعريف الذي ارتضاه
الشيخ محمد أبو زهرة فى كتابه "أصول الفقه" لأنه
–
على ما قال يشمل كل أنواعه، ويشير إلى أساسه ولبه،
إذ أساسه أن يجئ
الحكم مخالفاً قاعدة مطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من
الاستمساك بالقاعدة فيكون الاعتماد عليه أقوى استدلالا فى المسألة من
القياس. وهذا التعريف يصور لنا أن الاستحسان كيفما كانت صوره وأقسامه
يكون فى مسألة جزئية ولو نسبياً فى مقابل قاعدة كلية، فيلجأ إليه الفقيه فى
هذه الجزئية لكيلاً يؤدى الإغراق فى الأخذ بالقاعدة التي هي القياس إلى
الابتعاد عن الشرع فى روحه ومعناه .
وعرفه ابن العربي بأنه عبارة "عن إيثار ترك الدليل والترخيص بمخالفته
لمعارضة دليل آخر فى بعض مقتضياته وقسمه إلى أربعة أقسام وهى :
1- ترك الدليل للعرف. 2- تركه للإجماع .
3- تركه للمصلحة . 4- تركه للتيسير ودفع المشقة .
وعرفه ابن الأنباري "بأنه استعمال مصلحة جزئية فى مقابل قياس كلى" .
وعرفه ابن رشد فقال "الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس.
هو أن يكون طرحا لقياس يؤدى إلى غلو فى الحكم ومبالغة فيه فيعدل عنه فى بعض
المواضع لمعنى يؤثر فى الحكم يختص به ذلك الموضع" .
ولعل هذه الطبيعة التي تجعل الاستحسان يخالف القياس هي التي أثارت غضب
الإمام الشافعي على الاستحسان بحيث ذهب إلى إبطاله بدعوى أن من استحسن فقد
شرع –
والشارع هو الله وحده .
ولكن معظم الفقهاء. تمسكوا بالاستحسان ومنهم من منحه منزلة كبيرة مثل مالك
الذي روى عنه "الاستحسان تسعة أعشار العلم" ومثل أبى حنيفة الذي كان
"يقيس ما استقام القياس معه، فإذا قبح القياس استحسن" .
أما الذين يرفضون الاستحسان بادئ ذي بدء، فيغلب أن يسلموا به بعد أن يكون
قد فرض نفسه وأصبح عرفاً –
على أساس "الاستصحاب" .
والعرف –
كأبي حنيفة –
يستحسن .
وأوضح الفصل –
فى فقرة خاصة –
أن القضية هى تكييف العرف
فقال .
ليست القضية فى العرف هي حجيته، فهذه ثابتة بأقوال معظم الفقهاء، كما
أوردنا آنفا، ولكن القضية الحساسة هي تكييف العرف. فقد لمس الفقهاء طبيعة
العرف واختلافه، عندما قالوا إنه "اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان"
.
وهو ما يستتبع أن يكون العرف مرنا، متغيراً يختلف فى زمن عنه فى زمن آخر،
وعند جماعة عنه عند جماعة أخرى، ولكن هذه الطبيعة المرنة المتغيرة لابد أن
تصطدم مع الطبيعة الثبوتية الجامدة للنصوص ومن هنا سلم الفقهاء بهامش من
الحرية للعرف فيما لا يتعارض مع النصوص فتسامحوا فى العرف اللغوي كأن
يتعارف الناس على أن السمك شيء واللحم شيئاً آخر. فلو حلف أحدهم لا يتناول
لحماً وتناول سمكاً لم يحنث –
رغم أن القرآن الكريم يقول عن السمك إنه لحماً طرياً .
وتسامحوا فى تعبير الدابة، وهل هي الحمار أو الحصان الخ.. كما تقبلوا من
أصحاب الحرف والصناعات تطبيق ما يسرى بينهم من أعراف مهنية ما دامت لا تحرم
حلالاً أو تحلل حراماً، كتقييد الديون والعمليات التجارية فى دفاتر دون
حاجة إلى إشهاد، وتسامحوا فيما تعارف عليه الناس من دفع جزء من المهر
مقدماً، وتقبلوا أن يكون الأجر
–
عندما يحدد –
هو ما يقضى به العرف إلى غير ذلك مما لا يجاوز هذه الأطر ..
ولكن الفقهاء جميعاً وقفوا وقفة رجل واحد فى رفض أي عرف يعطل أو يناقض نصاً
صريحاً فلا يقبل عرف يحلل شرب الخمر أو التداين بربا ويضطرد الأمر فيشمل كل
ما يراه الفقهاء مخالفاً للشرع ..
ولا يمكن لأحد أن يلوم الفقهاء إذا كان الأمر أمر شرب خمر أو تداين بربا،
ولكن الأمر قد يكون أهون من ذلك ويدخل فى دائرة "العفو" بتعبير الحديث أو
دوائر "الندب –
والكراهية" كما يقول الفقهاء .
ويهمنا فى قضية العرف أن نبرز أمرين :
الأول:
أن الإطار الأعظم للعرف هو ما يتعلق بالعادات الشخصية أو الاجتماعية
–
من زى أو لبس أو أكل أو عادات اجتماعية أو معاملات "عرفية" وبوجه خاص ما
يتعلق بالمرأة .
الأمر الثاني:
أن معالجة العرف لا يمكن أن تكون نصوصية قاطعة للطبيعة المرنة للعرف،
ولأن
العرف أملك
كما اعترف الفقهاء ومن هنا فإن مخالفة العرف للنصوص تعالج فى ضوء عدد
كبير من الاعتبارات التي تتقبلها الشريعة، وأهمها المبدأ العام الذي
ذكره ابن تيميه
"أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم،
وعادات يحتاجون إليها فى دنياهم.. فباستقراء أصول الشريعة نعلم العبادات
التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع .
وأما العادات فهي ما اعتاده الناس فى دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيها
عدم الحظر. فلا يحظر منها إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الأمر
والنهى هما شرع الله. "والعبادة لابد أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنه
مأمور به كيف حكم عليه بأنه محظور ؟
ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون إن الأصل فى العبادات
التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا فى معنى قوله تعالى
)أم
لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله(
{الشورى 21} والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله،
وإلا دخلنا فى معنى قوله تعالى
)قل
أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا…(ـ{59
يونس} إ. هـ
فإذا كان الأصل فى العادات العفو، فلابد أن يكون الحظر قليلاً، ولكن شواهد
الحال أن هذا القسم من أكثر الأقسام احتشاداً بالتحريمات وبوجه خاص عن
المرأة وهو ما يتعارض مع الطبيعة الديناميكية المتغيرة للعرف ..
ولن نعدم –
لو أردنا –
الأسس الشرعية لهذا كله، لأن الإسلام يسمح به ما دام العرف لا يتجاوز الأطر
المتعارف عليها بالفعل ولا ينتقل إلى درجة جديدة من التطور وبالتالي عرف
جديد إلا عندما يتطلب التطور ذلك فعلاً وينجح فى إقناع الجماهير به، وقد
نحتاج إلى أسانيد شرعية جديدة لهذا التطور العرفي الجديد ولن نعدمها ما
دامت العلة تسير مع المعلول .
يبدأ العرف من الاستحسان الشرعي حتى الاستصحاب ثم يسير خطوة أخرى نحو
استحسان جديد واستصحاب جديد وقد يعمد إلى "استئناس" النصوص قبل أن يظفر
باستصحاب جديد للعرف الجديد. وما ظلت هذه العملية تسير دون افتعال وقد
تهيأت الجماهير لها وتقبلت العرف الجديد فلا مشكلة أصولية، وإنما تنشأ
المشكلة إذا استطاع العرف أن يجعل صريح المنكر معروفاً وصريح المعروف
منكراً .
ويكون ذلك دلالة لا تدحض على فساد النفوس والضمائر والأفكار ويتطلب الأمر
عندئذ تغييرا ثورياً ..
ويجب أن نعلم أن العرف إنما هو صوت الزمن القاهر، الدهر الذي لا يقف أمامه
أحد وما يمثله من تطور وتغير لا مناص عنه كما أنه ثمرة تفاعل الحضارات
والثقافات والشعوب، وأخيراً فقد نجد له أصلاً فى شيوع الثقافة والمعرفة
التي قضت على كثير من الأعراف التي كانت أقرب إلى الخرافة ..
والخلاصة أنه ما دام العرف أملك، وأنه حكم زمان ومكان، وأنه لا يحدث إلا
بعد اقتناع الجمهور به شيئاً فشيئاً له حتى يصل إلى ممارستهم له ممارسة
عرف، وما دام العرف محصوراً فى إطار العادات لا العبادات فإن اختلاف هذه
الأعراف مع بعض النصوص لا يزعجنا كثيراً لأن من الممكن التعامل مع هذه
النصوص بما تتيحه الشريعة نفسها من مندوحات أو مخارج أو بدائل أو تقدير لما
يرتفق على النصوص من مستجدات أو استلهام المقاصد العليا وتفضيلها على حرفية
النصوص التي قلما تخلو من مآخذ أو وجوه طعن، وأهم من هذا كله انتفاء العلة
التي من أجلها وضعت النصوص وما يسمونه "تحقيق المناط" .
وفى نظرنا أن العرف فى قيامه بهذا الدور فإنه يُمكن "للزمان أن يتنفس" حتى
لا ينفجر المجتمع أو يتقوقع بصورة تشل الحواس، ومهما كان عزوف "النصوصيين"
عن هذا الدور فلا جدال فى أنه أفضل من الانفجار أو التقوقع.. وهو بعد كل
شيء سُنة من السنن التي أقام الله عليها المجتمع، وجزء لا يتجزأ من حيوية و
"ديناميكية" وتدافع هذا المجتمع .
|