|
P
تصدير
تقدمه دار الفكر الإسلامي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
هذا الكتاب –
قضية الفقه الجديد –
هو تلخيص واف لما جاء في الأجزاء الثلاثة من كتاب "نحو فقه جديد" الذي ألفه
الأستاذ جمال ألبنا خلال المدة من 95 حتى 1999 في قرابة 700 صفحة.
ويتوقف الحكم على أي عمل يقدم للناس على أهمية هذا العمل. وضرورة القيام به
وصحة المعالجة التي عولج بها.
فإذا طبقنا هذه المعايير على هذا الكتاب لما صعب علينا التسليم بأهمية كبرى
له، لأن الفقه الإسلامي يغطى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية. فضلاً عن الأساس الإيماني له، ولا يجادل أحد في أهمية كتاب
بمثل هذا المضمون. أما ضرورة نشره في هذا الوقت، فلعل مما يشفع
لذلك، بل يجعله أمر واجباً، هو أن أصول الفقه منذ أن وضعها الشافعي في
أوائل القرن الثاني للهجرة.. ومقاصد الشريعة التي وضعها الشاطب في القرن
الثامن قد أخذا مأخذ التسليم. ولم يفكر أحد بعد مرور قرابة ألف عام في
إعادة النظر..
وهل يعقل أن ما وضعه هؤلاء الأئمة الإعلام وصل إلى حد الكمال الذي لا يتطلب
تعديلاً أو حذفاً أو إضافة؟ وهل يجوز أن تهدر التطورات الجذرية والتغييرات
الجسيمة التي نالت الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العالم
أجمع على مذبح ما وضعه الأسلاف؟ وهل لا يعد هذا إهمالا لملكة الفكر وإغفالا
لإعمال العقل والاعتماد كليا على ما وضعه الآباء والأجداد مع أن الآيات
القرآنية تطرى تأمر بإعمال العقل والفكر والنظر والتدبير وتنهى عن إتباع ما
وضعه الآباء.. مما يضيق عن سرده المقام، وما نعتقد أنه لا يغيب عن فطنة
القارئ فأين المردود العملي لهذه الآيات ؟ وحتى متى يقف الفكر الإسلامي هذا
الموقف الجمودى الثبوتى وعواصف التغيير تكاد تقتلعه، وأمواج التطور تكاد
تغرقه…
وهو لا يملك لصدها إلا ما وضعه أسلافه منذ ألف عام
…
نزعم أن هناك حاجة ماسة لنشر هذا الكتاب، بل إننا نؤكد أن هذا تأخر سنوات
طوال للملابسات التي اكتنفت المجتمعات الإسلامية وانعكست على قياداته بما
حال دون أن يظهر في سنوات خلت وأن نشره الآن إنما هو استدراك لتخلف طويل..
ولعل النقطة الثالثة هي أهم نقاط تقييم العمل، أعنى سلامة المعالجة، فإذا
كانت المعالجة ناقصة أو مشوهة أو مغرضة أو سطحية أو أصيبت بما يحول دون
سلامتها وموضوعها.. فإن هذا يهبط بقيمة العمل، ولعله بدلاً من أن يكون
إضافة نافعة أن يكون إثارة لشبهات وشكوك ..
والحق أن تأخر معالجة أصول الفقه، مع أهميته الظاهرة، ومع الحاجة الماسة
إليه تعود إلى صعوبة سلامة المعالجة، وأنها تتطلب "مواصفات" ليس من السهل
أن تتوافر.
فقد يبدو للوهلة الأولى أن خير من يمكن أن يقوم بهذه المهمة هو الفقيه
المتمكن الذي أحكم هذا الموضوع ودرس دراسة عميقة محكمة ما وضعه أئمة
المذاهب الفقهية وغيرهم من مفسرين أو محدثين.. إذ المفروض أن يكون مثل هذا
الفقيه هو "أهل الذكر" وصاحب الاختصاص وأنه أكثر دراية بهذا كله من غيره
ممن لا يحكمه إحكامه ولا يغوص إلى أعماقه ...
ولكن إعادة النظر، والتأني قبل إصدار الحكم يوضح أن مثل هذا الفقيه
المتمكن، أهل الذكر والاختصاص، هو آخر من يفكر في فقه جديد، وأنه أعجز من
يمكن أن يقوم بذلك..
ذلك لأن التعمق في الدراسة والإلمام بالتفاصيل يجعله حجه فيها يستطيع أن
يرد على أي سؤال عنها لأنه يعلم كل شيء يتعلق بها، ولكنه لا يعلم شيئاً عن
سواها لأن التخصص والتعمق حشا ذهنه بالتفاصيل بحيث لم يعد فيه مجال لفكر
آخر، ومن المسلم به أن التخصص يكون على حساب سعة الأفق، وبقدر زيادة التعمق
بقدر ما يضيق الأفق، ولأن الوصول إلى درجة التخصص يتطلب سنوات طويلة. وعادة
ما يرتبط عندما يتم بمنصب فى المؤسسة الدينية كأن يكون أستاذا فى الجامعة،
أو عميداً لكلية.. فما الذي يجعل هذا الشخص يفكر فى فقه جديد واعتزازه كله
يعود إلى أنه أحكم فقه الأوائل. وأن منصبه الجامعي يربطه بالدراسات المقررة
بالفعل. والوضع الواقع ؟ إنه لا يريد.. وإذا أراد لا يستطيع .
من هنا يتضح خطأ المقولة الشائعة والمنتشرة والتي يصدعون بها آذاننا عن أهل
الذكر وأصحاب الاختصاص، وأن الفقه لا يجوز أن يكون كلاءً مباحاً يتحدث عنه
"كل من هب، ودب" فالحقيقة أن هؤلاء السادة لا يقدمون فقهاً جديداً، لأنهم
يؤمنون بالفقه التقليدي الذي تعلموه صغاراً ودرسوه كباراً. وبه يصولون
ويجولون ..
فإذا كان فقهاء المؤسسة الدينية لا يستطيعون أن يفكروا فى فقه جديد، ولا
يقدرون عليه إذا فكروا فيه، فهل يستطيع ذلك أحد "الدكاترة" الذين تلقوا
دراساتهم فى الغرب وعادوا ليشغلوا المناصب الرفيعة ؟ هؤلاء أيضاً لا يفكرون
فى فقه جديد.. ولا يقدرون عليه إذا فكروا فيه لأن دراساتهم الأوربية
–
رغم أنها يمكن أن تقدم إضافة –
إلا أنها –
بعيدة كل البعد عن مجال الفقه الإسلامى وتجديده. من أجل هذا لم يتصد أحد
منهم لولوج هذا الباب دع عنك أن دخولهم فيه سيخل بموازين القوى وفصل
السلطات وسيعرضهم لموآخذات تمس أوضاعهم، وقد تودى بها ..
وقد يكون الأساتذة الذين يحكمون علم الاجتماع وتاريخ الحضارات أقرب مفكرى
النخبة الحديثة إلى عالم الفقه، وقد يمكنهم بالفعل أن يسدوا ثغرة ويقدموا
إضافة، ولكن الأمر أعظم من ذلك بمراحل، فضلاً عن أن دراساتهم للاجتماع
والحضارات يغلب أن تكون ملتاثة بأفكار أوربية وثنية الجذور ..
فهؤلاء أيضا لا يصلحون لمعالجة فقه جديد. ولم يحدث أن تقدم أحدهم لعلمه بأن
دراساته لا تؤهله لذلك ...
بل قد يمكن أن ننقل الموضوع نقلة "نوعية" عندما نقول إن موضوع الفقه الجديد
ليس أمر دراسة نظرية، بل إن له جانبه العملى والواقعى. وأنه إذا لم يتوافر
له هذا الجانب فيخشى أن يأتى الفقه الجديد "نظريا" لا يتجاوب مع طبيعة
المجتمع الإنساني، ومن ثم فيجب أن يكون له خلطة ما بالناس ومشاكلهم
والعوامل التي تتحكم فى معالجة هذه المشكلات، بل قد يمكننا أن ندفع القضية
إلى حد القول إن الذين يطلقون عليهم "كل من هب ودب" لهم حق ومصلحة فى طريقة
معالجة هذا الموضوع الهام لأنه سينتهي بالتطبيق عليهم. وقد يكون فيه العديد
من أحكام الجلد أو القتل أو السجن أو التحكم فى رزقهم فهم أصحاب حق
–
عملي ومباشر فى تجديد الفقه –
وهو ما لا يتوافر فى الذين يضعون العمائم ويرون أنهم "أهل الذكر" ..
وهذه الإشارة هي ما توجه النظر إلى أن المعالجة التقليدية لأصول الفقه كانت
مجردة، عنيت بالمادة كنص واستخدمت المنطق الأرسطي الصوري بحيث ابتعد
–
باستثناء محاولات معدودة –
عن الحياة والجماهير ومشاعرهم ومشاكلهم .
فإذا أريد الإصلاح فلابد أن يكون للفقه خلطة بالمجتمع، ومعايشة لجماهير
الناس فى أزقتهم، كما يتطلب ثقافة لها طابع موسوعي إنساني، ومعرفة بتجارب
الأمم السابقة أو المعاصرة ويدخل فيها النظم الاجتماعية والقانونية التي
تطبق فى المجتمعات الأوربية، ففيها دون جدال خير كثير وإضافات عديدة "نحن
أحق بها" حتى وإن تضمنت سوءات لأن النظم جميعاً لا تخلو من سوءات. وقد جاءت
الحضارة الأوربية بعالم جديد، وتحديات جديدة فى هذا المجال .
ونحن بعد نعيش فى عصر أصبح العالم كله "قرية" وجعل السماوات كلها مفتوحة..
وبلغ بالمؤثرات الخارجية إلى درجة غير مسبوقة .
* * *
قد يكون هناك كتب عن تجديد الفقه لا نعلم بها لأن القطيعة الثقافية فى
العالم العربي والإسلامي بفعل النظم الحاكمة حالت بيننا وبين التعرف عليها.
كما أن هناك محاولات قام بها البعض، ولكنها جزئية وتنصب على الفروعيات وليس
على "أصول الفقه" .
وقد ألف الشيخ يوسف القرضاوي كتاباً باسم "الاجتهاد فى الشريعة الإسلامية"
يعد من أفضل ما كتب فى هذا الموضوع، ويكشف فى الوقت نفسه أزمة تجديد الفقه،
ومدى الحرج والمحرمات التي تكتنفه بحيث أنه ارتأى أن الاجتهاد فى مجال
الفقه لا يتعدى نوعين: الأول الاجتهاد "الانتقائي" وهو يعنى به "اختيار أحد
الآراء المنقول فى تراثنا الفقهي العريض للفتوى أو للقضاء به ترجيحاً له
على غيره من الآراء والأقوال الأخرى" والثاني وهو الاجتهاد "الإنشائي" وهو
"استنباط حكم جديد فى مسألة من المسائل لم يقل به أحد السابقين سواء كانت
المسألة قديمة أو جديدة" .
وتعرض للمزالق التي ينزلق إليها العديد من دعاة الاجتهاد وانتقد بعض ما
ذهبوا إليه مثل جواز استلحاق اللقطاء
–
الذي أخذت به المحكمة الشرعية العليا فى البحرين عام 83، وما اقترحه أحد
الكتاب من اعتبار صيغة
]فاقطعوا
أيديهما[
ـ{المائدة 38،39} فى حالة السرقة، وصيغة
]والزانية
والزانى فاجلدوا..[
ـ{النور 2} باعتبارهما للإباحة وليس للوجوب كما فى الآية
]يا
بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا
إنه لا يحب المسرفين[
ـ{الأعراف 31} وكذلك جواز زواج المسلمة
بكتابي على أساس أن القرآن إنما حرم
الزواج بالمشرك والكتابي ليس مشركاً.. وما ذهب إليه الدكتور شوقي إسماعيل
شحاته والدكتور محمد شوقي الفنجري من اعتبار البترول فى الدول العربية "ركازاً"
يجب أن تؤخذ منه الزكاة. وكذلك تحريم الزواج بأكثر من واحدة وإباحة وضع
"الباروكة" للسيدات .
وانتقد كذلك ما ذهب إليه الدكتور عبد الحميد متولي أستاذ القانون الدستوري
من اشتراط أن يكون الحديث الذي يعمل به فى المجال الدستوري متواتراً أو
مشهوراً. وأشار فى لمحه خاطفة "ومن ذلك ما صرح به شيخنا العلامة الشيخ محمد
أبو زهرة رحمه الله فى ندوة التشريع الإسلامي فى ليبيا من إنكار عقوبة
الرجـم فى زنى المحصن (ص 144) .
وقد رد الشيخ القرضاوي على هذه الاجتهادات بردود قوية مستمدة من الأدلة
الفقهية. ومن القاعدة التي يأخذ بها "حيث يوجد شرع الله، فثم
المصلحة" ولو أنه لم يحصر اجتهاده فى الأطر الفقهية المتبعة، أو أصول
الفقه المقررة.. وأخذ بما ذهب إليه أبن القيم "حيثما يكون العدل فثم شرع
الله" أو أخذ بما ذهبنا إليه من ضرورة ضبط السُنة بمعايير القرآن
والتمييز بين الوحي القرآني والوحي السني الذي لا يعطى للسُنة تأبيد
القرآن.. نقول لو لاحظ هذا كله فلربما وجد مسوغاً لبعض هذه الاجتهادات
المنبوذة .
وعلى كل حال
–
فإن هذه الاجتهادات التي أصلت عليها الشيخ القرضاوي سيفه تنم عن الطبيعة
الجزئية لمعالجة الفقه. أما بالنسبة لتجديد أصول الفقه
فهذا ما لم يتصد له أحد فيما نعلم باستثناء محاولتين فى هذا الصدد.. قام
بالأولى الدكتور حسن الترابي وعالج الثانية الشهيد سيد قطب
وجاءت مساهمة الدكتور الترابي فى رسالة موجزه (حوالي 80 صفحة) من القطع
المتوسط تحت أسم "تجديد أصول الفقه" ويبدو أن حجم الرسالة حال دون أن تتضمن
رؤوس مواضيع هذا التجديد، واقتصرت على إيضاح ضرورة هذا التجديد
–
وهذا فى حد ذاته "يمثل قفزة" فى الفكر الذي يدلى به المشاهير. ويذكر
للدكتور الترابي أنه أشار إلى الأثر السيئ للمنطق الأرسطي على الفقه
الإسلامي، وأنه أصابه بالشكلية والصورية، ولا أعلم هل الدكتور الترابي هو
السابق فى هذا أو أنه من السابقين. ولكن إشارته على إيجازها. تمثل إضافة
منشئة .
ومع إيجاز الرسالة فقد تعرض الدكتور الترابي للنقد من كثير من الدوائر
المحافظة ولم تشفع له ثقافته الرفيعة، ولا كفاحه الجماهيري فى الدعوة
الإسلامية السودانية .
أما الشهيد سيد قطب رحمه الله فقد استبعد كل المحاولات التي توضع لإصلاح
الفقه، أو تجديده، من منطلق أن هذا كله عبث ما دامت الشعوب المسلمة لم
تستكمل العقيدة الصحيحة التي محورها
–
فى نظره –
الحاكمية الإلهية. وأن هذه المحاولات ما هي إلا ترقيع. وتصليح فى الأوضاع
القائمة، وتستر على النقص الرئيسي.
وقد شرح هذه الفكرة فى تفسيره "ظلال القرآن" وفى كتاب "معالم الطريق"
وكتاب "الإسلام ومشكلات الحضارة" الذي قال فيه "إن محاولة وضع أحكام
تشريعية فقهية إسلامية لمواجهة أقضية المجتمع الذي تعيش فيه البشرية، والذي
ليس إسلاميا، لأنه لا يعترف بأن الإسلام منهجه، ولا يسلم للإسلام أن يكون
شريعته .
إن محاولة وضع أحكام تشريعية لأقضية مثل هذا المجتمع، ليست من الجد فى شيء.
وليست من روح الإسلام الجادة فى شيء. وليست من منهج الإسلام الواقعي فى شيء
...
إن الفقه الإسلامي لا يستطيع أن ينمو ويتطور ويواجه مشكلات الحياة إلا فى
مجتمع إسلامي ! مجتمع إسلامي واقعي، موجود فعلا، يواجه مشكلات الحياة التي
أمامه ويتعامل معها، وهو مستسلم ابتداء للإسلام ! ".
الشهيد سيد قطب هنا، كالشيوعيين الذين يضيقون بكل المحاولات لإصلاح
الديمقراطية والرأسمالية، لأنهم يرفضونها أصلاً ويرون أن هذه المحاولات بما
فى ذلك تكوين العمال لنقابات وإصلاح نظم الانتخاب الخ.. إنما هي محاولات
لمد حياة هذا النظام المطلوب القضاء عليه ..
ولولا أن "الحاكمية الإلهية" استحوزت على الشهيد سيد قطب رحمه الله بحيث لم
تدع له تصوراً آخر لأمكنه أن يقول إننا نرفض هذا الفقه، ومحاولات إصلاحه
وتجميله وترقيعه لأنه لا يعود رأسا إلى القرآن الكريم، ولا الصحيح الثابت
من السُنة، وإنما هو بناء تراكمى أقامته أجيال تلو أجيال من الفقهاء طبقاً
لفهمهم وبحكم مهمتهم وبروح عصرهم، وبخضوعهم للنقص البشرى الذى لا يخلص منه
أحد ..
ومع أنه لم يقل هذا، فإن مسلكه يتضمن
–
فيما يتضمن –
نقداً، أو حتى رفضا للفقه الشائع والمنتشر بين المسلمين. إذ من غير المعقول
أن يكون الفقه الذي يطبقه المجتمع حسناً ثم يكون المجتمع فى "جاهلية"
كالجاهلية الأولى ..
* * *
وهكذا نرى أن هاتين المحاولتين لم يسفرا عن طائل، فموجز الدكتور الترابي لا
يشفى غليلاً، ونقد سيد قطب جاء فى تضاعيف نقده للمجتمع ككل وبدا وكأن تجديد
الفقه لن يجد فارسه، وأن الأمر سيظل على ما هو عليه، وأن من الممكن أن تمضى
المذاهب الأربعة ألف سنة أخرى بعد الألف الأولى ..
ولكن ...
إن الذي خلق الحقيقة علقما
لم يُخْل من أهل الحقيقة جيلاً
كما قال شاعرنا شوقي ..
فقد قفز من المجهول كأنما انشقت عنه الأرض أو سقط من السماء رجل لم يضع على
رأسه عمامة، ولم يدخل الأزهر، أو أى جامعة أخرى، ولم يصل نفسه بحزب أو
وزارة، ولم يرزق شهره مدوية، وإن عُرف فى دوائر محدودة، لأن صلته التي
شغلته ليل نهار كانت بالكتاب الذي عكف عليه من الخامسة من عمره حتى ناهز
الثمانين درس فيها القرآن الكريم مراراً وتكراراً وألم بالسُنة النبوية (1)
والأدب العربي من منابعه الأولى حتى الكتابات العصرية وكاد أن يحفظ المتنبي
وشوقي. ثم مارس العمل التطوعي كتجربتيه فى الإصلاح الاجتماعي (جمعية رعاية
المسجونين ومحاولته ترشيد الحركة النقابية) .
* * *
وفى سنة 1946 نشر جمال البنا كتابه "ديمقراطية جديدة" الذي تضمن فصلاً
بعنوان "فهم جديد للدين" أنتقد فيه الحماسة التي غلبت على الإخوان
المسلمين الذين كانوا وقتئذ في الأوج وقال "لا تؤمنوا بالإيمان..
ولكن آمنوا بالإنسان" وعرض فى هذا الفصل لفكرة "المصلحة" كما جلاها
الفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي. وكان السيد رشيد رضا رحمه الله قد بعثها
وقتئذ من مرقدها عبر القرون ونشرها فى المنار.. والتقطها جمال البنا .
عندما كتب جمال البنا سنة 1946 عن فهم جديد للدين وقدم توجيها للإخوان
المسلمين وعرض لفكرة الطوفي لم يكن الذين يبلغون الخمسين
من عمرهم اليوم ويتقلدون مناصب الأستاذية والعمادة الخ.. قد ولدوا بعد
وعندما أصدر سنة 52 كتابه "مسئولية الانحلال بين الشعوب والقادة.. كما
يوضحها القرآن الكريم" كان هؤلاء السادة أطفالاً يلبسون البنطلون القصير
ويلعبون فى الحارة!
* * *
وفى العشرين عاماً الأخيرة كثف جمال البنا دراساته وكتاباته الإسلامية
فأصدر قرابة عشرة كتب لعل أبرزها "الأصلان العظيمان: الكتاب والسُنة" و
"الإيمان بالله لدى السلف والمحدثين" و "كلاً ثم كلاً. كلا لفقهاء التقليد
وكلاً لأدعياء التنوير" و "الإسلام والعقلانية" وغيرها مما يضيق عن سرد
أسمائها هذا التصدير، وكلل هذا العقد ألعظيم
بكتابه "نحو فقه جديد" الذي
صدر فى ثلاثة أجزاء من عام 1995
–
حتى عام 1999م ..
بعد هذا يقولون "إنه غير مختص" .
وما يضيره من هذا ..
وقد قالوا من قبل عن أبيه، الذي صنف أكبر موسوعة فى الحديث (مسند الإمام
أحمد بن حنبل) وهو ما عجز عنه الأوائل لمدة ألف عام، وصنفه وأضاف إليه
شرحاً وتخريجاً وأحكام كل باب فى مثل الأصل. ثـم قام وهو الرجل الفقير الذي
يعيش من عمل يده، فطبعه ونشره على حسابه .
قالوا عنه "ساعاتي" ..
وماذا يضيره وقد قالوا عن شقيقه العظيم الذي أسس الهيئة الإسلامية "الأم"
وترك بصمته على الدعوة الإسلامية فى العصر الحديث، وقدم الإسلام كمنهج
حياه، ثم استشهد فى الأربعين .
قالوا عنه "معلم خط !!" .
ومن قبل هؤلاء قال أسلافهم ..
]لولا
نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم[
..
]أنى
يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال[
فلندعهم فى ضلالهم يعمهون ...
* * *
أثار كتاب "نحو فقه جديد" دوياً فى المؤسسة الدينية، ونظم لقاء لمناقشته فى
جامعة الأزهر بمدينة نصر يوم (23/2/1999) برآسة الدكتور صوفي أبو طالب
وأمانة الدكتور محمد شوقي الفنجري وحضره الدكتور أحمد كمال أبو المجد وعدد
كبير من عمداء الكليات الأزهرية ودعا بعضهم إلى مصادرته .
ولكن تلا هذه الندوة والدوى الذي أثارته سكون، وهدوء لأن الدعوة إلى
مصادرته تحولت إلى ما يشبه مؤامرة صمت وتعتيم أريد بها وآد الكتاب
والحيلولة دون ذكره وانتشاره ..
ولما كانت الفكرة الرئيسية من الكتاب فى ذهن جمال البنا هي إشاعة فكرة
الفقه الجديد بين الشباب والعاملين فى الهيئات العامة باعتبار الفقه أمراً
من أمور الحياة كما هو أمر من أمور الدين، وأن من الضروري أن يلموا بأحكامه
التي تقرر لهم المصير
–
بل وأن يسهموا
–
بقدر استطاعتهم
–
فى إثراء هذا الفقه بحصيلة تجاربهم وخبراتهم أو آمالهم وتطلعاتهم نقول لما
كان هذا هو المراد من تأليف الكتاب. ولما كان بحجمه الكبير وثمنه المرتفع
وبما تضمنه من تفاصيل قد يشق على القارئ العادي استيعابها فقد أصبح من
الضروري اختصاره فى الحجم والتركيز على النقاط الحيوية بعد استبعاد الشروح
أو الدفوع الخ.. بحيث يصدر فى قرابة مائتي صفحة، وأن يعرض بثمن يستطيع
القارئ النمطي أن يدفعه .
وهذا هو السبب لماذا أصدرت دار الفكر الإسلامي هذا العمل ..
وهناك عوامل أخرى تدخلت، وسهلت هذا العمل أو أسرعت به سيتحدث عنها المؤلف
فى مقدمته ..
إن دار الفكر الإسلامي تحمد الله تعالى أن مكنها من إصدار هذا العمل، كما
مكنها من قبل من إصدار الأجزاء الثلاثة له ..
]قل
بفضل الله وبرحمته فليفرحوا هو خير مما يجمعون[
..
دار الفكر الإسلامي
رجـب
1423
القاهرة :
سبتمبر 2001
|