مقدمة المؤلف
يعد الفقه الإسلامي أعرق وأعظم النظم القانونية، فهو الوحيد الذى ظل يطبق
منذ ألف وأربعمائة عام، وهو الوحيد الذى تعاون على إقامته علماء وفقهاء من
أقصى سيبريا الباردة حتى أعماق أفريقيا الحارة، ومن أقصى الغرب إلى أقصى
الشرق. كلهم يعملون بهدف التقرب إلى الله بتدعيم هذا الفقه الذى يستمد
جذوره من القرآن الكريم والرسول العظيم .
ولا تقف أهمية ومنزلة الفقه الإسلامى عند هذا، إنه أشمل نظام قانونى فى
العالم فهو يضم بالإضافة إلى العقيدة الإيمانية
–
عالم العلاقات والأوضاع، وما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الرجل والمرأة
الحاكم والمحكوم الغنى والفقير صاحب العمل والعامل. وقد يكون أشمل من هذا
إذا أخذنا بما ذهب إليه الإمام الشافعى
–
واضع أصول الفقه من أن "كل عمل لأبن آدم فيه حكم، يتعين معرفته والوصول
إليه" وهذا الحكم قد يبينه الله تبارك وتعالى فى قرآنه، وقد يبينه رسول
الله
r
فى سننه، وقد يستنبطه العلماء المجتهدون من القرآن والسُنة. وهو إما أن
يكون الوجوب أو الحرمة أو الندب، أو الكراهية، أو الإباحة " .
إن هذه المنزلة الرفيعة وما خلفته من تراث رائع لا تعنى أن نوثن هذا الفقه
أو نجمد عليه، بل إنها تملى علينا أن نجدد فيه بما يكفل له التعايش مع
العصر والقدرة على مجابهة تحدياته، وبعضها جديد لم يخطر ببال الأسلاف.
فضلاً عن المبدأ المسلم به فما دام الفقه الإسلامى فقه حياة، فلابد أن
يتجدد ويسير مع الحياة ..
وقد شغلنى هذا الموضوع منذ أن ضمنت كتابى "ديمقراطية جديدة" 1946 فصلاً
بعنوان "فهم جديد للدين" تناول فيما تناوله فكرة المصلحة كما جلاها نجم
الدين الطوفى، وظل تجديد الفقه طوال هذه المدة هما مقيما حتى صحت النية على
القيام بهذه المهمة بعد أن تقاعس الجميع عن القيام بها حتى أصبح فرض عين
وخلال المدة من 1995 حتى 1999 أصدرت الأجزاء الثلاثة التى حملت أسم نحو
فقه جديد وضمت قرابة 700 صفحة كتبت بطريقة ومنهجية وأسلوب يختلف كل
الاختلاف عن المعالجات الأكاديمية أو الفقهية المألوفة واستهدفت به المثقف
المسلم النمطى، وليس الفقهاء .
ولكنى وجدت نفسى فى مأزق. فالكتابة عن "فقه جديد" لا يمكن أن تؤدى فى حجم
أقل مما صدرت فيه الأجزاء الثلاثة ولكن هذا يحول دون أن يصل إلى القارئ
المطلوب أى المثقف المسلم النمطى
–
الذى لا يجد الوقت، أو المال، أو لا يتيسر له المستوى الفكرى لمطالعة
الأجزاء الثلاثة، وبهذا لا يبلغ الهدى محله ولا يدرك الكتاب رجله ..
حلاً لهذه المشكلة رأيت أن أكتب ملخصاً للأجزاء الثلاثة يعرض لب الفكرة وإن
خلاً من التفاصيل فى قرابة مائتى صفحة بحيث يتيسر لعامة المثقفين
الإسلاميين شراءه والإلمام به والإفادة منه .
وكانت نيتى أن أنشره فيما تنشره لى دار الفكر الإسلامى، ولكن أخى الكريم
المستشار الدكتور محمد شوقى الفنجرى أقترح أن أتقدم بهذا الكتاب إلى
المسابقة فى موضوع "تجديد الفقه الإسلامى" وقبلت ذلك رغم أن مبدئى
هو عدم الدخول فى مسابقات أو تقبل جوائز، وإنما لأن ذلك سيتيح للكتاب
نشراً، أو أنه سيعين على جعل ثمنه مدعما ..
وقد كان، وأستحق الدكتور الفنجرى الشكر الجزيل. لمساهمته تلك التى أمكن بها
تيسير الكتاب بثمن مدعم ..
جمال البنا
|