الإيمان بضرورة التغيير لم يعـد إجماعًا شعبيًا فحسب ، ولكن ضرورة تفرض نفسـها فرضًا عندما وصل الخلـل وعم الفساد كل مرافـق الحياة بحيث يستحيل الإصلاح ، عندئذ لابد أن يحدث تغيير ، فهذا عهد كان يجب أن يُخصم منه مدتان رئاسيتان (12) سنة ، ولكنه الآن يطالب بمدة جديدة متحديًا طبائع الأشياء .
فالتغيير آت .. آت .. لا مناص منه .
ما تختلف فيه الرؤى والتصورات هو الشكل الذي يأخذه التغيير والمقدمات التي تسبقه مباشرة ، وتؤدي إليه وتعرض لنا تجارب المجتمعات الأخرى صورًا عديدة ، بعضها لم يكن يخطر بالبال ، فعندما عجزت المقاومة الفلسطينية ، ظهرت ثورة الحجارة التي قام بها فتيان ومراهقون لا يملكون إلا الحجارة يلاحقون بها الإسرائيليين في كل مكان فيثيرون ثائرتهم ، وفي الثورة الثقافية الصينية في الأيام الأخيرة لماوتسي تونج حلت الحوائط والجدران محل الصحافة ، كما حشدت شرائط الكاسيت التي استحث فيها آية الله خميني الشعب على الثورة ، الشعب وكتلته للثورة على الشاه وقواته العسكرية وجهاز مخابراته الرهيب «السافاك» ، وأدت طلقتا مدفع من البارجة «أورورا» التي هيمن عليها الشيوعيون إلى فرار الوزارة وسقوط الحكم القيصري .
وقد يحدث حدث قد لا يكون له شأن خاص ، وقد تذهب به الريح ، ولكن بفضل ملابسات خاصة يذهب بالأوتاد .
من هذا مثلاً أن اللورد كرومر عندما شكل محكمة دنشواى ، فإنه أعطى الفرصة لمصطفى كامل لأن يثير العالم عليه واضطرت بلاده لأن تسحبه رغم أنه كان من أنجح بناة الإمبراطورية ، وانتهى عهد الأمر والنهي وجاء عهد المهادنة والملاينة
وأزعم أننا اليوم أمام مثل هذا الحادث ، فعندما حاصر اثنان من عتاولة المخبرين من ذوي الماضي الإجرامي شابًا يدعى خالد سعيد كان في مقهى فقيدوا يده خلف ظهره ، وأخذا يضربانه بوحشية ودفعوا رأسه في شريحة رخامية بالمقهى وسحلوه إلى مدخل إحدى العمارات وظلا يضربانه وهو يستغيث حتى مات بعد أن تهشم وجهه ، وتساقطت أسنانه .
ومن اللافت للنظر أن كل الجرائد نشرت صورة حقيقية له .. شاب مبتسم يمتلأ حياة وآملاً .. وصورته بعد الضرب الوحشي الذي حطم أنفه وأسقط أسنانه .. صورة شنيعة رهيبة تثير الغضب .
وكل أخوة هذا الشاب لديهم جنسية أمريكية ، وهو الوحيد الذي لم يُعن بذلك .
هذا الحادث على وحشيته ليس إلا حالة يحدث مثلها كثير ، ولا يترك أثرًا خاصًا
ولكن الملابسات في المجتمع الدولي ، وفي المجتمع المصري أعطياه أهمية خاصة ، وأتاحت له الفرصة ليكون القشة التي تقصم ظهر البعير .
ظفر الحدث من الصحافة بتغطية كبيرة وواسعة وكتب عشرات الكتاب الذين فطنوا إلى دلالته ، وهي نهاية النظام ، لأنه لا يقنع من الآخرين إلا بالقتل ولا يستمع للاستغاثة ، والحال معنا ومعه إما قاتل أو مقتول ، فإذا لم نقتله قتلنا .. ودلالة ذلك بدء التغيير وانهيار النظام .
كتب في هذا المعنى الدكتور سعد الدين إبراهيم في (المصري اليوم) .
وكتب الدكتور علاء الأسواني في (الشروق) .
وكتب إبراهيم عيسى في (الدستور) .
وكتب الدكتور نادر فرجاني بلغة يمكن أن تضعه تحت طائلة القانون .
وكتبت الدكتورة هبة رؤوف عزت في (الدستور)
وكتب آخرون في صحف أخرى .
ولم يقتصر الأمر على الداخل إن أنباء هذا الحدث الوحشي وصلت إلى الخارج الذي كان لا يزال يعالج آثار العربدة الإسرائيلية الوحشية على قافلة النور التي تحمل غذاءً وكساءً ولعبًا للأطفال ، فجاء هذا الحادث فجدد ثورتهم ، وقامت المظاهرات في معظم عواصم العالم الأوروبية والأمريكية .
باختصار كان الجو مهيئاً في الداخل والخارج لأولى انطلاقات حركة التغيير .
وكان يجب على دعاة التغيير أن يهتبلوا الفرصة فينشروا صورة مكبرة لرأس خالد سعيد المشوهة ، وأن يطبعوا منها مئات الألوف .. إنها «قميص عثمان» في هذه القضية ، والشاهد على جبروت العهد وإرادة القتل وضرورة التغيير .
* * *
نحن أمام مأساة حقيقية !!
قد قامت بالفعل محكمة دنشواي جديدة ، دون أن تجد مصطفى كامل الذي يجيش الشعب ، ويثير العالم الأوروبي ، ويجعلها نقطة البداية في تفعيل التغيير ..
وفات الفرصة .. وتضاءلت الأخبار التي كانت تعم الصحف حتى كاد الحدث أن يُنسى في بلد (كل شيء فيه يُنسى بعد حين) .
لقد رأيت ــ وما زلت ــ أن الدكتور البرادعي هو مبعوث العناية الإلهية لقيادة حركة التغيير ، ورأيت فيه الشخصية المطلوبة تمامًا لهذا الدور التاريخي باعتباره شخصية دولية تظفر باحترام كل دول العالم ولا يستطيع النظام أن يتلاعب به أو يتهمه
حقاً إن «رزانة» الرجل وهي صفة مطلوبة ، ولها مزاياها ولكنها حالت دون أن يلتقط الفرصة التي أتاحتها حماقة النظام ، لقد قال مرة أنه لن يسير في مظاهرة من خمسين شخصًا ، ولكن هذه مناسبة لحشد الألوف المؤلفة وراءه ، وما كان يجوز إفلاتها .
المفروض أن يكون للرجل أركان حرب أمثال الدكتور أبو الغار والدكتور الأسواني والدكتور نافعـة أو جورج إسحق أو الدكتور الفرجاني وغيرهم ممن لا أعرف ، وأن يعمل هؤلاء جميعًا كأسرة واحدة يستكمل كل واحد ما ينقص الآخر ، وكان يمكن أن يعهدوا بعملية الإثارة في الخارج للدكتور سعد الدين إبراهيم في الدول الأوروبية والأمريكية ولا يقال استقوى بالخارج ، فالمسألة ليست داخل وخارج ولكنها الحق أمام الباطل ، والشعب في مواجهة الجلادين ولكن الأحداث سبقت التنظيم ، ففاتت الفرصة ، ولكني أطمئن دعاة التغيير أن حماقة العهد لن تقف عند حد وستظهر صورًا عديدة كلما يتقدم الوقت بإجراء انتخابات مجلس الشعب والرئاسة ، وعندئذ سيكون الجو مستعدًا لتقبل أي عمل للتغيير .
أنادي الدكتور البرادعي أن يمضي قدمًا ، ولا يأبه بأس شيء ، فإنه أمل الأمة ، وأنادي الجميع أن يضعوا يدهم في يده ، وأدعوا الأحزاب أن تنسى حساباتها الصغيرة ، وأن ترفض إغراء الحكومة بتقديم بعض مقاعدها ، إن القضية أعظم من ذلك ، والتغيير الشـامل الكامل هو الأمل الوحيد ، ويمكن التوصل إليـه بطريق آمن ، وبهـذا نتفادى الفوضى ، فإذا لم يتم هذا فأمامنا الطوفان .
وهناك نقطة أخرى ، تلك أن دعـاة التغيير لم يتوصلوا إلى اتفـاق حازم مع الإخوان ، لأن الإخوان هم الذين سيحققون الترجيح ، وهم الذين يملكون الشارع .
وأقول للدكتور البرادعي أن يبذل جهده معهم ، وأن يطرح بالطبع كل الدعاوى الفارغة التي يثيرها الجهلة والمغرضون عن الهيئة المحظورة ، كما يجب طي صفحة بعض الأخطاء الصغيرة التي تورطت فيها الجماعة ، فمن ذا الذي لم يخطئ .. ولكن الحساب يجب أن يكون على السياسة العامة .
وقد أخطأ الإخوان سنة 1954م خطئاً تاريخيًا لن يغتفر لهم لأنهم كانوا القوة الوحيدة التي يمكن أن تعيــد العساكر إلى الثكنات ، وتبـدأ عهدًا ديمقراطيًا ، ولكنهم تخاذلوا ، وجازت عليهم خدعة عبد الناصر ، وكانوا هم أول من دفع الثمن مضاعفاً .
لا يجوز للإخوان أن يخطئوا مرة ثانية ، وقد منحهم الله فرصة جديدة ليحققوا إرادة التغيير ، ليصلحوا خطئهم القديم بدعم قضية التغيير .
أنادي المرشد العام الدكتور بديع أن ينشر مقال الإمام الشهيد حسن البنا الذي كتبه سنة 1946م لحزب الوفد تحت عنوان «نحن وطنيون .. لا سياسيون .. ولا حزبيون» ، ويطبع منه مليون نسخة ليعلم الناس جميعهم طبيعة الإخوان المسلمين (وقد نشرناه في الجزء الخامس من كتاب «من وثائق الإخوان المسلمين المجهولة» ، ص 293) ، وأنهم لم يكونوا أبدًا من الذين يستهدفون الحكم لأنفسهم .
على الجميع أن يذكر أن المطلوب الآن هو التغيير ، وهذا التغيير هو الذي سيوجد المناخ الذي سيجعل من الممكن حل كل الخلافات بطرق ديمقراطية وحرة .. لا يظلم فيها أحد .
فإذا كانت فرصة مقتل خالد سعيد قد فاتت ، فلا تأسوا على ما فاتكم ، وتعلموا الدرس ، وستعطي حماقة النظام فرصًا أخرى .
* * *
نشر أحـد مواقع الإنترنت المغمورة تصريحات تناقض تمامًا آرائي في بعض القضايا العامة ، ولن أشير إلىالموقع ولا إلى الموضوع حتى لا أعطيهم شهرة لا يستحقونها ، ولكني أقول للجميع لا تصدقوا ما يقال أو يُنشر عن جمال البنا ، ولكن اسمعوا بآذانكم وأقرأوا بعيونكم ما كتبه جمال البنا بيده حتى لا تجوز عليكم الأباطيل ، أما الموقع المغمور فسنتخذ اللازم نحوه .