دل الخلاف المحتدم ما بين المحامين والقضاة واستمراره مدة طويلة أعلن فيها المحامون الإضراب عن شهود القضايا ، فتعطلت مصالح ، وتضرر قضاة ، وفي الوقت نفسه فإن المحامين لم يكونوا سعداء بالموقف الذي وضعتهم فيه الملابسات القاهرة .
نقول .. دل هذا الخلاف المحتدم على أن الأمر أكثر من خلاف ما بين محام ووكيل نيابة ، ولو كان كذلك لسُوي بأهون الطرق ، ولكن الحقيقة أن بناء العدالة في مصر لا يقوم على الأساس السليم المفروض له ، وأن هذا الأمر المعيب لم يكن موضوعًا لنقد ، ولا لتغيير فقد تقبله الجميع كما لو كان قدرًا مقدورًا .
معروف أن الحكم الديمقراطي يقوم على وجود ثلاث سلطات ، سلطة تنفيذية تمثلها الحكومة والوزارة ، وسلطة تشريعية يمثلها مجلس النواب المنتخبين من الشعب لوضع القوانين ومراقبة السلطة التنفيذية حتى لا تشط أو تجاوز إطارها ، وسلطة قضائية تمثل العدل المحايد الذي يفصل في الخلافات بين الناس بعضهم بعض ، وبين الناس والدولة ، وبين الدولة بعضها بعضًا ، ويتقبله الجميع على أساس أنه العدل .
ومن المسلم به أن كل سلطة من هذه السلطات تكون مستقلة عن السلطات الأخرى لها كيانها الخاص ومجال عملها ولا تتدخل في عمل السلطات الأخرى ولا تتدخل السلطات الأخرى في عملها ، واعتبر هذا المبدأ ــ الفصل بين السلطات ــ أصلاً رئيسيًا في قيام النظام الديمقراطي .
إذا كان هذا هو الأساس المسلم به في الحكم الديمقراطي ، فهل يتسق أن يكون في صميم السلطة التنفيذية وزارة تحمل اسم وزارة العدل ؟؟
المفروض أن هذا عدوان صارخ على مبدأ الفصل بين السلطات ، وأنه تغول من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية .
ووجود هذه المخالفة الرئيسية استتبعت وجود الكثير من الأوضاع السقيمة ، فقد تفرع منها قيام النيابة العامة كفرع من فروعها ، فالنائب العام مسئول أمام وزير العدل ووكلاء النيابة كلهم يتبعون النائب العام وضم إليها الطب الشرعي والعديد من المسئوليات .
وقد قلنا من الخمسينيات في كتابنا «القانون والقضاء في المجتمع الاشتراكي» إن نظام النيابة يجمع بين الأضداد فهي سلطة تحقيق وفي الوقت نفسه هي سلطة اتهام في حين أنه لا يمكن أن يجتمع هذان ، ومن ناحية أخرى فإن وكيل النيابة يمنح سلطة أكثر من أي موظف عمومي ، أو قاض أو حتى رئيس الجمهورية لأنه يملك برأيه الخاص أن يأمر بسجن المتهم أربعة أيام «ويجدد له» ولا يستطيع أحد أن يعترض أو يستأنف أو يوقف ذلك ، فإذا ذكرنا أن وكيل النيابة هو أصلاً من أوائل خريجي كلية الحقوق ، أي أن شاب ما بين العشرينيات والثلاثينيات ، ويمنح هذه السلطة التي لا رقابة عليها ، فلابد أن تفسده السلطة ، لأن السلطة بطبيعتها مفسدة ، ومايضعها عند حد هي الحرية ، والحرية هنا مفقودة تمامًا .
لقد جعلت هذه الملابسات الصفة القضائية لوكيل النيابة في خدمة صفة الاتهام وقد أرادت النظم الحاكمة الإبقاء على نظام وكيل النيابة كأداة لإيقاع الخوف في نفوس الشعب ، وقد قام بهذه المهمة فعلاً ، وإذا كان وكيل النيابة يتعالى على محام كان زميلاً له في الكلية ، وربما سابقاً عليه ، فكيف لا يتعالى على المتهم المسكين ، خاصة إذا كان كبقية عباد الله من شعب مصر فقيرًا .. ومريضًا ، وإذا كان المتهم كبقية الشعب وليس شخصًا مميزًا ، وفي الوقت نفسه فقيرًا لا يدفع كفالة ــ وهذا هو وضع أغلبية الشعب ــ فإن السجن الاحتياطي يصبح إجراءً عاديًا .
إن حبس متهم أربعة أيام احتياطيًا لهو غاية الظلم ، لأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته ، والسجن أربعة أيام قد تقضي على حياته ، وعلى مستقبله ، وقد تصيبه بأمراض ، بل إن مجرد ركوب عربة الترحيلات المهينة عقوبة وانتهاك لإنسانيته ، فما بالك بالسجن الرهيب .
ألا يعلم وكيل النيابة المحترم أن جرة قلمه يمكن أن تحول مصائر الألوف من الشعب إلى الأسوأ أو أن تكون نقطة تحول محزنة في تاريخه .
الوضع السليم ــ مادام الأمر أمر تحقيق ــ أن يقوم به قاضي وأن يلحظ فيه كل ما يفترض أن يتوفر في القاضي من حكمة رأي ونضوج سن وإيمان بالعدالة ، وأن يكون هو الذي يقرر مصير المتهم .
وحدث في أيام عبد الناصر مذبحة للقضاة الذين رفضوا طلب وزير العدل أن يكونوا أعضاء في الاتحاد الاشتراكي يكتبون التقارير عن زملائهم ، على أن أسوأ صور تغول وزير العدل وتدخله في شئون القضاء هو ما حدث أخيرًا وما أحرج القضاة حرجًا شديدًا فقد لاحقهم بالمضايقات مرة بعد أخرى حتى اضطرهم لتجاوز تقاليد مهنتهم النبيلة ، فأشهدوا العالم على ظلمهم في وقفات احتجاجية ، وهم القوامون على العدالة .
لقد كان ذلك إعلاناً لا يطلب شيء بعده عن خطأ تكوين وزير للعدل في صميم السلطة التفيذية ، وإلحاق النيابة بها من ناحية والطب الشرعي من ناحية أخرى ، هذا الطلب الشرعي الذي رأينا منه العجب العجاب في تشخيص حالة قتيل المخبرين ، ولكن هذا يفهم في سر تبعيته لوزارة العدل .
* * *
يقولون رب ضارة نافعة ..
هل تثير الأزمة القائمة الآن القضية من جذورها بحيث تؤدي إلى تحقيق الوضع السليم للمحامين والقضاء حتى لا تتكرر المنازعات ، بل وحتى تسري الديمقراطية في دماء القضاء بحيث يحقق العدل .
هل يمكن أن نعيد النظر في كل هذا البناء الذي ورثناه عن عهود لم تكن أفضل العهود .
هل يمكن أن نلغي وزارة العدل والنيابة العامة ونعيد العدل كله إلى أهله إلى «ديوان القضاء» ؟؟؟
هل يمكن أن نتخلص عن وكيل النيابة ونأخذ بقاضي التحقيق ؟؟؟
هل يمكن أن يكون كل ما يتعلق بالقضاء لا يعود إلا إلى القضاة أنفسهم ، فهم الذين يشكلون ديوان القضاء الذي يعالج قضاياهم ومشاكلهم ــ من الألف إلى الياء ــ دون تدخل من السلطة التنفيذية .
هل يمكن أن تلحق السجون بديوان القضاء حتى يطمئن القاضي وهو يحكم بالسجن إلى أنه لا يسلم المتهم إلى جلاد وبذلك يكون شريكاً بطريقة ما .
هذه هي كلها الأوضاع المثلى التي يجب أن تكون ، والتي أعتقد أن القضاة كلهم يؤمنون بها ، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نتمسك بأذيال تراث فرض على الشعب ولم يستطع أن يتحرر منه ، وإذا لم نتحرر منه الآن ، فمتى نتحرر ؟؟؟
هناك نقط أخرى هامة تلك هي أن مقررات كلية الحقوق تدرس بكلية الشرطة ــ أو هكذا يقولون ــ وبالتالي فيمكن أن نجد على منصة القضاء قاضي أصله من كلية الشرطة ، وتعلم أداب الضبط والربط والتعالي على الشعب فيما تعلمه كلية الشرطة .
نحن نقول هذا لا يستقيم مع العدالة والقضاء ، ويجب أن لا نقبل على منصة القضاء من تعلم في كلية الشرطة ، ومن يحكم في القضاء بمناهج الشرطة .
وأخيرًا نأتي إلى المحامين ، القضاء الواقف الذي وقف حتى كادت رجلاه أن تخذلاه فيهوي إلى الأرض .
إن القضاة والمحامين هما يدا العدالة أو جناحاها يعملان معًا للبحث عن الحقيقة وللحكم بالعدل ، وقد تلقيا دراساتهما في كلية واحدة ، وقد وقف المحامون مع القضاة في أزمتهم ، كما أنقذ القضاة المحامين من أحكام أصدرتها السلطات مجاوزة للعدالة .
وحقيقة أن القضاة والمحامين أسرة واحدة ظهر في أن مشكلة طرف تؤثر على الطرف الآخر ، فقلة عدد القضاة أدى لبطالة ألوف المحامين الذين لا يجدون عملاً في حين ينظر القاضي في رول الجلسة 300 قضية ، وكان من الممكن أن يُعين ديوان القضاء خمسة آلاف قاض من كبار المحامين الذين عرفوا بالأمانة والاستقامة وطهارة اليد والتمكن فيخفف عن القضاة شيئاً ما ، ويفتح هذا الباب الطبيعي للانتقال من المحاماة إلى القضاة ، ويقضي كذلك على بطء العدالة بطءً هو نوع من الظلم .
فإذا كان هذا لا يعالج بطالة المحامين المتفشية ، فلماذا لا نفكر في إعداد عدد منهم ليكونوا مدرسين لمادة «القانون والدستور» التي يجب أن تدرس في كل مدارس الجمهورية ، وهم بهذا يعملون في مهنتهم ويضعونها في نفوس الجيل ، وهي مهمة نبيلة لا تقل في أثرها الإصلاحي عن الدفاع عن العدالة .
إن هذا سيمتص عشرات الألوف ، وسيحقق لهم كياناً مستقرًا كما سيؤدي إلى تعليم الطلبة القانون وتعريفهم بحقوقهم وبواجباتهم ودستورهم .
* * *
شكرًا للقراء على تعليقاتهم ، فقد كان واجبًا وطنيًا ، كما أنه واجب إسلامي أيضًا .