نستأنف الحديث عن مقومات «المجدد العظيم» ...
خامسًا : من مقومات المجدد العظيم أن لا يقرب السلطة وأن يرفض كل إغراءات قبول منصب ، وأن يحرص على وجود مسـافة بينه وبين السلطة ، وهـذا لا يمنع من أن ينصح ، أو يعارض ، أو حتى يستحسن إذا أحسن الحاكم ، ولكن هذا كله شيء وأن يكون هو نفسه جزءً من السلطة ، فإن هذا لا يقضي على استقلاليته فحسب ، بل أيضًا يقربه من السلطة والحاكم قدر ما يبعده عن الجماهير والشعوب . وعليه أن يستبعد تمامًا فكرة أنه سيصلح ؛ لأن انخراطه في السلطة سيبعده عن تحقيق هدفه أكثر مما يقربه إن لم يشركه في شر السلطة ، والخط السليم أن يقف موقف «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ، ولا يتأتى له هذا إلا وهو بعيد عن السلطة
وهذا هو ما تبينه السيد فضل الله ، وما حرص عليه ، فقد كان مع الخميني قبل أن يلي السلطة وعزف عنه بعد توليه الحكم ، وقد أسهم في تكوين حزب الدعوة ، وكان هو روح حزب الله ، ولكنه لم يشغل أبدًا منصبًا فيهما ، وقنع بأن يكون المرشد الروحي والفكري لهما .
سادسًا : يفترض في المجدد العظيم أن لا يستهدف ثراءً ، وأن لا يؤخذ بمتاع الدنيا ، فهذا بالنسبة إليه عرض زائل لا يجوز أن ينزلق إليه المجدد ، وعندما ينصب المجدد نفسه لهذه الرسالة فعليه أن ينفض يديه من أي منصب ، أو ممارسة مادية ، أما من أين يأكل فحسبه «لقيمات يقمن صلبه» ، فإنه لا يكون مجددًا بكثرة الأكل أو بروعة اللبس ، وإنما بالإيمان والعمل .
على أن الرجل الذي يعمل في خدمة المبدأ والقضية العامة لا يعدم من يريحه من غمرات الاشتغال لكسب العيش ، وكان الرسول يعيش على أموال خديجة كما كان ماركس يعيش بفضل إعانة إنجلز ، والرجل المسلم الذي يتجرد للدعوة لن يحرم من «رزق من عند الله» بوسيلة أو بأخرى بل إن الداعيــة إذا كان ثريًا فعليه أن يخلص من هذا الثــراء ولا يبقي منه إلا ما يكفي للقوت ، لأنه عبء عليه يجب أن يخلص منه ، وهو يثقله في الآخرة حتى يدخل الجنة حبوًا ويحجز بينه وبين الشعب والجمهور ويحرمه من المشاركة الوجدانية للناس قدر ما يلوث صورته في عيون الناس ، وأي شيء أبلغ من «إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» ، وما أكثر ما نجد في القرآن «وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ».
سابعًا : ومن أهم ما يجب أن يتوفر في المجدد العظيم هو أن يتعامل مع النص ككائن حي وليس كحرف مجرد ، وكجزء من حركة المجتمع ، وأن المهم في النهاية هو المعنى الذي يجب أن يتعرف عليه خلال السياق وباستلهام روح الإسلام ومقاصد الشريعة ومقتضيات القيم العليا التي جاءت بها الأديان من حرية ومساواة وخير ومعرفة .. إلخ ، وعليه أن يركز على النص القرآني بصورة أساسية ، وتكاد تكون وحيدة ، ولا يسمح بأن يفتات عليه أي تفسير أو نص آخر كائناً ما كان .
إن المجدد العظيم لابد أن يتوفر له الذكاء الذي يجعله يرى أن العدو الحقيقي للدين ليس انصراف الناس إلى الشهوات ، ولكنه التركيز على شكليات العبادة دون جوهرها ؛ لأنه جرد الدين من روحه وجعله طقوسًا ، فلم يعد للدين من أثر في حياة المجتمع ، إن ديناً لا يظهر أثره على حياة صاحبه .. ومجتمعه .. لا قيمة له ، بل أكثر من هذا أن معظم الذين يقومون بالفتوى يلحظون الاحتياط فيحملون الناس أكثر مما يوجبه الشرع احتياطاً وأمناً من الخطأ وسدًا للذريعة .
كان السيد فضل الله يعلم جيدًا كل هذه المحاذير ، وقد ضرب بها عرض الحائط ، حتى «الاحتياط» المزعوم ، ومن هنا كان تعامله مع النص بصورة جعلت إحدى الكاتبات تقول أنه «أوجد مساحة تصالحية بين الدين والدنيا ، وأصبحنا نحب الدين بعين الدنيا ونعشق الدنيا من منظور الدين ، وأصبحنا نرى الخالق في كل ما حولنا ومن حولنا» (فاتن قبيسي ــ السفير 5/7/2010م) .
مع هذا ، يبدو أن تعدد مشاغل السيد فضل الله ، وحساب أولوياته حال دون أن يستوعب الحضارة الغربية وتيارات العصر وانعكاساتها على فهم القضايا وإصدار الأحكام ، مع أن هذا عنصر هام لا يمكن للمجدد الإسلامي تجاهله فنحن نعيش في عصر الحضارة الغربية ، وقد مثلت رافدًا فكريًا يمكن أن يثري الإسلام الذي ينشد الحكمة أيًا كانت ويكون الأحق بها ، وبوجه خاص في قضية الحريات ، فهنا يتلاقى الفكر الغربي مع الفكر القرآني الذي حجبه أحكام الفقهاء الذين أصدروا أحكامهم في ضوء عصر مغلق ، وليس معنى هذا أنه لم يتعاطف مع هذه الاتجاهات ، ولكن أن هذا لم يحدث بالدرجة المناسبة ، كما أن علينا أن نضع في تقديرنا وضعه كمرجع شيعي ، ولعل هذا هو ما جعله يتوقف في قضية كشف شعر المرأة أو إباحة مصافحتها ، فإن أي واحد استوعب الثقافة الغربية لا يرى فيها علاقة بالدين ، دع عنك التزامًا ...
في الوقت نفسه فإنه ضرب مثلاً للأمانة والشجاعة أيضًا في التعامل مع النص ، فقد كان يكره الدخان ويعلم أثاره السيئة إلى درجة جعلته يفتي بتحريمه ، ومع هذا فإنه رأى أن الذي يدخن في نهار رمضان ليس مفطرًا .. ولكن آثمًا ، شأنه شأن من يشغل نهاره بالنميمة أو بالعكوف على مشاهدة صور العاريات ، لأنه يعلم أن التحريم والتحليل الشرعيين هما وقف للشارع «لله» وحده ولا يمكن التوسع فيهما ولكن التوقف عندهما ، وأنه حصر إفساد الصيام في الطعام والشراب والمخالطة الجنسية .
وأخيرًا فمن الخير أن يدعم المجدد كلامه بشيء من العمل الذي يصدقه وذلك بتأسيس المدارس التي تنهي الجهالة ، والمستشفيات التي تحفظ الصحة ، وأن يكون ذلك كله خالصًا لوجه الشعب ، وبصورة يجعلها متاحة لأفقر الناس .
وما أقامه السيد فضل الله من مدارس ومعاهد ومستشفيات ومؤسسات يملأ ذكرها عددًا من الصفحات .
* * *
بالإضافة إلى قضية التجديد فهناك قسمة خص بها حتى أصبح رمزاً لها تلك هي أنه رجل المقاومة الشعبية .. آمن بها من مستهل حياته حتى ختامها ، وآمن أن المقاومة الشعبية هي الطريق الأساسي للانتصاف واستعادة الحقوق ، إن البصر والبصيرة .. الماضي والحاضر .. العقل والنقل كلها جعلته يؤمن إيماناً لا يتزعزع بأن المقاومة الشعبية تبرر كل ما تقوم به هذه المقاومة ــ خاصة في فلسطين ــ وتجعله شرعيًا بما في ذلك تفجير البعض أنفسهم وسط تجمعات إسرائيلية سواء كانوا رجالاً أو نساءً على أساس أنه ليس لدى الفلسطينيين طائرات ودبابات مثل التي تحارب بها إسرائيل ، وأن الشعب الإسرائيلي كله مجند ــ رجالاً ونساءً وأطفالاً ــ مجندين ، وأن المستوطنين في بعض الحالات أسوأ من الجنود ، وأن المجندات أسوأ من المجندين ، فليس أمام الفلسطينيين بديل أو خيار ، وقد كان هو الذي سعى للقضاء على اتفاق 17 آيار (مايو) سنة 1983م الذي أريد عقده بين إسرائيل مع أمين الجميل ، وتزعم الحركات الجماهيرية حتى فشل واضطرت إسرائيل لسحب قواتها ، وإذا كان ثمة لوم ، فعلى البادي المدجج بالسلاح من قمة رأسه لأخمص قدميه ، والذي يستخدم الطائرات التي تسقط قنابلها على البيوت والمدارس ، ومع أنه انتقد تفجيرات 11 سبتمبر سنة 2001م ، فإنه أكد أن عدوان أمريكا على العراق ، وعلى أفغانستان هو عدوان استعماري وحشي يدمر كل مرافق الحياة ومراكز الصناعة والخدمات وتهدم البيوت وتقتل الجماهير بما فيهم أطفال أو نساء ، ومن ثم فإن المقاومة فيه شرعية ، بل ولا مناص عنها .
* * *
عندما توفى السيد حسين فضل الله عم الحزن لبنان بأسره وهرع المسئولون جميعًا يقدمون العزاء وحضر هذا العزاء ممثلون للعالم الإسلامي باسره ــ ربما باستثناء مصر ــ وتجمعت عشرات الألوف من النساء في زي الحداد يبكين الرجل الذي عمل لإنصافهن ، وعندما سارت جنازته دقت كل الكنائس على الطريق أجراسها مشاركة منها في التعبير .
وعبرت سفيرة بريطانيا في لبنان فرانسيس غاي عن تقديرها للسيد حسن فضل الله بأن كتبت في مدونتها الإليكترونية :
إحدى المزايا التي يتمتع بها الدبلوماسي هي الأشخاص الذين يلتقيهم الكبار والصغار الشغوفين والغاضبين منهم ، ويحب الناس في لبنان أن يسألوني عن السياسي الذي اعجب به أكثر من سواه أنها مسالة غير عادية ، ومن الواضح أن العديد منهم يسعون لإيجاد أجوبة سياسية خاصة بهم ، عادة أتجنب الرد من خلال الإشارة إلى أولئك الذين أستمتع بلقائهم ، وإلى الذين يبهرونني أكثر من سواهم .
حتى الأمس كان جوابي المفضل هو الإشارة إلى سماحة السيد محمد حسين فضل الله ، أعلى مرجع شيعي في لبنان ، وزعيم هو محط إعجاب العديد من المسلمين الشيعة في أنحاء العالم ، وعند زيارته يمكنك أن تكون متأكدًا من حصول نقاش حقيقي يرافقه جدال محترم ، ومن أنك عندما تتركه سيبقى لك منه شعور بأنك أصبحت شخصًا أفضل ، هذا بالنسبة لي هو الأثر الفعلي لرجل الدين الحقيقي الذي يترك أثرًا في جميع من يلتقيهم بغض النظر عن دينهم .
ما زلت أتذكر جيدًا عندما رشحت لمنصب سفيرة في بيروت ، اتصل بي أحد معارفي المسلمين ليقول لي : (كم أنت محظوظة لأنك ستحصلين على فرصة لقاء السيد محمد حسين فضل الله) ، وقد كان فعلاً على حق» .
كما قالت كبيرة مندوبات الـ CNN في بيروت أوكتافيا نصر : «لقد حزنت لسماع نبأ وفاة السيد حسين فضل الله ، وهو واحد من أعظم رجالات حزب الله ، وممن أقدره كثيرًا» ، وقد فصلتها إدارة CNN ، لكتابتها تلك الكلمات !!
* * *
مع هذا كله ، ورغم هذا كله ، فلم يسلم هذا المجدد العظيم من أن تلاحقه عداوة الشانئين والمخالفين له في الرأي ، وصدرت بيانات خزي وعار : «الوسواس الخناس محمد حسين فضل الله» و«هلاك أكبر طواغيت التقية الرافضي محمد حسين فضل الله» .
ويدل هذا على أن رضا الناس جميعًا غاية لا تدرك .
* * *
شكرًا للرئيس .. أنه أنقذ الضبعة من أنياب الذئاب العاوية ، المهم الآن العمل ، فقد تخلفنا كثيرًا ، ولن يكون للقرار قيمة حتى يبدأ العمل بالفعل .