|
|
|
|
عن دعوة الإحياء الإسلامي بصفة عامة ليست دعوة الإحياء الإسلامي هيئة، أو تنظيماً أو جمعية لها كيان إداري ولائحة ونظام أساسي كما هو الشأن في الهيئات والأحزاب والجمعيات إنها ببساطة دعوة، أو حركة، أو تيار فكرى وصل إلى درجة البلورة والتنظير التي تجعل له كينونة خاصة متميزة تبرأه من السطحية أو التلفيق أو الانتقائية أو الاتباعية إنها نهاية عمر وليست بداية فكر، وهي نهاية المطاف وليست بداية المسيرة وهي ثمرة لثقافة موسوعية متعددة الأبعاد وليست نتيجة لتخصص فني أو دراسة أكاديمية في فرع معين من المعرفة الإسلامية، أو حتى فيها كلها، وتعود بذرتها إلى خمسين عاما مضت عندما أفرد داعيتها. الأستاذ جمال البنا في كتابه " ديمقراطية جديدة " ( 1946 ) بابا بعنوان "فهم جديد للدين" تضمن نواة فكرتها المحورية " لا تؤمنوا بالإيمان، ولكن آمنوا بالإنسان " التي أخذت صيغتها الأخيرة " إن الإسلام أراد الإنسان ولكن الفقهاء أرادوا الإسلام " فالفكرة الرئيسية في هذه الدعوة هي إعادة الإسلام لما كان عليه عندما نزل منذ أربعة عشر قرنا ثورة لتحرير الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإرادة تغيير مجتمع يعبد ما كان عليه الأباء والأجداد وإشاعة للقيم النبيلة وتكريم الإنسان وقد كانت هذه الفكرة هي مدار معالجة الأستاذ جمال البنا طوال خمسين عاما وعنها صدرت كتاباته العديدة، ومع هذا فإنه لم يسمح لنفسه بإعلان دعوة الإحياء الإسلامي إلا بعد أن صدر الجزء الثالث من " نحو فقه جديد " وأصبح على باب الثمانيين من العمر ووجد أن من واجبه أن يبلور الفكر المنشور في ثلاثين كتابا، وينسق بينها، وينظمها في سلك دعوة واحدة، يسلمها لجيل جديد حتى لا تموت بموت صاحبها ولما كانت دعوة الإحياء الإسلامي تياراً فكريا ونظرية في فهم الإسلام. فإنها تصبح ملكا لكل من يؤمن بها، فالأفكار لا تكون موضوعاً لإحتكار وما أن ينشرها صاحبها الأول حتى تصبح ملكا للجميع. ومع أننا حرصنا قدر الطاقة على الكمال فإن هذا لا يمنع من ظهور من يقدم لهذه الدعوة إضافة تثريها أو يكشف مأخذا فيها
|
|
لماذا دعوة الإحياء الإسلامي
قد يتساءل البعض عن سبب قيام هذه الدعوة، والساحة تحفل بالدعوات الإسلامية
والرد ببساطة أن الدعوات الإسلامية قد ضلت
الطريق
فكما قلنا في ـ إستراتيجية الدعوة الإسلامية في القرن ألواحد والعشرون ـ وأدى اقتصار الدعوات الإسلامية على الدفاع النظري عن الإسلام وتخليها عما أراده الإسلام بالفعل لحدوث فراغ، وكان لابد أن يملأ هذا الفراغ على أن الدعوات الإسلامية التي نصبت نفسها للدفاع عن الإسلام لم تحسن القيام بهذه المهمة لأنها عرضت الإسلام السلفي. ولأنها جعلت من نفسها أداة لإذاعة أفكار بعض الفقهاء أو المذاهب مما لا يمثل إضافة إلى الفكر الإسلامي، وقد عنيت بعض هذه الدعوات بطبع كتب التراث، وبيعها بأثمان زهيدة أو على أجزاء ونشرها بين طلبة الجامعة
الخ
وهذا في حقيقة الحال لا يخدم الإسلام بل يقدم صورة عقيمة عن الإسلام ويؤخر بدلا من أن يقدم فهم الإسلام. وهذا الفهم المغلوط هو السبب في ظهور دعوات تقوم على التعصب أو تمارس العنف أو تقتصر على الطقوس والشعائر والوعظ والإرشاد
أو تؤمن " بالحاكمية الإلهية " التي ضللت فريقا من المحدثين، كما ضللت الخوارج من قبل وأدت إلى تضخم "التدين الأخروي" بين معظم فئات المجتمع، خاصة شباب الجامعات والمهنيين ويتبلور هذا التدين في الشعائر وبوجه خاص في الصلاة. فكل جزئية في الصلاة بدءا من الوضوء والتيمم حتى التسليم في نهاية الصلاة هي محل عناية وتدقيق يعاد فيها إلى المراجع أو يسأل فيها الفقهاء، وقل مثل ذلك عن جزئيات الصيام والحج وعذاب القبر والجنة والنار
وتنعكس هذه الحالة الفكرية النفسية على سلوك وتصرفات أصح
ابها وطريقة عملهم. يقابل هذه الجرعة الزائدة من " التدين الأخروي " إهمال " للتدين الدنيوي " أي الأخلاق والقيم التي يدعو إليها الإسلام لتستقيم الحياة من صدق، أو إنفاق، أو حرية أو سماحة أو عدل أو إعمال للعقل أو بذل للجهد. لأن التدين الأخروي لم يبق شيئاً، أو لم يبق إلا القليل للتدين الدنيوي، وهذه هي بالدرجة الأولى - جريرة الدعوات الإسلامية التي شاعت في الثمانينات وإن كانت قد نشأت في السبعينات
حقا إن بعض الدعوات الإسلامية، كالإخوان المسلمين مثلا حاولت أن تجمع ما بين الدنيا والدين وأن تجعل من الإسلام منهج حياة، ولكن الوقت الأعظم لمنشئها النابغ قد أمضّى في التنظيم أكثر مما أمضّى في التنظير وكانت النتيجة أن الإخوان احتفظت بكيانها رغم ما تعرضت له من صدمات تنوء بها الجبال، من عهد فاروق حتى الآن، ولكن الحصيلة في الجانب النظري كانت محدودة ولا تتناسب مع المادة التي سلختها والجمهور الذي جذبته
إذ لم تستطع مجاوزة الإطار السلفي، حتى وإن كانت وسعت في هذا الإطار وأعطته قدراً كبيراً من المرونة، ولكن التجديد الحقيقي يقع وراء هذا الإطار السلفي، وهذا ما لم تستطع - لا هي ولا غيرها من الدعوات الإسلامية - مجاوزته وخوض غماره واكتشاف غياهبه
وليس أدل على العجز الفكري للدعوات الإسلامية على الساحة من أنها لم تقدم تنظيراً أو تحليلا لتحديات العصر ولكيفية تعامل الإسلام فيها، لأنها جميعاً محكومة بالأطر السلفية التي ليس لديها ما تقدمه حلا لمشكلات العصر
إن تجاوز الأطر السلفية، والعودة إلى القرآن واعتباره صيحة
إنقاذ، ودعوة هداية وإرادة تغيير ورسالة
باختصار تـثوير القرآن وليس تفسير
القرآن هي المهمة التي
أدخرها الله تعالى لهذه الدعوة وهي وحدها القديرة على
إشاعة القيم وإعمال العقلوالتنظير لها والتبشير بها
لأنها مؤصلة الفكر ومتحررة تماما من الروابط والصلات التي يمكن أن تقيدها أو المصالح أو الضغوط الأخرى وليس أدل على تميزها من أنها عالجت بقوة وصراحة التحديات التي يثيرها المجتمع. كل تحد في كتاب، وهي تتقدم إلى الجمهور وفي يمينها ثلاثين كتاباً تغطى مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. فأي دعوة يمكن أن تبدأ حياتها بمثل هذا الرأسمال الضخم
من هنا يتضح أن هناك مبررا قويا لظهور دعوة الإحياء الإسلامي. لأنها هي التي يمكن أن ترد على التساؤل الحائر " كيف الخلاص
|
| إسترتيجية الدعوةالإسلامية |