(9)
لا يمكن تحقيق أي إحياء إلا
بالعودة رأسا إلى القرآن الكريم، وضبط السنة بضوابطه وعدم التقيد بما وضعه
الأسلاف من فنون واجتهادات تأثروا فيها بروح عصرهم وسيادة الجهالة واستبداد
الحكام وصعوبات البحث والدرس، وانعكس هذا على تفاسير القرآن وأحكام الفقه
وفنون الحديث وأقحم فيها مفاهيم دخيلة ومناقضة لروح الإسلام،
لقد كان الإسلام أصلا دعوة
لإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، وإحلال " الكتاب والميزان " أي المعرفة
والعدل محل الجهالة والظلم واساغة قيم الخير، والعدل، والحرية، والعلم الخ..
التي هي روح الإسلام بينما تكون الطقوس والشعائر جسم الإسلام والاقتصار عليها
- دون القيم - هو احتفال بجسم لا روح فيه
بالنسبة لدعوة الإحياء
الإسلامي، فليس المهم الآن تفسير القرآن، ولكن تثوير القرآن.. وهو ما دعا
إليه الرسول وطبقه الصحابة، فإنهم لم يعكفوا على تفسير القرآن. وإنما هبوا
كإعصار ليقوموا بأكبر حركة تغيير في العالم القديم
(10)
هناك حقيقة تصل إلى مستوى
البدائه، وإن أخفتها الغشاوات الكثيفة. تلك هي أن على كل جيل أن يعيش عصره
دون الإخلال بالقيم العظمى للإسلام. إن التطور الاجتماعي للأمم والشعوب هو
كالنمو الجسدي للأفراد لا يمكن أن يقاوم. فضلا عن أنه علامة صحة وتطبيق
لعالمية الإسلام وموضوعيته وصلاحيته لكل زمان ومكان
إن الإسلام لا يحتكر - وحده
- الحكمة، ولكنه ينشدها إنا وجدها، وهو يتقبل كل الخبرات. كما يقدم خبراته "
فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " من هنا فإن
النزعة الماضوية الانعزالية واتخاذ نمط المجتمع الذي كان موجودا من قبل
باعتباره النمط الأمثل، والضيق بكل مستجدات العصر من فنون وأداب، والنظرة
المتخلفة للمرأة وحبسها وراء الأسوار.. كل هذا يخالف جوهر الإسلام...
وعالميته، وصلاحيته لكل زمان ومكان، كما أنه يخالف ما أراده الله تعالى عندما
قال [ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم، إن الله عليم خبير
وليس هناك خوف من أن يذوب
الإنسان في الحضارة العصرية، لأن خيطا وثيقا يربطه بالله والرسول يبقى له
قدرا من القيم يكبح جماحه ويحول دون انفلاته وذوبانه
.
تعقيب
:
ليس في هذا الميثاق ما
يتطلب الشرح، لأن لغته سهلة وبراهينه ناطقة وواضحة، وما نريد أن نثبته هنا هو
أننا في مفاهيم الميثاق العشرة استلهمنا أولا القرآن ثم الصحيح الثابت من
ممارسات وأقوال الرسول. صحيح أننا لم نتوصل إلى هذا إلا بفضل المفاهيم
الأوربية والثقافة الحضارية الحديثة التي فتحت أفاقا كنا غافلين عنها وما كان
يمكن أن نصل إليها لو ظللنا عاكفين على ثقافة التراث، وبذلك أعدنا استكشاف
الإسلام ووجدنا أن كثيرا من القيم التي تدعو إليها الحضارة الحديثة مثل حقوق
وكرامة الإنسان وحرية الفكر، وأهمية العلم والعمل في نهضة الشعوب والتعددية
والانفتاح الخ.. هي مما سبق إليه الإسلام ومما قرره القرآن صراحة وتكرارا.
فطريقة الميثاق في إثبات وجود الله تعالى ومنزله الإيمان بالله التي تختلف
تماما عما جاء في كتب الكلام الإسلامية، وتقترب من طريقة الاستدلال الحديث هي
في حقيقة الحال من صميم ما تضمنه القرآن الكريم. وإذا كانت كلمة حرية لم ترد
بهذا التعبير في القرآن، فليس ما هو أدعى إلى الحرية من [ فمن شاء فليؤمن ومن
شاء فليكفر ][ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ] وهذه
الحرية المطلقة هي في أهم شئ بالنسبة لدين أي الإيمان والاعتقاد، ونحن لم
نستورد الحرية من الثقافة الأوربية. ولكن من القرآن وان قدمت الثقافة
الأوربية الضوء الذي رأينا عليه الحرية في القرآن وكلمة " تثوير " ليست من
القاموس السياسي الأوربي والاشتراكي خاصة. فقد وردت على لسان الرسول نفسه وكل
دورنا كان بعثها من جديد ورفع الغشاوات الكثيفة التي حالت دون ظهورها
وهذا ما ينطبق على كل ما
جاء في الميثاق عن كرامة الإنسان وقداسة العلم والمعرفة والانفتاح على
الحضارات والتعارف ما بين الأمم والشعوب. فهذا كله منصوص عليه صراحة في
القرآن الكريم