إيمـانـنا        

(1)

نؤمن بالله. إنه محور الوجود ورمز الكمال والعقل والغائية. وما ينبثق عنها من قيم، وبدونه يصبح الوجود عبثا، والكون تحت رحمة الصدفة والشرود، والإنسان حيوانا متطوراً أو " سوبر حيوان " 

والإيمان بالله الذي يكون قوة ملهمة هو ما يغرس في النفس تصوير القرآن الكريم لله تعالى، أما ما يرد في كتب التوحيد فلا يغنى شيئاً، بل قد يضر 

(2) 

الأنبياء هم القادة الحقيقيون للبشرية، ويجب جعلهم المثل في القيادة، وإطراح أحكام الطاغوت من قادة جيوش أو أباطرة أو ملوك الخ.. وما وضعوه من سياسات القهر التي لوثت فكرة الحكم والقيادة وأساءت إلى البشرية
 

ونحن نؤمن أن الإسلام قد قدم الصورة المثلى لله والرسول. على أننا نفهم الصور التي قدمتها الأديان الأخرى، لأن الدين أصلا واحد، ولكن الشرائع متعددة، ونحن نؤمن بالرسل جميعاً، وان الله تعالى أراد التعدد والتنوع ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ). وان الفصل في هذا التعدد هو إلى الله تعالى يوم القيامة 
 

(3) 

ونؤمن أن الدين هو المقوم الأعظم للمجتمع العربي، وأنه يمثل التاريخ والحضارة والضمير، وأن تجاهله يقطع التواصل مع الشعب، ولا ينفي هذه الحقيقة أن تكون الفلسفة والآداب والفنون قد حلت محل الدين في المجتمع الأوربي فلكل مجتمع طبيعته الخاصة وقدره الذي لا يمكن التمرد عليه أو التنكر له، وفي الوقت نفسه - فإنه لا يحول دون تلاقح الأفكار وتحاور الحضارات، وتقارب الديانات لأن الحكمة ضالة المؤمن 
 

ونؤمن بكرامة الإنسان، والله تعالى هو الذي أضفاها على بنى آدم جميعا، فلا تملك قوة أن تحرمهم منها، وهي الجنس البشرى من رجال ونساء، بيض وسود أغنياء وفقراء الخ.. وقد رمز القرآن لهذه الكرامة بسجود الملائكة لآدم، وتسخير قوى الطبيعة له  
 

إن كرامة الإنسان يجب أن تكون في أصل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويجب أن تحرم تحريما باتا كل ما يهدر كرامة الإنسان: جسدا ونفسا  
ولما كان الإسلام قد جاوز - كما ونوعا - الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان، فإن أقل ما يجب أن يتم هو التطبيق الفوري لهذه الاتفاقيات 

(4) 

لما كان القرآن قد جعل مبرر سجود الملائكة هو تملكه المعرفة التي تميز الإنسان عن بقيه الكائنات، والتي تنقذه من الخرافة، فيفترض أن تكون المعرفة هدفا رئيسيا للمسلمين وما يتبع هذا من استخدام العقل، وما يثمره من علم وحكمة. ويجب على كل نظام إسلامي أن يشيع الثقافة والمعرفة، ويفتح النوافذ عليها، ويهيئ كل السبل التي تيسر للجماهير معارف ومهارات العصر 
 
إننا لا نستطيع أن ندخل القرن الواحد والعشرين بأمية أبجدية 
 

(5) 

نؤمن بحرية الفكر، وأنها أساس كل تقدم، وأنه لا يجوز أن يقف في سبيلها شئ، ويكون الرد على ما يخالف ثوابت العقيدة بالكلمة لا بالمصادرة أو الإرهاب أو التكفير وليس هناك تعارض بين حرية الفكر المطلقة والدين لأن الدين يقوم على إيمان، ولا إيمان بدون اقتناع وإرادة ولا إرادة أو اقتناع إلا في بيئة تسمح بالدراسة الحرة، والإرادة الطوعية والنظر الدقيق، وفي القرآن الكريم قرابة مائة آية تقرر حرية العقيدة بصفة مطلقة وان مردها إلى الله نفسه مثل [ لا إكراه في الدين ][ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها ][ وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ] الخ  
 

ولا توجد الحرية إلا بتقرير حرية إصدار الصحف والمطبوعات وتكوين الأحزاب والهيئات والنقابات وبقية مؤسسات المجتمع، وحرية هذه الهيئات في العمل لتطبيق أهدافها ما دام ذلك يتم بطرق سليمة  

ونحن نرفض تماما دعاوى التكفير والردة، ونكلها إلى الله تعالى يفصل فيها يوم القيامة، كما قرر القرآن ذلك وطبقته ممارسات الرسول  

أما ماقد ينشأ من أخطار، فإن الحرية نفسها تفسح المجال لإصلاحه 
 

(6) 

يجب أن يكون العدل أساس التعامل بين الحكام والمحكومين، الرؤساء والمرؤوسين، الرأسماليين والعمال، الرجال والنساء الخ.. لأن كل ما يمت إلى عالم العمل والعلاقات لا يمكن أن يستقر إلا على أساس العدل ولا يجوز إعطاء فئات.. سلطات تمكنها من أن تحيف على حقوق فئات أخرى. إن هذا نوع من الظلم يماثل الكفر، ويجب أن لا يسمح به 

(7)

إن التحدي العملي الذي يجابه الدول الإسلامية اليوم هو التخلف اقتصاديا وعسكريا وسياسيا واجتماعيا، ولا يمكن وقف هذا التخلف إلا بجعل " التنمية " معركة حضارية تتم تحت لواء الإسلام باعتبارها النمط المطلوب من " الجهاد " واستنفار كل أفراد الشعب للمشاركة فيها من وضع الخطة حتى متابعتها وتقييمها. ويجب أن تكون هذه التنمية إنسانية.. تبدأ من محطة العدالة الممكن تحقيقها لتصل إلى محطة الكفاية المطلوب تحقيقها، إن الإيمان وحده هو الذي يولد الطاقة المجانية اللازمة ويوظفها لدفع التنمية وتجاوز المعوقات دون حاجة للاستثمارات التي تفسح المجال للتبعية والسير في مسار وإسار الدول الكبرى  
 

وأي محاولة لتنمية تستسلم لادعاءات البنك الدولي أو تقلد النماذج الأوربية والأمريكية لن تسفر إلا عن مزيد من التخلف والفاقة والتخبط  
 

وبالمثل فإن أي محاولة لتنمية يضعها خبراء أو حكومات دون أن تكون لها الأساس الإيماني والمشاركة الجماهيرية أو تستهدف مصلحة الأقلية على حساب الجماهير العريضة هي تنمية محكوم عليها بالفشل 

(8)

إن الصورة النمطية لشخصية المسلم التي تتسم عادة بالسلبية والماضوية والتركيز على الطقوس والشعائر ليست صورة المسلم أيام الرسول، ويعود هذا الاختلاف إلى أن قصر مدة الرسالة النبوية والخلافة الراشدة ( 50 سنة ) لم تكن كافية لتعميق جذور الشخصية الإسلامية. ثم جاء الملك العضوض، وتدهورت الخلافة وسد باب الاجتهاد لأكثر من ألف عام، وغلبة الجهالة والاستبداد الخ.. وتمخض هذا كله عن الصورة المعروفة اليوم والتي تتقبلها وتبقي عليها المؤسسة الدينية والنظم الحاكمة لأسباب تتعلق بالقصور.. أو الإبقاء على المصالح المكتسبة

ونحن نرفض هذه الصورة ونعمل لإحياء إسلامي 
 

(9) 

لا يمكن تحقيق أي إحياء إلا بالعودة رأسا إلى القرآن الكريم، وضبط السنة بضوابطه وعدم التقيد بما وضعه الأسلاف من فنون واجتهادات تأثروا فيها بروح عصرهم وسيادة الجهالة واستبداد الحكام وصعوبات البحث والدرس، وانعكس هذا على تفاسير القرآن وأحكام الفقه وفنون الحديث وأقحم فيها مفاهيم دخيلة ومناقضة لروح الإسلام،
 

لقد كان الإسلام أصلا دعوة لإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، وإحلال " الكتاب والميزان " أي المعرفة والعدل محل الجهالة والظلم واساغة قيم الخير، والعدل، والحرية، والعلم الخ.. التي هي روح الإسلام بينما تكون الطقوس والشعائر جسم الإسلام والاقتصار عليها - دون القيم - هو احتفال بجسم لا روح فيه 
 

بالنسبة لدعوة الإحياء الإسلامي، فليس المهم الآن تفسير القرآن، ولكن تثوير القرآن.. وهو ما دعا إليه الرسول وطبقه الصحابة، فإنهم لم يعكفوا على تفسير القرآن. وإنما هبوا كإعصار ليقوموا بأكبر حركة تغيير في العالم القديم  
 

(10) 

هناك حقيقة تصل إلى مستوى البدائه، وإن أخفتها الغشاوات الكثيفة. تلك هي أن على كل جيل أن يعيش عصره دون الإخلال بالقيم العظمى للإسلام. إن التطور الاجتماعي للأمم والشعوب هو كالنمو الجسدي للأفراد لا يمكن أن يقاوم. فضلا عن أنه علامة صحة وتطبيق لعالمية الإسلام وموضوعيته وصلاحيته لكل زمان ومكان  
 
إن الإسلام لا يحتكر - وحده - الحكمة، ولكنه ينشدها إنا وجدها، وهو يتقبل كل الخبرات. كما يقدم خبراته " فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " من هنا فإن النزعة الماضوية الانعزالية واتخاذ نمط المجتمع الذي كان موجودا من قبل باعتباره النمط الأمثل، والضيق بكل مستجدات العصر من فنون وأداب، والنظرة المتخلفة للمرأة وحبسها وراء الأسوار.. كل هذا يخالف جوهر الإسلام... وعالميته، وصلاحيته لكل زمان ومكان، كما أنه يخالف ما أراده الله تعالى عندما قال [ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم، إن الله عليم خبير 
وليس هناك خوف من أن يذوب الإنسان في الحضارة العصرية، لأن خيطا وثيقا يربطه بالله والرسول يبقى له قدرا من القيم يكبح جماحه ويحول دون انفلاته وذوبانه . 
تعقيب :
 
ليس في هذا الميثاق ما يتطلب الشرح، لأن لغته سهلة وبراهينه ناطقة وواضحة، وما نريد أن نثبته هنا هو أننا في مفاهيم الميثاق العشرة استلهمنا أولا القرآن ثم الصحيح الثابت من ممارسات وأقوال الرسول. صحيح أننا لم نتوصل إلى هذا إلا بفضل المفاهيم الأوربية والثقافة الحضارية الحديثة التي فتحت أفاقا كنا غافلين عنها وما كان يمكن أن نصل إليها لو ظللنا عاكفين على ثقافة التراث، وبذلك أعدنا استكشاف الإسلام ووجدنا أن كثيرا من القيم التي تدعو إليها الحضارة الحديثة مثل حقوق وكرامة الإنسان وحرية الفكر، وأهمية العلم والعمل في نهضة الشعوب والتعددية والانفتاح الخ.. هي مما سبق إليه الإسلام ومما قرره القرآن صراحة وتكرارا. فطريقة الميثاق في إثبات وجود الله تعالى ومنزله الإيمان بالله التي تختلف تماما عما جاء في كتب الكلام الإسلامية، وتقترب من طريقة الاستدلال الحديث هي في حقيقة الحال من صميم ما تضمنه القرآن الكريم. وإذا كانت كلمة حرية لم ترد بهذا التعبير في القرآن، فليس ما هو أدعى إلى الحرية من [ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ][ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ] وهذه الحرية المطلقة هي في أهم شئ بالنسبة لدين أي الإيمان والاعتقاد، ونحن لم نستورد الحرية من الثقافة الأوربية. ولكن من القرآن وان قدمت الثقافة الأوربية الضوء الذي رأينا عليه الحرية في القرآن وكلمة " تثوير " ليست من القاموس السياسي الأوربي والاشتراكي خاصة. فقد وردت على لسان الرسول نفسه وكل دورنا كان بعثها من جديد ورفع الغشاوات الكثيفة التي حالت دون ظهورها 
 
وهذا ما ينطبق على كل ما جاء في الميثاق عن كرامة الإنسان وقداسة العلم والمعرفة والانفتاح على الحضارات والتعارف ما بين الأمم والشعوب. فهذا كله منصوص عليه صراحة في القرآن الكريم