يبدأ الكتاب بمقدمة يشرح فيها المؤلف كيف أن توخى الحقيقة دفعه لأن يقول لكل من فقهاء التقليد وأدعياء التنوير معا، وقد ألف الناس أن من يؤيد اليمين يعارض اليسار ومن يقول نعم للأول يقول لا للثانى. أما أن يعارض كاتب الفريقين معا. ويقول كلا ثم كلاً فإنه يقطع الجسور ويوقد شمعته من طرفيها ويوقف نفسه فى طريق مسدود. فالفكر الإسلامى فى يد الفقهاء، وأجهزة الإعلام والصحافة فى يد أدعياء التنوير!! ويستطرد ..
"ولكن ليس هذا هو المهم
المهم هو الحقيقة ...
وعندما تكون الحقيقة بهذا الحجم، وعندما يتهددها الخطر وتطلب من حماتها التضحية
"ولكن ليس هذا هو المهم
المهم هو الحقيقة ...
وعندما تكون الحقيقة بهذا الحجم، وعندما يتهددها الخطر وتطلب من حماتها التضحية
فلا تردد، ولا مجاملة، ولا خوف
فأقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا
فى الفصل الأول الذى يحمل عنوان "عندما ينتطح العنزان" استعرض المؤلف تطور الأحداث من محمد على وجمال الأفغانى حتى عبد الناصر وكيف وصلت الأخطاء إلى درجة من التراكم جعلت الصدام الأيدلوجى محتوما ظهر فى "بالون اختبار" وضعه السادات عند وضع مشروع قانون لمحاكمة "المرتد" وكان هذا سنة 77
ودارت الأيام والأعوام، ووجدنا الشيخ محمد الغزالى يشهد فى قضية مقتل فرج فوده (1993) وأضطر تحت حصار المحامين لأن يقول رداً على سؤال "ما حكم من يجاهر برفض تطبيق الشريعة كفراً أو استهزاء "بأنه" ليس بمؤمن مصداق قوله تعالى "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" وما زالوا به حتى سألوا "هل من يأبى أحكام الشريعة يعتبر مفارقاً للجماعة ومرتداً عن الإسلام
فقال ـ نعم يعتبر مرتداً عن الإسلام .
- ما هو حكم هذا المرتد
- أن يستتاب وإذا لم يرجع يقتل، وهذا هو الحكم العام بإجماع كثير من الفقهاء. وأما أنا فأرى أنه يجوز للحاكم إيداعه فى سجن
وأثارت هذه الشهادة دويا وتتبعها الكاتب الصحفى الأستاذ صلاح منتصر فى الأهرام فى سلسلة من المقالات كما دخل الميدان كثير من العلماء، والكتاب، بل ومن عامة القراء كما صدرت فتوى من الأزهر فى 8 يوليو سنة 1993 قررت أن عقوبة المرتد الاستتابة مده فإن لم يرجع قتل. كما أيد ذلك الشيخ منصور الرفاعى عبيد مدير عام المساجد بوزارة الأوقاف وصدرت مقالات ختامية لفضيلة الشيخ سيد طنطاوى وللدكتور محمد عصفور
وفى نظر المؤلف أن هذه الشهادة وما صاحبها كشفت عن أن المجتمع المصري لا يؤمن بحرية الفكر
وفى فصل خامس عرض المؤلف وجهة نظره تحت عنوان "لا حد.. لا استتابه.. لا تعزير" استند فيه على القرآن الكريم. أما بالنسبة للسُنة، فقد أثبت أن السُنة لا يمكن أن تأتى بما يناقض القرآن الكريم. كما استند إلى فتوى للأزهر نفسه بأن استقلال السُنة بإثبات الإيجاب والتحريم اختلف فيه ولا يعد مما علم من الدين بالضرورة ثم ناقش الأحاديث التى قيل إن الرسول أمر فيها بقتل المرتد متناً وسنداً وأثبت أنها لا تطبق فى ردة فكر وإنما عند مقاتلة
المسلمين.. وأن صيغة "من جحد معلوماً من الدين بالضرورة" صيغة فقهية خالصة. ولكن المؤلف مع هذا رأى أن استفزاز المسلمين وتحقير رموزهم لا يجوز أن يمر دون عقاب لأنه فى الحقيقة صورة من القذف والإهانة.. وضرب المثل برسم لرسام الكاريكاتير صلاح جاهين
بهذا ينتهى الحديث عن "فقهاء التقليد" ـ ليبدأ ـ حساب "أدعياء التنوير" وهو اثقل وأطول من حساب فقهاء التقليد، ففى الفصل الأول: التنوير والآلهة الزائفة تحدث عن الحضارة الأوربية فعرض لحسناتها وسوءاتها ثم تحدث عن الاشتراكية واستعرض سوءاتها التى تغلب حسناتها وأخيراً فصّل القول فى "القومية العربية". والزيوف التى قامت عليها
وفى الفصل الثانى استعرض الكتاب "التجارب الثلاث للتنوير فى مصر" وهى محمد على ـ والبورجوازية، وعبد الناصر وأظهر كيف أن محمد على أجهض المشروع الشعبى (الذى قدمه شيوخ الأزهر سنة 1805) وعلى أساسه قبل الحكم من يد هؤلاء الشيوخ وكان هذا المشروع هو الحكم بالشريعة والعدل ولكنه نكث بعهده وفرق الشيوخ، واصطنع فريقاً ونكل بفريق آخر. أما تجربة البورجوازية التى نشأت بفضل ثورة 1919 وظلت حتى 52 فكانت أفضل محاولات التنوير والشىء الوحيد الذى يؤخذ عليها أنها لم تضع الإسلام فى المكانة التى يستحقها لأنها ـ وإن اعترفت به ـ أبعدته فى ركن قصى من أركان المجتمع
ولما كانت الحرية تتوافر فى هذه التجربة، فإن هذا سمح للوعى الإسلامى أن يظهر ويتبلور فى الإخوان المسلمين أما الناصرية فهى بتعبير الكاتب "تعهير لا تنوير" وقد استحقت هذا الوصف القاسى. لأن عبد الناصر
أ -
أفسد الحياة السياسية فساداً لم تبرأ منه حتى الآن عندما أوجد الديكتاتورية فى أسوأ صورها، واحتكار السلطة وتزييف الانتخابات (99و99
ب -
أهان كرامة الشعب وقهر إرادته وأدخل التعذيب الخسيس لمعارضيه جميعاً من كل الفئات، وبث روح الخوف والقهر فى المجتمع
ج -
مكن ـ وهو عسكرى أركان حرب ـ لإسرائيل أن تهزم جيش مصر وتوقع به المهانة وتغنم أمواله وعتاده وتمزق الوطن باحتلال سيناء والقدس والضفة الغربية وهضبة الجولان
وتحدث فى نبذة عن "أثر الطبيعة السرية لتنظيم الضباط الأحرار على حركة 23 يوليو، وقارن ما بين هذه الحركة السرية التى قام بها فى ظلام الليل لفيف من الضباط بحركة أحمد عرابى عندما جاء بالجيش فى نهار 9 سبتمبر سنة 1881 إلى ميدان عابدين ليطالب الخديوى بالدستور ومجلس النواب وأشرك زعماء الشعب والفكر فى الحركة
وناقش المؤلف بتفصيل أزمة أدعياء التنوير "وأعادها إلى الصراع بين الذات والموضوع" والموضوع هنا تمثله مصر الإيمانية، التى يعد الدين. أبرز مقوماتها من أيام التاريخ المصرى القديم حتى الآن، ولكن أدعياء التنوير تعرضوا لعدد من العوامل أبعدتهم عن المقوم الإيمانى مثل الثقافة الأوربية وضرب الأمثلة باعترافات من زكى نجيب محمود ولويس عوض الذى "ظل ما بين العشرين إلى الثانية والثلاثين لا يقرأ حرفاً واحداً بالعربية إلا عناوين الصحف السيارة وبعض المقالات الشاردة
كما رأى أن حاجز الدين من العوامل القوية التى جعلت غير المسلمين يتجهون اتجاهات منحرفة، أو على الأقل، ذاتية، وعالج بقدر من الإسهاب سياسة الكنيسة المصرية تحت قيادة الأنبا شنوده التى اختلفت عن السياسة التقليدية لأباء الكنيسة، وأثر ذلك فى ظهور ما أطلق عليه "الفتنة الطائفية"
وأخيراً جداً يشير الكتاب إلى "العملاء المهيجين" الذى يضرمون نار الفتنة إما لأنهم مأجورون، أو لأسباب تتعلق بأشخاصهم ومصالحهم الذاتية وضرب المثل بإحدى الصحف اليسارية التى تضخم فى قضية ظلم الأقباط ومطالب الأقباط الخ.. وأوضح الكتاب نقاطاً عديدة للتلاقى ما بين المسيحيين والإسلام وانتقد الحساسية المرهفة لبعض الأقباط التى تجعل كل مشروع للنهضة بالإسلام كما لو كان يضر بالأقباط ! وكتب أحد الأقباط إن "زيادة الجرعة الدينية فى التليفزيون واقتراح جامعة للقرآن. جعلته يستشعر
أن الوطن لم يعد له ، بل للمسلمين
وتعد الفقرات عن الأقباط (من 164 حتى 220) من أكثر الموضوعات التى تناولها الكتاب بالتفصيل والمصارحة
ويختم الكتاب بفصل بعنوان "عندما تتصافح اليدان" يثبت الأصول الإسلامية لدعاة (وليس لأدعياء) التنوير بدءاً من رفاعة رافع الطهطاوى فتوفيق الحكيم وطه حسين وعباس العقاد ونجيب محفوظ وحتى يوسف إدريس الذى يقول "إنى مسلم بن مسلم وقد سافر جدى على أقدامه إلى الحج، وفى الغناء والموسيقى (محمد عبد الوهاب وأم كلثوم) حتى يصل إلى إحسان عبد القدوس الذى ترك وصية يمكن أن تكون "اعتراف كاتب مسلم" حتى زكى نجيب محمود ويتلو ذلك نص "مشروع للأجيال" يتناول واجبات الفقهاء وواجبات الكتاب والمفكرين التنويرين كل واحد من عشر نقاط
إلى
أعلى