|
||||||
|
||||||
|
مدخل |
||||||
|
|
||||||
|
يتمزق الكاتب المسلم أسى عندما يفكر فيما آلت إليه شئون المسلمين، والدرك الأسفل الذي انتهت إليه أوضاعهم وبلادهم، وعندما سلم الملك التعيس أبو عبد الله مفاتيح غرناطة سنة 1492 إلى فرديناند، وإيزابيلا، فإن 800 سنة من الوجود الإسلامي إنتهى كأن لم يغن بالأمس، وتداعت الدول الأوربية دولة دولة على استعمار بلاد المسلمين حتى البرتغال القميئة التي بدأت المسيرة المشئومة، واستولت روسيا على تلك المناطق التي كانت جنة الحديث النبوي ومهد شيوخه وعلمائه بخاري وسمرقند وما وراء النهر. فقتلت الرجال وهدمت المساجد وأرغمت النساء على الزواج من روس وقيل إن طبول الجيش الروسي كانت حتى القرن السابع عشر تصنع من جلود المسلمين!! وتسابقت فرنسا، وإنجلترا في احتلال الدول الإسلامية دولة دولة في أفريقيا وآسيا . ولم يأت القرن التاسع حتى لم يعد هناك دولة إسلامية مستقلة باستثناء - صحراء العرب - وأصبحت السيادة والعزة، والكرامة للأوربيين ;وعندما قضي على الاستعمار بالرحيل، فإنه لم " يأخذ عصاه ويرحل " فقد ترك عصاه فيما غرسه من فتن، وما رسمه من حدود، وما اصطنعه من فئات وكان قبل هذا قد نهب الموارد وحاز الثروات فلما استقلت هذه البلاد لم تهنأ باستقلالها إذ اشتعلت فيها نيران الفرقة والفتن التي غرسها الاستعمار وتدهورت أمورها إلى الدرجة التي أصبح بعض أهلها يتمنى عودة الاستعمار وحورب الإسلام في بلاده نفسها بأيدي طغمة عسكرية حاكمة رباها الاستعمار، وربط مصالحها به ففي تركيا - دار الخلافة - حورب الحزب الإسلامي الذي نال أغلبية المقاعد في المجلس النيابي حربا شرسة وانتهكت القوانين ومبادئ الحرية والديمقراطية لتحرمه من السلطة وحدث الشيء نفسه في الجزائر فما أن حصلت الجبهة الإسلامية على الأغلبية في الانتخابات حتى قبض على زعمائها وزج بهم في السجون فكيف يمكن للدعوة الإسلامية أن تنتصر إذا كانت تحارب في الداخل بأيدي فريق من شعبها.. وفي الخارج بالاستكبار العالمي والعربدة التي تمارسها القوى الكبرى وخلال القرون الخمسة التي تلت تسليم غرناطة 1492 وأوربا تتقدم في مجالات الفنون والعلوم، وفي الثلث الأول من القرن الثامن عشر بدأت أولى قفزاتها " النوعية " بتوصلها إلى القوة البخارية والآلات الحديدية التي أطلق عليها الثورة الصناعية فظهر القطار البخاري وظهرت السفن التي تمخر المحيطات ثم ظهرت السيارات التي تعمل بالوقود وبعد ذلك بخمسين عاما اكتشفت الكهرباء وكانت تلك قفزة أخرى نوعية أيضا فتحت آفاق الإضاءة والطاقة والاتصالات حتى انتهى أخيرا إلى الذرة والحاسوب وثورة الاتصالات وازدان سجل الاكتشاف والاختراع والبحث بأسماء عشرات الألوف من العلماء في مجالات الطبيعة والكيمياء والفلك والطب والرياضة الخ وظفر أبرزهم بجوائز نوبل.. بينما لم يظهر من العالم الإسلامي بأسره إلا أسم واحد أو اثنان.. ولا تعرف مساهمة يعتد بها لعالم إسلامي بينما يعمل العدد القليل الذي أثبت نبوغا من العلماء المسلمين في خدمة الدول الأوربية أو الأمريكية ويزيدون تقدمها أليس عارا - لا يعدله عار - أن يعيش المسلمون عالة على غيرهم، وأن لا يظهر منهم من يذكر أسمه وسط عشرات من الأسماء المضيئة النشطة، المبدعة، المستكشفة التي تطلق الآن على النجوم، وعلى أعضاء الجسم، وعلى قوانين العلم والرياضيات الخ أليس عاراً أن تكون " أمة محمد " هي أكثر الأمم فقراً وضعفاً ومرضاً وجهلاً واستخذاء هذا الوضع المهين الذي يثقل النفس هما ويفعم القلب غما لا يهم في قليل أو كثير قادة "المؤسسة الدينية" في الأزهر بمصر، أو الحوزات بإيران، أو الجامعات بالسعودية، فهؤلاء السادة يعيشون بعقولهم وأفكارهم في عالم يعود إلى ألف عام خلت، ولا يحرك منهم ساكنا عالم العصر بكل ما فيه من دوي وصخب، وهذا أمر طبيعي لأنه إذا كان على أحد الشيوخ أن يدرس الفقه الحنبلي مثلا، فلا يعنيه في شئ إلا ما قاله الإمام أحمد وأتباعه، وبقدر ما يتعمق في هذا بقدر ما يتدعم مركزه الأدبي والمادي ويتلقى الثناء والتقدير، وينال مرتبه، ويعيش عيشة راضية.. ولا يعنيه بعد هذا أن الإسلام كاد أن يشطب من على خريطة العصر، وأن دوله أصبحت رموزا للتأخر والتبعية الذليلة، لأنهم لا يرون في الإسلام إلا التراث، وهم حماته، وهم في أفضل حال يظفرون من العامة بالاحترام وينالون من النظم الحاكمة التأييد والدعم وحسبهم فخرا أن يقال عن مصر أنها بلد الأزهر !! أما الحقيقة المؤلمة فهي أن الصورة التراثية الطقوسية التي عرض بها الفقهاء الإسلام - ولم تخلص منها حتى أشد الدعوات الإسلامية تحررا - كانت من أكبر دواعي انصراف مجموعات عديدة عن الإسلام. لأنهم لم يروا فيما يقدمونه إلا الحض على الشعائر والطقوس والتحذير من سماع الموسيقى والغناء ودخول السينما، وأن صوت المرأة عورة وحلق اللحية من الكبائر ولم يتحدثوا عن حرية الفكر التي جاء بها الإسلام وسبق بها الديمقراطية ولا العدل الذي أكده القرآن مرارا وتكرارا وسبق به الاشتراكية، ولم يسمعوا كلمة عن الإنسان وكرامته ولا عن مشاكل المجتمع ولا معاناة الجماهير وحذروهم من الثورة باعتبارها فتنه ومعصية، ولو كانت على أوضاع تبقى الناس في إسار الجهل والذل والفاقة والمرض، ولم يوجهوهم وجهة المستقبل وإنما أبقوهم في ظل الماضي وتجاهلوا الحياة الطيبة التي من حق الناس أن يعيشوها بما فيها من رضا واستقرار وإشباع.. فأنفض الناس عنهم وعن الدعوة الإسلامية، ولاذوا بدعوات أخرى أو انطووا على أنفسهم وفي العالم الخارجي، كادت هذه الصورة الطقوسية أن تمحو الإسلام من على خريطة العصر من هنا، فلا ينتظر أن يكون للمؤسسة الدينية، ولا للفقهاء التقليديين ولا للدعوات الإسلامية على الساحة دور في وضع الاستراتيجية الجديدة للدعوة الإسلامية، بل من المحقق أنهم سيكونون أعداء الداء لها وقد يصمون أصحابها بالخروج عن الملة ;وهذا
ما يقال أيضا على الجماعات التي تدعي "
الناصرية " أو " الاشتراكية " أو
"القومية العربية " فهؤلاء جميعا
يربطون أنفسهم وأفكارهم بدعوات نشأت عن
ظروف معينة، ونجحت في الوصول إلى الحكم
بوسائلها الخاصة دون أن يكون لها أساس
موضوعي متكامل أو أن تتفق مع الإسلام
|
||||||
|
|
||||||
|
|
||||||
|
كل يوم يمر يرزداد إحساس المسلم بوطأة تحديات العصر، ويحس بالخناق يضيق عليه، ذلك أن اليوم في العصر الحديث يعنى شيئا أكثر بكثير مما كان يعنيه سابقا فهو بألف يوم من الأيام السابقة، وقد تكون بعض أيامه بألف عام، وفي كل يوم تظهر اكتشافات،واختراعات وتظهر مستجدات، ويحدث هذا لا في دولة واحدة، ولكن في عشرات الدول.في الولايات المتحدة، في اليابان، في ألمانيا، في فرنسا، في سويسرا، في إيطاليا،في الصين حتى نصل إلى دولة صغيرة مثل كوريا، ففي كل دولة من هذه الدول تظهر..في صباح كل يوم.. اختراعات أو اكتشافات جديدة، وقد يكون لبعضها آثار مدوية على الحياة اليومية للناس في الاقتصاد، والزراعة والصناعة والصحة، والتعليم والخدمة الاجتماعية والاتصال الخ وتتعاظم آثار هذا الإحساس لدى المواطن المسلم بما يلحظه من تخلف في بلده ذاتها، وأنها ليست فحسب لا تستطيع التقدم، بل إنها تضطر للتقهقر إزاء تعقد الأوضاع وتفاقم الأزمات والعجز التام عن الإصلاح لعقم، بل لإجرام، بعض النظم الحاكمة في الدول الإسلامية وارتباطها برواسب سياسة داخلية، وعلاقات بالقوى الخارجية تجعلها عازفة عن أي إصلاح بل وتدفعها لحرب المصلحين واللجوء إلى أساليب التزييف والإدعاء وكتمان الحقائق وإظهار الأباطيل والاستعانة بكل وسائل الإعلام وإثقال المواطن بمشكلات الحياة اليومية حتى لا يجد وقتا أو جهدا أو مالا للعمل العام يحدث هذا في الوقت الذي تنطلق في الغرب قوى العمل، والفكر، والعلم والعمل إلى الأمام قدما لا يقف في طريقها شئ، بل يجد المساندة والتأييد والدفع وليس المهم أن نعدد هذه الاختراعات وآثارها فهي معروفة وملموسة، ولكن المهم أن نعرف أن هذه المستجدات كلها أصبحت في مجموعها تمثل تحديين من أكبر تحديات العصر، التحدي الأول وله طابع عملي ومادي هو " القوة " والتحدي الثاني وله طابع فكرى ومعنوي هو " الحرية " وبدأ التحدي الأول مع ظهور الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر بالتوصل إلى البخار كطاقة محركة، والحديد كمادة لصنع الآلات وكانت هذه الثورة فيصل بين عهدين في تاريخ البشرية فقبلها كل الناس في جميع البلاد يزرعون ويلبسون و يمارسون الحرف بصورة واحدة ظلت على ما هي عليه منذ آلاف السنين وكانت تجعل الامتياز فيها للإبداع والمهارة الفردية، والقوة والجلد على العمل، ولكن هذه الصفحة طويت عندما ظهرت الآلات الحديدية التي تحركها طاقة جبارة لا تكل ولاتمل هي البخار يمكنها أن تدير الآلات وتسير السفن والقطارات وتحقق من الإنتاج أضعاف ما كان يحققه الإنتاج الحرفي اليدوي ولميعد للرقيق والعبيد حاجة بعد أن قامت الآلات بما كانوا يقومون به، وأخذ الإنتاج الآلي طريقه نحو كل مسالك الحياة، ولم يقتصر على الصناعة، ولا على وسائل النقل والمواصلات، ولكن امتد إلى القوة العسكرية، فظهرت المدافع والبنادق وبدأ خط الافتراق يظهر ويتعمق ما بين الشرق النائم عن هذا التطور والذي لا يزال يعيش في عالم الإنتاج اليدوي الحرفي، وبين العالم الأوربي الذي يتقدم في صور الإنتاج، يوضح ذلك مقارنة ما حدث في مصر سنة 1200 بما حدث لها سنة 1800 ، ففي سنة 1200 أقدم الصليبيون وعلى رأسهم ملك فرنسا - لويس التاسع - وهاجموا دمياط على حين غفلة واستولوا عليها ولكن المماليك سرعان ما أعادوا صفوفهم وأوقعوا الهزيمة بالصليبيين وقتلوا فرسانهم وأسروا الملك لويس التاسع وسجنوه في دار بن لقمان حتى افتدته زوجته بفدية باهظة . وبعد ستة قرون جاء أحفاد هؤلاء الفرنسيين وعلى رأسهم نابليون بونابرت وظن المماليك أن التاريخ سيعيد نفسه، وسيهزمونهم كما هزموا لويس التاسع منذ بضعة قرون، ولكن نابليون جاء بمدافع وبنادق وإستراتيجية عسكرية جديدة أثمرتها التطورات في المجتمع الأوربي، فلم يستطع المماليك أن يحاربوا بسيوفهم المدافع والبنادق وانهزموا وكانت دلالة
ذلك لا تخفى ولم تكن القضية قضية معركة
ولكنها قضية عصر جديد، يعرض أنماطاً
جديدة، > علىأن آثار القوى المحركة والوسائل الجديدة للإنتاج لم تكن محصورة في المجال الحربي العسكري، لقد كانت أصلا قوة صناعية تدور حول إبداع وسائل جديدة للإنتاج، تتميز تمييزا كاسحا على الوسائل القديمة للإنتاج، وكان المصنع الحديث هو قاعدةالقوة الاقتصادية التي حققت لأوربا فيوضا من الثروات وفي الوقت نفسه قضت علىاقتصاديات الدول الأخرى لتدميرها وسائل الإنتاج الحرفية، واستئثارها بالإنتاج الآلي والأسواق وفي الفترة الأولى لثورة الصناعة كان التطبيق العملي للاختراع يتطلب عدداً كبيراً من السنوات، ستين أو خمسين أو ثلاثين سنة، ولكن التقدم العلمي والفني من كل الدول الأوربية وتراكم الخبرات أستحث حركة تطبيق الاختراع بحيث تقاصرت المدةبين ظهور الاكتشاف، وتطبيق هذا الاكتشاف وتسويقه تجاريا خلال بضع سنوات ومن أحدث هذه الاختراعات أجهزة الاتصال بالأقمار الصناعية التي أصبحت تجعل من الممكن للأفريقي في أدغال أفريقيا، والأمريكي في أحراش البرازيل أن يستمعإلى آخر الأخبار بل وأن يري على شاشة التليفزيون آخر الأفلام والمسرحيات التي تعرضها مسارح "لندن" والاستعراضات التي تقدمها مسارح " باريس " وبرودواى مما يؤثر تأثيراً بالغاً على الشخصية والمفاهيم وأدى توصل أوربا إلى هذه الاكتشافات والاختراعات لأن تكسب الصدارة في الاقتصادالدولي، وأن ترفع إلى مستويات عالية معيشة مواطنيها بحيث أصبح متوسط دخل الفردفيها يعادل خمسين أو سبعين ضعفاً متوسط الفرد في العالم الثالث، لأن هذه الاكتشافاتمكنت مجتمعاتها من الاستفادة بكل شئ في الطبيعة، الهواء، الماء، أمواج البحر،وكل ما كان يهمل من الفوائض أو النفايات الخ.. فضلا عن أن المنتجات الآليةأعلى بمراحل من المنتجات الزراعية ووصلت هذه الآلية إلى أعلى مستوياتها فيالكمبيوتر ووسائل الاتصال وبهذا أستحوذ الغرب على ثروات العالم الثالث بفضل العلم بعد أن كان قد إستحوذ على ثرواته بحكم الإستعمار فالتحدي الأول للعصر الحديث (القوة) سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، وهو أكبر التحدياتأثرا وقد حدث نتيجة لتطبيق العلم على العمل ولاعتبار الأبحاث أكثر الأعمال استثمارية وربحية، فبقدر ما يتفق عليها بقدر ما يعوض هذا الاتفاق أضعافا مضاعفة أما التحدي الثاني الأدبي والمعنوي فهو (الحرية) وهو لا يقل تأثيراً عن الأول لأنه يمس إحدى المقتضيات الضرورية واللازمة لتقدم المجتمعات والحفاظ على كرامة الإنسان وهناك عوامل عديدة أدت إلى بروز الحرية في المجتمع الغربي واعتبارها إحدى القيم الرئيسية في حضارته، ولكن يمكن التركيز على ظهور المطبعة في وقت مبكر ( قرابة سنة 1450 ) ولو في صورة بدائية للغاية، وقد تقدمت المطبعة خلال مائة عام وبدأتفي إشاعة الثقافة بين الناس ومن المفارقات أن النهضة العلمية الفكرية، وكذلك فكرة تطبيق العلم على العمل، كانا من الأفكار التي قدمها الإسلام للغرب وقامت عليها حركة الإصلاح الديني من ناحية والثورة الصناعية من ناحية أخرى، وكان يمكن أن تنهض بالشرق لولا الحكم الاستبدادي الذي وأدها > فقد قدم الإسلام للمصلحين المسيحيين فكرة استبعاد الكنيسة، ورفض وجود وسيط بين الإنسان والله، والبساطة في المساجد وأداء الشعائر، وعدم عصمة " رجال الدين" حتى فكرة القضاء والقدر التي كانت أحد محاور كلفن، ولوثر وبقية دعاة الإصلاح الديني الذي حرر المجتمع الأوربي من سيطرة البابوية وكفل انتصار المصلحين وأحرار الفكر الذي كانت الثورة الفرنسية سنة 1789 إيذانا به. كما قدم جابربن حيان والخوارزمي وأبن الهيثم وإبن سينا، والبيروني، والزهراوي الوسائل التجريبية في العلوم وتطبيق العلم على العمل الذي قامت على أساسه الثورة الصناعية وأخذت مسيرة الحرية تتقدم يدفعها التطور العام ودعوات المصلحين فاكتسبت حق المعارضةالسياسية وتكوين الأحزاب وحرية الصحافة والنشر ثم لحقت المجموعات المحرومة من الحقوق كالعمال الذين كونوا نقابات حمتهم من الاستغلال الرأسمالي وكالنساء اللاتي كون هيئات كسبت لهن حق المشاركة في العمل السياسي بما في ذلك حق الترشيح، وكانت المرأة قد زحفت على مجال العمل مدفوعة بالرأسماليين الذين زجوا بها في المصانع لمنافسة العمال الأشداء، وأوجد انتشار التعليم وجعله إجباريا في المراحل الأولى جمهوراً واعياً، قارئاً، وعرضت شاشات التليفزيون على شعوب العالم الثالث صورة لحرية المجتمعات الأوربية وثمراتها اليانعة، ومظاهرها في المجالات السياسية الاجتماعية والاقتصادية وتأصلت
الحرية بمعنى " حرية الآخر " في صميم
المجتمع الأوربي - بالنسبة للأوربيين- إلى
الدرجة التي تسامح المجتمع الأوربي في ظهور
عديد من المناشط كانت تعد شذوذاً
وانحرافاً، وإشباعاً لشهوات وتحقيقا لما
تهوى الأنفس دون أن تتحرك الحكومات لكبحها
تاركة إياها للتطور ومعتبرة إياها ثمنا
لابد من دفعه للحرية وأنه إذا جاز التدخل
هنا، فيمكن لهذا التدخل أن يتطرق إلى مجالات
أخرى بحيث تتهدد الحرية
هذان التحديان.. القوة العسكرية الباطشة التي تخضع كل دول العالم وتبقيها تحت سيطرتها،والحرية الطليقة بكل مظاهرها وتجلياتها.. هما أبرز التحديات التي أصبحت تحاصرعالم الإسلام ولا يجد سبيلا للتحرر منها، دع عنك الانتصار عليها فلا يمكن بالوسائل التقليدية أن يتوصل إلى ما توصلت إليه أمريكا من قوة باطشة... كما تتملكه الحيرة أمام الحرية ما بين الإعجاب بها، والخوف منها، لأنها من المحتمل أن تؤدي - رغم مزاياها - إلى أن تهز ثوابته وتزلزل قواعده، والأديان بصفة عامة دعوات يغلب عليها الحفاظ والثبات وقد يبدو أن التحدي الأول - تحدي القوة - يضع الدعوات الإسلامية أمام باب مسدود أو جدار مصمت، وأن التحدي الثاني يشيع فيها الحيرة والقلق والتذبذب. ولكن الإستراتيجية الرشيدة للدعوة الإسلامية ترى نفسها قديرة على التصدي لهذين وإذا كنا قد تحدثنا عن هذين التحديين بنوع من الإسهاب الذي يكشف عما فيهما من صلابة وقوة فذلك لضحالة الإحساس بهما في نفوس معظم الدعاة، وأن موقفهم يتفاوت مابين تجاهلهما أو تقليل أثرهما والإسهاب في عرض نقائص الحضارة الأوربية وهي نقائص موجودة بالفعل، ولكن الحضارة الأوربية التي توفر لها العلم والحرية تصمد لهذه النقائص لأن الحرية تكشفها، والعلم يعالجها، وهذا ما لم يكن متوفراللحضارات السابقة التي أدت نقائصها دون توفر العلم والحرية - إلى انهيارها أما كيف يمكن أن نجابه هذين التحديين فهذا ما تكشف عنه إستراتيجية الدعوة الإسلامية في الصفحات التالية |
||||||
|
|
||||||
|
أولا : الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تكون إستراتيجية تثوير وبناء جديد أ - قامت الدعوات الإسلامية المعاصرة بفكرة الدفاع عن الإسلام وإبراز محاسنه الخ والإسلام محفوظ بحفظ الله، والدفاع عنه مهمة المفكرين والكتاب. أما الدعوات الإسلامية فليست مهمتها الدفاع عن الإسلام ولكن إنهاض المسلمين وهي المهمة التي لم تتصدر لها، وكانت النتيجة حدوث فراغ وانعدام وجود الدعوة الإسلامية الحياتية، الشعبية وتركيز الدعوات الإسلامية جهودها للدفاع عن الإسلام، وليس العمل لإنهاض المسلمين كان أمرا طبيعياً منها لأن إنهاض المسلمين يتطلب أن تأخذ الدعوة الإسلامية طبيعة عملية ثورية حيوية، ولم يكن لدى الدعوات الإسلامية لا الشجاعة ولا التأصيل النظري لثورة التغيير الإسلامية ب- النظم الحاكمة القائمة مترهلة ومتضاربة فضلا عن فسادها، وقيام معظمها على وسائل ديكتاتورية مفروضة على الشعوب وتربطها بالقوى الدولية تحالفات أريد بها الحماية المتبادلة كما أن المؤسسة الدينية اصطنعت بحكم وضعها وللأسباب التي أشرنا إليها في المدخل موقف الحفاظ على الوضع القائم ومقاومة كل جهود التغيير ج- لا يملك إرادة وقوة التغيير على أساس نظري متكامل إلا النظرية الماركسية والدعوة الإسلامية وقد تهاوت الأولى لفقدانها الحرية بينما عجزت الثانية عن الفعالية لتجمدها وتقوقعها وفقدانها التفكير والتعامل مع المستجدات د- بحكم التاريخ الذي
جعل الدين جذر الحضارة في هذه المنطقة، حتى قبل الإسلام
ولأن اللغة
العربية لغة الفكر - هي لغة القرآن الذي حماها من الإذابة في اللهجات
الإقليمية، ولأن القيم التي غرسها الإسلام هي التي كونت وجدان شعوب المنطقة.
فلابد لاستراتيجية النهضة أن تكون إسلامية وأي استراتيجية أخرى ستكون غريبة
مستوردة، ولن تلمس نبض الشعب ولن تتجاوب معها الجماهير العريضة
هـ- وهناك عامل آخر
يفرض " الإسلامية " على الاستراتيجية هو أن غول العولمة وقواه الكاسحة
من مال
أو سلاح يمكن أن يدمر شخصية الأمة تماما ويذيبها ليعيد صياغتها كما يشاء
الإسلام وحده هو الذي يقوى على
صد هذه الغائلة - وليس هناك بديل فالاشتراكية، والقومية العربية، والوطنية
كلها تهاوت كبيوت من ورق، ولا يمكن أن نجد كتابا كالقرآن، ولا أسوة كالرسول
ولا كوكبة من القادة كالصحابة فضلا عن ذكريات وجهود وعلماء وشهداء على مدار
ألف وأربعمائة عام، وليس مطلوباً ولا هو مستطاع أن نمحو الذاكرة التاريخية
للأمة، أو أن نبدأ من فراغ أو أن نستجدي النظم، فهذا كله عبث. الإسلام وحده
هو الذي يمكن أن يقف أمام خطر إذابة العولمة
و- وقضية التنمية التي
هي التحدي الأول أمام الدول الإسلامية لا يمكن أن تحقق إلا باعتبارها
معركة
حضارية إيمانية يعبأ لها الشعب باعتبارها الصورة الحقيقية للجهاد. والإيمان
الإسلامي هو القوة الرافعة التي ترفعها من أرض المكاتب والقواعد إلى سماوات
الإنجاز، والطاقة المجانية التي تكفل لها دوام العمل ولن يتوفر هذا إذا قامت
الحكومات والخبراء، والفنيون أو أعتمدت على الإعانات والاستثمارات والقروض
وسياسات البنك الدولي فهذه كلها تربطها بالعولمة وتخضعها لمصالح الدول الكبرى
والمؤسسات العملاقة
أ- يشترط في هذا الفهم
أن يكون إسلاميا أصيلا لا يقوم على التلفيق أو التطويع ويبرأ من الأثر
الاعتذارى
أو التبريرى وأن تتوفر له في الوقت نفسه الفعالية إزاء التطورات
والمستجدات وتحديات العصر كموضوعات المرأة والفنون والعدل والنظم السياسية
والاقتصادية وحرية الفكر وحقوق الإنسان وكرامته الخ
ب- لا يمكن
التوصل إلى هذا الفكر وبلورته إذا وضعنا كمرجع لها الفكر التراثي كائنا ما
كان
والمصدر الوحيد الذي يسعفنا هو القرآن الكريم ومن ثم فإن هذا الفكر يجب
أن يكون له منبع وحيد هو القرآن ومصب أخير هو الإنسان ووسيلة هي تثوير
المجتمع
ولا يعنى هذا استبعاد السنة،
لأن مرجعية الرسول منصوص عليها في القرآن. فالأخذ بها أخذ بالقرآن، وإذا كان
الإسلام قد كتب بحروف القرآن فإن السنة هي النقط على هذه الحروف ولا يمكن فهم
الكلمات دون النقط، ولكن النقط أيضا محكومة بالحروف نفسها التي لا يمكن
بغيرها أن يكون للنقط معنى فالسنة مبينة وليست منشئة أو مغيرة إلا على سبيل
الاستثناء
والرسول في هذه الاستراتيجية
هو بتعبير القرآن " أسوة " المؤمنين جميعا، وعلى نقيض ما يرى الفقهاء
التقليديون، فإن ما وضعه الرسول لسياسة الحكم قد يكون أهم وأبقى مما وضعه من
تفاصيل الشعائر
ج- لابد أن يكون هذا
الفهم شاملا لكل جوانب المعرفة الإسلامية من فقه وحديث وتفسير
وأن ينبع عن
نظرية واحدة بحيث لا يوجد تنافر أو تضارب في أجزائها، وأن يتسم بطابع
الانتهاض والتفاؤل والقدرة على التغيير والوصول إلى الأهداف التي تحقق الحياة
الكريمة للجماهير العريضة للشعب وأن ينهى الفصام التقليدي ما بين الإسلام
والإنسان. الدين والدنيا، وتحريم الفنون والآداب والعزوف عن جعل الاستمتاع
بطيبات الحياة الدنيا هدفا من أهداف الدعوة الإسلامية. إن الحياة في سبيل
الله لا تتنافى مع "الموت في سبيل الله" بل لعلها أن تكون الطريق إليه
- ومن القسمات الرئيسية
في هذا الفهم إنقاذ الفكر الإسلامي من المنطق "الصوري الطقوسي" إلى عالم
الحياة وإبراز القيم الحضارية من العلم والعدل والعمل والحرية التي هي في
الحقيقة لب الأديان، وبوجه خاص الإسلام
-
ومن القسمات
الرئيسية في هذا الفكر الإيمان بحرية الفكر والاعتقاد إلى آخر مدى " فمن شاء
فليؤمن، ومن شاء فليكفر
- ومن القسمات الرئيسية
في هذا الفكر أيضا تحرير المرأة المسلمة من القيود التي فرضها الفقهاء
وعزلوها بها عن الحياة
أن تتغير بها صورة الحياة الواقعة، بل تقلب الأوضاع الدولية رأسا على
عقب، ويكون ذلك بأن يوضع كهدف إستراتيجي التوصل إلى طريقة استخدام الطاقة
الشمسية استخداما تجاريا " ولن يعجز العلماء والمسلمون عن التوصل إلى ذلك،
وسيعيد هذا مراكز القوة في أوربا إلى البحر الأبيض المتوسط ( كما كانت قبل
الثورة الصناعية ) وستغرس الحياة الكريمة والنور في القارة التي أطلقوا عليها
القارة المظلمة، وستصبح الصحراء الكبرى التي تماثل مساحتها الولايات المتحدة،
وتزيد مزارع ومصانع، ومدن تكفل الحياة الكريمة لكل أبنائها
وإذا حق لأوربا أن تفخر بالعدد
الكبير من العلماء والمكتشفين والمخترعين، والفنانين والفلاسفة فإن
الاستراتيجية الإسلامية تبرز دور " الأنبياء " الذين أنعم الله على الشرق
بهم، وكيف كانوا القادة الذين هدوا الشعوب والجماهير إلى الحياة الرضية
الخيرة، وإلى ما قامت به الأديان من تعميق الضمير، وإرساء القيم وتنظيم
المجتمع وهذا كله يعدل، ويفوق ما أنجبته أوربا من نوابغ
وفي حقيقة الحال فإن المؤمنين
بهذه الاستراتيجية لا يمكن أن يتطرق إليهم شعور بالدونية، أو أن يصابوا
بانبهار لأنهم يؤمنون أن الحضارة التي يدعون إليها أفضل من الحضارة الأوربية
في جوانب رئيسية فالإنجاز الأعظم للحضارة الأوربية هو في "الأداء" وطريقة
الصنع والإنتاج والتعامل وسرى هذا في عروق هذه الحضارة بحيث غلبت عليها
الشكلانية " إلى درجة أصبحت تعتبر كل من لا يأكل بالشوكة والسكين ويلم
بأتيكيت المائدة همجيا متخلفا حتى إن كان لديه الصدق، والإخلاص والعدالة
والعقل والذكاء الخ.. فاستراتيجية الدعوة الإسلامية أبعد عن أن تؤخذ بالحضارة
الأوربية، أنها تعمل فيما تعمله - لإصلاح نقص الحضارة الأوربية المميت، ألا
وهو ابتعادها عن عالم الروح والقيم
وفي الوقت نفسه فإن عناية
الاستراتيجية بتحقيق الطاقة كأداة لتطوير المجتمع سيخلص المجتمع من التخلف
المادي حتى وإن ظل تقدمه أقل مما وصل إليه الغرب، وهو شيء لا تأسى عليه
الاستراتيجية - بل إنها ترى أن كبح جماح الاستهلاك وتقييد تعدد الاحتياجات
وإشباع كل ما تهوى الأنفس هو أمر مطلوب - وأن عدم وجوده في المجتمع الأوربي
سيكون في النهاية من أكبر مشكلات هذا المجتمع فالتخمة يمكن أن تكون قاضية
كالمجاعة
هـ. سيكون من الضروري
لهذا الفهم أن يجابه بقوة وصراحة بعض معالم ومقومات الفكر الإسلامي
التقليدي
مثل التفاسير وجنايتها على روح القرآن، والسنة وضرورة ضبطها بمعايير القرآن
وإحلال فقه جديد محل الفقه التقليدي السلفي، وبصفة عامة تجاوز التراث واعتبار
أن جذر الفكر الإسلامي الحقيقي والأصيل هو القرآن الكريم وهو محور هذه
الاستراتيجية ولا يجوز أن يفتات عليه أو يحل محله وكيل هو التراث
و. لابد من صياغة
مفردات هذا الفهم في كتابات سائغة، بأسلوب مفهوم بعيد عن التعقيد الأكاديمي
والتفقيه التقليدي، تفنّد كل ما يوجه إليها من اتهامات أو ما يحيط بها من
شبهات، وتنتهي إلى النتائج المنشودة
على أن لا يمس هذا درجة
الإحكام والأستاذية التي يجب أن تتوفر في مراجع لنظرية جديدة أو استراتيجية
شاملة
&&&
عندما يتم
التوصل إلى هذا الفهم الجديد المنشود والذي يمثل الأساس النظري للاستراتيجية
يمكن الانتقال إلى طريقة تحويل الفكر إلى عمل، والنظرية إلى
سياسة PoIicy مع التنبيه إلى مخاطر الانتقال من الفكر إلى العمل
قبل استكمال الجانب النظري واستيعاب الجماهير له
ثالثا : طرق التغيير وهي :
ـ
أ - التغيير الثوري
بانقلاب عسكري كالذي حدث في سوريا والعراق وكانقلاب 23 يوليو في مصر
ب - التغيير التدريجي
بالحكمة والموعظة الحسنة بحيث يمكن التوصل إلى تغيير الرأي العام
واكتساب
رأي
عام جديد ومثاله في العصر الحديث الجمعية الفابية
في إنجلترا في أواخر القرن التاسع عشر
التي أسسها لفيف محدود جدا (خمسة أو ستة) من ذوى
الاتجاه الاشتراكي واستبعدوا لوثاته وعملوا لإذاعة هذا الفكر بالنشر أساسا
ونجحوا بحيث استطاع حزب العمل سنة 1945 أن يحقق ثورة اجتماعية دون حاجة إلى
الشرعية الدموية المزعومة للثورات
كما يمكن أيضا دراسة سياسات
ووسائل التبشير بالمسيحية والشخصيات البارزة في الفكر المسيحي مثل القديس بول
واجنازيو دي ليولا وفرانسيس الأسّيزى وسان فنسان دي بول وقيادات الكنيسة
الأرثوذكسية في مصر التي قاومت الاضطهاد البيزنطي، بالاختصار القيادات التي
قامت بالتبشير بالمسيحية داخل أوربا ونشرتها خارجها وكانت وسائلها التبشير
والنشر والمدارس. وقد كانت هي التي جعلت معظم زعماء وحكام أفريقيا مسيحيين
لأنها أدخلتهم أطفالاً في مدارسها ونصّرتهم وكانوا قبلا مسلمين أو وثنيين
ولا يجوز المضاءلة من
أثر هذه الوسيلة في المدى الطويل، وبعيدا عن الأضواء. إن نصف النخبة رجالا
ونساء في المجتمعات العربية تقريباً تعلموا في مدارس الراهبات أو الجزويت
الفرير لأن أهليهم أرادوا أن يرسلوهم في بعثات وكان لابد من إحكام اللغات
الأوربية، وفي حالة الإناث، فإن هذا اعتبر علامة من علامات التقدم. وكان
للجامعة الأمريكية في بيروت، ثم في القاهرة ولكلية فكتوريا في الإسكندرية أثر
بالغ على تكوين الشبيبة التي تلي المناصب وتضع القرار
وفي تاريخنا الإسلامي
فإن الطرق الصوفية والتجار نشروا الإسلام في الأطراف القاصية من العالم في
إندونيسيا والملايو والصين والفيلبين وأدغال أفريقيا، وقد أثمرت دعوتهم في
الوقت الذي اندثر الإسلام من بلاد فتحت بحد السيف وظل المسلمون فيها ثمانية
قرون كالأندلس
وهناك هيئة إسلامية
معاصرة مثالاً في التعريف بالإسلام هي هيئة التبليغ التي تحدثت الصحف
والإذاعة البريطانية من مؤتمرها العام في الأيام الأخيرة من يناير سنة 2000
وقدر عدد من حضره بمليونين وقيل أنه أكبر تجمع إسلامي بعد الحج وفكرة التبليغ
رغم وعورة وصعوبة القيام بها ( لأنها تتطلب عادة السفر إلى أقطار بعيدة
للتبليغ بالإسلام ) من أنجح الدعوات لأنها بسيطة وسائغة والنقص الرئيسي أن
القيام بها يدور حول التعريف بالشعائر من صلاة أو صيام. والدعوة الإسلامية
عندما تنفصل عن روحها تصبح مجرد طقوس ولو بلغ دعاتها روح الإسلام لأسهمت إلى
حد كبير في النهضة بالمسلمين وكل من تبلغهم هذه الدعوة
كما يجب دراسة قيادات الفكر
الاشتراكي ماركس وانجلز وروزا لوكسمبرج ولينين وتروتسكى والقيادات التي نشرت
الفكر الاشتراكي في مختلف دول العالم والمشكلات التي عانوها والمآزق التي
تعرضوا لها، الخ
ج - العمل السياسي
بتكوين حزب والوصول للحكم، ويمكن لهذا الحزب أن يتقلد الحكم بطريقة
ديمقراطية
( حزب العمال في بريطانيا سنة 1945 ) أو بطريقة انقلابية ( حزب النازي والحزب
الفاشي في ألمانيا وإيطاليا )
الوسيلة الثانية ( ب ) أي
التغيير التدريجي للرأي العام واكتساب رأي عام جديد هي الأمثل
لأنها
تبرأ من مخاطر
الديكتاتورية العسكرية، والانتهازية الحزبية
تكفل الإيمان الحقيقي
الذي لا يتأتى إلا بتعميق الفكر
تتفق مع الإسلام الذي
يعنى بإصلاح الفرد - قبل وأهم - من إصلاح الأوضاع وتتبع تكتيك " المرحلة
المكّية - مرحلة العقيدة- قبل المدينة ومرحلة الشريعة
مع أنها تتطلب وقتا
طويلا، وعادة ما لا تكون لها " الجاذبية الثورية " فإنها آمنة، ولا يمكن أن
تتسبب في مثل نكسة 67 التي أخرت العرب مائة سنة أو في تراجيديا " أم المعارك
" وموبقات الشرعية الثورية المزعومة كما تكفل البعد عن هستيريا الجماعات
الإسلامية التي تتصور أنه يمكن بالعنف إقامة الدولة الإسلامية
ولكن لما كان الأسلوب الإصلاحي
التدريجي الذي ستنهجه الاستراتيجية سيؤدى بروح ثورية نتيجة
تثوير إنها ثورة الكلمة التي تريد
أن تعيد مرة أخرى ما قالته عائشة فتحت المدينة بالقرآن" دون حاجة إلى قتال
أو دماء إن المناخ الإنتهاضى
الروحي المطلوب هو ما يثمره تثوير القرآن - هذه العملية التي تبرأ من لوثات
الثورات الأوربية وتخلص في الوقت نفسه من مثبطات الإصلاح التدريجي
وفي الوقت نفسه فمن المهم
إبراز أفضلية الأسلوب "الدعائي / الجماهيري" الذي أشرنا إليه آنفا على
الأسلوب "الثوري / السلطوي" وما يحيط بالسلطة من مغريات ومفاسد في الأفراد،
وعلى التطبيق. وان الحكم بوازع السلطان لن يثمر إلا الديكتاتورية البغيضة،
ولابد أولا من إيمان القاعدة العريضة للجماهير
إذا أمكن بلورة النظرية خلال
بضعة أعوام وهو أمر ممكن بفضل الكتابات المتاحة بالفعل والتي تكون الأساس
النظري للاستراتيجية المنشودة وما يستجد من كتابات أخرى مكملة فيمكن تكوين
هيئة مماثلة للجمعية الفابية تكون مهمتها نشر وإذاعة هذا الفكر واستخدام كل
الوسائل الحديثة للنشر والإذاعة والتعريف كالأشرطة والتليفزيون والإنترنت
الخ
بحيث يمكن خلال عشرين سنة تهيئة رأي عام يعمل بقوة وإيمان للمشروع
الحضاري الإسلامي. ويمكن عندئذ للهيئة أن تؤسس من داخلها حزباً ينفصل عنها
بمجرد تكوينه ليقوم بالتطبيق خلال الحكم بوسائل ديمقراطية. وتبقى الهيئة
لتراقب حزبها حتى لا ينحرف وتزوده بالعناصر المؤمنة ولتآزره عند الحاجة
ولكنها تظل في جميع الحالات هيئة دعوة ولما كانت دعوة الإحياء
الإسلامي قد بدأت بالفعل في بلورة النظرية، فإن الجزء الأعظم من "طرح
الاستراتيجية" يكون قد تم ولو في مرحلة أولية، ويبقى بعد ذلك العمل والممارسة
التي ستصقل التنظير وستكشف عن نواحي الكمال أو القصور، وما يجب أن يضاف، وما
يحسن أن يحذف، حساب الأولويات، الخ
وهو ما لا يتضح تماماً إلا بالعمل
الميداني ووسط الجماهير الذي ستمارسه دعوة الإحياء الإسلامي وما يكشف عنه هذا
العمل من أولويات أو تعديلات
|
||||||
|
||||||
|
لابد لوضع الاستراتيجية المنشودة من توفر مراجع تستند إليها، وتعصمها من الانزلاق، وتعرفها على الأبعاد العديدة للقضية، وأهم من هذا كله تكسبها الوقت الثمين، لأن هذه المراجع تمثل أعمارا تبلورت في صياغتها، ومعارف موسوعية ومواهب تميز بها بعض مؤلفيها، فإذا لم تكن موجودة، فلابد من العكوف لوضعها سنوات طوال ثم لا تكون ضرورة بالمستوى المطلوب من المسلم به أن المكتبة الإسلامية هي أوسع المكتبات العربية، وأن وراءها تراثا ضخما من المراجع التي اعتبرت الأسس التي قامت عليها العلوم الإسلامية الأساسية - أعني الفقه - والتفسير الحديث وليس المجال مجال نقاش ومناظرة حول أهميتها بالنسبة لاستراتيجية جديدة، فواضح بالطبع أن كتب التراث هي أساس الوضع القديم، وأنها بالتالي وبحكم الطبيعة لا تصلح، أو على أحسن الأحوال، لا تكفي لاستراتيجية جديدة ورأينا الخاص أنه لم يعد لدينا وقت أو جهد لاستخلاص
الاستراتيجية الجديدة من هذا الكم المتعالي من المراجع - فضلا عن تحفظاتنا
الأخرى العديدة على نوعية هذا التراث
وصلاحيته المراجع والكتب التي وضعها أئمة النهضة الإسلامية الحديثة من جمال الأفغاني حتى الآن تتضمن بلا جدال أفكاراً تسهم في الاستراتيجية الجديدة وبالذات من كتابات جمال الأفغاني ومحمد عبده، ولكن الدعوة الإسلامية الحديثة، لأسباب لا يتسع لها المجال - انتكست شيئا ما.. بحيث عادت إلي الإطار السلفي سواء في هذا دعوة الإخوان المسلمين أو دعوات الجماعة الإسلامية على اختلافها (الجهاد - القطبيون الخ..) وأصبحت داعية للإطار السلفي وبقدر ما تتعمق كتابات منظري هذه الجماعات بقدر ما تصدق هذه الحقيقة كما تظهر بوجه خاص في كتابات السيد أبو الأعلى المودودى والشهيد سيد قطب وقد يكون أقرب الكتابات إلى فكرة الاستراتيجية كتاب إقبال " تجديد الفكر الإسلامي " ( مع بعض تحفظات ) وكتابات النمساوي المسلم أسد " ليوبولد زيف " وهي في الصميم ولعلها الأفضل، وكذلك محاولات الجزائري مالك بن نبي. كما أن للدكتور حسن الترابي وعزت بيجوفتش والشيخ راشد الغنوشي والدكتور فتحي عثمان والدكتور محمد شحرور مساهمات طيبة واستطاع الشيخ يوسف القرضاوي باجتهاداته ومرونته أن يوسع في إطار الفقه السلفي إلى آخر مدى يحتمله هذا الإطار، ولما كان فقه دعوة الإحياء هو خارج هذا الإطار، فقد يمكن أن يكون ما انتهى إليه هو نقطة البداية أو خط التماس مع دعوة الإحياء وإن كان هناك اختلاف في المنطلق الأصولي يلقي بظله على الدعوتين ووضع كثير من كبار الكتاب كتباً إسلامية، وإن لم تكن في موضوع الدعوة بالذات، ولكنها بالطبع مفيدة مثل إسلاميات العقاد وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وخالد محمد خالد، والشيخ محمد الغزالي ويجب كذلك الإطلاع على كتب الشيخ محمد أبو زهرة والشيخ خلاف وغيرهم من أساتذة الفقه لأنهم قاموا بدور مشكور في تبسيط الفقه وتقديمه بصورة سائغة أما كتب المستشرقين فليست مفيدة إلا للتعريف على أفكار أصحابها، والإفادة من طريقتهم في التنهيج، ومن المؤكد أن معظمها يخالف الفكرة الإسلامية ويستهدف إثارة الشكوك فيها، ولكن هناك مجموعة محددة متجاوبة مثل إدوارد سعيد، وأنّا شيمل الألمانية وبالطبع فإن كتب جارودي وهوفمان الخ.. تعرض وجهة نظر جديدة وتمثل إضافة من الضروري التعرف عليها تظل الحقيقة أن هذه المراجع كلها لم تستهدف وضع
استراتيجية، لأن الحارس القوى للفهم التقليدي والإطار السلفي حال دون وضع أسس
استراتيجية تجابه تحديات العصر، وهذا الحارس
وهذا الأمل الطموح والإنجاز المرموق هو ما خص الله تعالى به دعوة الإحياء الإسلامي فتصدت له، وأصدرت " نحو فقه جديد " في ثلاثة أجزاء عالجت فيه أهم القضايا الفقهية وأرست أسساً جديدة للشريعة تختلف شيئاً ما عن الأصول التقليدية التي أجمعوا عليها وقد تصور البعض أن دعوة الإحياء الإسلامي ليست مؤهلة لمثل هذا العمل الفريد لأنها غير متخصصة في الفقه. وفاتهم أن هذا نفسه هو الشرط الرئيسي الذي كان لازما لفقه جديد. فما يمكن للمتخصصين التفكير في فقه جديد. ولكن يمكن أن يحكموا دقائق وتفاصيل الفقه الذي تخصصوا فيه، ولا يعنى تخصصهم إلا هذا، وهو ما يحول بينهم وبين الخروج إلى آفاق جديدة. بل هو يزيد ارتباطهم بفقههم القديم وما ينطبق على دعوة الإحياء الإسلامي هنا هو ما قيل على الإمام حسن البنا رحمه الله " كان الأستاذ البنا خطيبا وكان في الإخوان من هو أخطب منه، وكان فقيها وكان في الإخوان من هو أفقه منه، وكان مفسراً وكان في الإخوان من هو أعلم بالتفسير منه، ولكن لم يوجد في الإخوان أو غير الإخوان من يجمع أطراف هذه كلها وغيرها بالقدر المطلوب حتى يمكن أن يبدع " الإخوان المسلمين وهم يريدون أن يقسموا رحمة ربك وأن يخصوا بها أنفسهم أو أصحاب الجاه والمال والمشيخة. أو المؤسسة التي ادّعت لنفسها احتكار التفسير والتأويل، التحريم والتحليل ويأبى الله "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون |
||||||
|
&&& |
||||||
|
المهم. أن صدور " نحو فقه جديد " لما كان في حقيقته تجديداً جذرياً في فهم القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما " الأصلان العظيمان " للإسلام، فإنه أفسح الطريق أمام الإستراتيجية المنشودة لتضع منطلقاتها. وفي الوقت نفسه، فإن هذا المرجع بالإضافة إلى المراجع العديدة التي سترد عند الحديث عن دعوة الإحياء الإسلامي حلت مشكلة المرجع
|
||||||
|
|
||||||